أزرق ولكن بلون الغروب - تعريب: د.ندى حسون مراجعة: سمير أرشدي

منشورات اتحاد الكتاب العرب - 2000م- 1421هـ

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قمر الجبين

كلّ من رأى وجهك قبّل عيني‏

إن ما فعلته بعيني لم يكن بلا سبب‏

"حافظ الشيرازي "‏

كان منظر الصحراء، مثيراً للعطش والحرارة، لم يكن من شيء في متناول اليد غير آثار أقدام العطش. كانت الشقوق المنفصلة والأشواك تطل برؤوسها من عدة أماكـن من قلب السراب وتلقي بظلالها على وجهه.‏

كان صمت البيداء يحرّك الرياح الخفيفة من حين لآخر وكان هرم الحرارة المصاحب للرمال يرشق رأس الرجل ووجهه، نزع الرجل قميصه الوحيد عن جسده ونفض الرمال، عنه أراد ارتداءه ثانية.‏

مرّ بيده على رأسه وعنقه وصدره، فوجد أن التراب وحبات الرمل تملؤها و.. كانت يده قد تلوّنت بالأزرق.‏

كان قد خرج صباحاً من القرية خائفاً مترقباً، كان أحد الصبيان قد ألقى نظرة فاحصة على يده ووجهه وسأله: "لم وجهك ويدك أزرقا اللون هكذا؟"‏

كان قد حاول إخفاء وجهه بيديه وأن يفرّ من نظرة الطفل الثاقبة هذه، "لا أعلم، لا أعلم"، وقال الطفل وهو يجري باتجاهه: "إن ذاك اللون يشبه تماماً لون وجه قمر الجبين".‏

أثار هذا الكلام غضب الرجل، فاستدار وسأله: "من أين تعرف قمر الجبين؟"‏

"ومن منّا لا يعرفها.؟"‏

"متى رأيتها؟"‏

"اليوم، لقد رآها الجميع"‏

كان الصبي قد ذهب في الحال وكانت ركبتاه قد أصيبتا بالوهن، انحنتا وأجلستاه على الأرض.‏

"إلى أين ستفر أيها المفتضح؟!"‏

بالتأكيد كان سيندفع الناس جميعاً إلى الحيّ والشارع مع طلوع الشمس، ويتحلقون حول بيته ليشاهدوا هذه الفضيحة التي تندي الجبين. هذه الفضيحة التي ستصل إلى السطوح والجدران حتى إنها ستتغلغل في الشقوق.‏

كان أحدهم يهزّ رأسه آسفاً ويقول: "هذا هو معلّم أطفالنا!" وقال آخر "لمن كنّا قد سلّمنا بناتنا "وقال ثالث: "بعد هذا لن نعتمد على عينينا!"‏

ورابع:.. كان يتوجب عليه النهوض والفرار من القرية. كانت قوة ما تدفعه على الهرب، من نفسه أم من الآخرين؟ إلى أين؟ لم يكن يعلم. بالتأكيد إلى مكان لا تتمكن عين فيه من رؤية اللون الأزرق الذي توضع على وجهه مما يجعلهم يربطون ذلك بوجه قمر الجبين.‏

ألقى نظرة إلى الخلف رأى سواد القرية من البعيد ثم أطلق عينيه إلى الأمام. لم يكن اسم مكان معيّن يقصده في ذهنه ولا في السراب، مدّ يده إلى جيب قميصه وأخرج منديله الأبيض. فتح طياته بتردّد واحتياط وكشف وجه المرآة رفع مرآته الصغيرة مقابل عينيه ونظر فيها ثانية،. كان هناك لون أزرق ضارب إلى السواد أو إلى الحمرة. كأن جلده كان قد توضع على نار ثم رفع عنها، شفتاه، وقسم من خده كذلك، ذاك المكان الذي ظلل وجه‏

