شخصية المثقف في الرواية العربية السورية - محمد رياض وتار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
التمهيد المثقف العربي: المصطلح والنشأة

التمهيد المثقف العربي: المصطلح والنشأة.

تبرز مادة ثقف في معاجم اللغة في مضمونين: الأول حسي، والآخر ذهني- تجريدي. أما المضمون الحسي فقد استخدم في جانبين هما:

أ - الأشياء الجامدة، كالسيف والرمح، فقد استخدم العرب عبارة ثقف الرمح. بمعنى قوّم اعوجاجه، واشتقوا الثّقافة كمهنة للعمل بالسيف، وسموا صاحبها المثاقِف. قال أحد الشعراء:

 

كأن لمع بروقُها

في الجو أسيافُ المُثاقِفْ

 

واشتق العرب الثِّقاف، وهي آلة يقوّم بها القوّاس أو الرّماح الشيء المعوج[1] .

2 - الدلالة على المهارة في القتال، فالرجل يوصف بالثِّقف إذا كان جيّد الحذر في المعركة، وسريع الطعن[2] .

وأما المضمون الذهني لمادة "ثقف" فيفيد الفطنة والذكاء، وسرعة التعلم، فكانوا يسمّون الرجل بالمثّقف إذا كان فطناً ذكياً، سريع الفهم[3] .

يوحي ورود مادة "ثقف" في كتب اللغة بمضمون حسي تارة، وذهني تارة أخرى بوجود علاقة بين المضمونين، تتحدد بالمقابلة بين معنيين الأول هو المهارة في القتال، ويقابله المهارة في الفهم. وأما الثاني فهو استقامة الرمح، ويقابله استقامة الرجل المثقف أو الثَّقف.

يدل ما تقدم على أن العرب كانوا لا يطلقون على الرجل صفة المثقف أو الثقف إلا إذا توافرت فيه صفتان: الأولى فيزيولوجية، وهي المهارة في الفهم وحدة الذكاء، والثانية: أخلاقية، وهي الاستقامة والتهذيب.

إن استخدام "المثقف" في معناه المتعارف عليه الآن استخدام حديث في اللغة العربية، فلا وجود لهذا المفهوم في كتب المعاجم، ولا كتب التاريخ ولا غيرها، وحتى القرآن الكريم استخدم مادة ثقف مرَّةً واحدة، وبمعنى وجد[4] .

آثار تعريف المثقف جدلاً كثيراً بين الباحثين، فمنذ أن صدرت جريدة "الأورور" الفرنسية بعنوان "إعلان المثقفين" في أواخر القرن التاسع عشر، برزت ردود فعل كثيرة إزاء التعريف الذي قصر صفة مثقف على النخبة المميزة من الكتاب والعلماء وأساتذة الجامعات[5] .

وترجع صعوبة تعريف المثقف إلى أن المثقفين لا يشكلون طبقة مستقلة قائمة بذاتها، بل يتغلغلون في الطبقات المكونة للمجتمع، ويتحركون بحرية على سلم المجتمع صعوداً أو هبوطاً. وعلى الرغم من تعدد تعريفات المثقف يمكن إرجاع هذا التعدد إلى معيارين استند إليهما الباحثون في تعريف المثقف، وهما معيار الثقافة، ومعيار الوظيفة أو الدور.

آ - معيار الثقافة:

اختلف الباحثون حول مستوى الثقافة، الذي يجب على الإنسان أن يحوزه حتى تطلق عليه صفة مثقف، ونميز هنا مستويين هما: الشهادة العلمية، والخبرة الذاتية.

1 - الشهادة العلمية:

ينظر بعض الباحثين إلى المثقف على أنه ذلك الإنسان الذي تلقى تعليماً منظمّاً في مدرسة أو معهد أو جامعة، وحاز بنتيجة ذلك شهادة علمية. وبناء عليه فإن المثقفين "فئة من المتخصصين في تخصصات عملية أو علوم إنسانية، وتتسع هذه الفئة لتشمل المحامين والأطباء والصحفيين والأكاديميين ومعلمي المدارس والاقتصاديين والفنيين، والمهندسين"[6] .

