شخصية المثقف في الرواية العربية السورية - محمد رياض وتار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المقدّمـة.

لدراسة شخصية المثقف في الرواية العربية السورية أبعاد فكرية وفنية، وتأتي أهميتها من أن هذا الموضوع سيكون في شكل من الأشكال محرقاً لالتقاء حقول معرفية متعددة، لذا من الواجب علينا أن نتاخم بين الرواية كفن أدبي، ومرجعياتها الثقافية والاجتماعية.‏

وعلى الرغم من أهمية الموضوع فإنا لا نجد من تصدى لمعالجته، والاستثناء الوحيد هنا هو كتاب الأدب والإيديولوجيا في سورية 1967-1973(1) ، لمؤلفيه بوعلي ياسين ونبيل سليمان، وكان الهدف من تأليف الكتاب هو دراسة الأدب العربي السوري من زاوية نظر سياسية ووضع كل أديب في موقعه من الهرم الطبقي للمجتمع السوري من خلال الوصول إلى تحديد إيديولوجيا الكتاب. وقد قوبل الكتاب بعاصفة من الاستهجان، وأشار النقاد إلى أخطائه وسقطاته، كتغليب السياسي على الأدبي، وإخضاع الأدب للسياسة، وعدم معرفة مؤلفي الكتاب بكيفية انعكاس الإيديولوجيا في النص الأدبي(2) .‏

وإذا كنا لا نجد دراسة خاصة بشخصية المثقف في الرواية العربية السورية فإننا نجد دراسات وأبحاثاً تناولت -بشكل مباشر أو غير مباشر- شخصية المثقف في الرواية العربية، ولاسيّما الرواية العربية المصرية. فقد أفرد الباحث عبد السلام محمد الشاذلي دراسة خاصة عن شخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة(3) ، فدرس هذه الشخصية في روايات طبعت خلال الفترة الممتدة من عام 1882 إلى عام 1952. وعلى الرغم من أن العنوان يدل على أن الباحث تناول في بحثه الرواية العربية إلا أن القارئ لا يجد سوى الرواية العربية المصرية.‏

وقد اختار الباحث لدراسته المنهج التاريخي نظراً لامتداد الفترة التي يبحث فيها من جهة ولتطور الرواية- خلال الفترة المحددة للبحث- وتباينها من جهة أخرى. وقسم الباحث بحثه بموجب هذا المنهج إلى ثلاثة أبواب، تناول في الأول شخصية المثقف في الرواية التعليمية، وفي الثاني شخصية المثقف في الرواية الرومانسية، وفي الثالث شخصية المثقف في الراوية الواقعية وخلص الباحث إلى تحديد سمات الشخصية المثقفة في الرواية من خلال المذاهب الأدبية، فالمثقف في الرواية التعليمية يتميز بأنه رجل مواعظ، أما المثقف في الرواية الرومانسية فهو مثقف تتحكم فيه الأهواء والعواطف.‏

أما مفهوم المثقف لدى الباحث فهو المثقف المتخصص بنشر الثقافة، فهو كما يعرفه الباحث - إنسان علم ومعرفة ومواقف حضارية عامة. وقد رصد الباحث شخصية المثقف من خلال زاويتين هما: موقفه من الحضارة، وموقفه من الفلاحين، وأغفل المواقف الأخرى.‏

وعالج الباحث سماح إدريس في كتاب "المثقف العربي والسلطة"(4) مواقف المثقفين -كما تبدت في الرواية العربية- من جمال عبد الناصر وقسّم الباحث الشخصيات المثقفة بحسب مواقفها السياسية فدرس المثقف الموالي ولاءً مطلقاً، والمثقف الموالي ولاء نقدياً، والمثقف الرافض، والهروبي والاعتذاري. ولفت الباحث انتباه القارئ إلى أن هذه التقسيمات لا تعتبر نهائية، ولا تهدف إلى تسييج المثقفين السياسيين ومنع تنقلهم من أرض فكرية إلى أخرى.‏

ولم يكتف الباحث بدراسة الموقف السياسي للشخصيات المثقفة، بل عرض لمحاور الرواية السياسية، وبين من خلال هذه المحاور مواقف المثقف السياسي من الوظيفة والجماهير والدين والمرأة والحزب المعارض والمثقف الآخر.‏

ويؤخذ على دراسة الدكتور سماح إدريس عدم وضوح مفهوم المثقف، بالإضافة إلى إغفالها للإيديولوجيا بحجة أنها لا تقدم تقييماً مقنعاً لمواقف الشخصيات المثقفة من النظام الناصري، على الرغم من أن الباحث أكد أن للأيديولوجيا دوراً كبيراً في تحديد المواقف السياسية للشخصيات المثقفة.‏

ودرس الناقد محمد كامل الخطيب في كتاب "الرواية والواقع"(5) ، شخصية المثقف في عدد من الروايات العربية، وقد قسم الباحث البحث إلى قسمين، عرض في القسم الأول لشخصية المثقف في روايات جبرا إبراهيم جبرا وحليم بركات وهاني الراهب، وخصص القسم الثاني لدراسة العلاقة بين الأيديولوجيا والأدب، أما المقدمة فعرض فيها الباحث لمفهوم المثقف العربي، وأكد ضرورة مراعاة طبيعة المجتمع العربي الذي ينتشر فيه الجهل والأمية، ممّا يجعل كاتب الرسائل في القرية مثقفاً.‏

وعلى الرغم من أهمية القسم الثاني الذي أظهر قدرة الباحث على فهم العلاقة بين النص الأدبي والإيديولوجيا، وكيفية انعكاس الأيديولوجيا في النص الروائي، فإن الباحث لم يحلل النصوص الروائية التي اختارها تحليلاً عميقاً، بالإضافة إلى قلة النصوص الروائية المدروسة، واقتصار البحث على دراسة المثقف المعزول.‏

واهتم الباحث أحمد محمد عطية بشخصية المثقف الثوري في كتاب "البطل الثوري في الرواية العربية الحديثة"(6) ، فدرس هذه الشخصية في عدد من الروايات، كرواية "اللاز" للطاهر وطار وروايات إسماعيل فهد إسماعيل، وروايات عبد الرحمن الربيعي، ورواية "ثائر محترف" لمطاع صفدي، ومن الواضح أن الروايات المختارة لا تساعد على تشكيل حكم نقدي شامل عن المثقف الثوري، بالإضافة إلى أن الباحث أغفل إيديولوجيا الشخصيات المثقفة، واكتفى في دراسته لرواية مطاع صفدي "ثائر محترف" بالإشارة إلى الوجودية كمصدر لأفكار الشخصية المثقفة دون أن يتعمق في تحليل هذه الإيديولوجيا وتأثيرها في مواقف الشخصية المثقفة وسلوكها.‏

أما محمد عزام فدرس في كتاب "البطل الإشكالي في الرواية العربية المعاصرة"(7) . شخصية المثقف الإشكالي، وهو بطل مثقف، أطل على الحضارة العربية وآمن بقيمها، ورغب في تحديث مجتمعه وفقاً لها. وقد جعل الباحث كتابه في بابين، درس في الباب الأول موقف المثقف من الحضارة الغربية، وخصص الباب الثاني لدراسة المثقف الثوري، وقد قسم الباحث كل باب إلى ثلاثة فصول، وذلك بحسب موقف المثقف من الحضارة أو الثورة فعلى صعيد موقف المثقف من الحضارة الغربية ثمة المثقف الذي ألغى المثاقفة، وتخلى عن ثقافته الغربية، كشخصية إسماعيل في رواية يحيى حقي "قنديل أم هاشم"، الذي ارتد إلى الخرافة وترك العلم، وشخصية مصطفى سعيد في رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، الذي اختار العزلة بعيداً عن الناس والحياة. وهناك أيضاً المثقف الذي تخلى عن قيمه الحضارية، وكانت المثاقفة بالنسبة إليه جواز سفر إلى تحقيق الأنانية والمصالح الشخصية، كشخصية إدريس بطل رواية "جيل الظمأ" لمحمد عزيز الحبابي، الذي عاد من الغرب إلى وطنه فوجد البون شاسعاً بين مثالياته التي تعلمها في الغرب، وواقع التخلف والفساد المستشري في بلاده، وهنا وجد هذا المثقف نفسه أمام اختيارين: فإما أن يرفض الطبقة المسيطرة والمستغِلة، وإما أن يصبح واحداً من أولئك الذين يقفزون إلى نهاية المضمار، ويتحولون إلى مثقفين انتهازيين ووصوليين لاتهمهم سوى مصالحهم الشخصية، وقد اختار إدريس أن يكون من النمط الثاني، وتخلى عن قيمه الحضارية. وهناك إلى جانب النوعين السابقين المثقف المخلص لمبادئه وهذا المثقف يتمزق بين انتماءين متناقضين، أحدهما يشده إلى الوطن حيث التخلف، وثانيهما إلى الغرب حيث التقدم والمعاصرة، ويتميز هذا المثقف بالإخلاص للضدين معاً، لذا فهو رافض ومرفوض، سلبي وإيجابي في آن واحد.‏

وقد قدم الباحث في الباب الثاني ثلاثة أنماط للمثقف الثوري هي:‏

1- المثقف الثوري المتقاعد ومثله "كرم" بطل رواية مطاع صفدي "ثائر محترف"، 2 - المثقف الثوري المنتحر، ومثله "عربي" بطل رواية تيسير سبول "أنت منذ اليوم"، 3 - المثقف الثوري المهاجر، ومثله "بشر" بطل رواية محيي الدين زنكة "بحثاً عن مدينة أخرى".‏

وقسم علي الفزاع الشخصيات المثقفة في كتابه "جبرا إبراهيم جبرا -دراسة في فنه القصصي"(8) إلى قسمين، أولهما شخصيات مثقفة غير ملتزمة بإيديولوجيا معينة، كشخصية عصام السلمان في رواية "السفينة"، وقد لاحظ الباحث أن هذه الشخصيات غالباً ما تكون غنية أو تنحدر من أسرة غنية. وقد تحامل -جبرا -كما يقول الباحث- على هذه الشخصيات المثقفة وسخر منها، ووصفها بأبشع الصفات والنعوت، وحملها مسؤولية سقوطها وإخفاقها.‏

وصدر عن مطبوعات جامعة الجزائر كتاب بعنوان "صورة المثقف في القصة القصيرة الجزائرية"(9) . وقد عالج قضايا هامة تتعلق بالمثقف، كموقفه من الصدام الحضاري، والمرأة، والثورة، والسلطة، بالإضافة إلى وقوفه عند بعض الخصائص الفنية لشخصية المثقف، ولاسيما العلاقة بين الشخصية المثقفة والراوي. وعلى الرغم من أن الكتاب عرض لمسائل هامة فإن موضوعه لا يقدم تصوراً شاملاً عن المثقف وتحولاته ومواقفه.‏

إن واقع الحركة النقدية في تصديها للشخصية المثقفة في الرواية العربية أو السورية يشكل عاملاً هاماً في اختيار شخصية المثقف كموضوع لهذه الدراسة. ويأتي ذلك انطلاقاً من الرغبة في تلافي ما أمكن من السلبيات والنواقص التي وسمت الدراسات المماثلة. وأهمها عدم تحديد مفهوم المثقف، والاقتصار على نموذج واحد من نماذج المثقفين، وإغفال إيديولوجيا الشخصية، وتأثيرها في مواقفها وسلوكها.‏

أما اختيارنا للفترة الممتدة من عام 1967 إلى عام 1990 كمجال يتحرك فيه البحث فيرجع إلى سببين، أولهما أن الرواية العربية السورية بدأت تعي نفسها، وتمتلك صوتها الخاص في السبعينات، كما أنها كفت عن تقليد الرواية العربية المصرية التي دارت الراوية العربية السورية في فلكها في الخمسينات والستينات، وأما ثانيهما فيرجع إلى أن الروايات التي طبعت خلال الفترة المحددة للبحث رصدت مجمل الأحداث التي عصفت بالمجتمع العربي السوري، بدءاً من الاستقلال ومروراً بالوحدة السورية المصرية، وانتهاءً بحرب تشرين التحريرية.‏

إننا ننظر إلى الرواية على أنها عمل فني، والمجتمع فيها مجتمع متخيل، يحاكي الواقع الخارجي دون أن يطابقه أو ينسخه، لذا انطلقنا في دراسة الشخصية المثقفة من مجتمع الرواية، وحاولنا استخلاص الطرق التي اعتمدها الروائيون في تصويرهم لشخصية المثقف، واستفدنا بصدد إيديولوجيا الشخصيات المثقفة وكيفية انعكاسها في النص الروائي من جهود الناقد الروسي ميخائيل باختين الذي اعتبر أن العمل الروائي يحتوي على مجموعة من الشخصيات تمثل إيديولوجيات متصارعة ومتصادمة.‏

كما حاولنا أن نكشف عن الإيديولوجيا التي تبثها الرواية عن طريق دراسة إيديولوجيا الشخصيات المثقفة في النص الروائي، معتمدين في ذلك على المنهج التحليلي الشمولي الذي يسعى إلى الإفادة من مناهج متعددة في تحليل النص الروائي.‏

وبما أن هذا البحث يهدف إلى تشكيل مشهد عام لشخصية المثقف في الرواية العربية السورية، فقد سعينا إلى استخلاص الرؤية العامة من مجموعة أعمال روائية بعد تحليل الشخصيات المثقفة في النماذج الروائية المختارة وإجراء التقاطع بينها.‏

وقد جعلنا البحث في ستة فصول مسبوقة بتمهيد ومشفوعة بخاتمة، فمهدنا للبحث بالحديث عن مفهوم المثقف لدى الباحثين والمختصين، وخلصنا بعد ذلك إلى مفهوم المثقف العربي، وتحدثنا عن نشأته ومواقفه من قضايا المجتمع العربي، واتخذنا المفهوم الذي خلصنا إليه مقياساً حددنا في ضوئه الشخصية المثقفة في نص الرواية.‏

أما الفصول فقد خصّصنا الثلاثة الأولى منها لدراسة مواقف الشخصيات المثقفة فدرسنا في الفصل الأول موقف المثقف من الحضارة، ودرسنا في الفصل الثاني موقف المثقف من قضايا المجتمع، كالموقف من المرأة، والريف والمدينة وطبقات المجتمع، ودرسنا في الفصل الثالث موقف المثقف من قضايا السياسة، كوقفه من الاستقلال الوطني والنضال القومي؛ وأشرنا في الفصل الرابع إلى نماذج الشخصيات المثقفة، كالمثقف الثوري والتراثي واللامنتمي، ثم أفردنا الفصل الخامس لدراسة المرجعية الثقافية للشخصيات المثقفة، وضمناها الحديث عن مسؤولية المثقف ودوره وأزماته، في حين خصصنا الفصل السادس للحديث عن قضية فنية هامة هي أدوات التجسيد الفني لشخصية المثقف.‏

واعتمدنا في البحث على مصادر ومراجع متنوعة، منها ما يتعلق بالنظرة الروائية ومنها مايعالج موضوع المثقف ولو جزئياً، ولكن يبقى أنّ النص الروائي هو الذي يفصح عن نفسه،ويقدم طروحاته ومشكلاته.‏

وأخيراً، لا نزعم أن هذا البحث وصل إلى حلول نهائية، أو تصورات ونتائج لا تقبل الجدل، وإنما أقصى مايطمح إليه هو أن يكون خطوة على الطريق لابد أن تتبعها خطوات، ومحاولة لابدّ أن تليها محاولات ليُستكمل درس موضوع شاق وهام في الوقت نفسه.‏

(1) سليمان، نبيل : بالاشتراك مع بوعلي ياسين، 1985- الأدب والإيديولوجيا في سورية ط2- دار الحوار، اللاذقية.‏

(2) قام نبيل سليمان بالاشتراك مع محمد كامل الخطيب بجمع النقاشات التي دارت حول "الأدب والإيديولوجيا في سورية"، في كتاب بعنوان "معارك ثقافية في سورية 1975-1977". دار ابن رشد، بيروت، 1979.‏

(3) الشاذلي. عبد السلام محمد، 1985- شخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة ط1- دار الحداثة، بيروت.‏

(4) إدريس. سماح: المثقف العربي والسلطة 1992بحث في روايات التجربة الناصرية ط1- دار الآداب، بيروت.‏

(5) الخطيب. محمد كامل، 1981- الرواية والواقع ط1- دار الحداثة، بيروت.‏

(6) عطية. أحمد محمد، 1977 - البطل الثوري في الرواية العربية الحديثة- وزارة الثقافة، دمشق.‏

(7) عزام، محمد، 1992، البطل الإشكالي في الرواية العربية المعاصرة ط1- دار الأهالي، دمشق.‏

(8) الفزاع، علي: 1985- جبرا إبراهيم جبرا- دراسة في فنّه القصصي ط1- دار المهد، عمّان.‏

(9) عدد من المؤلفين، د.ت- صورة المثقف في القصة القصيرة الجزائرية المكتوبة بالعربية- مطبوعات جامعة الجزائر، الجزائر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244