|
||||||
| Updated: الاربعاء, آب 17, 2005 12:39 م | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
جورب رجالي دخل غرفة الحسابات مسبوقاً، بأحلام وبأوهام وتخمينات... مضت رؤوس نساء الغرفة الخمس، تلوكها في اليقظة والنوم لسبعة أيام كاملة هي الفترة التي مرت على سماعهن خبر تعيين رجل جديد في الشركة سيداوم في الغرفة نفسها التي مضت سنوات طويلة من حياتهن الوظيفية لا يشاركهن فيها رجل. تأففن.. تأودن... تنعوصن... طوال تلك الأيام التي أعقبت سماعهن الخبر وامتدت لتتصل مع ذلك اليوم الذي باشر فيه المحاسب الجديد عمله المنتظر في غرفة واحدة مع خمس نساء قضين حياتهن وهن خمس نساء في غرفة واحدة لا يشاركهن فيها رجل. ولم تكن تلك التخمينات قداتخذت طابعاً مستقراً في الأيام الأولى لانطلاق ذلك الخبر في أروقة الدائرة.. لأن تفكير الموظفات الخمس انصرف في البداية إلى استعجال شراء أشياء طال تأجيلها، وكادت أن تنسى وتستبعد من قائمة الضروريات في زحمة المشاغل والاحتياجات اليومية لولا أن نفض عنها ذلك القادم الجديد الرماد فجأة وجعلها تتوهج مرة أخرى على شكل أقراط جديدة وأقلام أحمر شفاه وأسورة تطقطق بصوت مسموع أثناء رفع اليدين أو تحريكهما في أي اتجاه. ولما تأخر ذلك القادم الجديد بالمباشرة وانتهت تلك الاستعدادات الأولية لاستقباله، أملت حالة الانتظار التي أصبحن عليها، سحابات من الشرود تأخذهن أحياناً من الأرض إلى السماء وترفعهن بأحلام وخيالات عن شكل ولون واسم ذلك الرجل المنتظر. توقعته (آية) أمينة الصندوق أشقر بعينين زرقاوين. وتوقعته (باسمة)، أمينة المخزن نحيلاً طويلاً بعينين عسليتين. وتوقعته (نجوى) أمينة لجنة المشتريات أسمر مربوع القامة مجعد الشعر وتوقعته (سميرة) كاتبة الطابعة عملاقاً بشعر أسود وعينين سوداوين أما (راجحة) مديرة الحسابات، وكانت أكبرهن سناً، فقد توقعته عريض المنكبين بعينين واسعتين وشاربين مديدين. وعندما تردد وقع خطواته على الممر المؤدي إلى غرفة الحسابات في الشركة، لم يكن يخطر على بال أحد سواهن أن تلك الخطوات القوية الواضحة تعود، بطريقة أو بأخرى، لأقدام واحد من خمس كبار نجوم السينما المصرية، وأكثرهم وسامة هم على التوالي: حسين فهمي، وهشام سليم، وأحمد زكي، وعزت العلايلي، وعمر الشريف. قال مدير الإدارة والذاتية وهو يقدمه إليهن على عجل فور دخوله إلى الغرفة: ـ أحمد.. المحاسب الجديد... كلمات المدير كانت أشبه، بطريقة إلقائها، بالإِخبار العاجل عن بشرى وصول دجاجة إلى الأسواق المركزية... وتلك الطريقة في الكلام كانت قد تمكنت منه لكثرة ماكان يدور بين غرفة الموظفين ليعلن، مابين الحين والآخر، عن وصول قنينة زيت أو علبة حليب أطفال أو بضعة كيلو غرامات من الطحين الأبيض. وفي كل مرة تصل فيها سلعة جديدة إلى الدائرة لم يكن بدافع إنسانيته وطيبته الشديدتين، يقبل أن يقوم أحد غيره بالتبليغ عنها، يفعل ذلك ليتأكد بنفسه من أن تبليغه قد سُمع بشكل جيد من هذا الموظف أو ذاك، ويرى بعينيه كيف ترتفع الوجوه إليه بالاهتمام والغبطة لهذا الخبر السعيد، عندئذٍ يعيد تبليغه كاملاً بالمعلومات المطلوبة ويحث الموجودين إلى الإسراع في التسجيل على تلك السلعة الجديدة وتسديد الحساب عنها فوراً. قال مدير الإدارة والذاتية، وقد صوبت الوجوه الخمسة نظراتهم إليه باهتمام: ـ أحمد عبد الكريم... المحاسب الجديد... ثم ذهل قليلاً وكأنه ينتظر أن تسدد لـه إحداهن الحساب عن سلعة ما أو أن تسأله عن السعر أو الكمية أو تاريخ الصلاحية. وعندما عثر على نفسه مرة أخرى، قال، غير متأكد من أنه يقول الشيء الصحيح في المكان الصحيح والزمان الصحيح: ـ وصل تواً. ثم غادر الغرفة على عجل تاركاً المحاسب الجديد يقف فاتحاً فمه بابتسامة عريضة تقترب في شكلها من ضحكة بلا صوت.. كان وسيماً، هذا مافكرت فيه الموظفات الخمس على الفور.. إلا أنه لم يكن ثمة رابطة شبه واحدة بينه وبين أي ممثل مصري فكرن به في الأيام السبع الماضية. عاد مدير الإدارة والذاتية بعد ثوان قليلة وقال وعلى وجهه ضحكة محرجة: ـ نسيت أن أعرفك بزميلاتك الجديدات.. ثم دعاه بيديه القصيرتين إلى مصافحتهن واحدة بعد أخرى وهو يردد أسماءهن بشيء من السعادة والتباهي: ـ راجحة ، سميرة، نجوى، باسمة... آية.. وبعد أن انتهى من تقديمهن إليه دعاه إلى الجلوس على مكتبه وهو ينظر إليه نظرة صقر يغبط صقراً آخر على قن الدجاج الذي وجد فيه فجأة.. فهم أحمد تلك النظرة على الفور فأطرق متهرباً منها لكي لا ينكشف معناها الخفي أمام العيون التي كان بعضها لا يزال مصوباً نحوه حتى تلك اللحظة. تقدمت إليه المديرة وقالت بعد أن انصرف المدير: ـ أهلاً وسهلاً أخ أحمد.. تعيين جديد؟ قال: وقد اتسعت ضحكته من جديد: ـ هل أبدو كذلك؟ لم يرد عليه أحد بجواب. فقال مستطرداً: ـ أنا موظف منذ عشر سنوات تقريباً.. كنت أعمل في دائرة عقارات الدولة... استقلت منها بعد أن سمعت بحاجة هذه الشركة إلى محاسب براتب مغر... قالت (سميرة) كاتبة الطابعة وكانت أصغر قليلاً من مديرة الحسابات: ـ ليس مغرياً جداً. قال: ـ هو أكثر من راتبي السابق بثلاث مرات على الأقل. قالت المديرة: ـ أهلاً وسهلاً بك.. على أية حال. قال وهو لا يزال يضحك: ـ أهلاً بكن.. ثم جلس على كرسيه ووضع حقيبته الصغيرة على المنضدة، وراح ينظر إلى النافذة. فكرت (آية) أمينة الصندوق أن حقيبته الجلدية أنيقة ومصنوعة من جلد فاخر، وأنها لا تشبه تلك الحقائب السوداء الرديئة التي يحملها الكثير من الرجال لوضع سكائرهم ونقودهم وأوراقهم فيها. ثم واصلت تحريك أصابعها على حزمة النقود التي كانت بين يديها وقبل أن تنتهي من عدِّها، فزعت على صوته وهو يطلق صيحة مفاجئة على شكل سؤال ضاحك: ـ شاي؟!.. ثم ضحك بعدها بصوت فعلي وقال معتذراً: ـ آسف... ولكن أين الشاي؟.. هذا هو أهم مكان يجب أن يعرفه الموظف الجديد. ابتسمت الموظفات الخمس لبعضهن البعض وإليه ثم بادرت (سميرة) كاتبة الطابعة إلى رفع يدها لإرشاده إلى مكان الشاي، وقبل أن تفتح فمها قالت (راجحة) مديرة الحسابات: ـ أنت ضيفنا هذا اليوم.. سنعد لك الشاي على الفور... مكتبها أقرب المكاتب إليه... والشاي الذي شربه أحمد ساخناً وخدراناً