ويتميز هؤلاء المثقفون عن عامة الناس بأن أحكامهم المبنية على التأمل والمعرفة تنجم بصورة أقل مباشرة واقتصاراً على الإدراكات الحسية، ممّا عليه الحال بالنسبة إلى الذين ليسوا بمثقفين[7] .

وينقسم المثقفون أصحاب الشهادات العلمية إلى فئات ثلاث هي:

آ - النخبة المثقفة: وتضم كبار الموظفين والكتاب ورجال العلم والفن، ويعتبر التفلسف سمة بارزة في هذه الفئة، فالمثقف النخبوي هو الذي "يختزل حقيقة الكون والإنسان في صيغة محكمة مترابطة".[8]

ب - أشباه المثقفين: وتضم هذه الفئة صغار الموظفين والإداريين والممرضات. وإذا كانت النخبة المثقفة هي المنتجة للثقافة فإن أشباه المثقفين يقع على عاتقهم نشر الثقافة. وتتميز هذه الفئة بأنها "مجموعة مثقفة شكلاً، وبعيدة من حيث المضمون عن سلوك أهل الفكر، وغيرقادرة على حل المسائل بشكل مستقل، وتفكر وتفعل على مبدأ  الحافز ورد الفعل"[9] .

ج - المثقفون الوسط: وتضم هذه الفئة المهندسين والتقنيين والأطباء، والمتفرغين للعمل السياسي، ومدرسي المعاهد والجامعات، وبعض المثقفين العسكريين، والموظفين المدنيين، وفي هذا الوسط الثقافي يستيقظ أكثر الوعي الوطني والنضالي، والميل الديموقراطي نحو المساواة والعدالة[10] .

ويمكن تقسيم المثقفين ذوي الشهادات على مستوى آخر إلى نوعين، الأول هو المثقف المختص بشؤون الثقافة، والمنتج لثقافة المجتمع،  ويشكل النشاط النظري جوهر فعالية هذا النوع، لذا يتحول مثقفوه إلى نخبة مثقفة، تهتم بالفكر المجرد البعيد عن أمور الحياة والواقع. وثمة عاملان يؤثران في شخصية المثقف المختص هما:

آ - النظام التعليمي الذي يلعب دوراً أساسياً في تحديد درجة وعي المثقف، ويساهم أيضاً في تحديد مواقفه وسلوكه.

ب - قدرات الشخص المثقف وإمكاناته، ومدى استعداده لتحمّل المهمات الملقاة على عاتقه.

أما النوع الثاني من المثقفين أصحاب الشهادات فهو المثقف المهني الذي أهّلته شهادته للعمل في مهنة مدنية أو عسكرية. ولا يدخل هذا النوع في عداد المثقفين إلا إذا مارس أفراده فعالية ذهنية معينة خارج نطاق اختصاصه.

2 - الخبرة الذاتية:

يرى بعض الباحثين أن مفهوم المثقف لا يقتصر على المثقف المختص بشؤون الثقافة، أو الحائز شهادة علمية من مدرسة أو أكاديمية،  بل ثمة نمط آخر تتشكل ثقافته من خبرة الحياة اليومية، ويسمّى المثقف بالخبرة. ويتميز هذا النمط من المثقفين، بما يلي[11] :

آ - يظل أسير الواقع المحلي.

ب - يلتزم بقضايا مجتمعه.

ج - لا يعاني من الاغتراب الثقافي.

ب - معيار الوظيفة أو الدور:

إلى جانب التعريفات التي اتَخَذَتْ المستوى الثقافي معياراً لتعريف المثقف ثمة تعريفات أخرى نظرت إلى المثقف من خلال الدور الذي يقوم به، وحددت في ضوئه فيما إذا كان الإنسان يستحق أن يوصف بالمثقف أو لا. يقول "غرامشي": إن جميع البشر مثقفون، مع الاستدراك بأن جميع البشر لا يمارسون وظيفة المثقفين في المجتمع"[12] .

وللمثقف دور قيادي، هو المشاركة المباشرة في الحياة العملية، وبنائها وتنظيمها، ومن دون هذا الدور سيتحول إلى مثقف اختصاصي فقط، يعيش حياته كفارس منابر، لذا يجب على المثقف أن يحوّل الكلام إلى فعل، والنظرية إلى ممارسة ليتمكّن من تحقيق الغاية البعيدة المنوطة به، ألا وهي "تغيير عقلية المجتمع، وتوعيته، وتعويده على تحكيم العقل والمنطق، بدل الأهواء والمصالح الآنية"[13] .

ولن يصل المثقف إلى هدفه، ولن يؤدي دوره كما يجب إلا إذا تمكن من استخدام ثقافته بشكل سليم وصحيح، وسعى إلى نشر الثقافة الأصيلة، التي تتميز بما يلي[14] :

آ - الاستقلالية، وبذلك تتم مواجهة التبعية الخارجية.

ب - الهدف إلى إنتاج حياة أفضل وأجمل.

جـ- التجدد باستمرار، لأن تخلف الثقافة ينفي دور المثقف.

د - تميّز الثقافة الأصيلة بأنها لا متعالية، لتمكّن الناس من استيعابها وفهمها.

تفرّد "أنطونيو غرامشي"، بالنظر إلى المثقفين من خلال الأصل الاجتماعي للثقافة، وقسّم المثقفين في ضوء التركيب الطبقي للمجتمع إلى نمطين هما: المثقف التقليدي، والمثقف العضوي. يتميز الأول بأنه لا يخرج عن أن يكون مندرجاً في أحد احتمالين: فإما أن يكون مثقفاً لطبقة قد هزمت وتفككت، وإما أن يكون مثقفاً يدّعي الاستمرارية التاريخية لضرب من الثقافة يعدّه المثقف التقليدي فوق كل الصراعات[15] . إن المثقف التقليدي -كما رآه غرامشي- أقرب إلىأن يكون مثقفاً حيادياً، فهو غير ملتزم بشيء، ويدّعي أنه خارج المجتمع وطبقاته، ويرفض أن يعيش في إطار التصور الشامل لأي من الطبقات التي يتكون منها المجتمع.

أما المثقف العضوي فهو الذي يخلص لطبقته، ويجعل فكره متماشياً مع حاجاتها، ومتطلباتها[16] . لذا يجب أن يكون منسجماً مع ذاته، بعيداً عن التناقضات، وممتلكاً التصور الموحد عن العالم، وإلا تحوّل إلى شخصية مركبة بشكل عجيب وشاذ، تجمع بين عناصر إنسان الكهوف ومبادئ العلوم المتقدمة والحديثة[17] .

ومهما يكن الأمر فإننا لا نستطيع أن نقصر مفهوم المثقف العربي على حملة الشهادات العليا، لسببين أولهما أن المجتمع العربي مجتمع تشيع فيه الأمية، وثانيهما أن المثقفين المختصين لا يشكلون في المجتمع العربي سوى الأقلية، في حين يزخر المجتمع العربي بنماذج من المثقفين الذين تثقفوا ذاتياً من خلال خبرة الحياة اليومية، ولاسيما في مجتمع الريف. يقول أحد الباحثين في تعريف المثقف العربي:"وواقع الأمر أن المثقف ليس بالضرورة خريج التعليم العالي، أو الذي حصل على قسط كاف من التعليم، كما أنه ليس الفني المتخصص، فقد تكون هذه المحددات صالحة للتطبيق في مجتمعات غير مجتمعاتنا العربية، وبالتالي نحن في حاجة إلى تصنيفات أخرى في ضوء رؤية واقعنا العربي وظروفه الخاصة، إذ تشير الخبرة التاريخية بمجتمعاتنا العربية- إلى جانب الأنماط والشرائح المثقفة والمتخصصة الفنية- إلى وجود نمط آخر نشير إليه بنمط المثقف بالخبرة"[18] .

أما وظيفة المثقف العربي فهي الالتزام بقضايا المجتمع والأمة العربية، بحيث لا يكون مثقفاً إذا ابتعد عن هموم مجتمعه وقضايا أمته. وفيما يخص المستوى الثقافي يجب أن تتوافر في المثقف العربي القاعدة/التعليم المنظم، أو الاستثناء/، التعليم الذاتي[19] .