قمر الجبين.‏

"يا سيدي أحضر لك حليباً"؟‏

كان هذا هو العمل اليومي لقمر الجبين، كانت تأتي مع طلوع الشمس وتطرق على الباب ثلاث ضربات خفيفات متعاقبات. كان يحس أن هذه الضربات اللطيفة مع تلك اليدين اللطيفتين. والأصابع الجميلة والأظافر الأنيقة تعزف على أوتار قلبه. كان الباب مفتوحاً دائماً. وبعد لحظة كان الإطار القديم للباب يحيط بوجهها الملائكي، مع شعرها الكستناوي الملقى على كتفيها وأهدابها الطويلة المنظمة التي تحافظ على عينيها البنيتين المخمورتين كالحارس. كانت بشرة وجهها تذكّر الرجل بأوراق الورد، أوراق الورد الخمري الذي يظهر في وسطه برعم يُدعى الفم.‏

كان يظن في أول لقاء أن هذا ليس إلا منام السحّر، ورؤيا سماوية لا يراها غير الملائكة وقت السحر، لكن عندما كانت أجفانها تتحرّك بدلال وسكر وتمتد يدها لإناء الحليب وشفتاها تتحر كان:‏

"سيدي أأحضر لك الحليب؟".‏

كان يفهم أن صورة هذا الإطار لم تكن حلماً، لم تكن صورة و.. ماذا كانت لم يكن يعلم. كان هذا هو عمل البنت كل يوم. كانت تأتي بلطف وهدوء، وتضع إناء الحليب بيد الرجل، وتأخذ الإناء السابق، وفجأة يخلو الإطار من الصورة. كانت ذاكرته وذهنه في صراع علّه يتذكر أين كان قد رأى هذه البنت، فلا يصل إلى نتيجة كأن هذه الفتاة لم يكن لها أي وجود سابق في ذاكرته. لكن كيف يمكن أن يحصل شيء كهذا؟ حاول أن يستحضر في ذاكرته كل التلاميذ الذين جلسوا للإصغاء لدروسه سنوات. لكن أين كانت قمر الجبين هذه؟‏

انطلق من البيت عصر ذاك اليوم دون أن يمشط شعره أو أن يلقي نظرة على نفسه في المرآة وقطع أحياء القرية واحداً تلو الآخر، كان الجميع من الحيّ إلى السـاحة ومن المعبر إلى التقاطع يدعونه إلى بيوتهم لتناول الشاي، وكان يردّ عليهم بالشكر إلى أن وصل إلى ضفة النهر حيث كانت الفتيات يمضين الوقت بغسل الثياب، كانت فتاة قد نشرت ملاءتها الزرقاء الملونة بالورود على غصن شجرة، فقالت له:‏

"كيف خرجت من منزلك يا سيدي؟ لو كنت قد احتجت شيئاً كان بإمكانك أن تقول.."‏

وكان قد قال لها: "لقد أتيت لأستنشق بعض الهواء" ومرّ وبقي يتجوّل إلى أن أتى المساء، ولم يتنبه إلى حلول الظلام حتى أحضر له أحد الصبية فانوساً وقال له: "إنك ستتعثر بدون فانوس يا سيدي! واصطحبه مصرّاً إلى البيت، لم يكن ليطلب شيئاً من أحد، وكان يفّضل أن يستمرّ في هذا البحث الأعمى على أن يفشي سرّه لأحد.‏

كان قد نسي القراءة، والكتابة تماماً في هذا الاسبوع، كانت قمر الجبين كل فكره وذكره تلك التي كانت تأتي كل صباح، تشعل النار وتهرب.‏

لِماذا لم يكن قد تحدث معها كل هذه المدة؟ لِمَ لم يستدرجها في الكلام؟ لِمَ لم يجالسها أو يستوقفها بقدر كلمتين يقولهما لها ؟ ماذا يتوقع؟! إن الكلام في مقابل آية من الجمال كهذه أو تمثال جمال كهذا هو أصعب عمل يمكن القيام به، إنه شيء كالمحال.‏

في تلك الآونة- لو كان ذلك باستطاعته- كان عليه أن يستجمع كل حواسه ويصبّها في نظرتها، فربما يبقى قسم من العظمة والجمال خارج إطار نظرتها أو ربما يضيع بعض اللطف تحت وطأة النظرة.‏

لفّ المرآة بالمنديل ثانية ألقى بقميصه على رأسه ليخفف من التأثير المباشر لنور الشمس، وسار ثانية نحو مقصده المجهول، كان العطش لحظة بعد لحظة يستولي على جزء أكبر من وجوده.‏

لم يفكّر أبداً خلال تلك المدّة بتقبيلها أو لمسها. حتى اليوم صباحاً، لم يكن قبل مجيئها قد فكر بذاك الأمر أو خطر في باله. وبين انبثاق شرارة هذا التصميم والعمل لم تظهر أية فترة للتفكير.‏

مدّت قمر الجبين يدها لتعطيه الإناء، فأخذه بيده اليمنى ووضعه على المصطبة جانباً. مدّ يده اليسرى أولاً إلى خدّ قمر الجبين وبعدها اليمنى. فانفرجت شفتا قمر الجبين بابتسامة خجلة، وتوضّعت حمرة خفيفة على وجنتيها، وضع شفتيه على وجنة قمر الجبين وعندما رفعهما، كانت وجنة قمر الجبين قد ازرقّت بقدر شفتيه ويده.‏

وفجأة لفّت الحيرة والخجل وجوده كله. لم يكن قد قرأ أو سمع في أي مكان بتلوّن مكان القبلة بالأزرق نظر إلى يديه، كان كل مكان لامس وجنة قمر الجبين من كفه وأصابعه قد صبغ بالأزرق.‏

عندما استجمع أفكاره كان قد ذهب إلى المرآة جانب الباب، وعندما رأى اللون الأزرق على خده وشفتيه اسودّت الدنيا بعينيه. شعر بضعف في ركبتيه، فاستند إلى العمود جانب الباب واسترخى على الأرض بهدوء.‏

كان مبهوتاً وحائراً ونادماً، لكن شيئاً كالماء البارد، أعاده إلى رشده، لم يكن يفكر في نفسه، كان يفكر بسمعة قمر الجبين وماء وجهها الذي سيراق بعد قليل على أرض القرية.‏

فكرّ في نفسه: ليس وجهه أو وجه قمر الجبين وحده دليلاً على جرم أو خطأ، من أين لأحد أن يعرف كيف ظهر خسوف قمر وجهه أو غيم وجه قمر الجبين. لكن وجود كليهما معاً في مكان واحد، وحتى في القرية سيكون سبباً في إيجاد فضيحة.‏

فكّر فوجد أنّ عليه الرحيل من أجل قمر الجبين.‏

لم يحمل معه شيئاً غير مرآة صغيرة، حتى قربة ماء تطيل حياته في هذه الصحراء لم يحمل معه.‏

كان لسانه قد أضحى جافّاً وصلباً كالصخرة وكانت شقوق شفتيه قد امتلأت بالدم الحار. مع أن المسافة التي تفصله عن القرية ليست شاسعة إلاّ أنّ القرية اختفت عن ناظريه، كأن حرارة الصحراء قد ذهبت بماء عينيه أيضاً. كان يشعر أن رمقه الأخير يتبخر شيئاً فشيئاًً. وبدون أن يقصد الجلوس على الأرض فعل ذلك، التصقت أجفانه ببعضها.‏

كانت الصحراءكبده الذي امتد تحت السماء ومع كل لحظة كانت رماح الشمس توجد فيه شقوقاً جديدة. كان يرى نفسه قد انتهى لكن ليس إلى الحد الذي يرى فيه أنه قد وضع قدمه في ذاك الجانب من الوجود كأن وجهه قد أصبح على تماس مع الصحراء ويديه قد أخذتا تخفقان كجناحي سمكة على الجانبين.‏

أحسّ تحت بشرة وجهه برطوبة وبرودة، بهدوء وسكون. رطوبة كأنها عين الحياة التي تبعث الروح الحياة في جسد ميت.‏

واستغرقت جسده رعشة محببة ابتداء من وجهه ثم انتقلت إلى كل جسده، كانت كرمق يجري في جسد ميت.‏

استند إلى مرفقه ورفع وجهه عن التراب، وغاص بيديه النصف ميتتين في التراب الرطب ومسح به وجهه ورأسه وصدره. ومع كل قبضة كان يأخذها كان يجد التراب الموجود تحتها أكثر رطوبة وبرودة لم تكن الحفرة قد وصلت إلى شبر واحد حتى بدأ ماء زلال بالتدفق. كانت المسافة بين يده وفمه غير محتملة بالنسبة له، فغاص بوجهه في الحفرة وأسلم فمه وشفتيه لبرودة الماء.‏

