|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:02 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الشخص الذي سيأتي بالتأكيد هتف في اللاسلكي وهو واثق أن لا أحد يسمع صوته من ذاك الصوب: الاعداء جاؤا، "أتى العراقيون، إنهم على بعد عشرة أمتار تماماً الآن. إنني أستطيع رؤيتهم بوضوح، هم أيضاً يمكنهم رؤيتي لكن لم يروني إلى الآن، إن أحدهم يأتي إلى هذه الناحية! فسمع من اللاسلكي دون أن يصدّق: -لا تتكلم بشكل مكشوف تكلم رمزاً يا سعيد. كان صوت القائد، يبدو ذا صبر نافذ وبلا قرار وبرعشة هي دليل الخوف، تلوّن قليلاً وقال: -لا حاجة للرمز، وهذه هي الدقائق الأخيرة. دعني أرتاح -ارتح فكيفما كانت الراحة، لترتح وبالتأكيد لا تخاف أن..؟ تأمّل في الإجابة لقد دفعه تلاقي نظرته بنظرة الجندي المعتدي إلى التأمّل. لم يكن جندياً. إن الرمق الأخير للمصباح كشف عن الرتبة الموضوعة على كتفه، لقد كان ضابطاً وكان يسعى للنظر حوله كالفاتحين كان قد بقي على ذاك الوضع والسماعة بين رأسه وكتفه بدون حتى رعشة في الأجفان. لقد رأى نفسه وقد انتهى بمجرد نظرة الضابط المعتدي . أضيء الفضاء ثانية، وسمع ثانية: -تكلّم يا سعيد، أنت لا تخاف ؟ كان جواد قد سقط عند أقدام الضابط المعتدي، وكان رأسه يهتزّ، ربما من العطش. الضابط المعتدي مع أنه كان يحمل رشاشة كلاشينكوف بيده، إلا أنه سحب مسدسه،. فتح ساقيه قليلاً عن بعضهما. وصوّب نحو دماغ جواد، وأطلق النار. -ماذا حدث يا سعيد؟ تكلم. أحسّ أن الضابط المعتدييقف مقابل كاميرا تلفزيونية؛ فقد رأى الرضا والسرور بوضوح في عينيه. -أنا هنا. لا زلت حياً. كانت رصاصة الرحمة أطلقت على جواد. تقدم الضابط المعتديخطوتين أخريين ووصل فوق رأس محسن. لقد قضى على محسن مباشرة بطلقة. ربما مضى الآن ثلاثة أرباع الساعة على استشهاده. وبإعلان خبر استشهاد جواد مرّت فترة سكوت على اللاسلكي في تلك الجهة. وليطمئن على استمرار الاتصال قال: ماذا تفعلون أنتم؟ ماالأخبار عندكم ؟" فسمع صوت القائد المحزون: -إنني أفكر من أجل نجاتك. أبحث عن حلّ -لا تفكرّ. لقد انتهى الأمر قبل أن تفكّر، فكرّ في العمليات كان هذا صوت طلقة خلاص محسن. قال القائد بصوت متعجّب: "محسن قد.." -نعم لقد انتهى محسن من قبل لكن الضابط المعتدي يسعد قلبه بطلقات الخلاص هذه. إنه يثبت كل هذا في إحصائياته. إنه كان على بعد خمسة أقدام مني.. إنه فوق رأس حميد. حميد لازال حياً فقط لديه جرح في ناحية الكتف والقدم اليسرى لقد فرج الضابط المعتدي ساقيه الآن وصوّب نحو رأس حميد. إن حميداً يسعى أن يحرّك نفسه. أن ينهض من مكانه ويفعل شيئاً ما. لكن الواضح أنه لا يستطيع، لقد نزف الكثير من الدماء. -أخبرني عن نفسك كيف أنت؟ لم تجب، أتخاف؟ -خوف؟ تذكّر نظرة والده. لقد اتكأ بيديه على إطار الباب وبرقت عيناه. -إنك صبي في السادسة عشرة، ماذا ستفعل في الجبهة؟ إنك تخاف من أصوات المفرقعات فكيف الأمر مع طلقات الرصاص كما أنك ليلاً لا تصحو حتى على أصوات المدافع. وكان قد قال: "لا أنكر أني أتمنى لو أذهب هناك بنفسي". إن طلقة خلاص حميد قد خرجت أيضاً، لقد ارتاح حميد وأظلم الفضاء ثانية. لقد بقيت أنا وحسين. حسين باق وأنا. هو أقرب. إنه يبعد عني ثلاثة أقدام إن الضابط المعتدي يقترب منه ومني. فسمع صوت القائد المتألم من ذاك الصوب من اللاسلكي: -توكّل على الله. ردِّد ذكريا رحمن، ذكريا أرحم الراحمين لم تقل لي ماذا تفعل بالألم؟ كان الضابط المعتدي قد وصل فوق رأس حسين كان يحسّ أن حسين قد مدّ يده على التراب وطلب منه المساعدة ماذا يستطيع أن يفعل؟ أحسّ بانقباض. لا أصعب من أن يطلب حسين منه عوناً ولا يستطيع عمل شيء. ليته يستطيع أن يحمل أمعاء حسين التي اندفعت خارجاً ويعيدها إلى مكانها. ليته يستطيع التخفيف من آلام حسين. -لا. لا أحس بالألم. لقد قطعت قدمي. وأنا أراها الآن بحذائي المليء بالدماء. كما أني أشعر بالتهاب من وسطي، لكن ليس إلى هذا الحدّ الذي يجعلني أفقد الوعي إنني أفهم الآن ما الذي يجري حولي. بالمناسبة هل وصل علي سالماً؟ هل أحضر أخباراً؟ هل قال عن المخطط؟ لقد اشتقت له كثيراً. إن صوت التشويش في اللاسلكي جعل السماع أمراً صعباً فقد فهم إلى حدّ ما : -عليّ قد أتى.. قريب منا.. خيمة الإنقاذ.. وصلت أخبار.. نتيجة عملك ستتضح في الصباح علي ما زال حيّاً. وأجاب: "عليّ ؟؟ لن يبقى، سوف يلحق بي. فودعوه " . عندما ذهب كلاهما إلى المدرسة لأخذ طلب الالتحاق بجبهات القتال كان مدير المدرسة قد قال :" إنكما زهرة المدرسة . لا تذهبا معاً . ليبق أحدكما حتى لا ينقبض قلب المدرسة . يجب أن يكون الأول على المنطقة من هذه المدرسة . فليبق أحدكما من أجل ذلك ."و كان المديرقد نظر إلى علي ليرى إن كان هناك أدنى ترديد في نظرته ليستغلّها . فتابع علي: " الأمر ليس بيدنا. لقد نفذ صبر كلينا " . أضاءت قنبلة أخرى سواد الليل قليلاً . كانت نظرة الضابط المعتدي مسمَّرة في بطن و أمعاء حسين ، واتجهت أعلى فأعلى حتى وصلت إلى عيني حسين الغاضبتين . كأن حسيناً ينظر إلى شيطان . كان بوضوح يقصد أن يبعد الألم و الضعف جانباً من عينيه و يحلّ محلّ ذلك الغرور و الصلابة و كان موفقاً . وضع الضابط المعتدي فجأة قدمه على بطن وأمعاء حسين و ضغط بوحشية . عند ذلك انتفض حسين عن الأرض كالأسد المتوضع على النار ، و ارتمى على الأرض كقطعة لحم بلا روح وانتهى . و بدون إرادة انطلق الصراخ المحبوس في حلقه و اتجهت نظرة الضابط المعتدي نحوه ، فسمع من ذاك الطرف ،من اللاسلكي : -ماذا حدث يا سعيد ؟ لقد اتفقنا على أن تردد الأذكار والأدعية. فهمس بهدوء ،و كأنه أراد أن يسمع هو وحده ، و هتف في سماعة اللاسلكي : " حاضر.لم يكن قصدي التمرد . لكني الآن كل وجودي دعاءو ذكر والله هنا فمن أنادي ؟ ! أحسُّ الشهادتين تجريان في قلبه بضمير المخاطب ولم يعهد نفسه ينطق الشهادة على هذا النحو من قبل : -أشهد أن لا إله إلا أنت ! و سمع من قلبه ثانية : - وأشهد أنك رسول الله ! - لقد تلاشت الوحدة و الاضطراب و توضع الأنس و الهدوء مكانهما. شقت قنبلة أخرى السماء نصفين . تقدم الضابط المحتل وتوقف فوق رأسه تماماً .أحس مكان أحد ما خالياًٍ، فاتجه بقلبه إلى كربلاء . - مادمت ستأتي حتماً ، فالآن وقت قدومك ياسيدي! لم يكن قد أنهى كلمة "سيدي" حتى أحس نور السيد في عينه و قلبه و يد السيد في يديه . أحس بالدلال في قلبه ، إنه إحساس جديد لم يعهده من قلبه. فضحك من أعماق قلبه و ضحك " السيد " أيضاً . كأن برعماً قد تفتح أمام عينيه و نشر العطر . و ملأت رائحة لا مثيل لها الفضاء بأكمله . كان صوت كلام يأتي من ذاك الطرف من اللاسلكي، لكن لم يسمعه بعد ذلك . ضغط السيد يده بحرارة . و أنهضه من مكانه و حرّكه -لقد بقيت قدمي أيها السيد . و سمع : -لقد مضت قبلك ...أنظر إلى جناحيك. فأحسّ التهاباً مفاجئاً في جبهته . ودوى صوت بكاء من اللاسلكي . و فجأة اقْتُلِعَ من الأرض . |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |