أزرق ولكن بلون الغروب - تعريب: د.ندى حسون مراجعة: سمير أرشدي

منشورات اتحاد الكتاب العرب - 2000م- 1421هـ

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ضريح عينيك

الليلة هي الليلة الخامسة التي سكنت فيها على الثرى ويد الرياح تعبث بشعرك، إن قولي لك "إن قلبي عندك" لا يحمل أي معنى، لأنك قلبي الذي سقط على التراب وتوقف عن الخفقان.‏

لستُ بميّت القلب. لأنك لم تمت أبداً، ولست بصاحب القلب البارد، لأنك تعطي الحرارة للشمس.ماذا أقول؟ إنني ستُ ذا قلب متعب، لستُ ذا قلب جريح، وقلبي سعيد لأنك مسرور وطرب.‏

منذ تلك اللحظة التي رقدت فيها هناك، لم أنم حتى هذه الساعة، من تلك اللحظة التي رقدتَ فيها، لم أذق طعم الراحة. لم أدع أحداً يعلم باضطرابي أما أنت فقد علمت ولابد.‏

في هذه الأيام الخمس بلياليها لابد أن تكون قد شعرت بنظرتي المتعبة العطوفة دوماً تداعب جسدك المحطم.‏

لا تظن يا روح أبيك! أني كنت بلا تفكير..‏

طوال هذه الأيام الخمس بلياليها كنت أنظر إليك من أعالي تل التراب ذاك في الصحراء وكنت أحاول في ذهني أن أجد طريقة توصلني إليك وأن أبعدك عن متناول النيران.‏

لكن الأمر كان غير ميسر كما رأيت بنفسك يا قاسم!‏

كانت النيران تنهمر من الجانبين، وتقطع أنفاس التراب.‏

والآن أليس الأمر كذلك؟ بلى لكن طاقتي قد أشرفت على الانتهاء ولم أعد أحتمل شيئاً.‏

لم يكن مجيئي حصيلة قرار اتخذته الآن فقد أروني إياك منذ البداية، وقد أراني المنظار جسدك المحبوب، وحتى هذه الساعة كنت في قلق واضطراب لهذا القرار وهو كيف سآتي بك من المعركة. كيف سأنجيك من وسط الدماء والنيران والقنابل فهذا الزحف نتيجة ذاك الاحتراق الذي كان يحثني على الذهاب طول هذه الأيام الخمسة والآن أيضاً لو عرف البقية ماذا أفعل، سيمنعوني بلا تردّد ليس بأن يقولوا إن ذلك غير ممكن فحسب بل سيقولون، إن هذا ليس من مهمتك وسيحملون عبء هذه الرسالة على أكتافهم وهذا لا يرضيني.‏

لقد عاهدت نفسي، أن آتي وآتي وحدي، وأحمل وحدي جسدك الضعيف الخفيف، المصاحب لهمّك الثقيل وخاطراتك الجميلة على كتفي.‏

إن معنى الأبوة هو هذا.‏

لو استطاع الأب أن يقسّم همّ ابنه على أكتاف الآخرين فإن ظهره لن ينحني ولن ينكسر ولن يشيب شعره، كل هذا سببه أن الآباء يحملون أحمالاً ثقيلة كهذه على أكتافهم.‏

منذ سمعت خبر ذهابك ورأيت سقوطك على التراب، أضفت ابتسامة عند تعاملي مع الآخرين، إلى ماكان عندي سابقاً. صحيح أني أمضيت أكثر وقتي في النظر إليك لكن مع الآخرين لم يكن الأمر كذلك.‏

لم أشأ أن يشاركني أحد في حزني، من أجل ثواب الله ورضاه في تلك الدار.‏

كنت أروي ظمأ الخنادق، أقدّم الماء للجنود ، كنت قد رأيت أنهم يفتعلون المقدمات لإخباري بشهادتك.‏

كانوا يعلمون أن لا أم لك ولا أخ ولا أخت، وكانوا يعلمون أني أنا وأنت وحدنا قد بقينا من تلك الأسرة العظيمة ونحن الوحيدان اللذان لم تصل إلينا الصواريخ.‏

كانوا يعرفون ارتباطنا القوي وألفتنا ومحبتنا من أجل ذلك، أرادوا أن يصنعوا مقدمات.‏

قالوا: الله وحده هو الباقي وقلت: ليس قاسم وحده من يذهب.‏

سألوني بحيرة وتعجب: هل قال لك أحد شيئاً؟‏

قلت: ذهاب الجميع وبقاء الله هو الذي انبأني، فقاسم لا يختلف عن البقية في شيء.‏

قالوا: من الذي أحضر لك الخبر؟‏

قلت: رائحة الولد؛ رائحة الدماء التي تضرّج الولد.‏

أقسم بالله أني لم أكذب، لولا وجود رائحتك يا قاسم، في هذا الظلام الحالك الذي يتناوب فيه القمر مع الغيوم السوداء، كيف كنت سأحدّد الجهة وأجد الطريق إليك؟‏