لتوه، في اليوم الأول، شربه في اليوم التالي مع قطع من البسكويت المطعم بالكاكاو الماليزي وفي اليوم الثالث مع حفنة كرواسات فاخرة الصنع.. وفي اليوم الرابع مع طبق من الكيك المزين بالحلوى ومبروش جوز الهند... ويوماً بعد آخر راح يكتشف أن عليه أن يعفي نفسه من مهمة شراء الشاي والطعام بنقوده لأن هناك من يأخذ الأمر على عاتقه كل يوم ويعده بأطباق الحلويات والموالح للأيام الأخرى، حتى رجح أن هذه الدعوة لا علاقة لها بكونه الرجل الوحيد الموجود بين نساء خمس فحسب، وإنما لها علاقة ببواخر الطحين الأبيض الإماراتي التي كانت تصل إلى موانئ البصرة بين حين وآخر. كان خفيف الظل... يقضي أغلب الوقت صامتاً منكباً على آلته الحاسبة ذات الشريط الأبيض الذي ينزل باطراد متدلياً من خلف مكتبه، ولكنه إذا ما تحدث سبق حديثه بضحكة عريضة توحي بأن ماسيقوله مثير للضحك فتنتقل عدوى الابتسام منه إلى الأخريات، حتى قبل أن يفتح فمه بالحديث فعلاً. (باسمة) أمينة المخزن شبهت تلك الضحكة بينها وبين نفسها بإشراقة مصباح شاحنة يشتعل فجأة في شارع مظلم وقد ذكرت ذلك مرة أمام (نجوى) أمينة لجنة المشتريات فأصبحت (نجوى) كلما رأته يضحك تتذكر أن عليها في الاجتماع القادم للجنة، إدراج مصابيح جديدة للدائرة على قائمة المشتريات تكون هولندية وليست مصنوعة في تايوان أو كوريا أو هونغ كونغ. ضحكته العريضة تلك امتد تأثيرها الساحر ليشمل جميع موظفات الدائرة، داخل قسم الحسابات وخارجه، فأجمعن بشكل غير معلن، على جمالها الأخاذ ومفعولها الآني السريع الذي ينتزع الإعجاب عنوة من القلوب، إلا (آية) أمينة الصندوق، فهي الوحيدة التي لم تكن ترى أن ابتسامته هي أجمل مافيه لأنها كانت تختص برؤية جزء من جسمه لا تدركه الأخريات لأنهن ببساطة لا يرونه ولا يعرفن عن جماله شيئاً ذلك هو ساقه. مكتبها الذي يقع قرب الزاوية التي تقبع فيها خزانة النقود يجاور مكتبه من جهة اليسار، وكان أحياناً يضع ساقاً فوق أخرى وهو يعمل فيرتفع سرواله إلى أعلى ويظهر قرب نهاية جوربه شريط من اللحم الأبيض الطري المغطى بطبقة كثيفة من الشعر الأسود الفاحم. ذلك الشريط كان لآية بمثابة شيء تملكه يخصها هي وحدها لأن لا أحد سواها، وبحكم موقعها الجغرافي ذلك يمكنها اكتشافه أو التحكم برؤيته بذلك الوضوح... ساعدها على ذلك الاكتشاف كونها صاحبة نظرية مختلفة في النظر إلى لطف الرجال وظرفهم ووسامة مظهرهم جعلتها كلما صادفت رجلاً ورأته أنيق الملبس ووسيم الوجه ، نظرت إلى جوربه وحذائه لتتأكد من اكتمال وسامته وأناقته فهذان، برأيها هما الدليلان القاطعان الوحيدات على تهذيب الرجل ولطفه وجماله.. لا ضحكته العريضة المشرقة ذات الأثر السريع الكاذب على كل من يراها. مع ذلك كانت تطرق خجلة أحياناً وهي تراه ينظر إليها نظرة يختص بها الرجال عادة عندما يريدون الإيقاع بقلب امرأة... تلك النظرة التي تجمع في الوقت نفسه، بين الصدق والهيام والبراءة وبين المكر والخبرة، والاحتراف. كانت أصغر من أن تميز تلك المعاني المختلطة عن بعضها البعض أو أن تستقبل كل واحدة منها على حدة وبحذر.. ولا تملك إلا أن تشعر بالسعادة وهو يرسل نظراته إليها بين خلسة وأخرى. وعندما نهض أحمد من مكانه ذات يوم وحمل بيديه قطعة حلوى من الطبق الذي أمامه وقدمها لها وهو ينظر إليها تلك النظرة الهائمة المحترفة.. شعرت على الفور أن في نظرته الجريئة تلك معنى واحداً أحلى من كل قطع الحلوى الموجودة في ذلك الطبق. وفي الساعة الواحدة إلا ربعاً من يوم آخر، والدوام يوشك على نهايته كانت الوحيدة التي تحاشت الكلام عنه عندما غاب في إجازة مفاجئة لثلاثة أيام فكان ذلك فرصة للأخريات للتحدث عنه بشيء من التفصيل والصراحة. قالت (سميرة) كاتبة الطابعة: ـ أنه يشرب الشاي كثيراً. وقالت (نجوى) أمينة المشتريات: ـ أنه يبدو صغير السن. وقالت (باسمة) أمينة المخزن: ـ إن أفكاره غريبة. وقالت (راجحة) مديرة الحسابات: ـ بل أنه مؤدب.. بالغ التهذيب... ثم نهضت إلى مكتبها وسحبت ورقة منه، وقالت: ـ انظروا إلى توقيعه، حتى توقيعه مؤدب. ضحكت الأخريات بقوة.. وتفوهن بكلمات كثيرة ومتداخلة.. وعندما صمتن جميعهن قالت (آية)، وهي تبتسم بخجل: ـ لابد أن يحك قدميه الآن.. لأننا نغتابه. ثم أطرقت تعد النقود بعد أن أخطأت في عدها أكثر من مرة وهي تتذكر نكتة تقول أن النملة طلقت أبا سبعة وسبعين بعد أيام من الزواج منه لأنها ضاقت بغسل الأعداد الهائلة من جواربه... في كل مرة سبعة وسبعين جورباً. ابتسمت مع نفسها وقالت: "ترى ماشكل قدميه؟".. نظرت إليهما ملياً من خلف المكتب ذات يوم فقال من فوره وكأنه يقرأ أفكارها: ـ أتعلمين يا آية كيف أحكم على الناس..؟! قالت وقلبها ينتفض: ـ كيف؟ قال: ـ من طريقة مشيتهم... ليس هناك أفضل من طريقة المشي للتعبير عن البشر... أنها تفصح عن طباع الإنسان على الفور.. مستعجل أم متأن.. خجول أم جريء.. بخيل أم كريم... ذكي أم تافه.. مغرور أم متواضع. نظرت إليه (آية) باستغراب سرعان ما تحول إلى فرح وقد وجدت شيئاً من التطابق بين أفكارها وأفكاره ثم قالت له بعد تردد: "ـ هل هذا ينطبق على المرأة أم على الرجل؟" ـ على الاثنين. المرأة والرجل.... بل إني أستطيع أن أقول أن المرأة تعبر عن نفسها بطريقة مشيتها بشكل أقوى وأوضح من الرجل. قال ذلك بصوت مسموع للأخريات.. مما جعل (باسمة) أمينة المخزن، التي تتأود أكثر من غيرها وهي تمشي، تصطدم بباب الغرفة الموارب وهي تحاول المرور منه إلى غرفة مجاورة. قالت (راجحة) مديرة الحسابات: ـ هذا شيء غير عقلاني يا أحمد... أحقاً تؤمن بمثل هذه المقاييس في الحكم على البشر؟ قال أحمد: ـ وبماذا تؤمنين أنت إذن؟ قالت بحزم: ـ بالعقل طبعاً. فقال ضاحكاً: ـ ياسيدتي الدماغ ماهو إلا شيء مسكين.. إذا تثاءب أحد ما أمامه تثاءب بعده على الفور. ضحكت الأخريات إلا هي......إذ لم تشأ أن تبدو مهزومة فقالت ساخرة: ـ وأنت بماذا تؤمن؟ فقال على الفور: ـ أومن بالقلب. ثم أضاف مبتسماً بمكر وهو ينظر إليها مسترضياً. ـ والعقل معاً. كان مجاملاً إلى أبعد الحدود.. إذ قال كلمته الأخيرة وهو يواجهها بنظرته المحترفة تلك فبدا، وكأنه لا يناقشها وإنما يغازلها..وتلك كانت المرة الأولى التي تشاهد فيها الست راجحة وهي تحمر خجلاً.. في تلك اللحظة بدا ساحراً وجميلاً للجميع.. فيه قوة ورجولة ووسامة... ولديه أيضاً آراء ونظريات وتعليقات ذكية.. يقولها في الوقت المناسب ليضرب عشرة عصافير بحجر واحد. حتى أن (سميرة) كاتبة الطابعة تململت في مكانها وقالت بعد ذلك: ـ أرجوك يا أخ أحمد.. هل تساعدني في رفع هذه الآلة من مكانها ووضعها على ذلك المكتب الجانبي.. أريد أن أخلي المكتب لتفريق بعض المستنسخات. نهض من مكانه على الفور، وبدون عناء يذكر رفع الآلة الثقيلة من مكانها ووضعها حيث أشارت إليه.. فقالت له (نجوى): ـ المرأة تعبر عن نفسها حسب الموضة يا أستاذ أحمد وليس حسب المشية. عندما تكون الموضة تنورة قصيرة فإنها تسحبها في كل لحظة عندما تجلس.. وعندما تكون الموضة قميصاً بكتافيات فإنها تعدلها في كل حين وهي تمشي.. وعندما تكون الموضة خصلة شعر متدلية فإنها ترفع يدها لتعديلها إلى الخلف بين كلمة وأخرى وهي تتحدث. ثم نفضت شعرها الطويل المسترسل بحركة خلاص سريعة إلى الخلف ومررت أصابعها بما كان متدلياً منه إلى أمام لترفعه بحركة خاطفة إلى أعلى قبل أن تلمسه وتحشره خلف أذنيها.. انقضت أيام الإجازة وأحمد لم يعد... وعادت قناني طلاء الأظافر وملاقط الشعر وعلب البودرة لتظهر على المناضد من جديد بعد بداية الدوام وقبل نهايته بقليل... ولما مر يومان على انتهاء إجازته استفسرت الست راجحة، باعتبارها مديرته، عنه عند موظفة الإجازات في الذاتية فقالت لها غير متأكدة: ـ يقولون أنه في المستشفى. دخل مدير الإدارة والذاتية إلى الغرفة وهو يمد يده القصيرتين إلى أمام حاملاً بإحداهما ورقة أسماء وبالثانية حزمة نقود فقالت له الست راجحة مستفسرة: ـ هل صحيح أن أحمد في المستشفى؟ قال لها: ـ نعم. إنه في غيبوبة. سألت باستغراب: ـ غيبوبة؟ ولماذا؟ فقال: ـ يقولون أنه تعاطى عقاراً معيناً أكثر من اللازم.. أو.. لا أدري.. بالضبط.. سأذهب اليوم إلى المستشفى لزيارته.. ثم غادر مكانه وهو يقول حازماً وكأنه ينفض على حافة المغسلة ماكنة حلاقة مما علق فيها من صابون ملوث بالشعر: ـ غيبوبة... إنه في غيبوبة. عادت الست راجحة إلى زميلاتها وقالت لهن بشيء من الوجوم: ـ إنه في المستشفى. قالت (باسمة) أمينة المخزن: ـ هل تعرض للدهس؟ قالت (راجحة): ـ لا... يقولون إنه مريض وفي غيبوبة. قالت (سميرة): ـ مسكين.. كان قوياً جداً، ولم يكن يبدو عليه شيء من المرض. قالت (نجوى): ـ لقد حسدناه.. ولم تعلق (آية) بكلمة واحدة.. لأنها أرادت أن تقترح القيام بزيارته في المستشفى ولكنها خشيت أن تنطق فتخرج الكلمات من فمها مرتجفة ومرتبكة. ظلت الست راجحة واقفة وسط الغرفة وهي تنظر إلى الأخريات بشيء من الحيرة... فقوائم الرواتب يجب أن تستخرج من درج مكتبه لإنجازها قبل نهاية الشهر بوقت مناسب... وإجازته، على مايبدو، ستطول إلى مابعد هذا الوقت بكثير... مدت (سميرة) سبابتها وإبهامها وحركتهما على شكل مفتاح في الهواء ففهمت (راجحة) أن تستعمل نسخة أخرى من المفتاح لتستخرج تلك القوائم من مكتبه. مضت إلى مدير