شخصية المثقف في الرواية العربية السورية - محمد رياض وتار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول موقف المثقف من الحضارة

آ - المثقف والصدام الحضاري بين الشرق والغرب.‏

تصدت الرواية العربية منذ نشوئها لمسألة الصدام الحضاري بين الشرق والغرب(1) . وقد تبدّى اللقاء بين الشرق والغرب في الرواية بشكل أكثر وضوحاً من باقي الأجناس الأدبية الأخرى، لقدرة الرواية على عكس العملية الاجتماعية، وتمثلها في حركة نموها وتطورها، وتعقيداتها(2) .‏

وثمة سببان أدّيا إلى اقتران بواكير الرواية العربية بالصدام الحضاري بين الشرق والغرب، أولهما أن الجنس الروائي جنس وافد من الغرب، وبحكم قانون التقليد الذي يحكم البدايات الأولى لكل فن، كان من الطبيعي أن يظهر الغرب كأحد المكونات الأساسية في الرواية العربية، فظهرت روايات عربية لها صبغة غربية، من حيث المكان والأشخاص، كرواية " نهم "، لشكيب الجابري، التي وُصِفَتْ بأنها رواية غربية كُتِبت باللغة العربية(3) .‏

وأما ثانيهما فيرجع إلى أن الروائيين الأوائل كانوا طلاباً في جامعات الغرب، وعندما عادوا إلى بلدانهم، وأرادوا ممارسة كتابة الرواية وجدوا في الفترة التي قضوها في الغرب تجربة ثرة. إن "الجابري" و"توفيق الحكيم" اللذين يعتبران رائدين للرواية التي رصدت العلاقة بين الشرق والغرب، درسا في الغرب، الأول درس في ألمانيا، والثاني في فرنسا.‏

وقد ظلت الرواية العربية التي تصدّت للعلاقة بين الشرق والغرب تدور في فلك رواية "عصفور من الشرق"، التي تعتبر أول رواية عربية رصدت تلك العلاقة.‏

وعلى الرغم من أن الروايات التي جاءت بعد "عصفور من الشرق" حاولت أن تعمق مسألة الصدام بين الشرق والغرب، فإنها لم تستطع أن تتحرر من الإطار العام الذي رسمته تلك الرواية، وهو إطار الطالب الذي يذهب إلى الغرب للدراسة ويتعرف هناك إلى فتاة أوروبية أو أكثر(4) .‏

ويرجع شيوع هذا الإطار العام في الرواية العربية التي تصدت للعلاقة بين الشرق والغرب إلى أمرين: أولهما أن الروائيين كانوا يعبرون في رواياتهم عن تجاربهم الذاتية التي عاشوها في بلاد الغرب عندما كانوا طلاباً. وثانيهما أن تجربة العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب كانت آنذاك في طور التأسيس، ولم تتشعب بعد لتأخذ أبعاداً أخرى، عبّرت فنياً عنها الروايات اللاحقة، ولاسيّما الروايات التي طبعت بعد عام 1967، فقبل العام المذكور كان الروائي العربي "متمحوراً حول الذات الفردية والقومية، فمن توفيق الحكيم إلى يحيى حقي إلى عباس محمود العقاد... بدا الكاتب ينظر إلى الآخر من خلال ذاته، فيراه جنساً، إلحاداً، خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً، على نحو ما بدا عليه الفكر الغربي خلال فترته المعروفة بالمركزية الأوروبية، متمحوراً حول الذات، لا ينظر إلى الآخر إلا عبر موشورها، الأمر الذي عنى أن لا يبصر في الآخر إلا صورة ذاته. وبالتالي فإن تشخيص الفكر الغربي في هذه الفترة للفكر البدائي البربري الوحشي في الآخر لم يكن غير تشخيص لذاته. لكن الفكر الغربي لم يلبث أن شهد نقلة أخرى، تحاول أن تنظر للآخر. بمنظاره هو، فظهر شتراوس وأقرانه من الإناسيين الذين فتحوا آفاقاً جديدة للفكر الغربي، يخرج فيها إلى هذا الحد أو ذاك من الشرنقة، ومن الإطلاقية الملازمة لهذا التشرنق"(5) .‏

أما جديد الرواية العربية في معالجة مسألة الصراع الحضاري فيمكن أن نعثر عليه بعد نكسة حزيران، وخلال السبعينات، والشطر الأول من الثمانينات، دون أن يعني ذلك انتفاء ما حكم مسار الرواية العربية قبل هذا التاريخ(6) .‏

لقد تميزت الرواية التي عالجت موضوع اللقاء بين الشرق والغرب بأن بطلها مثقف، وذلك لأن الصدام الحضاري لا يمكن أن يخوض غماره إلا مثقف، يفكر ويحب الاطلاع، ويستوعب مايجري حوله، بالإضافة إلى التماهي بين البطل والكاتب في معظم الروايات التي وصفها الناقد "جورج طرابيشي" بأنها أقرب إلى السيرة الذاتية والاعترافات(7) .‏

أما المثقف/ البطل فإما أن يكون طالباً يمّم شطر الغرب للدراسة في جامعاته، وإما أن يكون مثقفاً تجاوز مرحلة الدراسة، وذهب إلى الغرب للسياحة، أوهرباً من القمع والاضطهاد في وطنه.‏

صدرت في سورية خلال الفترة التي حدّدناها للبحث، بعض الروايات التي عالجت موضوع اللقاء بين الشرق والغرب، وقد اخترنا من هذه الرواية رواية "ومرّ صيف"(8) لكوليت خوري. ورواية "الربيع والخريف"(9) لحنا مينة. وقد جرى اختيار النصين الروائيين السابقين بمقتضى الاعتبارين التاليين:‏

1 - تختلف الروايتان السابقتان من حيث طبيعة الغرب في كل منهما، فاتجهت رواية "ومرّ صيف" صوب الغرب الرأسمالي، أما "الربيع والخريف" فاختارت الغرب الاشتراكي الذي ظهر في الرواية العربية ابتداءً من عام 1967، وبعد أن مضت عقود على تواشج العلاقات العربية بالغرب الاشتراكي.‏

2 - تلخص الروايتان ماجاء في الروايات الأخرى، ويمكن أن تكونا نموذجاً للرواية السورية التي عالجت الصدام الحضاري بين الشرق والغرب.‏