أجمع الباحثون على أن بدايات ظهور المثقف العربي الحديث ترجع إلى الفترة التي حدث فيها اتصال الشرق بالغرب[20] ، وذلك لما أحدثته الثقافة الأوروبية من تأثير عميق في بنية المجتمع العربي الذي ظهرت فيه أفكار جديدة لم تكن موجودة من قبل.

يقول "ألبرت حوراني" مؤكداً دور أوروبة في ظهور المثقف العربي:".... وبفضل الإرساليات وحماية فرنسة، نشأت شبكة من المدارس الكاثوليكية في كل مكان تقطنه طوائف كاثوليكية، أو قابلة لأن تصبح كاثوليكية، وبنوع خاص في لبنان وحلب. وفي قلب الكنيسة الكاثوليكية في روما تأسس عدد من المعاهد لتنشئة إكليروس كاثوليكي مثقف ومستقيم العقيدة، كالمعهد الماروني والمعهد اليوناني، ومعهد جمعية نشر الإيمان.

وقد برز من الطوائف المسيحية التي أنشأتها، أو عززتها الإرساليات فريق من المثقفين وعوا عوالم أوروبة الجديدة، بل اعتبروا أنفسهم بمعنى من المعاني جزءاً منها"[21] .

لم تكن استجابة مثقفي اليقظة العربية للثقافة الأوروبية واحدة، فقد أفرز اتصال الشرق بالغرب ثلاث فئات من المثقفين، وقفت من الثقافة الأوروبية مواقف متباينة، وهذه الفئات هي:

 آ - المثقفون المحافظون الذين رفضوا الحضارة الغربية، وتمسكوا بالقديم فكراً وأسلوباً.

ب - المثقفون العلمانيون الذين قبلوا الحضارة الغربية دون شروط ولا قيود.

ج - المثقفون الإصلاحيون الذين حاولوا الجمع بين القديم الموروث، والحديث الوافد.

ينتمي أصحاب الموقف الرافض للحضارة الغربية إلى طبقة العلماء التي هيمنت على الثقافة العربية فترة طويلة من الزمن، امتدت من الاحتلال العثماني للوطن العربي وحتى مشارف القرن العشرين، وتلقت هذه الفئة ثقافة تقليدية دينية كالتي انتشرت في الكتاتيب، وحلقات المساجد، فكان على "العالِم" أن يطلع على أمور الدين من قرآن كريم وحديث شريف وشروح وتفاسير، بالإضافة إلى قواعد اللغة العربية.

وكان للعلماء دور بارز في القرى والمدن، فاضطلعوا بمعظم الواجبات الهامة، كالقضاء، والتوجه الديني والسياسي، وتعليم الصغار، وعقد الزواج والصلاة على الموتى، وكانوا ذوي مكانة رفيعة عند السلطان، لما لهم من تأثير كبير في الناس[22] .

وقد آمن العلماء بإمكانية بعث الحضارة العربية الإسلامية من جديد، وبالصورة التي كانت عليها أيام الرسول ص وأصحابه الراشدين، لذا كان من الصعب عليهم تقبّل الحضارة الغربية، واعتبروها ضرباً من الكفر والإلحاد.

أما المثقفون العلمانيون الذين قبلوا الحضارة الغربية فجلّهم من المسيحيين الذين لم يجدوا غضاضة في التمسك بالثقافة الغربية، والتخلي عن العادات والقيم التي آمن بها المجتمع المحيط بهم، وذلك لما عانوه في ظل الاحتلال العثماني للوطن العربي من غربة عن المجتمع الإسلامي، لمجرد كونهم مسيحيين؛ وهكذا لم تكن أوروبة غريبة عن المثقفين المسيحيين، كما كانت بالنسبة إلى المثقفين المسلمين، لذا لم يشعر المثقف المسيحي عندما اتصل بالغرب بأنه غير منسجم مع نفسه، أو بحاجة إلى تبرير عمله أمام معاصريه أو أجداده[23] .

وأما المثقفون الإصلاحيون فقد حاولوا التوفيق بين الفئتين السابقتين، بين الرفض المطلق، والقبول المطلق، فهم أدركوا أن الغرب مصدر تهديد للشرق وللإسلام، ولكنهم توصلوا إلى أن الحل لا يكون بإغلاق الأبواب أمام الغرب، ولا بفتحها على مصاريعها، وأن حماية المجتمع الإسلامي لا تتحقق إلا بالاستجابة للغرب بطريقة إيجابية[24] . لقد نظر المثقفون الإصلاحيون إلى الغرب على أنه حضارة مادية فقط، وإلى الشرق على أنه حضارة روحانية، ورأوا ضرورة المزاوجة بين العناصر المادية الغربية، وروحانية الشرق، ودعوا إلى أخذ العلوم البرانية ونبذ العلوم الجوانية[25] .

ومهما يكن الأمر فإن لاتصال المثقفين العرب بالغرب نتائج سلبية، وأخرى إيجابية[26]  ويمكن ردّ النتائج السلبية على الرغم من كثرتها إلى شعور المثقف غير الغربي بالاغتراب الاجتماعي والثقافي، والانفصال عن قضايا المجتمع،  ومعاناته من دراما روحية قاسية لشعوره بأنه موزع بين ثقافتين في وقت واحد. وأما النتائج الإيجابية فقد تجلت في إثراء الرصيد الثقافي العربي، وبروز فئة المثقفين المحدثين، وبالدفع إلى التغيير. لقد تمكن العرب من الاتصال بالغرب في منتصف القرن التاسع عشر، فتأثروا كثيراً برخاء الغرب وتقدمه، وأقاموا مقارنة بين مظاهر القوة والرخاء في الغرب، وبين مظاهر الضعف والفقر والتخلف التي يعانيها المجتمع العربي في ظل الاحتلال العثماني، وخلصوا من هذه المقارنة إلى ضرورة إحداث التغيير في المجتمع وعلى الأصعدة كافة.

ولكن الصورة المشرقة التي بدا عليها الغرب من خلال الدور الإيجابي الذي لعبته حضارته، ومساهمته في القضاء على الدولة العثمانية، تقابلها صورة أخرى بدأت معالمها تتوضح مع نهاية الحرب العالمية الأولى التي كشفت النقاب عن الوجه الاستعماري للغرب، وعن أطماعه التوسعية، وحضارته اللا إنسانية. لقد سعى الغرب إلى تفكيك أوصال الرجل المريض، والإجهاز عليه، ولكنه لم يفعل ذلك إلا ليحل محلّه، فاقتسم الوطن العربي، ومنع العرب من قطف ثمار ثورتهم على العثمانيين، وشجع الطائفية والعشائرية وتصدى لحركات التحرر الوطني.

لقد أثر هذا الوضع الجديد في مواقع المثقفين ومواقفهم، فبنتيجة المعطيات الجديدة حدث تغيّر في ترتيب المثقفين العرب من حيث الأهمية، وانتقل مركز الاهتمام من المجالات الدينية والفكرية إلى المجال السياسي[27] .

لقد أفرز الوضع الجديد فئتين من المثقفين العرب، الأولى رفضت الغرب على الصعيد السياسي وتقبلته على الصعيد الحضاري، وأما الثانية فقد رأت أن رفض الغرب أصبح واجباً على الصعيدين السياسي والحضاري معاً. وقد ساهم في ظهور الفئة الثانية أمران: أولهما أن التأثير النفسي للاستعمار والإمبريالية على المثقفين العرب، ولاسيما الجيل الجديد كان هائلاً، ممّا أدى إلى شعور هؤلاء الشباب بالنقص والكبت والعدمية واليأس، وبالتالي التمرد، ورفض الغرب الاستعماري سياسياً وحضارياً[28] . وأما ثانيهما فيرجع إلى ظهور نظام جديد لا هو رأسمالي ولا استعماري، إنه النظام الاشتراكي الذي توجه إليه المثقفون العرب بعد أن دخل هذا النظام معترك الحياة في الثلاثينيات، كقوة جديدة، تتبنّى كل ماهو تقدمي وإنساني في الحضارة البشرية.