إنك لن تصدّق يا ولدي، أني عندما كنت آتي إلى المنزل وأنت فيه، لم يكن من الضروري أن أعلم بوجودك من ملابسك أو حذائك أو صوتك، إن رائحتك هي التي كانت تفشي خبر وجودك دون أن تعرف.‏

وكأن هذه الرائحة هي التي تجعلني أزحف نحوك، هذه الأضواء الكاشفة التي تُطلق من خنادق العدو المظلمة هي التي تصعّب الأمر على أبيك.‏

إن الصحراء ككف اليد وإضاءة هذه الأنوار تكشف كل حركة في الصحراء الواسعة. إن العدو يريد أن يبقى يقظاً لكنه كالإنسان الذي يسير في نومه، سقوطه شيء مؤكد. عندما ينقطع صوت المدافع والدبابات يسيطر على الصحراء سكوت مرعب، كأن قلب الأرض يتصدع. إن العرق الذي يتصبب من جبيني يلهب عينيّ إلى هذا الحد الذي يبطئ زحفي الهادئ.‏

إن الصحراء، مع أنها تبدو للعين رحبة إلى هذا الحد، ليست مستوية، فيها ارتفاع وانخفاض، لا يا بنيّ لم أتعب، أريد أن أجفف عرقي وأعيد بعض الرمق لقدميّ. حتى لو تعبت فلأتعب ما العمل؟ إنني رجل مسنّ، أقول الحق، إن ما أحضرني إلى هنا ليس قوّتي، بل هو عشقك الذي جذبني، وإلا كيف أستطيع أن أقطع هذا الطريق كله زحفاً وهذا العشق إن لم يوصلني إليك لن يتركني. بهذه الطريقة يرتاح فكري، ليصبح خيالك رفيقي.‏

كم هو لطيف هذا النسيم الذي أخذ يهب. إن مقداراً كهذا من الرطوبة بالنسبة للجنوب غنيمة في شهر آذار. لكن للأسف. عندما يلفح ركبتيّ ومرفقيّ يفقد هذا الطعم ويتبدل التهاباً.‏

كأن هناك بلل!..‏

هذا من المرفقين ومن هاتين الركبتين لقد انسلخ الجلد والقماش، لشدة الزحف وظهر الدم. أقسم أن هذا الدم يصلح للتطهّر من أجل صلاة الصبح.‏

إن النظر من المنظار لا يظهر كل هذه المسافة، في هذا السواد المحض لا يمكن التشخيص كم بقي من المسافة.‏

هذه الحجارة الحادّة، تجعل حركة عقارب الساعة بطيئة وربما ذهابي أيضاً.‏

إن المقلق في الأمر هو خوف أن يفاجئني طلوع الصبح، مع أن طلوع الصباح كان محبّباً بالنسبة لي ومنتظراً كل ليلة، لكن في هذه الليلة أنت أجمل من الصبح في انتظاري، سآتي، سآتي وأروي عطش شفتيّ بضريح عينيك. هذا الصوت صوت ماذا؟ صوت كلام؟ في هذه الصحراء الموحشة؟‏

كم كنت بلا فكر حين لم أصطحب بندقية أو شيئاً، فكيف لو وصلت إلى خنادق المعتدين؟‏

ليتني على الأقل قلت لأحد إني ذاهب. فربما لن أعود.. فلو وجدتْ جثتي أمام خنادق الأعداء ليعلموا لِمَ أتيت. لكن لا.. فهذا تفكير طفولي، المهم هو أن الله يعلم، المهم هو أن أكون أبيض الوجه في أعتابه، هو يعلم لِمَ أتيت فإن لم يقبلني في جملة أحبّائه فلن يعدّني في زمرة أعدائه. يعلم أني أتيت لآخذ جثة ولدي من براثن نيران العدو. إلهي، إلهي! أنت تعلم. وهذا يكفيني، أنت ساعدني ويكفي، يجب ألا يكون لقلقي من معرفة الآخرين وجود في قلبي، الآن ليس هناك ما أفعله غير الهدوء والتنصّت من أين يأتي الصوت.‏

إن التحرّك والاقتراب خطر، يجب أن تكون الآذان صاغية فقط.‏

من المحراب إلى ذي الفقار.. من المحراب إلى ذي الفقار من المحراب إلى ذي الفقار...‏

والله إن هذا الخندق يعود لأصحابنا إذ،. من أين للعدو أن يعرف ماهو المحراب وما ذو الفقار.‏

الآن كيف سأبرّر لهم حضوري؟‏

السلام عليكم يا أبنائي!.. هذا أنا فلا تخافوا...‏

من أين لكم أن تعرفوا اسمي؟ وكيف عرفتموني في هذه الظلمات؟ هل في صوتي علامة؟ لا، لن أجلس، فلم آتِ لأبقى... ماء؟ لم آتِ من أجل أن أحضر لكم الماء، لكن عندي. عندي قربة ماء، فلتشربوا هنيئاً. لقد أصبتم، أتيت من أجل قاسم... ليس فقط لأراه.. لقد أتيت لآخذه.. إني أعلم كل شيء، لكن هو قلب الأب ومحبته.. فالقلب دائماً لا يستكين للكلام المنطقي.. أحياناً يعرض عن أوامر العقل. على كل حال أتيت من أجل هذا.‏

لا، هذا محال، لا أقبله، إن قلتم ارجع سأرجع لكن لن أسمح لكم أن تتقدموا. أقسم عليكم بروح الإمام ألاّ تصرّوا.. نفّذوا عملكم الذي هو أثمن من العبادة.. حسناً.. أرجع إلى هنا.‏

في أمان الله.. انتبهوا لأنفسكم.. نحتاج لدعائكم.. عليّ معينكم.. الله حافظكم.‏

من هنا معلوم أنه يجب ألا أبقى كثيراً، هذا ما سيقولوه لي. أتيت يا قاسم!‏

كأن الفجر سيبزغ ، يجب ألا يقترب السحر إلى هذا الحد، كم مضى من الليل؟‏

لا، هذا القمر، إنه ينظر من خلف الغيوم ليرى وجهك.‏

في خنادق كهذه يجب أن توجد مدافع ودبابات مكان القنابل.‏

عسى أن يبقى جسدك سالماً، أمام هجوم ألسنة اللهب هذه، وهو في أمان.‏

هذه الرائحة، رائحتك، وهذا الجسد يجب أن يكون جسدك، أشكرك يا إلهي أنّ كل هذه المشقة لم تذهب سدى، السلام عليك يا قاسم! السلام عليك يا بني! أيها الشجاع! أي رائحة عطرة تفوح منك، ألم يمر على إسلامك الروح خمسة أيام بلياليها؟ فمن أين رائحة العطر والورد هذه؟ دعني أقبّل جبينك أولاً، لا بل يديك، لالا في البداية قدميك، قدميك اللتين وهبهما الله لك لتذهب ولم يهبني مثلهما...‏

كنت عمرك كلّه تقبل يديّ دون أن أستحقّ، فدعني مرّة أقبل قدمك التي تستحقّ أن تقبّل وتستنشق رائحتها عمراً...‏

مع أن ضوء القمر يمنح وجهك جلاءً من نوع آخر، إلا أن العدو سيكتشف أمرنا.‏

لقد كنت قد أحضرت الماء لأغسل دماء محاسنك، لكن الحرّاس، إخوتك، كانوا عطشى، فكأنّ الله قد وضع لهم الماء في قربتي. يمكن غسل محاسنك عند ذهابنا إلى البيت. كان إعطاؤهم الماء أكثر ضرورة، إنك ضيف حوض الكوثر يا قاسم.‏

من أجل هذا نمت هادئاً إلى هذا الحد. لقد رأيتك في المنام مرّات لكن لم أر فيك هدوءاً ملكوتياً بهذه الصورة من قبل.‏

كيف حال أمك؟ كأنكما معاً؟ أليس كذلك؟...‏

لقد اجتمعت مع إخوتك وأخواتك... أما أنا فبقيت وحيداً‏

لي كلام كثير معك، لكن قوله غير ممكن هنا.‏

عندما آخذ جنازتك لن أدعهم يدفنوك سريعاً..‏

سأبقيك يوماً وليلة لأتكلم معك . في هذه الليلة المقمرة ليس الجلوس معك بالعمل الصحيح.‏

أنا أيضاً أستلقي، لكن ليس في هذه الجهة، أنام في ذاك الطرف حتى لو رآنا العدو لا يلحق بك الأذى.‏

آه! جنائز جنازة أخرى في هذه الصحراء.‏

آه.. كم من قاسم آخر سقط على الأرض؟‏

قاسم! عزيزي... فلذة كبدي.‏

أتعلم لم كنتُ أتيتُ؟ نعم! لكن الآن أريد أن أرجع صفر اليدين، لو كنت وحدك لكنت قد أخذتك لكن أخذك وحدك هو غاية الأنانية؛ هذا لا يرضي الله. إنه ذنب من أكبر الذنوب، أن يرى الإنسان في هذه الأرض الملأى بالقواسم قاسماً واحداً، قاسمه هو فقط.‏

أنا ذاهب، وحيداً، وخالي اليدين..‏

دعني أفكّ هذا الشريط الأخضر المكتوب عليه "كربلاء سوف نأتي" الذي وقّعت عليه بدمائك الحمراء عن جبهتك وأجعله على جبهتي.‏

ليكون أجمل تذكار منك..‏

إني ذاهب لكن ربما آتي مع الآخرين عندما نستطيع أن نأخذ الجميع معنا، جميع هؤلاء القواسم الذين يرقدون في الجوار.. ربما لن أرجع أيضاً. الآن سيطلع النهار، والصحراء ملأى بالنيران..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244