1 - رواية "ومرَّ صيف" والغرب الرأسمالي:‏

توجهت رواية "ومرّ صيف" إلى مركز الآخر، وهو هنا الغرب الرأسمالي، وتحديداً مدينة لندن، حيث تدور أحداث الرواية بين مجموعة من الشخصيات المثقفة، الشرقية والغربية، وابرز هذه الشخصيات "يوسف الأسواني" و"سهير" و"جين" و"إيتالو".‏

وتسهيلاً للكشف عن مواقف الشخصيات المثقفة الشرقية والغربية، من الشرق والغرب، ولتحديد إيديولوجيا الشخصيات المثقفة وإيديولوجيا الكاتبة، والعلاقة بينها سنعتمد التقسيمات التالية:‏

1- المثقف الشرقي:‏

آ - يوسف الأسواني:‏

"يوسف الأسواني" دكتور في الاقتصاد، ويعمل مديراً للمصرف التجاري في القاهرة، وقد اضطر للذهاب إلى لندن لإجراء عملية جراحية في الكبد، بعد أن سهَّل له أخو زوجته سبل الإقامة في المشفى. ويختلف "يوسف الأسواني" عن سواه من الشخصيات المثقفة التي تذهب إلى الغرب بأنه ليس فتىً يافعاً، فهو في الخامسة والأربعين من عمره، مما يدل على أنه عاش فترة طويلة في الشرق قبل قدومه إلى لندن، بالإضافة إلى غنى تجاربه في الحياة، وبذلك يكون "يوسف" استثناء بالقياس إلى قلة خبرة الشخصيات الأخرى التي يمكن أن نجدها في بعض الروايات(10) .‏

وعلى الرغم من الفترة المديدة التي عاشها "يوسف" في الشرق، فقد اكتفت الرواية بتقديم نبذة عنها، مركزة الاهتمام على علاقتها بالمرأة، ومبرزة محاولة "يوسف" للخروج من إسار عادات الشرق، وتقاليده، ونمط الحياة فيه، ولاسيما الحياة الزوجية. إن "يوسف" لا يتورع عن إقامة علاقات عاطفية وجنسية مع أكثر من فتاة، على الرغم من أنه متزوج ويحب زوجته "مديحة".‏

إن المرأة هي الحامل الأساسي لتجربة "يوسف" في الشرق، ولكن الأمر لن يستمر في لندن على ماكان عليه في الوطن، فقد خالف "يوسف" كل التوقعات التي ذهبت إلى أنه سيكون زير نساء في لندن، وبدا غير مبال تجاه المرأة الغربية. لقد حاولت "جين" وهي الفتاة التي كلفت بمراقبة يوسف في المشفى، والإشراف على حاله الصحية، أن تلفت انتباهه إليها أكثر من مرّة وأظهرت له اهتمامها به، ولكن "يوسف" كان في كل مرّة يظهر عدم اكتراثه بها.‏

لقد بدا "يوسف" في حضرة الآخر/الغرب طوداً شامخاً، لا تقتلعه الرياح مهما بلغت شدَّتها ولا تؤثّر فيه حضارة الغرب على الرغم من إغراءاتها. فما سبب هذا الانقلاب المفاجئ في سلوك "يوسف"؟ ولماذا آثر أن يظهر في الغرب على غير صورته الحقيقية؟‏

يتيح الجواب على السؤالين السابقين إمكانية الكشف عن الوعي الحضاري لدى "يوسف" الذي تشير علاقته بـ "جين"، وموقفه منها إلى أمرين: أولهما أن "يوسف" حكم على جين" وبالتالي على الغرب من خلال قيم الشرق، وقدّم صورة عن الغرب من خلال صورة الشرق ومفاهيمه وقيمه. إن "يوسف" لم يسع إلى اكتشاف الغرب من حيث هو غرب، بل أسقط عليه قيم الشرق، فبدا الغرب) وقد تسربل بثياب شرقية. لقد واجه "يوسف" الغرب من خلال شرقيته، وتحديداً من خلال وضعه كذكر في مجتمع شرقي يُعلي من قيمة الرجل على حساب انحطاط المرأة، وكان لموقفه من المرأة أثر كبير في موقفه من "جين" التي بدت بعد أن أُلبست ثياباً شرقية، ككل النساء، تسعى وراء الرجل، وتطلب رضاه، "كان يوسف وهو يصغي إلى ثرثرتها جين) يفكر في أن المرأة هي دائماً المرأة في أي زمان ومكان، هي ذلك المخلوق الذي يحب العواطف، ويفهم الجنس من خلال العواطف، ويظل رغم التطور والتقدم والمساواة، رغم الدنيا يبحث عن العواطف"(11) .‏

وأما ثانيهما فإن "يوسف" أسس حكمه على الغرب على ما قرَّ في ذهنه ووعيه من أن حضارة الشرق روحانية،وأن حضارة الغرب مادية، وأنهما لايمكن أن تلتقيا، ولا تلتقيان إلا لتفترقا إن الغرب كما رآه يوسف قد تلوث بالمادة، بالصناعة، في حين بقي الشرق يشع بالروح لأنه لم يدخل عصر الصناعة، لذا رفض "يوسف" الغرب/المادة، وراح يكيل له الهجاء المرّ،‏

متبرماً من طبيعته الملوّثة، ومتمسكاً في الوقت نفسه بالشرق الذي رفض‏

قيمه من قبل(12) .‏

لقد كانت روحانية الشرق بالنسبة إلى "يوسف" تعويضاً له عن حاضر الشرق القاتم من جهة، وسلاحاً يشهره في وجه الغرب من جهة ثانية.‏

إن تمسك "يوسف" بروحانية الشرق ودفاعه عن هذه الروحانية، وشجبه لمادية الغرب يعني بقاء الشرق خارج دائرة التصنيع والتقدم.‏

ب - سهير:‏

إذا كانت رواية "ومرّ صيف" قد غلبت عليها سمة التقليد، واجترار التجارب الروائية السابقة، والنسج على منوالها كما يقول الناقد "نبيل سليمان"(13) ، فإن جديد هذه الرواية في معالجتها لموضوع الصدام الحضاري يكمن في زجّها للمرأة الشرقية في تجربة اللقاء بين الشرق والغرب.‏

تمثل "سهير" العنصر النسائي الشرقي في الرواية، وهي فتاة مثقفة، تعمل في الصحافة، وذكرياتها في الشرق ذكريات مريرة، فقد طُلقت من زوجها بعد زواج لم يدم طويلاً، بسبب فقدان التوازن بينهما. وأقامت بعد طلاقها علاقة صداقة مع "يوسف الأسواني"، تحولت فيما بعد إلى علاقة حب. وعندما سافر "يوسف" إلى لندن لإجراء العملية الجراحية تبعته بحجة القيام بمهمة صحفية لصالح المجلة.‏

يشبه موقف "سهير" من الشرق موقف صديقها "يوسف"، فهي ترفض عادات الشرق وتقاليده وتحاول تجاوزها، دون أن يعني ذلك اللجوء إلى الحضارة الغربية لأنها حضارة مادية فقد الإنسان فيها روحه.‏

وإذا كان "يوسف" و"سهير" قد رفضا حضارة الشرق، وحاولا تجاوز المجتمع الشرقي، فإن احتكاكهما بالغرب لم يقدم لهما أي جديد سوى العودة إلى الشرق، والتمسك بأخلاقه وعاداته وقيمه من جديد.‏

إن "يوسف" و"سهير" هما التجسيد الفكري لتلك الفئات التي -على الرغم من إدراكها تخلف مجتمعها-لا تملك الجرأة الكافية من أجل القيام بتحديث المجتمع، وتفضل التراجع إلى الوراء إذا وجدت نفسها أمام مهمة صعبة لا تستطيع القيام بها.‏

2) المثقف الغربي:‏

آ - جين:‏

"جين" هي الفتاة اللندنية التي كلفتها الكاتبة بالإشراف على "يوسف الأسواني" في المشفى، وهي فتاة متحررة، لا ترى ضيراً في الخروج مع أحد الشبان، ثم قضاء بقية الليلة في فراشه، ولكنها عندما رأت "يوسف" - على الرغم من منظره القبيح، وسنه المتقدمة- شعرت بأنه لا يشبه أحداً من الرجال الذين عرفتهم، فاندفعت في حبه، وراحت تعمل على إرضائه، كأنها امرأة شرقية تقوم على خدمة زوجها المريض.‏

لقد قُدّمت "جين" المثقفة الغربية من خلال المثقف الشرقي الراوي)، شأنها في ذلك شأن "إيفان" في رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و"أليزا" في رواية "قوس قزح" لشكيب الجابري، فبدت جين) أكثر رومانسية من الأبطال الشرقيين بعد أن سخّرتها الكاتبة لتمرر عبر قناتها ما تؤمن به من حنين مادية الغرب إلى روحانية الشرق.(14)

لقد أعربت "جين" عن ضيقها بمادية الغرب، وراحت تتطلع إلى روحانية الشرق، من خلال تعلقها بـ "يوسف الأسواني"، واعترافها بسأمها من الجنس، وحب الجسد، وانتقادها الشبان الغربيين الذين "يريدون فقط أن يضاجعوا المرأة، دون عاطفة...دون تفهم... دون تذوق"(15) .‏

إن "جين" تمثل من جهة أخرى النظرة التي يروّج لها الاستعمار، والتي لا يريد أن ترى في الشرق إلا أوهامها عن روحانية الشرق وصفائه.‏

ب - إيتالو:‏

"إيتالو" شاب إيطالي، جاء إلى لندن، مركز أحداث الرواية ليقضي فيها عطلته السنوية، وهو كـ"جين" ينشد الروح ليتخلص من سأمه وضجره من مادية الغرب، لذا نراه يعجب بـ "سهير"، الفتاة الشرقية، عندما يراها في الفندق. وينجح "إيتالو" بالتعرف إلى "سهير"، ويمضي معها بعض الوقت في سعادة تامة، وفي غمرة سعادته يعترف لسهير بحبه لها، وبأنها أنقذته من سأمه وضجره، وحولته إلى إنسان جديد يحب الحياة(16) ، ثم يطلب من "سهير" أن تصحبه إلى بلاده، ولكن الأخيرة ترفض طلبه مفضلة العودة إلى شرقها.‏

وهكذا يتضح لنا من خلال مواقف الشخصيات المثقفة الشرقية والغربية أن هجاء الغرب لم يقتصر على الشخصيات المثقفة الشرقية وحسب، بل تعداها إلى الشخصيات المثقفة الغربية نفسها التي ألبستها الكاتبة ثياباً شرقية، لتحقق ماتصبو إليه من نقد الحضارة الغربية، من الداخل والخارج، مقتفية بذلك آثار "توفيق الحكيم" في روايته "عصفور من الشرق"، حيث قام "إيفان" الروسي بتوجيه نقد لاذع للحضارة الغربية التي -بحسب رأيه- شيّأت الإنسان، وانتزعت منه الروح(17) .‏

3) الراوية:‏

تقدم الراوية، وهي كاتبة صورة قاتمة لحاضر الشرق/ الوطن، الذي لا يجد فيه الإنسان وقتاً للعطاء والإبداع، لأنه مشغول بالدفاع عن بقائه(18) . لا تدفع هذه الصورة القاتمة للشرق الراوية إلى العمل لتغيير الواقع، بل تكون محرضاً لها على الهرب إلى الغرب الرأسمالي، لعلها تجد هناك الراحة، والخلاص من هموم مئة مليون إنسان عربي.‏

ولكن الراوية لا تجد ضالتها في الغرب، لأن الحضارة الغربية الرأسمالية -بحسب رأيها- أنجزت التقدم والتطور على حساب الإنسان الذي تحول في ظل الحضارة الغربية الرأسمالية إلى مجرد آلة صماء لا تختلف في شيء عن الآلة الحديدية التي هي عماد الحضارة الغربية المادية، ولذا راحت الراوية تهجو الحضارة الغربية الرأسمالية التي جعلت الإنسان يعيش في قلق المادة، وحدّدت قيمته بما يملك في جيبه(19) .‏

لم تكتف الراوية بهجاء حاضر الشرق، وحاضر الغرب الرأسمالي فقط، بل وقفت الموقف نفسه من الحضارة الغربية الاشتراكية التي لم تستطع -بحسب زعم الراوية- أن تجعل الإنسان يبكي على كتف أخيه الإنسان(20) .‏

