|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:02 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لص ناشئ عندما رأيت من نافذة الصيدلية شخصاً يحاول بالقوة فتح قفل سيارتي، كنت في البداية سأصرخ: لص! لص! بعد ذلك فكرّت أن أصل إلى السيارة بسرعة وأمسكه متلبسا.ً وضعت الوصفة في جيبي وخرجت من الصيدلية وركضت نحو السيارة، وقبل أن أصل قررت أن أكون هادئاً لأستطيع بشكل أفضل أن أمسك اللصّ وأسلّمه إلى الجهات المسؤولة. فقصرّت الخطى وببرود وهدوء اتجهت نحو السيارة واللص. لم يكن اللصّ قد تقدّم في عمله، فلا زال يحاول فتحها، كان قد بقي بيني وبينه خطوة، كان يمكنني بسهولة أن ألقي بيديّ حول عنقه أو أن أقيد يديه من الخلف، أو أن أضرب بيديّ حول وسطه، أو أن أوقعه أرضاً بضربة قوية.. لكن فضّلت ألا أفعل أياً من هذه الأمور فوقفت جانبه بهدوء وبرود وسألته: -هل هناك مشكلة ؟ فحاول إخفاء ارتباكه وقال: -لا.. فقط.. باب سيارتي لا يُفتح لم يكن شكله يشبه شكل اللصوص مع أنه ليس من الضروري أن يكون هناك شكل مميز للصوص. لكن ارتباكه يدلّ على أنه ليس من أهل السرقة على الأقلّ، كان شكله وسلوكه يثيران الشفقة إلى حد كبير، وما استطعت إلا أن أقول له: -هل أستطيع مساعدتك؟ قال وهو يحاول فتح القفل: -لا ! شكراً، لقد ضاع مفتاحها، وأحاول فتحها بالسلك . فقلت في نفسي: -كم هذا عجيب! ونظرت إليه برهةً. فجأة خطر في ذهني أن أسير في هذه اللعبة لأرى ماذا سيحصل خاصة أن اللص والسيارة كانا في متناول اليد ولم يكن هناك ما يثير القلق. قلت: أتريد أن تجرّب مفاتيحي؟ نظر إلي وقال: -لا بأس في ذلك: فقلت لأطمئنه: -بشرط أن توصلني إلى مكان ما، إن فتحت. أخذ المفاتيح مني وقال: -ادع أن تفتح وسأوصلك حيث تشاء. عندما وضع المفتاح فتحت بكل سهولة، وعندها تنبّه إلى المفاتيح وقال: -يجب أن تكون لديك سيارة. قلت رغماً عني: كان لدي! لكن الآن ليس لدي غير المفتاح وسألت: هل أضعت أيضاً مفتاح المحرّك؟. فقال: كان الجميع معاً قلت: جرّب هذا فقبل، واشتغلت السيارة مع أوّل حركة . قلت: لو سمحت لي أقود أنا، فلم أجلس خلف مقود سيارة منذ زمن. مكث برهة ثم قال: -أفضّل أن قود بنفسي. قلت: كما تريد نزلت. ودرت حول السيارة وذهبت إلى الطرف الآخر . كان اللص يجلس خلف المقود، وفكرّت للحظة، لو هرب بالسيارة ماذا سأفعل؟ لكن هدوءاً عجيباً أبعد هذه الفكرة، وعندما فتح لي اللصّ الباب ذهب هذا الاحتمال تماماً. ركبت، فسألني اللص وهو يقود إلى أين تودّ الذهاب؟ قلت: هل أنت عند وعدك؟ قال: لِمَ لا...؟ كان لا يزال مرتبكاً، وينظر حوله بقلق. قلت: إنك تبدو قلقاً. هل أنت مريض؟. كنا قد وصلنا إلى الشارع العام، قال: -هناك شيء لا أستطيع إلا أن أقوله لك قلت: حسناً لتقل. قال: أتعلم لِمَ لم أدعك تقود بنفسك؟ قلت: لا، من أين لي أن أعلم قال: هذه السيارة مسروقة، لا أريد أن أسبب لك المشاكل. فخمد إحساسي بالغضب فجأة. قلت في نفسي: لو كان اللصّ متفهماً، كم يكون محبوباً! قلت له: لم سرقت؟ قال: لا تسأل فأنا لا أعرف لم قلت لك قال: أنا أعرف لماذا؟ قال بتعجب: أتعلم؟ أنت؟ قلت: لأنك لست ممن يقومون بأعمال كهذه، إنك بلا تجربة ولأول مرة تقوم بعمل كهذا . فبهت. حتى إنه عبر الضوء الأحمر للتقاطع وأطلق زمور السيارة بعصبية. قال: كيف عرفت ذلك.؟ قلت: معرفته ليست بالأمر الصعب. إنك بلا خبرة لدرجة أنك لا تستطيع أن تخفي ذلك. أحسّ أن ستره قد هتك أمامي. وكانت نظرته المبهوتة تشهد بذلك. سألني بسذاجة أقرب إلى البلاهة: -إلى أين أوصلك ؟ قلت: ليس مهماً. اذهب في طريقك، وحيث لا يتفق مسيرك مع مسيري أنزل، لكن جواب سؤالي مهم، لم لجأت إلى السرقة؟ قال: لست سارقاً، لا أنوي أن أبقى سارقاً، لقد فعلت هذا مضطراً، وهذه المرة فقط. قلت: لو رآك صاحبها ماذا كنت ستفعل؟ قال: كنت سأشرح له.. واغرورقت عيناه بالدموع وقال بحزن: .. كنت سأقول له إن طفلتي في المشفى، وأريد أن أدفع لها مصاريف العملية. كنت سأقول إني لا أريد أن آخذ أكثر من مصاريف العملية من هذه السيارة، ربما أخذت فقط إطاراتها. حرام أن تموت طفلة جميلة كهذه بسبب عجز والدها. وقاطعته: عجز في السرقة؟ تحيّر. حتى إني ظننت أنه لن يجد جواباً يقوله: لكن فجأة، أوقف السيارة وأجاب باكياً: -أتريد الحقيقة؟ نعم عجزه في السرقة. كنت موظفاً في البلدية، موظفاً في القسم التاسع. كنت مديراً في قسم صغير، لم أتحمل رؤية كل تلك السرقات تشاجرت مع المدير العام وخرجت . فقفز من فمي رغماً عني: -من الحفرة إلى البئر، لا فرق بين سرقة وسرقة. فغضب حتى إنه صرخ: -هناك فرق، فهذا ليس بئراً، كان البئر هناك، كان بئر الويل.هنا عليّ أن أعطي جواب شخص واحد أمام الله وليس جواب كل هؤلاء الناس.. قلت: الآن لم تصرخ بوجهي ؟ لست مقصراً. هدأ وسكن لكن تابع بعصبية: -أريد عذراً. كنت هذه المدة عاطلاً عن العمل مرضت، صرت عصبياً، أصبت بالاكتئاب، بعت كل حياتي البسيطة من أجل معالجتي، من أجل الحفاظ على ماء وجهي في هذه الحياة، والآن.. أنا متحيّر، إن الأمر خارج عن إرادتي. قلت: لو كانت هذه السيارة ملكك ماذا كنت ستفعل؟ قال: سأعمل عليها، أعيش بها، ليس عيباً، ليس مهماً كم من السنين قضيت خلف مقعد الجامعة، المهم أن لا أعود إلى مكان السرقة ذاك. قلت: إذن افعل ذاك. فأنا كنت أعمل عليها. لا تنزع إطاراتها فذلك خسران، إنها سيارة مباركة من يوم اشتريتها لم تحتج أكثر من الماء والزيت والبنزين. لم يبق إلا القليل ليصاب بالسكتة، قال: لا إذ.. إذن.. أنت..!! قلت: ليس مهماً، هذه بطاقة السيارة حتى لا يستوقفوك، كلما شعرت أنك لا تحتاجها أوقفها في ذاك المكان، أمام الصيدلية، فعندي مفتاح احتياطي آتي وآخذها قال: -إذن.. نفسك.. أنت قلت: لا تفكر بأمري، فالله عظيم. وإلى الآن لم أصل إلى آخر الخط. وضع الرجل رأسه على المقود، وحتى لا يندم، أو يرفض، أو يخجل، نزلت بسرعة ومشيت بعكس اتجاه السيارة دون أن أنظر إلى الخلف. بعد عدة ليال، عندما أتى موظفو المباحث وفي يدهم بطاقة السيارة أمام بيتي، كان أول سؤال سألوه التالي -ذاك الرجل الذي أصيب بالسكتة خلف المقود قبل عدة ليال ما نسبته لك؟ فقلت مبهوتاً بلا إرادة: نسبته؟ ذاك الرجل كان أنا نفسي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |