أزرق ولكن بلون الغروب - تعريب: د.ندى حسون مراجعة: سمير أرشدي

منشورات اتحاد الكتاب العرب - 2000م- 1421هـ

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قابيل 1996

كان المبنى الذي كنّا نتمشّى في أعلى طبقاته أعلىبناء في المدينة. قال أخي: لقد قرّرنا، ومقصوده بـ(نا) ، كان هو نفسه، أن نعطي أعلى أبنية المدينة لأصغر أبناء الأسرة. ليكون مكاناً للعمل والاستراحة، ودخلاً للمعيشة.‏

قلت وأنا أشاهد مناظر المدينة الجميلة من أعلى البناء:‏

إني أفضّل أن أقف على قدميّ.‏

وما حصل أنّه رفعني عن الأرض ببرود، وقبض على كعبيّ قدميّ، وعلّقني منهما من ذاك الارتفاع، أي من أعلى بناء في المدينة.‏

وبالقدر الذي كنت فيه نحيلاً وصغيراً وضعيفاً، كان طويل القامة وقوياً، كنت كطفل معلق في يديّ رجل طويل وقوي يتأرجح في الفضاء بين الأرض والسماء.‏

كان، أخي يعلم أن عينيّ تتعبان في الارتفاع، وحالي يصبح سيئاً في الأماكن المرتفعة. وربما كان قد اختار هذا الموقع لذاك السبب، كانت عيناي متعبتين لكن كنت أحاول أن أحتمل.. بعد دقائق وقد كدت أن أعتاد على هذا الوضع المقلوب، رفعني قليلاً، إلى الأعلى حتى توضّع خصري على حافة السطح، ووصلت قدماي إلى قاع السطح.‏

كان نصف جسدي معلقاً بين السماء والأرض، وما أبقاني بينهما هو قبضته التي كان قد أمسك بها قميصي من الأمام.‏

قال: لو قام أخ بتصرّف غير مناسب ماذا يمكن أن نفعل به؟‏

قلت بصوت يخرج من أعماق حنجرتي بصعوبة:‏

يجب قتله بالتأكيد، هكذا كانت العادة قد جرت من زمان...‏

قال: إني أعرف قصة هابيل وقابيل، فلا داعي للدوران.‏

قلت: إنني جاهز..‏

رفعني قليلاً، وأجلسني على حافة السطح، لسنا متخلفين بقدر تلك العصور الغابرة...‏

قلت: هل تقتلني؟‏

قال: لقد أصبحت هذه الأساليب أيضاً قديمة.‏

كان نفسي سيتوقف تقريباً، قلت: لقد أصبحت أستاذاً. لم تكن هكذا من قبل.. قال: الشرائط تختلف‏

كان يقول حقاً: بعدموت الجدّ، تغيّر كلّ شيء، الشرائط، والبشر، وأخي أكثر من الجميع. لم يكن لازماً أن يقول الجدّ شيئاً أوأن يفعل، إنّ جذبة نظرته كانت تجلس كل واحد في مكانه وبقدر ماكان جدي ذا جاذبية وجلال، كان والدي ذا لطافة وجمال... ولم يكن هناك فرصة ليجلس كلاً في مكانه.‏

إنَّ خلافنا يبدأ منذ زمن جدي.‏

قلت: لا تفعل يا أخي لا تبع! لا تبع هذه المخطوطات فكل ما لدينا هو من هذه المخطوطات. علاوة على ذلك، فإن جدنا سيصاب بالمرض لو عرف أنك قد بعت أصولنا وتراثنا هكذا بشكل رخيص.‏

من هنا بدأ الحقد يملأ قلب أخي عليّ. وبعد ذلك كلما قال أحد شيئاً عن المخطوطات، كان يتصور أن هذا قد قلته أنا، وكان حقده يزداد عليّ قال: إنك ولد جيد، لكن إشكالك يكمن في كونك تتكلّم كثيراً.‏

قلت: إنني سكوت محض، ففي طول الليل والنهار، لا أتكلم أربع كلمات.‏

قال: لا تتغابى.. إن قصدي هو ذاك الذي تكتبه..‏

قلت: حسناً، قل أين العيب لأصلحه.‏

قال: إنك جادّ، جادّ جداً...‏

قلت: إن ما أريده ليس سيئاً، إني حريص على...‏

فقاطعني: إن حرصك لا أساس له. إن من يكون جادّاً سنصطدم معه شاء أو أبى، ودائماً من يصعق في هذا الاصطدام هو الطرف المقابل.‏

كان يقول حقاً، كان هناك أبناء أخوة وأبناء أخوات في الأسرة قد أصبح مكانهم في المشافي، أو المصحّات أو المقابر، وبعد التحقيق تبيّن أنهم كانوا جادّين.‏

قلت: إن أغلب أبناء الأسرة قد فسدوا أو أصبحوا مدمنين. كلهم قد خربوا. فأجاب ببرود: أفضل من أن يتدخّلوا في كلّ أمر.‏

قلت: فهذا الأمر الذي تخبرني به صحيح؟‏

قال: كل من لا يتفق معنا، لنا معه عمل ما، إن عملنا هو الصناعة، والتصنيع.‏

كان أخونا الأكبر يعمل في الصناعة، والبيع، كان يشتري البيوت بثمن بخس، كان يستفيد من الأبنية كلها ويبيعها للناس.‏

كان أبي يصرخ دائماً: هذا العمل لا عاقبة له.‏

كان صراخه يضيع بين أصوات الرفش والفأس والمعول..‏

أجلسني على حافة السطح، ترك قميصي، حدّق فيّ بغضب وقال:‏

انهض وقف، عندي كلمتان أريد قولهما لك بجدية.‏

فجأة، استقر خوف عجيب في قلبي.‏

لم يكن بيدنا، كنا كلنا نخافه، بعضنا بشكل أكثر، بعضنا بشكل أقل. ليس فقط لأنه كان ذا قدرة، أو لأن كل إمكانيات الأسرة كانت في يده، كان الكثيرون ذوي قدرة تفوق قدرته لكن لم نكن نخشاهم، كنا نخاف منه لأننا نعلم أنه يمكن أن يفعل أي شيء، كنا نعلم أن لا شيء يمنع أي عمل يريد أن يقوم به.‏

ولم يكن يستاء لهذا الإحساس، فكان بتلك الصورة التي يخلق فيها الرعب والاستيحاش قد وضع إخوته الآخرين تحت سلطته، وجعلهم يأتمرون بأمره ويكسب بوسيلتهم معيشته. فقط أنا الوحيد الذي لم أكن أرتزق بواسطته، كنت أقول الشعر، أكتب القصة، أرسم، أعيش كما أريد وكنت سعيداً أني أعتمد على نفسي وأقول ما عندي.‏

وقفت، نهضت بصعوبة ووقفت استرقت النظر إلى عينيه وطأطأت رأسي.‏

قال: ماذا تملك من مال هذه الدنيا حتى تتمرد كل هذا التمرد؟‏

قلت: لاشيء فقط القليل من ماء الوجه.‏

قال: إذن لا تعتمد على ذلك كثيراً منذ الآن.‏

يوماً ستنهض في الصباح لترى أن هذا أيضاً قد ذهب.‏

قلت: لم أفعل شيئاً‏

ضحك، وأخرج صوتاً عالياً ومعه هواء من فمه وأنفه وقال ببرود مصطنع.‏

إن حرفتنا هي انتزاع اعترافات لأعمال لم تفعل، شعرت بألم في عمودي الفقري، وتصبب جبيني بالعرق البارد، أصبحت قدماي ضعيفتين، وجلست على الأرض.‏

في صباح اليوم التالي عندما قرأت اعترافاتي، قررت أن ألجأ إلى أقرب مرجع قانوني. وكنت أخجل من أن أحداً سيرافقني..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244