ويتضح من منطوق فكر الراوية أن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق على الأرض، "وأن الاشتراكية الحقيقية الوحيدة هي في أعماق تلك الحفرة المظلمة التي ستضمنا جميعاً دون تفريق"(21) .‏

إن إيمان الراوية بتلوث الغرب الرأسمالي والاشتراكي على حدّ سواء جعلها تحرّم أي لقاء شرعي يجمع بين أبطالها الشرقيين والغربيين، وكانت حريصة على شرقية "يوسف" و"سهير" وروحهما فلم تسمح لهما بالاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية، وأعادتهما إلى الشرق قبل أن يتلوثا بحضارة الغرب المادية.‏

إن الصورة القاتمة التي بدا عليها الغرب الرأسمالي والاشتراكي، وحاضر الشرق، في نظر الراوية، دفعت الراوية إلى طرح إيديولوجية بديلة، تشجب الحاضر، لا لتتمسك بالمستقبل، بل بالماضي، وتحديداً بدمشق القديمة التي رأت فيها الراوية التقدم والخلاص:"ولأول مرّة منذ سنوات وجدتني أعيد التفكير في عادات بلادي، تلك العادات القديمة... القديمة.... لوكنت أكتب هذه الأسطر منذ عشر سنوات لكتبت أن هذه العادات بالية... وأنها تلتهم أيام الناس وتضيع أوقاتهم فتعيق "التقدم". لكنني كبرت عشر سنوات... ومع الزمن اكتشفتُ أن التقدم له وجهان: وجه علمي، أسعى إليه وأتمنى لو تصل بلادي إليه، ووجه آخر لا إنساني أرفضه(22) .‏

ولم تكن الراوية بمعزل عن داء التذبذب الفكري الذي يصيب شريحة من المثقفين الشرقيين، وهم يخوضون تجربة الصدام الحضاري، فيعمي بصائرهم، ويخلق في داخلهم ازدواجية فكرية، لا تقل خطراً عن ازدواجية الشخصية، فإلى جانب الهجاء المر الذي صبته الراوية على الحضارة الغربية ثمة موقف آخر يعاكس الأول ويتضاد معه، فالإغراق في المادة الذي قاد الغرب إلى التهلكة، وحطم إنسانية الإنسان، هو نفسه الذي يكمن فيه سرّ تقدم الغرب(23) . إن هذا الموقف يشير بوضوح إلى ما تتطلع إليه الرواية من أخذ علوم الغرب البرانية، ونبذ الجوانية؛ أخذ الآلة، وترك الإنسان. وهكذا تكون الرواية قد أعادت ماذهب إليه بعض المثقفين العرب من ضرورة أخذ التقنية الغربية، ورفض الأخلاق(24) .‏

2 - رواية "الربيع والخريف" والغرب الاشتراكي:‏

"الربيع والخريف" من الروايات القليلة(25) التي تجاوزت سيطرة الغرب الرأسمالي على الرواية العربية كطرف في ثنائية الشرق والغرب التي يتمحور حولها القسط الأوفر من الجهد الثقافي العربي، وذلك بطرحها الوجه الآخر من الغرب، وهو الغرب الاشتراكي الذي ظهر كنقيض للغرب الرأسمالي منذ العقدالأول من القرن العشرين.‏

تهتم "الربيع والخريف" بالكشف عن تشكّل الأنا /المثقف في حضرة الآخر/ الغرب الاشتراكي، ولكنها لا تغفل، في سبيل ذلك، الشرق الذي كان ماثلاً في وعي الأنا عن طريق الاسترجاعات التي تمت في ذهن البطل للسنوات الخمس التي قضاها في الصين، قبل قدومه إلى المجر، ممّا ساعد في الكشف عن موقف البطل/ المثقف من الشرق والغرب الاشتراكي.‏

تطرح "الربيع والخريف" -كمثيلاتها في الرواية العربية- تجربة المثقف الشرقي في الغرب على مستويين، هما: مستوى الوعي، ومستوى اللاوعي، لذا لابد من دراسة موقف الشخصية المثقفة من الشرق والغرب من خلال هذين المستويين.‏

1- مستوى الوعي.‏

أتاحت الارتجاعات التي بدأت بها الرواية -بعد انفتاحها على مشهد "كرم المجاهدي" في مقهى M.K المجري فرصة تقديم كرم المجاهدي في المجتمع الصيني الذي عاش فيه خمس سنوات قبل أن يتوجه إلى المجر، وكشف أيضاً عن موقف المثقف الشرقي من الشرق.‏

قدم "كرم" صورة بالغة السلب للمجتمع الصيني(26) ، ووصفه بأنه مجتمع مغلق(27) ، وقد بنى كرم حكمه السابق على خلو المجتمع الصيني من المرأة والصداقات. إن كرم لا يتذكر من المجتمع الصيني إلاّ السلبيات والنواقص:"إنني مللتُ، مللتُ... خمس سنوات في الصين، ولم أعرف الشعب الصيني، لم أدخل بيتاً صينياً، هنا اختلف الحال"(28) .ويقول الراوي عن كرم: "في الصين لم يعرف الغابة حتى في النهار. لم تكن له صديقة هناك، وما كان قادراً أن يجلس إلى فتاة في مقهى، أوأن يدعوها إلى نزهة، كما قال هيدجي، الأشياء تختلف... هذا صحيح ياصديقي، عندكم مثلاً، بيروشكا، عندكم أم كي، ساحة الأبطال، البارمان فيرانتش، روزيكا وخطيبها، المجتمع هنا مفتوح"(29) .‏

لقد كان الناقد مراد كاسوحة على حق عندما خلص إلى أن تقويم كرم لتجربته الصينية كان "محكوماً بموقف سياسي مسبق من الخلاف العقائدي بين الاتحاد السوفياتي والصين، الذي تفجر في مطلع الستينات. وفي الوقت الذي كان فيه كرم يلقي باللوم على أولئك الانتهازيين الذين كانوا أطرافاً في هذا النزاع من خبراء ومدرسين، وطلبة، فإنه لم ينجُ هو نفسه من موقف التحيز إلى طرف ضد الآخر، مما أدّى به إلى إنكار كل إيجابيات التطبيق الاشتراكي في الصين، حيث لم يعد يرى هذا التطبيق إلا من خلال منظور السياسة الخارجية السلبية للصين، وخلافها الإيديولوجي مع الاتحاد السوفياتي"(30) .‏

أما صورة الشرق/ الوطن، وهو هنا سورية، فتكاد تكون غائبة، وهي خلفية بعيدة وغائمة في وعي كرم، وقوامها النفي والاضطهاد، والتخلف والحنين والألم(31) . لقد ترك كرم بلده سورية لأنه ملاحق من السلطة السياسية:" إنه في رحلة لما تنتهِ، رحلة بدأها من بلده البعيد، شرقي المتوسط، حين خرج كما آدم من الجنة، مطروداً بغير ذنب"(32) .‏

إن المجتمع الشرقي -كما يراه- مجتمع غامض، يشيع فيه النفاق الاجتماعي، ولا يستطيع الإنسان فيه أن يمارس الأشياء بشكل صحي. يقول كرم عن إيرجكا المجرية: "هي لا تبيع نفسها، جرب معها في ليلة سابقة، وليست بحاجة إلىمال، وحتى لوكانت كذلك فإنها تترفع، الفرق بين أن يمارس الإنسان الجنس لأجل الحب، وبين أن يمارسه لأجل المال كبير جداً. في أوروبا هكذا هي الأشياء صحيّة أكثر، في الشرق يخلطون هذا بذاك كل حب ممنوع، كل ممارسة مرفوضة، الفنانة والعاهرة سواء، الشرق محدد في الحوض، افعل ماشئت في السر، إذا استطعت الاستتار بقيت شريفاً، نفاق اجتماعي، المجتمع هناك منافق"(33) .‏

إن الصورة البالغة السلب، التي قدمها كرم للشرق/ الصين والوطن، تقابلها صورة أخرى بالغة الإيجاب للغرب الاشتراكي، وهو هنا المجر. فالمجتمع المجري يفارق المجتمع الشرقي بحسب رأيه-في أنه مجتمع صحي، يعيش فيه الناس الحياة بحرية مطلقة. لقد شعر منذ أن هبط أرض المجر قادماً من الصين-بالسعادة تغمر كيانه:"ومن بيته في شارع "بنتزور أوتا" القريب من ساحة الأبطال سار متمهلاً تحت الأشجار الوارفة ينعم ببرودة الليل، وأضواء المدينة، ومتابعة المتنزهين، وهو يغض الطرف عن العشاق، في الزوايا عند جذوع الأشجار، على مفارق الطرق، أو في المقاعد التي تتوسط شارع الجمهورية، وأمام الأبطال التاريخيين المجريين، حيث يعانق أزواج من الفتيان، ويقبل حبيب حبيبته، أو يريح رأسها على صدره، وأنامله تداعب وتتخلل الشعر، وقال في نفسه:"هنيئاً،وقال في نفسه: حقاً إنها باريس الصغيرة"(34) .‏

ويمكن أن نفهم من خلال مواقف كرم وأقواله التي تخص المجتمع المجري أن الانفتاح يعني بالنسبة إليه السلوك الحر، وتمتع الفرد بالحرية الشخصية دون قيود. وقد توصل إلى هذا المعيار الحضاري بالقياس إلى ماهو موجود في مجتمعه الشرقي من تقاليد لا تولي الحرية الشخصية أي اهتمام. فبعد أن استقبله عميد الكلية، وأبلغه أنه يسلك طريقاً حرجاً في علاقته ببيروشكا، وأنه ينبغي له أن يساعدها على الانضباط والدراسة، اعتذر له عن حديث ليس له أية علاقة به، وبعد كل ذلك "أكبر [كرم] تقاليد الحرية الشخصية، وتمنى في أعماقه أن تترسخ هذه التقاليد في بلده الذي لا يستطيع أن يقيم علاقة صحية إلا بإذن القانون، أو بمغامرة قد تكلفه وتكلف الفتاة خاصة كثيراً من الأذى"(35) .‏

إن موقف كرم من النظام الاشتراكي لا يستند إلى عنصر التحليل العلمي، ورضاه عن هذا النظام "ينبع من خلال مايقدمه هذا النظام للسواح والكوادر الفنية والأجنبية من تسهيلات ترفيهية، وخدمات لتأمين راحتهم الشخصية"(36) .‏

لقد كان غياب التحليل العلمي عن الأحكام التي أطلقها كرم على النظام الاشتراكي غشاوة منعته من رؤية الأخطاء والسلبيات، فبدا المجتمع المجري مجتمعاً خالياً من العيوب والنواقص، "وهذا يتنافى مع أبسط المبادئ التي يفترض بالمناضل الماركسي تبينها، فلكل مجتمع سلبياته مهما كانت قليلة، وفي ظل أي نظام سياسي لابد من حصول بعض التعرجات، والإشارة إليها لا تعني أي خرق للمقدسات بقدر ما تجسد الرؤية السليمة والإيجابية الهادفة إلى تطوير هذا النظام من زاوية الحرص على تلافي العثرات من مسيرته الاجتماعية والسياسية والحضارية"(37) .‏

إن كرم المجاهدي مثقف ثوري يشبه الأبطال المثقفين الذين يذهبون إلى الآخر، وتكون لهم تجربة مافي استيعابه، وهم متشكلون إلى حد ناجز أو شبه ناجز(38) .‏

لقد اعتنق كرم إيديولوجيا الغرب الاشتراكي قبل قدومه إليه، لذا فإن أحكامه لم تكن نابعة من الواقع،بل من الذهن، ومافيه من وعي مسبق.‏

2 - مستوى اللاوعي:‏

إن منطوق وعي كرم في مناجزته للغرب الاشتراكي يشير بوضوح إلى ما عزم عليه من محاولة التخلص من الشرق، واعتناق إيديولوجيا الغرب الاشتراكي. وقد عبّر عن رغبته هذه من خلال أقواله التي دلّت على انحيازه الكامل إلى المجر، ورفضه التام للصين والوطن.‏

فهل استطاع أن يحقق ماعزم عليه؟‏

للإجابة على السؤال السابق لابد من دراسة لا وعي الأنا/ المثقف الشرقي، وهي تخوض تجربة الصدام مع الآخر، وهذا لا يتأتى لنا إلا إذا نظرنا إلى علاقة كرم بالمرأة المجرية على أنها علاقة رمزية تندرج تحت مايعرف باسم تجنيس العلاقات الحضارية(39) .‏

إذا كان مصطفى سعيد بطل رواية "موسم الهجرة" إلى الشمال للطيب صالح بارعاً في خلق أجواء شرقية تشد إليها الهاربات من جو الحضارة الغربية المادية(40) ، فإن "كرم" كان هو الآخر فناناً في خلق أجواء شرقية، ولكنها لا تشد إليها الهاربات من أجواء الحضارة الغربية الاشتراكية، "فبيروشكا وإيرجكا" -الفتاتان المجريتان اللتان عرفهما "كرم" -ليستا امرأتين مأزومتين حضارياً، وحنا مينة لا ينطلق من فهم حضاري يعطي الشرق صفة الروحانية، مقابل إضفاء المادية على الغرب، واستحالة اللقاء بين الشرق والغرب الاشتراكي في "الربيع والخريف" لا تفسر باستحالة اللقاء بين الروح والمادة، وإنما ترجع إلى اعتبارات أخرى تتعلق بطبيعة "كرم"، وبالتالي، بطبيعة الشرق. وسنكشف عن هذه الاعتبارات بعد التقدم في تحليل رموز العلاقة بين كرم وبيروشكا، وكرم وإيرجكا.‏

نظرت الرواية العربية إلى لقاء الشرق والغرب الرأسمالي على أنه صراع دائم ومستمر بين طرفين متناقضين [مثالي -مادي]، [مستعمَر- مستعمِر]، أما رواية "الربيع والخريف" فقد نظرت إلى لقاء الشرق والغرب الاشتراكي من منظار المحبة والتعاون، فابتعد أبطالها المثقفون عن الحقد والكره، وحب الانتقام الذي بدا ظاهراً في مواقف كثيرة من أبطال روايات [الشرق والغرب الرأسمالي]. لقد عمل بطل رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس بشتى الوسائل كي ينتقم من "جانين" التي أحبته حباً شديداً(41) ، أما كرم فقد أحب بيروشكا، ولم يحاول الانتقام منها، وإنما أظهر حرصه على مستقبلها. ويجسد حب بيروشكا لكرم، وسعيها الدائب إلى الالتصاق به ماعزم عليه الغرب الاشتراكي من مساعدة الدول النامية في بناء نهضتها(42) .‏

وعبرت الرواية -رمزياً- عن التعاون الذي طبع العلاقة بين الشرق والغرب الاشتراكي من خلال طبيعة الممارسات الجنسية بين "كرم" و"بيروشكا"، وبين "كرم" وإيرجكا" فقد اتخذت هذه الممارسة شكل الأخذ الكلي، ودون أية ممانعة، على العكس مما حدث في الروايات التي تناولت الغرب الرأسمالي كطرف في اللقاء الحضاري، حيث أبدت المرأة الغربية ممانعة وعنفاً(43) .‏

ويقابل الأخذ الكلي في ممارسة الجنس في رواية"الربيع والخريف، أخذ النظرية الاشتراكية كما هي، وهذا ما عبر عنه كرم صراحة من خلال موقفه المتشدد من الماركسيين الأجانب الذين يعملون في المجر، وتحديداً من خلال انتقاده "لنيلسون" الذي اتهمه كرم بتحريف الماركسية وتشويهها، لأنه يشرحها ويعلق على بعض مبادئها.‏

إذا كانت الحضارة الغربية الرأسمالية-كما يقول الناقد جورج طرابيشي في معرض تعليقه على رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"-" لا تسلم نفسها لطالبها الآتي من الشرق أو من الجنوب إلا إذا خلعته من تاريخه وقطعته عن ماضيه وجردته من تراثه، وفصمته عن شخصيته الحضارية، بله الدينية، والحضارة الغربية لا تقوم على أشلاء الحضارات الأخرى. حضارة حصرية تنفي كل ما عداها. لا تقبل حواراً ولا تزاوجاً"(44) ، فإن الحضارة الغربية الاشتراكية على النقيض تماماً، تسلم نفسها لطالبها القادم من الشرق دون أن تخلعه من تاريخه وثقافته، وهذا ما تمظهر رمزياً في إصرار بيروشكا على عدم قبولها بتحطيم المتحف/ الشرق.‏

لقد طلبت "جين مورس" في "موسم الهجرة إلى الشمال" ثمناً لجسدها زهرية ومخطوطاً ومصلاة من حرير أصفهاني، وكلها منتوجات شرقية، أما بيروشكا وإيرجكا فلم تطلبا من كرم أي مقابل لقاء منحهما له اللذة الجنسية، وكل ما طلبته بيروشكا من كرم هو أن يسمح لها بالنوم في بيته، وهي ترتدي ثياباً صينية. ولنلاحظ هنا أن العلاقة بين الشرق والغرب الاشتراكي كما جسدتها علاقة كرم ببيروشكا لم تقم على المقايضة.‏

أبعد حنا مينة بطله كرم عن الزواج من بيروشكا، وقد اعتبرت إحدى الباحثات الأمر انحرافاً عن الواقعية، فالثوري إنسان، وليس جسداً ترابياً فقط(45) . وهذا الرأي صحيح ومقبول في حدود النظرة السطحية إلىعلاقة كرم ببيروشكا، أما إذا نظرنا إلى هذه العلاقة على أنها علاقة رمزية، تخفي أكثر مما تصرح، فإن التحليل يظهر غير ما ذهبت إليه الباحثة.‏

ورد باحث آخر سبب ابتعاد كرم عن الزواج من بيروشكا إلى كرهه للدستور الوضعي للحياة الزوجية، وتفضيله العلاقة مع المرأة خارج مؤسسة الزواج(46) . وهذا الرأي غير صحيح، وفي نص الرواية مايشير صراحة إلى رغبة كرم بالزواج وإنجاب الأطفال، ولكن ثمة عوائق تحول دون تحقيق ذلك:"ظل [كرم] مصمتاً من الداخل كأنه لا يملك عاطفة... وكان يعجب لهذه الحالة، ويستشعر فراغاً ويتعذب، ويأمل أن يرتوي يوماً ظمؤه الداخلي... وأن ينتهي قلقه النفسي فيعرف مايريد ويحصل على مايريد ويصير له زوجة وأولاداً"(47) .‏

لقد لاحظ أحد الباحثين أن بيروشكا تنطوي على جذور شرقية(48) ، أهمها سعيها إلى تمثيل دور الزوجة/ الخادم، إرضاء لكرم، وهذه الشرقية التي ظهرت عليها بيروشكا يمكن أن تكون المفتاح للدخول إلى معرفة السبب الجوهري الذي دفع كرم إلى الابتعاد عن بيروشكا.‏

لقد عزم "كرم" على رفض الشرق والتمسك بالغرب الاشتراكي، وبذلك يكون رفضه لبيروشكا رفضاً للشرق، وللقيم الشرقية، ويُرد تفضيله لإيرجكا على بيروشكا إلى واقعية الأولى ومثالية الثانية. إن إيرجكا -على نقيض بيروشكا- امرأة ناضجة جسدياً وعقلياً، تعرف ما تريد، ومتى تريد، وماذا تعطي، وماذا تمنع.‏

ولكن "كرم" نفسه لم يستطع أن يتخلص من أمراض الشرق، وقيم الشرق، على الرغم من عزمه على التخلص من الشرق. لقد ظلت قيم الشرق ماثلة في لا وعيه بعد أن رفضها وعيه.‏

ومن زاوية أخرى يمكن ردّ السبب الذي جعل كرم لا يرتبط شرعياً ببيروشكا إلى النقص الذي استشعره تجاه تقدم حضاري غربي اشتراكي، تمثله رمزياً بيروشكا وإيرجكا. ولكن هذا النقص تجاه الحضارة في الغرب الاشتراكي لم يؤد به إلى نكوص باتجاه الذات، وتقوقع على الحضارة الشرقية، وتبريرها، كما حدث لبطل "الحي اللاتيني"، الذي رفض الزواج من "جانين" لاعتبارات أخلاقية شرقية(49) .‏

إن حال "كرم" تشبه حال "منصور عبد السلام" بطل رواية "الأشجار واغتيال مرزوق" لعبد الرحمن منيف، الذي رفض الزواج بـ "كاترين"، لا "لأنه يعترض عليها من حيث المبدأ، أو لأسباب اختلاف الحضارات والمفهومات... بل لأنه يشعر أنَّ مثل هذا الزواج لن يكون -في المستوى الشخصي على الأقل- زواجاً متكافئاً تماماً، مثلما لا يتكافأ المتقدم والمتخلف"(50) .‏

لقد أعاد "حنا مينة" طرح القضية على الشكل التالي: شرق متخلف/ غرب متقدم، لا ليؤكد استحالة اللقاء بسبب اختلافات جوهرية، فاللقاء تم جسدياً وبشكل صحي، وإنما ليرجئ اللقاء الشرعي روحاً وجسداً إلى مرحلة تالية يكون فيها الشرق قد تخلص من سلبياته، ويكون فيها كرم على صعيد الرواية قد تخلص من شرقيته(51) .‏

لقد أرادت "الربيع والخريف" أن تقول:إن أي لقاء بين حضارة متخلفة وحضارة متقدمة لا يمكن أن يكتب له النجاح، ولا يثمر إلا إذا تخلص المتخلف من تخلفه، ولحق بالمتقدم. ولهذا عاد "كرم" إلى الوطن/الشرق، بعد أن أدرك أن النضال الحقيقي لا يكون إلا على أرض الوطن، ومن أجله.‏

يستخلص من دراسة الموقف الحضاري للشخصيات المثقفة في روايتي "ومرّ صيف"، و"الربيع والخريف"، أن الشخصيات المثقفة نظرت إلى الغرب بعين السخط، أو بعين الرضا، فبدا الغرب إما أسود كالحاً إذا كان رأسمالياً، وإما أبيض ناصعاً إذا كان اشتراكياً، وبذلك افتقر موقف هذه الشخصيات المثقفة إلى التحليل العلمي.‏

وكان للشرق حضوره القوي والفاعل في وعي الشخصيات المثقفة، وتحددت في ضوئه طريقة فهم المثقف الشرقي للآخر. وقد تبدى الشرق في رواية "ومرّ صيف" على صعيدي وعي الشخصيات المثقفة ولا وعيها أيضاً، في حين ظهر تأثير الشرق في شخصية كرم على مستوى اللاوعي بعد أن رفضه الوعي، مما يدل على تناقض ظاهر عاشه المثقف الثوري وهو يخوض تجربة الصدام الحضاري، تناقضٍ بين الوعي واللا وعي، وتناقضٍ بين القول والفعل/ النظرية والممارسة.‏

أما الحلول التي طرحتها هذه الشخصيات فقد حدّدها انتماؤها الطبقي، وموقعها الإيديولوجي، فالشخصيات المثقفة في "ومرّ صيف"، جاء حلّها متناسباً مع طبقتها وإيديولوجيتها الداعية للعودة إلى الماضي، بعد الإخفاق في تحديث المجتمع والتصدي لمشكلاته. وكذلك جاء الحل الذي طرحه "كرم"، مناسباً لواقع المثقفين الثوريين، وما يتميز به هذا الواقع من ضرورة خوض التجربة للوصول إلى الهدف.‏

(1) ظهر الصدام الحضاري بين الشرق والغرب في الثقافة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ثم انتقل إلى الرواية بعد أن مرّ بمرحلتين: مرحلة الرحلة، ويمثلها كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز، "للطهطاوي" ومرحلة السيرة الذاتية ويمثلها كتاب "الأيام" لطه حسين، انظر المغامرة المعقدة مرجع سابق ص 12.‏

(2) المرجع نفسه ص 11-12.‏

(3) انظر: روايات تحت المجهر، حسام الخطيب، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1983، ص 13.‏

(4) انظر: تجربة البحث عن أفق، إلياس خوري، مركز الأبحاث، م.ت.ف. بيروت، 1974، ص 19.‏

(5) سليمان، نبيل: 1985، وعي الذات والعالم- دار الحوار، اللاذقية، ص 6.‏

(6) يذكر نبيل سليمان في كتابه "وعي الذات والعالم"، أن نمط الرحلة الذي أسسه رفاعة الطهطاوي من خلال كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، سوف تقوم عليه مساهمات كمال قلش ومحمد عيد وأفنان القاسم وحميدة نعنع. انظر ص 7.‏

(7) انظر: شرق وغرب، جورج طرابيشي، ط3، دار الطليعة، بيروت، 1982، ص 12.‏

(8) خوري. كوليت، 1985- ومرّ صيف، ط2، دار طلاس، دمشق.‏

(9) مينة.حنا، 1984- الربيع والخريف، ط1 - دار الآداب، بيروت.‏

(10) نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر شخصية محسن بطل رواية توفيق الحكيم عصفور من الشرق.‏

(11) ومرّ صيف، ص 128.‏

(12) انظر: ومرّ صيف، ص237.‏

(13) انظر: كتابه الرواية السورية 1967-1977، وزارة الثقافة، دمشق 1982، ص 260-267.‏

(14) انظر: الرواية السورية، مرجع سابق ص 218.‏

(15) ومرّ صيف، ص128.‏

(16) انظر رواية ومرّ صيف، ص194.‏

(17) انظر دراسة نقدية لرواية "عصفور من الشرق" في المغامرة المعقدة" مرجع سابق، ص 89-94.‏

(18) انظر: وومرّ صيف، ص97.‏

(19) انظر ومرّ صيف، ص 61، وللراوية دليل آخر على أن الغرب حقق التقدم علىحساب الإنسان، وهوقدرة الغرب على الصعود إلى القمر، والدوران حول المريخ، وغزو الفضاء، وعجزه عن تذويب نقطة صغيرة من الدم تخثرت فسدّت شريان القلب. انظر الرواية ص 59. ولبعض الشخصيات المثقفة في الرواية السورية مواقف تشبه موقف رواية "ومرّ صيف" وتتفق معها، فالأستاذ "إسماعيل" بطل رواية "أحضان السيدة الجميلة"، لوليد إخلاصي يخيب أمله في العلم لعجزه عن إنقاذ البشرية من الموت، ص 79. أما "خالص النعماني" في رواية "رياح كانون" فيقول في تحليله للوحة فنية: "وهذا الأحمر الوحشي المنسفح على الأرض السوداء، ماهو إلا رمز لعذابات الإنسان في حلك الظلام، وأكاد أقول في حلك المدنية الحديثة التي ترهص بالوصول إلى القمر، ولكن من خلال التلويح بالمهلكة التي تغني الملايين"، ص 35.‏

(20) انظر: ومرّ صيف، ص62.‏

(21) المصدر نفسه ص 95.‏

(22) انظر: ومرّ صيف، ص60، وفي رواية "شرخ في تاريخ طويل" لهاني الراهب، يأخذ "مجد" على عاتقه هدم الحضارة، لأنها -بحسب رأيه، حضارة مزيفة وملوثة، ويدعو للعودة إلى البدائية والتقاليد الفطرية- فيسافر إلى أفريقية يقول: "الشكل الأمثل للحياة هو نوع من البدائية الصافية، الناس في صحة شديدة السوء". ص 185، ولكن"مجد" يموت منتحراً في الغابات.‏

(23) انظر: ومرّ صيف، ص95.‏

(24) أول من دعا إلى هذا الرأي "الجبرتي" في تاريخه، ثم تبع الجبرتي نفر غير قليل من المثقفين العرب، منهم على سبيل المثال مصطفى صادق الرافعي.‏

(25) من الروايات التي تناولت الغرب الاشتراكي: "نجمة أغسطس" لصنع الله إبراهيم، و"البيضاء" لسهيل إدريس"، و"الضفة الثالثة" لأسعد محمد علي.‏

(26) انظر وعي الذات والعالم مرجع سابق ص 112.‏

(27) الربيع والخريف ص 88.‏

(28) المصدر نفسه، ص 274.‏

(29) المصدر نفسه، ص 54.‏

(30) كاسوحة، مراد، 1991 - الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينة ط1- دار الذاكرة، حمص، ص 106.‏

(31) انظر وعي الذات والعالم، مرجع سابق ص 134.‏

(32) الربيع والخريف ص 20.‏

(33) المصدر نفسه، ص 166.‏

(34) المصدر نفسه ص20.‏

(35) الربيع والخريف نفسه، ص210-211.‏

(36) الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينة، ص 110.‏

(37) الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينة ص 113، وغاب التحليل العلمي أيضاً عن الحكم الذي أطلقه "كرم" على الغرب الرأسمالي ممثلاً بالنمسا. لقد خاض تجربته في النمسا لمدة يومين فقط، ومع ذلك راح يطلق الأحكام، ويعقد المقارنة بين بلد رأسمالي وآخر اشتراكي، مفضلاً الثاني على الأول، انظر الربيع والخريف، ص 222.‏

(38) وعي الذات والعالم، مرجع سابق ص 113.‏

(39) انظر المقدمة التي وضعها جورج طرابيشي لكتابه "شرق وغرب". 1982، ط3، دار الطليعة بيروت.‏

(40) انظر المرجع نفسه ص 157.‏

(41) راجع: "شرق وغرب" مرجع سابق ص 93 ومابعدها.‏

(42) في خاتمة الرواية تشارك بيروشكا في التظاهر الطلابي تضامناً مع العرب إثر اندلاع حرب 1967.‏

(43) في رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال على سبيل المثال تلقى مصطفى سعيد ركلة في بطنه وهو يمارس الجنس مع إحدى النساء الغربيات.‏

(44) شرق وغرب، مرجع سابق ص 164.‏

(45) انظر: مقدمة للدخول إلى عالم حنا مينة الروائي، مؤمنة العوف، الموقف الأدبي، 1985، العدد 173-174، ص 88.‏

(46) انظر: الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني مرجع سابق ص 133.‏

(47) الربيع والخريف، ص 62.‏

(48) انظر: وعي الذات والعالم مرجع سابق ص 120.‏

(49) راجع تحليل الرواية في كتاب المغامرة المعقدة، "لمحمد كامل الخطيب"مرجع سابق، ص 115، ومابعدها.‏

(50) نفسه، ص 135.‏

(51) يقول كرم: "الربيع والخريف لا يلتقيان"، ص 184.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244