وعلى الرغم من أن المثقفين العرب لم يكونوا القوة الأولى المقاومة للاستعمار[29] ، فإننا لا نستطيع أن ننكر الدور الهام والأساسي للمثقفين في قيادة حركات الاستقلال، وقد مرّ المثقفون قبل الاستقلال بثلاث مراحل هي[30] :

1 - مرحلة هضم ثقافة المستعمِر المحتل.

2 - مرحلة الاقتراب من الشعب.

3 - مرحلة تنظيم الشعب، وحثّه على النضال.

وإذا كانت الأنتلجنسيا تبدو متوحدة ومتماسكة في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، فإنها تبدأ بالانقسام، وتتوضح الحدود في داخلها بعد الاستقلال، وقيام الدولة الوطنية[31] . ويمكن أن نتبين قسمين من المثقفين، الأول: حصد الثمار الأساسية للاستقلال، بوصوله إلى الأماكن الإدارية والحكومية التي كانت للاستعمار، والثاني: أصيب بخيبة الأمل، وتحوّل إلى قوة معارضة للنظام الجديد. ويمكن أن نجد ثلاث فصائل للأنتلجنسيا الوطنية بعد الاستقلال هي[32] :

1 - فصيل يلتحم مع القوى الحاكمة الجديدة، ومع البورجوازية البيروقراطية.

2 - فصيل الأنتلجنسيا الديمقراطية، المدافعة عن مصالح الشرائح الوسطى.

3- فصيل الأنتلجنسيا الثورية، الأقرب إلى جماهير الفلاحين والعمال.

وكان للمثقفين العرب دور بارز وأساسي على صعيد الأحداث السياسية التي عصفت بالمجتمع العربي بعد الاستقلال، كالوحدة السورية-المصرية عام 1958، والقضية الفلسطينية التي كانت تجربة عميقة الجذور في نفوس المثقفين، عاشوها بكل تفاصيلها، وكذلك نكسة حزيران، وما تركته في نفوس المثقفين من أسىً ومرارة، في حين وجد المثقفون في حرب تشرين متنفساً لهم، بعد سلسلة من الهزائم المبكرة.



[1]  انظر: ابن منظور، 1988، لسان العرب ط1، تحقيق علي شيري- دار إحياء التراث العربي، بيروت.

[2]  الميداني أبو الفضل، د.ت- مجمع الأمثال ط1، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد- دار النصر، دمشق، ص 158.

[3]  انظر: لسان العرب. مادة "ثقف"، وانظر أيضاً مادة "ثقف" في الفيروز آبادي، 1330اهـ، القاموس المحيط، المطبعة الحسينية، مصر، ج3، ص 121.

[4]  قال تعالى:" واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولاتقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين" سورة البقرة، الآية رقم 191.

[5]  انظر: زهران. جمال علي، 1988- تأثير الأوضاع المجتمعية على دور المثقف العربي،مجلة الوحدة العدد 40، ص 34.

[6]  سمارة. عادل: 1991- مثقف ثوري أم مثقف كامبي، قضايا وشهادات الثقافة الوطنية1، مؤسسة عيبال، قبرص، العدد 4، الخريف، ص 141.

[7]  انظر: سعد، أحمد صادق: 1988- إشكالية التوصيف الاجتماعي للمثقف المصري، مجلة الوحدة، الرباط، العدد 40ـ ص 55. نقلاً عن موسوعة العلوم الاجتماعية.

[8]  نجيب، محمود زكي: 1981- هموم المثقفين ط1- دار الشروق، بيروت، ص 12.

[9]  مكسيمنكوف، ف: 1983- نشأة الأنتلجنسيا الأفرو آسيوية. تر: شوكت يوسف، المعرفة، العدد 262، ص 50.

[10]  انظر: المثقفون والتقدم الاجتماعي، مجموعة من الباحثين، تر: شوكت يوسف، وزارة الثقافة، دمشق 1984، ص 27.

[11]  انظر المثقف العربي والالتزام الإيديولوجي، أحمد حجازي، مجلة الوحدة، 1988، العدد 40- ص 23.

[12]  غرامشي، أنطونيو، 1971- قضايا المادية التاريخية ط1- دار الطليعة، بيروت ص 131.

[13]  ابن عبد الحي. محمد، 1992- المثقف المنزلة والدور، مجلة المعرفة، العدد 347، ص 173.

[14]  انظر معالم على طريق تحديث الفكر العربي، عالم المعرفة، 1987، العدد 115- المجلس الأعلى للثقافة، الكويت، ص46.

[15]  انظر من الثقافة المركزية إلى الثقافة الوطنية، يوسف سلامة، قضايا وشهادات، الثقافة الوطنية1، مؤسسة عيبال، قبرص 1991، العدد 4، ص 371.

[16]  انظر المرجع نفسه، ص 380.

[17]  انظر فكر غرامشي، كارلوس ساليناري، تر:تحسين الشيخ علي- دار الفارابي- بيروت، ج1، 1976، ص 177.

[18]  المثقف العربي والإلتزام الإيديولوجي، مرجع سابق، ص 23، وانظر أيضاً ماكتبه محمد كامل الخطيب في مقدمة كتابه "الرواية والواقع": "معروف أن اصطلاح المثقف مايزال شديد العمومية، وبعيداً عن التحديد في مجتمعات البلدان النامية، فهو يشمل الطبيب والمهندس والموظف والكاتب والمعلم، وربما كاتب الرسائل في القرية، إنه يشمل أصحاب الاتجاهات التقدمية مثلما يشمل أصحاب الاتجاهات الرجعية، ويبدو أنه مايزال من المبكر بالنسبة لهذه المجتمعات التمييز بين المتعلم وبين المثقف".ص5.

[19]  انظر تأثيرات الأوضاع المجتمعية  على دور المثقف العربي، مرجع سابق، ص 37.

[20]  انظر المثقفون العرب والغرب، هشام شرابي- دار النهار، بيروت، 1971، ص 16، وانظر أيضاً المثقفون والتقدم الاجتماعي ص 43.

[21]   حوراني، ألبرت، 1977-الفكر العربي في عصر النهضة، 1798-1939، ط3، تر:كريم عزقول- دار النهار، بيروت، ص 77، وانظر أيضاً ص 89، وانظر أيضاً- المثقفون العرب والغرب مرجع سابق ص 64-65.

[22]  لمزيد من الاطلاع على طبقة العلماء ترجى العودة إلى "المثقفون العرب والغرب" مرجع سابق ص 25-27.

[23]  انظر: "الفكر العربي في عصر النهضة"، مرجع سابق ص 121-122، وأيضاً: "المثقفون العرب والغرب"، مرجع سابق ص 28-31.؟

[24]  انظر: المثقفون العرب والغرب مرجع سابق ص 37.

[25]  أول من دعا إلى أخذ العلوم البرانية من الغرب ونبذ العلوم الجوانية الجبرتي في تاريخه ورفاعة الطهطاوي في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، انظر: الخطيب. محمد كامل، 1976، - المغامرة المعقدة- وزارة الثقافة، دمشق، ص 26-30.

[26]  هذه النتائج أجملها محمد أحمد إسماعيل علي في مقاله "المثقف العربي بين التغريب والأصالة"، مجلة الوحدة، العدد 40 عام 1988، ص 6-16.

[27]  انظر: المثقف العربي بين التغريب والأصالة، ص 13.

[28]  انظر: المثقفون العرب والغرب، مرجع سابق ص 137.

[29]  انظر: المثقفون والتقدم الاجتماعي مرجع سابق ص 43.

[30]  انظر: معذبو الأرض، فرانز فانون، تر: جمال الأتاسي وسامي الدروبي، ط2، دار الطليعة، بيروت 1966، ص 209-210.

[31]  انظر : نشأة الأنتلجنسيا الآفرو آسيوية، مكسيمنكو، تر: شوكت يوسف، مجلة المعرفة، 1983، العدد 262، ص 53.

[32]   انظر: المثقفون والتقدم الاجتماعي، مرجع سابق ص69.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244