كان في تلك اللحظة كشخص آخر، كشخص نهض من التراب، نضراً حيّاً منتعشاً. خطرت يده في باله، فسلّمها لعين الماء.‏

ورفعها أمام عينيه بخوف وتردد فلم يجد أثراً لما كان يخاف. فبحث بصبر نافذعن المرآة، لم يجدها، بحث حوله، لم يجد أثراً للمرآة ولا للمنديل. وفجأة وقعت عينه على صورته في الماء، لأن الماء أصفى من المرآة، فرأى أن لا أثر للون الأزرق قد بقي في وجهه.‏

كيف حال قمر الجبين؟! إن عين الماء هذه وبكرامة كهذه يجب أولاً أن.. وحدقّ حوله. كانت القرية تبدو أقرب من قبل. يجب لوجه قمر الجبين أن يلامس هذا الماء في أقرب وقت. قطع المسافة من ذاك المكان إلى القرية جرياً دون أن يشعر بالتعب، وعندما وصل إلى مدخل القرية أحسّ بالغصة القديمة. كيف سيجد قمر الجبين، الآن؟‏

لكن لم يسبق له أن رأى قمر الجبين في مكان آخر غير باب بيته؟ عليه أن يسرع نحو البيت، فهناك الأمل أكبر، لكن.. ليس في هذا الوقت من النهار، بل في السحر. لكن كيف له أن يسكن حتى صباح الغد؟ وبعد ما وقع اليوم من أين له أن يعرف إن كان صباح الغد سيشرق أم لا؟‏

نعم لقد قال الصبي صباح اليوم إن القرية كلها تعرف قمر الجبين، لكن أليس قمر الجبين اسماً أطلقه هو نفسه على هذه الفتاة الرائعة الجمال؟ أيسبق له أن تكلم معها ليعرف اسمها؟.‏

إذن كيف عرف ذاك الطفل قمر الجبين؟ وكيف عرف أهل القرية الفتاة بهذا الاسم؟ فسأل أول‏

شخص رآه:‏

"أتعرف فتاة باسم قمر الجبين؟"‏

"لا.. أنت يا سيدي..؟!"‏

ومضى حتى لا تثير قسمات وجهه حيرته أكثر، كان يسأل حتى الأطفال الصغار في أطراف الحي.‏

"أتعرفون بنتاً باسم قمر الجبين.."‏

سأله الإسكافي الشاب:‏

"يا سيدي أنت دائماً في البيت، فأين رأيت فتاة كهذه؟"‏

وقال صاحب الدكان العجوز:‏

"إنك تعرف أكثر يا سيدي المعلم! فليس لدينا في القرية فتاة بهذا الاسم"‏

حتى في منعطف الحيّ، لم يعرف أحد فتاة بهذه الأوصاف .عندما انعطف من انحناء الحي، رأى ظل قمر الجبين أمام الباب. فركض مبهوتاً متحيراً نحو البيت وعدة مرات كادت قدماه تفقد توازنها.‏

"أنت؟ في هذا الوقت من النهار؟"‏

"لقد أتيت آخذ إنائي"‏

ومضى مبهوتاً متحيراً- لكن بهدوء واتزان- داخل البيت، وأحضر الإناء، وعندما مدّ يده بالإناء نحوها تذكّر ما حصل من لون في وجهها، لم يجد أثراً لذاك اللون الأزرق فسألها بحيرة:‏

"ذاك اللون الأزرق في وجهك؟"‏

فتحركت شفتا قمر الجبين وعيناها بذاك الهدوء الذي لا مثيل له:‏

"لقد زال "‏

"كيف؟"‏

"في ذاك الوقت الذي اغتسلتَ فيه في عين الصحراء عند الظهر"‏

وأخرجت قمر الجبين من ياقة ثوبها الأزرق منديلاً مطوياً ومدت يدها به إليه، كان يعرف المنديل جيداً "حقاً! هذه المرآة لك، لقد نسيتها في الصحراء ".‏

وحتى ثاب إلى رشده حاول أن يصب حيرته في قالب سؤال، كانت قمر الجبين قد ذهبت، وأصبح الإطار خالياً من جديد، ومنذ اليوم التالي لم يعد يملأ الإطار الخالي غير انتظار غامض في عينيه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244