الإدارة والذاتية ثانية وعادت بعد قليل وفي يديها حزمة مفاتيح كبيرة وضعتها فوق المكتب الفارغ ثم جلست على كرسي خلفه وهي تنظر إلى الدرج الذي أمامها بثبات. أخذت تجرب المفاتيح واحداً بعد الآخر في ثقب القفل الموجود في وسط الدرج العريض المعلق وسط المكتب.. ولسبب غير واضح نفضت الموظفات الأربع أيديهن مما كان يشغلهن وشخصن بأنظارهن إلى الست راجحة وهي تحاول فتح المكتب المغلق بالمفتاح الاحتياطي...........................ومضى وقت طويل، نسبياً قبل أن تعثر (راجحة) على المفتاح الذي تحرك في داخل القفل وفتحه. عدلت قامتها بعد أن انفتح القفل ووقفت ثم سحبت الدرج العريض وقالت: ـ ماهذا؟ ثم راحت تنظر إلى داخل الدرج بإمعان وأنظار الموظفات الأربع لا تزال مصلوبة نحوها بقلق. سحبت بيدها اليسرى من تحت شيء ما أوراقاً بيضاء عريضة وناولتها إلى (سميرة) التي نهضت من مكانها لأخذ القوائم ووضعها على مكتبها.. عادت (راجحة) وجلست على الكرسي أمام الدرج المفتوح وكأنها تريد التفرغ لذلك الشيء الذي رأته قبل قليل... مدت يدها إلى داخل الدرج مرة أخرى وراحت تنظر له باندهاش ثم رفعت رأسها باتجاه الأنظار التي كانت لا تزال مصوبة نحوها وراحت تستخرج من الدرج قناني غامقة اللون وعلب صغيرة جداً... ترفع كل واحدة منها على حدة ثم تحاول أن تقرأ مامكتوب عليها بصعوبة قبل أن تصفها في صف واحد على زجاجة المكتب الذي أمامها.. كان صوتها متقطعاً ومندهشاً طغت عليه رنة عدم التآلف مع هذا الذي تشاهده وتقرأه بلا إحراج وبصوت عال وكأنها تستعرضه عن عمد أمام الأخريات تاركة فسحة من الوقت بين إعلان اسم وآخر قبل أن تنتهي من قراءة كل الأسماء: فاليوم... بروفين.. لبراكس.. تنورمين... دائونيل.... نفراتين... اندرال... بونستان.. فولتارين* تحولت عنها أنظار الموظفات إلى تلك الأدوية المرصوفة قرب بعضها البعض لتوحي بأنها تشغل مكانها خطأ وأنها لا يمكن أن تكون إلا نشازاً مع مكتب رجلهم الوحيد الذي شاركهن غرفتهن الواحدة قوياً وسيماً وفي قمة الحيوية بعد أن قضين حياتهن الوظيفية وهن خمس نساء في غرفة واحدة لا يشاركهن فيها رجل. أطرقت (آية) عينيها عن تلك القناني قبل غيرها.. ولم تستطع أن ترفعهما مرة أخرى وقد اغرورقتا بالدموع... كما لم تتكمن من سماع الهمهمات التي سرت في الغرفة بعد ذلك أو من قيامها بالاعتراض على الاقتحام الذي قامت به الست راجحة على أسرار لم يكن ينبغي اقتحامها.. لكنها استطاعت أن تتبين بعد قليل صوت مديرالإدارة والذاتية وهو يدخل إلى الغرفة ليعلن بنبرته الاحتفالية القاطعة قائلاً: ـ سأذهب إلى المستشفى بعد قليل لزيارة أحمد.. لعله قد صحا من غيبوبته هذا اليوم. نهضت الست راجحة عن كرسي أحمد وقالت بتثاقل وهي تعيد القناني والعلب إلى مكانها في الدرج: ـ لا أشعر برغبة في الذهاب. ثم قالت وهي تهب واقفة وتغلق الدرج بقوة: ـ هذا الرجل لن يصحو من غيبوبته أبداً.. هامش القصة .. هام جداً. * اندرال : دواء لخفقان القلب. * فولتارين : مسكن لكل الآلام. *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |