|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:01 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أزرق لكنّ بلون الغروب. لا تخفي نفسك، فالليلة لي معك عمل كثير، لستِ نائمة، أعلم أنك لست نائمة، لا تتظاهري بالنوم، تعالي إلى الأعلى، لو نمت، لمن سأقول ماعندي من الكلام؟ لمن أشكو همومي؟ انظري! لقد كنت دائماً أقول ما عندي لك، ليس دائماً دائماً، من حين وجدتك، من الوقت الذي أتيت فيه هنا، من الوقت الذي علمت فيه أنك تصغين إلى حديثي. أعلم أنك حزينة الآن، وعندك همّ، لكن إن لم أتحدث إليكِ إلى من أتحدث؟ إن لم أقل لك فلمن أقل؟ أمي؟ أمي الآن في ضيق إلى حد أنها لا تحتمل الجلوس والإصغاء لي. اعلم أنها لا تحتمل، إنها لاتعطي أجوبة صحيحة وشافية لأسئلتي، فكيف الجلوس والإصغاء لي. ربما نامت، وربما تظاهرت بالنوم كي أنام، إنها ليست على استعداد للبكاء أمامي، عيناها حمراوان.. حمراوان لكن عندما أسألها. أبكيت؟ تقول: لا، تتصور أني لا أفهم. حسناً، لو أنها تبكي أمامي لاستطعت البكاء إلى الحدّ الذي أقدر عليه، يقولون إن البكاء يريح الإنسان، لكنها لا تفعل، لا تفعل، لنمرض كلتانا ونموت.. كنت أعلم أنك تصغين إلى كلامي، كنت أعلم أنك لا تنامين لقد أيقظتك من نومك اليوم، كان الفجر لم يبزغ تماماً، كنت وأمّك نائمتين في قعر الحوض، براحة تامة، كأنه ليس من المقرّر أن يأتي أحد اليوم. لم أشأ أن تستيقظا فجأة فتنزعجا. أردت أن أفعل كما كان يفعل أبي. ـ شيوا! شيوا! بنيتي! انهضي يا بنيتي! سأذهب إلى العمل، لن تريني إلى الليل. قلت: ـ سمكتي! سمكتي! صغيرتي! انهضي يا سمكتي! لكني لم أكمل البقية لأني لم أشأ الذهاب إلى العمل. أنت أيضاً كأنك قد استيقظت لكن لم تنهضي. للأسف، للأسف، ليس لديك شعر، فليس للأسماك شعر. وإلا، فقد كنت سأمسح على شعرك بيدي كوالدي، وكنت أقول: ـ عروستي ذات الشعر الكستناوي، انهضي يا صغيرة والدك، كم تنامين؟ انهضي لأرى، انهضي لأرى مالون عينيك اليوم. ناديتك.. ناديتك ثانية، وكما يفعل والدي بيديه على شعري، وضعت يدي في الماء، بذاك اللطف وذاك الهدوء. أرأيت، عندما تهب الريح بِمَ يشعر الإنسان؟ يحس يداً كيد الملاك تعبث بشعره، خاصةعندما يشتم ذاك الملاك شعر الإنسان ويقبّله. عندما وضعت يدي في الماء أتى الموج حتى وصل إليك، استيقظت، فتحت عينيك، هززت نفسك، وصعدت على سطح الماء، وكانت أمك خلفك. بالتأكيد تعجّبت لم صحوت اليوم باكراً إلى هذا الحد، كانت قد مرّت ثلاثة أشهر كاملة لم أستيقظ فيها باكراً، بالتأكيد كنت تتعجبين، فلم تعلمي ما حصل، إنه تقصيري لأني لم أخبرك بشيء. لقد علمت، من الأمس، وكان عليّ أن أخبرك مذ علمت، لم يكن عليّ أن أترك الخبر حتى صباح اليوم التالي. عندما صعدت إلى سطح الماء، رشقتك بالماء، أردتُ للنوم أن يطير من عينيك..كما كان يفعل والدي، عندما كان يحضرني إلى الحوض ليغسل وجهي. كنت أغمض عينيّ. كان يقول: افتحي عينيك، يا ابنتي! كنت أقول: إن النوم سيذهب من عينيّ، أريد أن أنام ثانية عند ذهابك، لكن لم أكن أرد النوم ثانية، كنت أتلطّف معه. كنت أريد أن يوقظني ويقبّل عينيّ ويقول: ـ إني لن أذهب مالم أرَ عينيكِ! عندما كنت أفتح عينيّ كان يلقي الماء بيده على وجهي ويقول: ـ لقد ابتلّ نومك، عليك أن تبدّلي عينيك لتتمكني من النوم.. عندما رششتك بالماء لم تهربي، لم يحدث لك أن فررت مني أبداً. قلت لك: أتعلمين من سيأتي اليوم؟ لم تكوني تعلمي، من أين ستعلمين؟ قلتُ: والدي. من المقرر أن يأتي والدي؛ ولهذا السبب استيقظت باكراً، أظن أنك لم تصدقي لأنك وقفت، واستقمتِ ونظرتِ إلي وكأنك لم تسمعي خبراً مهماً. ـ صدقي، أقسم أني لا أمزح، من المقرر أن يأتي والدي، قال ذاك بنفسه، لقد اتصل البارحة، أراد أن يتكلم معي لكني كنت في بيت نسرين، معلوم أني لو عرفت بذلك لما ذهبت. قلت لأمي، لِمَ لم تناديني؟ كم كانت المسافة حتى بيت نسرين؟ قالت: إن والدك كان على عجلة، لقد كان البقية يريدون الاتصال إلى بيوتهم. لقد قال والدك عندما سأذهب إلى الجبهة هذه المرة سوف آخذ عينيّ "شيوا" معي. نعم لقد كان يمزح، وهل من الممكن أن يأخذ شخص عيني شخص آخر معه؟ لو كانوا يسمحون للبنات الصغار بالتواجد في الجبهة، والدي برفقته بالتأكيد. لقد قال بنفسه. إن والدي لا يكذب أبداً، أليس كذلك؟ كنت تصغين إلى حديثي جيداً عندما نادتني والدتي: شيوا! شيوا!.. أنمتِ على حافة الحوض؟ لقد ذهبتِ لغسل وجهك ويديك؟ وقد قلت أنا أيضاً الحقيقة. قلت: ـ سآتي يا أمي. إنني أتحدث إلى سمكتي الصغيرة، لقد قلت لها من سيأتي اليوم، إنها مسكينة لا خبر لها. بعد ذلك...غسلت وجهي بسرعة وقلت لك: ـ لا تنامي ثانية، إنني ذاهبة لإحضار الفطور إلى هنا لنأكل معاً ونعطي أمك أيضاً. لكن أمي لم تقبل. قالت: ـ اليوم لا، فعندنا عمل كثير. اجلسي هنا وتناولي الفطور بسرعة لألبسك. إنك لن تقبلي أن يراك والدكِ بهذا الشكل، أتقبلين؟ قلت: ـ إذن دعيني آخذ لهما الخبز، ألقيه لهما وأعود بسرعة، أعدك. ألقيت الخبز الذي أعطتنيه أمي في الحوض، لم أقسّمه، قلت، كلا من جانبه قليلاً قليلاً حتى ينتهي، أنتما تتقنان ذلك. عندما تناولت الفطور، قالت أمي: تعالي لأضفر لك شعرك، وأضع لك شريطة عليه. قلت: إنك تعلمين أن والدي لا يحب ذلك، فلم تقولين هذا؟ قالت: ماذا أفعل إذن؟ قلت: مشّطيه جيداً، ودعيه مفتوحاً، وضعي على جانبيه وفوق أذنيّ الدبّوسين ذوَي الوردة. قلت: حسناً، ارتدي ملابسك أولاً. قلت: دعيني أنا أيضاً أقول لك ماذا ألبس. قالت: لقد ذبحتني. قولي. قلت: ذاك الثوب الأزرق الطويل.. قالت: إن ذاك من أجل الزيارات والضيوف. قلت: حسناً: أليس من المقرر أن يأتينا ضيف اليوم. ضحكت أمي، وقالت، حسناً، اذهبي وأحضريه. أنت تعلمين أن والدي يحب ذاك الثوب الأزرق أكثر من الجميع، يقول إني أصبح فيه كالملاك. إنني لم أرَ ملاكاً حتى الآن، لكن كم هو رائع أن يصبح الإنسان كالملاك. يقول أبي، أي ثوب ترتدينه تتلون عيناك بلون ذاك الثوب، ترتدين الأخضر، فتصبح عيناك بلون الغابة، ترتدين الرمادي فتصبح عيناك بلون البحر، تلبسين البنّي.. قال: بأي لون ستتلوّنان؟ بلون قبة المسجد، إن لونه بمنتهى الشفافية، صدّقي. كان يقول: كل هذه الألوان جميلة، كل منها فيه جمال خاص، لكنّ الأزرق شيء آخر. إن الأزرق يظهر تماماً كم هو طاهر قلبك، كالملائكة، عندما تسيرين أو تعصف الريح بملابسك، يشعر الإنسان أن أحد ملائكة الله قد هبط على الأرض وهو يسير أو يرفرف على الأرض... عندما مشّطت شعري، وارتديت ملابسي كان الجو قد أصبح مضيئاً. مضيئاً.. كانت الشمس للتوّ قد هبطت من جدار البيت. عندما ألبستني أمي قالت: دعيني أرى عينيك، فرفعت رأسي، ونظرت في وجهها، بعد ذلك نظرت إليّ جيداً في ثوبي الأزرق. قالت: ـ إن ذوق والدك ليس بالقليل.. قلت: ماذا يعني ذلك يا أمي...؟ احتضنتني وقبّلتني وقالت: ـ يعني حقاً وصدقاً، أصبحت كالملاك، فوالدك كان على حقّ، عندما أحبّ هذا الثوب كثيراً. قلت: من أجل ذلك ارتديت أنت أيضاً ثوبك الأزرق؟ ضحكت وقالت: أيتها الشيطانة! اجلسي لأضع ماءًً في السماور فقدنفذ ماؤه بالتأكيد.. قلت: أيمكنني الذهاب إلى الزقاق الآن لأنتظر والدي...؟ قالت: لا يا ابنتي، عندما يأتي والدك سيدخل البيت بنفسه. قلت: إذن، أذهب إلى الحوض، عند سمكتي، أتكلم معها حتى يأتي والدي، أرأيت كيف كنت أودّ أن آتي عندك ثانية، لكن هل تعلمين ماذا قالت أمي؟ قالت: لا، لا، لن أدعك تذهبي إلى الحوض أبداً، دعي ثوبك نظيفاً حتى عودة والدك على الأقل، قلت: إذن ماذا أفعل؟ أجلس هكذا جامدة؟ لا يمكن.. إذن أذهب وأقف عند الباب. قالت أمي: فقط عند الباب، اذهبي. عندما أتيت إلى باحة الدار، أتيت عندك ثانية، لكن لم أجلس على حافة الحوض، أتذكرين؟ كانت عيناك تلتمعان من الفرح. لم تستطيعي أن تتوقفي في مكان، كنت تذهبين هذا الطرف وذاك الطرف، كنت تحرّكين جناحيك وكأنك ترفرفين في الماء. قلت لك: ليته كان لديك أب أنت أيضاً وسيأتي من السفر اليوم، لتشعري بكل هذا السرور الذي أشعر به، لو أن أباك سيأتي ماذا كنت ستفعلين؟ إنه أمر جميل أن يأتي والد المرء من السفر، أنت لا تعرفين هذا الشعور كنت دائماً أراك مع أمك ولا أعرف إن كان لك أب أم لا.. لقد نسيت تماماً أن أسألك عن أبيك انظري كم هي مشتتة أفكاري. لقد تكلمت معك كل هذا الوقت، منذ الصباح حتى المساء، ولم أفكّر مرة أن أسألك أين أبيك؟ صرخت أمي: شيوا، ألم نتفق ألا تذهبي إلىحافة الحوض؟ لقد نسيت تماماً أني وعدتها، فجلست على حافة الحوض، ورحت أتكلم معك، فتنحيّت جانباً بسرعة وقلت: ـ اعذريني يا أمي، فقد نسيت، ها قد نهضت الآن.. أنت أيضاً خفت من صراخ أمي وذهبت تحت الماء،عندما كنت أودّ الذهاب نحو الباب سمعت وقع أقدام في الحي، لا يمكن أن يكون غير والدي. فتحت الباب بسرعة واندفعت خارجاً، كنت أجري نحوه عندما رأيت "هوشنكـ"، جارنا، والد "إلهه.." سلّمت عليه رغماً عني، لم أشأ أن أسلم عليه لكن فكري كان مشتتاً.. حسن! معلوم لِمَ لم أشأ أن أسلم عليه، أولئك الذين يناصرون الشاه ويسبّون الثورة الإسلامية لا يمكن للإنسان أن يسلم عليهم. خاصة لو كان والد المرء قد تخاصم معهم عدة مرات. ابنته الكبرى اسمها "كتايون"، منذ الصباح إلى المساء تصغي إلى أشرطة الأغاني وترفع أصواتها عالياً. أحياناً تأتي وتقف وسط الحي برأس وساقين عاريين. لقد تشـاجر بقية الجيران معها عدة مرات، بدل أن يردّ عليّ السلام، قال: أين؟ بهذه السرعة؟ لم ألتفت إليه، ذهبت إلى أوّل الحيّ وتمتمت: من المقرّر أن يأتي والدي. لكنّه سمع، قال: ـ كم هو رائع ذلك، في أية ساعة سيأتي؟ مرة أخرى لم ألتفت إليه، قلت: لا أعرف، لكن من المقرر أن يأتي، من المقرر أن يأتي الآن.. فضحك بسخرية وقال: ـ جيد جداً، جيد جداً.. بعد ذلك دخل إلى البيت. عندما وصلت أول الحي فكّرت أن أجلس على درجات المنزل الموجود في أول الحيّ، وأتكئ على بابه لكن تذكّرت بعد ذلك أنه يجب أن أحتفظ بثوبي نظيفاً حتى مجيء والدي، ولو كنت جلست لكنت استطعت أن أرى رأس الشارع بسهولة. لا تدخل السيارات عادة في الشارع الفرعي الذي نسكن فيه، إن الركاب ينزلون في ذاك الشارع الأصلي. إذن علي والدي الذهاب بالتأكيد من رأس الشارع إلى رأس الحيّ مشياً على الأقدام، لكن ماكان باستطاعتي عدم النظر داخل السيارات، يجب عليّ النظر داخل كل السيارات عندما تنعطف نحو شارعنا حتى تعبر من أوّل حينا. في هذه الأشهر الثلاثة قد طالت لحية والدي، وكذلك شعره، لابدّ أن وجهه قد أصبح أسمر قليلاً، وقد احترق تحت الشمس يقولون إن شمس الجبهة حارقة جداً، لكن لم يكن قد اسمرّ لونه في المرة الماضية، لكن المرة الماضية، لم يكن الوقت صيفاً. لابد أنه مليء بالتراب، وقد امتلأ حذاؤه بالطين، في المرة الماضية، كان مرفقه قد ثُقب، كأنه قد احترق، قالت أمي: كيف حصل هذا؟ قال والدي: لم يكن هناك نصيب، لقد مرّت، قلت: ما الذي لم يكن نصيباً يا أبي؟ قال: شظية يا ابنتي، لم أكن أستحقها.. رأيت أمي قد أخذت بالبكاء لم أقل شيئاً، لكن هل الشظايا في الجبهة قسمة ونصيب، ليقول إنها لم تكن نصيباً؟ ما هذا الكلام؟ في المرة الماضية عندما أتى والدي لم يحتضني، فقط انحنى وقبلني، فكّ يديّ اللتين أحطت بهما عنقه، وقال: إنني ملئ بالتراب يا ابنتي. فصرت مجبرة على أن أقول له بنفسي: أحتضني يا أبي! لم يستطع إلاّ أن يفعل، رفعني عن الأرض، قبلني ثانية ووضعني على الأرض، قال: ـ انتظري قليلاً، أستحمّ وأبدّل ملابسي وأحضنك كما تريدين، كم تأخّر والدي! لقد قال في الصباح الباكر، والآن قد تأخر الوقت ولم يأتِ، لقد انتشرت أشعة الشمس في الشوارع. لِمَ راكب الدراجة النارية هذا يأتي ويذهب؟ يذهب من أول الشارع إلى آخره لِمَ ينظر إليّ؟ كأنه آتٍ من هذا الطرف. .. مَنْ ذاك الذي يجلس في الخلف وفي يده حقيبة، يقول: ـ ألم يأتِ والدك بعد؟ أقول: لو كان أتى لما كنت جلست هنا. ثم أقول: من أين عرفت أنه سيأتي.؟ يقول ذاك الذي يجلس في الأمام: هو بنفسه قال والدك نفسه قال إنه سيأتي اليوم. أقول: هل اتصل بك؟ يقول ذاك الجالس في الأمام، نعم لقد اتصل بي عدة مرّات، ثم يضحك كلاهما ويذهبان. عجيب! جميعهم من بعيد يبدون كوالدي، لكن عندما يقتربون لا أحد منهم والدي. ـ بابا! هذا أبي بنفسه، هذه حقيبته نفسها ... لباسه نفسه، كل شيء نفسه، أجري نحوه، هذه المرة يجب أن يعانقني.. ـ أبي! أبي! السلام عليك! ـ السلام عليك يا ملاكي! السلام عليك ياشيوا! كم هو جميل أن أعانق أبي، إنه يحضنني بشدّة، يقبل العين والرأس والوجه والشعر واليدين، يقول: ملاك أمك، لعبة أبيك.. ـ أبي لا تضعني على الأرض! ـ حاضر، يا ببغاء والدك! لن أدعك على الأرض عندما انعطف داخل حينا كنت ماأزال في حضنه، وحقيبته في يده. ـ أمك كيف هي يا شيوا؟ ـ أنا بخير وأمي بخير، لكن أنت لست هنا، ونحن وحيدتان! أنت لست هنا فكأن لا شيء هنا يا أبي!! أستحلفك بالله بعد ذلك... ـ ها! يا حزب اللهي! إنه سائق الدراجة النارية.. استدار والدي لينظر إليه، ويديرني أنا أيضاً فما زال يحملني. في يد ذاك الذي يجلس في الخلف تبدو بندقية سوداء، عندما أتى من قبل لم تكن في يده، أو كانت ولم أرها، نعم يجب أن أقول لوالدي، أنهما قدأتيا قبل ذلك. لايمكن أن يكون هؤلاء من أصدقاء أبي وإلا لما كانو قد نظرو إليه هكذا، لما صوبو البندقية بجهته، لكن لِمَ لايفعل أبي شيئاً؟ وقف وبدأ ينظر إلى عيني حامل البندقية. ماذا يريد أن يقول لهما؟ لِمَ رفع البندقية هكذا؟ وذاك الذي يجلس في الأمام يدفع البنزين بشدة، إني خائفة جداً، لو كنت وحيدة لهربت بالتأكيد، لن أقف وأنظر إليهما كوالدي. لكن هما يريدان والدي، لم يريداني أنا، إنهما يريدان قتل والدي بالتأكيد؟ يريدان قتل والدي؟ يجب ألا أدعهما يقتلوا وأبقى بدون أب. لم أرد أن أبكي، لكن البكاء أتى رغماً عني. أفتح ذراعيّ أمام والدي، أحتضن كتفيه حتى لو أراد أن يطلق الرصاص يصيبني أنا، أضع وجهي أمام وجهه، أبي! أبي!.. يضعني أبي على الأرض إلى جانب الجدار. ـ لِمَ يا أبي؟ لِمَ ؟ قلت: إنك لن تضعني على الأرض.. ثم يذهب نحوهما، وأنا على الأرض في هذه الجهة، إن أبي يجري نحوهما. ـ أبي..! أبي!.. يشتبك أبي مع راكبي الدراجة، أصرخ ، لم أبكِ، لم أفعل، أي شيء لا أستطيع، كأن والدي قد ذهب ليأخذ البندقية. كم هو شجاع!؟ لو استطعت أخذ البندقية فهذا يعني أنك قوي جداً، وعندها يجب ان تحملني دائماً،حتى لو كبرت، يرتفع صوت الرصاص، إنه قوي جداً، كأنه يصدّع آذان الناس، ينطلق النار بشدة من فوهة البندقية، ثم يصمت، ينحني والدي، يتلوّى، يجمع يديه ويتلوى كإنسان مصاب بالمغص، لم يذهب راكبا الدراجة إلى الآن، إنهما ينظران إليه، يريدان قتله ثانية؟ إنه سيسقط على الأرض، يتكئ، بإحدى يديه على الجدار، واليد الأخرى على قلبه. يتلطخ الجدار بالدماء، تترك يد والدي الكبيرة علامة على الجدار، حمراء.. حمراء... تصطك أسناني، تمتلئ عيناي بالسواد، لم يكن أبي قد رأى السواد في عيني حتى الآن.. أتصبب عرقاً، أصيب رأسي بالدوار، كم اجتمع الناس، راكبا الدراجة ليسا هنا، لم أعرف متى ذهبا، كأنهما لم يكونا من البداية، لا أعرف كيف اختفيا. رفع الناس شعارات: الله أكبر، الموت للمنافقين، إذن كانا منافقين مرتزقة، ذاكا اللذين قتلا أبي؟ ليتهما كانا أبناء أب وكان لهما أب ليعلما الأب يعني ماذا؟ كم الآباء رائعون؟ كم هو عطوفون؟ لا يعرفان أن الأب لو لم يكن موجوداً فلا شيء موجود. كأن أبي لازال حياً، إني أراه جانب أقدام الناس إنه يرفرف كتلك الحمامة التي كان جارنا قد أطلق عليها النار بالبندقية وسقطت في بيتنا في حديقتنا. قلت لأبي: أبي.. لِمَ ترتجف إلى هذا الحد؟ إن الإنسان يرتجف قلبه لذلك. قال أبي: إنها تسلم الروح يا ابنتي؟ إنها ترفرف.. ـ لِمَ قتل أولئك والدي؟ ـ إنهما بلا رحمة! كأن القلب غير موجود في صدريهما، كأنهما ليسا بشراً.. إن أبي يرفرف. أبي المظلوم يرفرف! ـ لم قتلتما أبي المظلوم، أليس في صدريكما قلب! ألستما إنساناً ؟ قتلتما أبي؟ تلون الحي بلون الدماء! والمحلة كذلك، تلونت كل الدنيا بلون الدم. ـ أبي! أبي! انهض، واحملني، إنك قلت إنك لن تدعني على الأرض، أبي، انهض، جعلت فداك، انهض لأقبلك، أبي! عندما كنت تنام وكنت أقبلك كنت تنهض وتحملني، كنت تنهض بقبلة واحدة يا أبي! لكن وبكل هذه القبل لا تنهض الآن. فقط تحيط عنقي بيديك تضمّني بشدّة إلى حضنك المليء بالدماء، لكن هذا قليل، أريد أن تنهض، انهض يا نور عيني! ـ بهذا القسم كنت تنجز لي كل ما أريد، لم لاتنهض الآن؟ لم؟.انهض لتر عيني بأي لون تلوّنتا.. إنه لون لم تره إلى الآن، أحمر.. أحمر.. أحمر.. لون كل مكان، لون الأرض والسماء، لقد تلون كل شيء بالدم انهض يا أبي، لم ترخي يديك بدل أن تصغي إلى كلامي، إنك تفعل الأسوأ، لم فتحت يديك يا أبي؟ لم لا تضغطني إليك. لم تركت يديك على الأرض يا أبي؟ لم لا تنظر إلي ثانية؟ لم شخصت عيناك إلى السماء؟ لم صرت تشبه الأموات؟ لم بقي فمك مفتوحاً، ماذا أردت أن تقول؟ لا تمت يا أبي، إني صغيرة على أن أصبح بلا أب، إنك نفسك قلت إني صغيرة.. البنت الصغيرة تحتاج أباً، نفسك قلت: إني ملاك صغير، الملائكة الصغار لا يحتاجون أباً؟ العرائس الصغيرة لا تحتاج أباً؟ ببغاء أبيها لا تحتاج أباً! عندما كنت في الجبهة، كنت دائماً أدعو أن تأتي بسرعة يا أبي! ـ ليتني لم أدع.. ليتك لم تعد من الجبهة يا أبي! ليتك لم تحضني عندما أتيت يا أبي! ليتك لم تقبلني يا أبي! صوت بكاء الناس لن يدعك تسمع كلامي يا أبي، تعال نذهب إلى البيت لأقول لك..من هذا الرجل العجوز الذي يبكي ويقول.: ـ ليرفع أحد المسلمين هذه البنت عن نعش أبيها ، كلكم واقفون تنتحبون من أجل ماذا؟ إنها ستسلم الروح، هذه البنت، ستقتل نفسها، افعلوا شيئاً، إنها تجعل الجميع يلتهبون، تحترق قلوب الجميع، أتشاهدون تعزية القاسم، ليرفع أحدكم رقيّة هذه عن نعش الحسين(1) . لكن لم أصغ إلى حديثهم. إنه أبي أنا، أريد أن أحتضنه، إن لم يستطع احتضاني بشدة سأحتضنه أنا، لن أترك والدي، ثلاثة أشهر وأمي في كل ليلة وكل يوم تقول إنه سيأتي، بهذه السرعة، بهذا الشكل أردت أن تأتي يا أبي؟ إن لم تكن أتيت لكنت قلت: إنك في الجبهة، وستأتي يوماً، لكن ماذا أقول الآن، إنك أمام عيني... إنني أسمع كلام أمي، أنهض، إنها تعدني أن تحضرك إلى البيت، لأتكلم معك، لقد أخذت عباءتها بأسنانها وأنهضتني، كأن الدمع يهطل من عينيها كالمطر ويختفي تحت عباءتها، إن أمي كانت تبكي دائماً بهذا الشكل حتى لو كان المرء جالساً إلى جوارها فإنه لا يعرف أنها تبكي حتى ينظر إليها، فقط دموعها تنهمر، بهدوء، وبلا صوت، كماء الحوض عندما يمتلئ، وينسكب الماء من أطرافه، أبداً لا يصدر صوتاً ليعرف المرء أن الحوض قد امتلأ. عندما كان والدي في الجبهة، كانت تقول لي لا تبكي، ولكن دائماً عند الصباح، كانت الوسادة التي أنام عليها أنا وأمي مبتلّة. كنت أقول لأمي: لم غطاء الوسادة مبتلاً؟ كانت تقول: كان مبتلاً منذ ليلة أمس، منذ وضعته على الوسادة. ـ إذن لِمَ لم أنتبه إليه ليلة أمس؟ ـ كنت متعبة، حين نمت يا شيوا! كنت متعبة فلم تنتبهي.. ـ نعم كنت متعبة فلم أنتبه أنك بكيت إلى الصباح، هل تضعين غطاء الوسادة عليها رطباً كل ليلة. أتكذبين؟ هل تغسلين غطاء الوسادة كل يوم حتى يبقى رطباً إلى الليل؟ لم تكذبين؟ لم تقولين لي لا تبكي؟ لم تقولين إن الذهاب إلى الجبهة ليس فيه بكاء؟ انظري! أليس مبكياً.. لقد كذبت أمي ثانية، ولم تحضر والدي إلى البيت، لم أكن أستطيع المشي، حملتني، لم أستطع أن أضع قدميّ على الأرض، حملتني إلى البيت، نزعت ثوبي الأزرق الذي كان قد صبغ بالأحمر، وألبستني ثوباً آخر، لا فرق بعد ذلك، أي ثوب أرتدي، لا فرق بأي لون ستتلون عيناي، كانت هاتان العينان لوالدي. عندما أتيت إلى البيت وجدت أن لون ماء الحوض قد تغير، في البداية ظننت أنه دم والدي هو الذي غير لون الماء، جعله أحمر، مثل أي مكان آخر، لكن عندما نظرت وجدت أن أمك ليست في الحوض. قلت: أمي، أمي، السمكة الكبيرة ليست في الحوض لكن أمي لم تجب، وقعت عيناي على حافة الجدار، رأيت قطة سوداء قد أخذت أمك في فمها. كانت المرة الأولى التي رأيت فيها هذه القطة، كم كانت قبيحة، لقد أصبح جسم أمك مليئاً بالدماء، وكذلك فم القطة صرخت على أمي! لقد أخذت القطة السمكة الكبيرة.. أمي لم تجب. كانت القطة تعبر من حافة الجدار نحو بيت هوشنك. عندما ركضت نحوها ركضت هي أيضاً فسقطت أمك من فمها في الحديقة جانب الجدار في المكان نفسه الذي سقطت فيه تلك الحمامة. حملت أمك فلم تتحرك، كانت ميتة، مثل أبي.... أتت أمي، أخذتها من يدي، وألقتها في الحديقة، ما زالت إلى الآن في الحديقة، قالت لي لا تلمسيها. لكن عندما عدنا من المقبرة حفرت لها قبراً في الحديقة، ووضعتها فيه، وألقيت فوقها التراب، وكذلك صببت ماءً، ووضعت حجراً،كما فعلوا بأبي. للأسف، لم يكن هناك قماشة بيضاء لألف أمك بها، لقد دفنتها بذاك اللباس الأحمر. لقد أتى الكثيرون وذهبوا حتى الليل، لقد رأيت بنفسك أما أنا فكنت أكثر الوقت جالسة على الدرجات، على السطح و;كنت أبكي، كلما تذكرت والدي كنت أبكي أكثر، في كثير من الأحيان كنت آتي نحو الحوض، أنظر إليك، الكثيرون قد نسوا أني موجودة، مثل أمي، أصلاً لم تأتِ لتسألني أتناولت الغداء عند الظهر أم لا؟ هل أنت جائعة أم لا؟.. كان بعضهم أيضاً يشير إلي ويقول: هذه هي ابنة الشهيد، كنت أريد أن أقول لهم: لست فقط ابنة الشهيد إنني ببغاء الشهيد، ملاك الشهيد، كبد الشهيد، لكن لم أقل، لم يكن عندي رغبة في الكلام مع أحد. الآن فقط أنا أتكلم معك، وقد ذهب الجميع، لقد صار منتصف الليل، إن أمي تظن أني نائمة، إن أمي قد نامت الآن، لقد بقي من ضيوفنا الآن واحد فقط، أتمنى أن يبقى إلى الأبد، لا لست أنت، أنت صاحبة البيت إنني أقول عن القمر الذي أتى من السماء إلى الحوض، كم هو أحمر اللون هذا اليوم، لم يكن القمر أحمر اللون يوماً، لابد أن عينيه قد احمرتا لكثرة البكاء، مثل أمي. إن القمر الليلة قد بكى كثيراً من أجلي ومن أجلك، من أجل وحدتنا، من أجل غربتنا. إن القمر في السماء وحيد دائماً، يعرف الوحدة ماذا تعني، والغربةماذا تعني. لم تبكين أيتها الصغيرة الآن؟ ماذا قلت؟ كم تشبهين أمي حين تبكي، بهدوء وبصمت. لا تبكي يا سمكتي الصغيرة. عندها سأبكي أنا أيضاً. إني لا أستطيع البكاء بهدوء، مثلك ومثل أمي، إن صوتي سيرتفع، وستصحو أمي من نومها، وعندها لن تدعني أجلس عندك وأتكلم معك. ـ أمي!... أنت هنا؟ متى أتيت لِمَ أنتبه؟ إذن أنت التي كنت تبكين. أمي! انظري لقد انحنى جسد سمكتي الصغيرة، إنها تطفو على الماء، إنها تنام، لا تتحرك، طفت على سطح الماء يا أمي! طفت على سطح الماء ونامت، أخاف أن تكون قد ماتت يا أمي! إن عينيّ قد اسودّتا، إن رأسي يدور، أمي! احمليني! احمليني يا أمي!... (1) - رقية هي بنت الامام الحسين بن علي ع) الشهيد بكربلاء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |