|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ب - المثقف والتراث: يوضح الموقف من التراث إيديولوجية المثقف، وبناء على هذا الموقف تتحدّد رؤية المثقف وتصوره لقضايا المجتمع. ويمكن أن نلحظ ثلاثة مواقف للمثقفين من التراث وهي(1) : 1 - موقف محافظ، يملي على المثقف الانغلاق في الماضي. 2 - موقف علماني، يرى الحاضر في ضوء المستقبل فقط. 3 - موقف انتقائي، يسعى أصحابه إلى اتخاذ موقف ورؤية تقدمية، يهدفان إلى تحرير التراث وغربلته من مظاهر الخرافة والتزييف، وتخليصه من القداسة. يستطيع الباحث في الرواية السورية أن يجد النماذج الثلاثة السابقة. وقد رصدت الرواية السورية هذه النماذج من خلال تصويرها لشخصيات مثقفة، تباينت مواقفها من مسألة التراث، ويمكن أن نرد هذا التباين إلى مايلي: 1 - تباين إيديولوجيات الروائيين، ولاسيّما الأعمال الروائية التي تتماهى فيها شخصية الروائي بشخصية البطل. 2 - تباين الفترات الزمنية التي رصدت الرواية السورية، فقد أفرز المجتمع السوري مثقفين وقفوا من التراث، مواقف متباينة، وذلك تبعاً لطبيعة المرحلة، وللموجة الفكرية السائدة في المجتمع. مثّل المعلم "سلطان" في رواية "بلد واحد هو العالم "لهاني الراهب"(2) ، وهو خطيب المسجد وشيخ الحارة، وزوج "أم اللولو" رمز السلطة، الموقف المحافظ من التراث، فهو لا يتردد في تفسير آيات القرآن الكريم على هواه، وربما يخدم مصالحه الشخصية، لقد خلق الله -بحسب رأي سلطان- الناس درجات، لذا لا يجوز لأحد أن يفكر إلا بما أتاحه اللّه له من مكانة ومال وسلطة(3) ، والله -بحسب رأي سلطان- كتب السعادة لفئة من الناس، والشقاء لفئة أخرى(4) . لقد اعتمد "سلطان" في تفسيره للتراث على ما شاع في مراحل الانحطاط والتخلف من تفسيرات، كان الهدف منها تبرير مواقف السلطة وأفعالها، وإبعاد الناس عن رؤية الحقيقة. إن التحالف القائم بين "سلطان" والسلطة، ممثلة بأم اللولو هو الذي جعل سلطان لا يتردد في الاستشهاد بالآيات القرآنية، مانحاً إياها التفسير الذي يخدم مصالح السلطة، ويضلل الناس. إن "سلطان" في رؤيته للتراث يمثل الرجعيّة العربية في سعيها إلى وضع نصوص التراث الديني وغير الديني في قوالب جامدة، وفي مواقفها التبريرية التي تخدم السلطة، وتضلل الناس. إن "سلطان" يعيش في داخله تناقضاً بين القول والفعل، لقد ناصَرَ "أم اللولو" على الرغم من معرفته بأنها لا تقل حقداً وبشاعة عن الرعاع. ويمكن أن نرد السبب في هذا التناقض إلى اعتناق سلطان إيديولوجيا منافية للإنسانية، وللتقدم، وللجوهر الروحي للدين الذي يدافع عن إنسانية الإنسان. لقد أدت النظرة التقديسية إلى التراث، التي أرست قواعدها الرجعية العربية إلى قراءة الحاضر والمستقبل في ضوء الماضي، وتجميد التاريخ في لحظة صنميّة تقتل الحاضر والمستقبل لحساب الماضي فقط. وقد تبدّى تأثير هذه النظرة التقديسية واضحاً في بطل رواية "قارب الزمن الثقيل"(5) الملازم "أحمد" الذي دفعه عجزه في الحاضر إلى اجترار أمجاد الماضي، والمفاخرة بالأجداد تعويضاً عن العجز واليأس والسقوط في الحاضر(6) . تمثل الشخصيات المثقفة في رواية "الزمن الموحش"، لحيدر حيدر(7) ، الموقف الثاني وهو الموقف العلماني، الرافض للتراث، والذي يرى ضرورة قراءة الحاضر في ضوء المستقبل فقط. لقد أهملت هذه الشخصيات الماضي، ورفضته رفضاً مطلقاً، ورأت أن سبب تخلف الحاضر يرجع إلى أن الوطن "لا يزال منشداً نحو تراثه وارتكاساته القبلية والدينية"(8) . لقد تبنت هذه الشخصيات مفهوماً للثورة يقضي بهدم العلاقات القديمة، والاستعاضة عنها بعلاقات جديدة: "الثوري يحرق كل الهشيم الكاذب، ولو أدى ذلك إلى احتراقه في النهاية. إذا لم تتغير العلاقات القديمة فنحن نبحر في سفينة مصدعة، تتخللها المياه يوماً بعد يوم، والنتيجة هي الغرب"(9) . ولهذا شنّت الشخصيات) هجوماً عنيفاً على التراث بقيمه وتشريعاته، لحساب تشريعات معاصرة وقيم جديدة، تقوم على أساس دوافع الإنسان ورغباته. يقول: "سامر البدوي": "مأساة العربي أنه يبحث عن الحالة التوفيقية بين الغيم والأرض. في عصور الأجداد كان هناك اطمئنان. اللّه كان أماناً ومتكأً. الجيل الجديد ممزع برصاص التاريخ وضربات التغيرات الجديدة. السؤال الأساسي هو كيف نقيم قيماً معاصرة مطهرة من التحريمات الدينية المنقرضة، مبنية على أساس دوافع الإنسان الطبيعية؟"(10) . وتستخف الشخصيات المثقفة في "الزمن الموحش" بقيم الحلال والحرام، ولا تتورع عن التجديف على الله، وتنفي وجود خالق للإنسان، وتسخر من الأنبياء والرسل ولا تقيم وزناً " لتشريعات كانت تصلح للأعراب القدامى"(11) . إن موقف الشخصيات المثقفة في "الزمن الموحش" من التراث موقف انفعالي، ناتج عن ردة فعل تجاه صورة التراث كما هي في المجتمع، وفي الوعي، لا كما يجب أن تكون عليه هذه الصورة. لقد وجدت هذه الشخصيات أن التراث كما هو في المجتمع يعيق حركة التقدم والتطور، ولكنها -بدلاً- من أن تقوم بمراجعة التراث للكشف عما فيه من أفكار تخدم التقدم والتطور، وإنسانية الإنسان، أعلنت رفضها الشامل للتراث، وأدارت ظهرها للماضي، فاغتربت في المستقبل كما اغتربت الشخصيات المثقفة التي مثّلت التيار المحافظ في الماضي، وانفصلت عن الناس، وتاهت وآلت في النهاية إلى الإخفاق والسقوط، بعد أن سقطت في فوضوية عنيفة، في الفكر والسلوك. وثمة شخصيات مثقفة في الرواية السورية نهدت إلى مراجعة التراث، والاستفادة منه، وغربلته من الشوائب، وتخليصه من الوثنية. وتميزت هذه الشخصيات ببصيرة نافذة، مكّنتها من التفريق بين الدين كما يجب أن يكون، وبين الدين كما هو في وعي الناس. يقول الدكتور "زيد" في رواية بلد واحد هو العالم "مفرقاً بين الإيمان والممارسات الدينية: "الإيمان الديني في عصرنا شيء آخر غير الدين، لا يستمد قيمته من التصاقه بالحقيقة، أو من فاعليته في التقدم، هو حشوة في الدماغ أو وشم، تقرأ فيه أطقماً جاهزة من الأفكار واليقينات والتصورات والمفردات اللغوية، وكلها تريح من عناء السؤال، لأن كل إشكاليات الحياة محلولة، أو لا وجود لها بواسطة هذه الأطقم. وهي أيضاً أساس متين للتواصل مع الآخرين الموشومين بالطريقة نفسها، وتبرير قوي لعدم التواصل مع الناس المختلفين. هذا النوع من المؤمنين يحس في عصرنا أن كل شيء على مايرام، وأن العالم قائم بالضبط بحسب الصورة التي يتصورها. فإذا تكلّمت كلمة واحدة ضد تلك اليقينات والأفكار أحس المؤمن هذا أنه مهاجم، وكرامته مهاجمة، وسلام عقله مهاجم. لذلك يعلن عليك حرباً مقدسة، ويحلل تصفيتك جسدياً. بينما الحقيقة هي أن انتقادك يزعزع ضلالة عقله، ويهز صورة العالم في وعيه...كل إيمان حقيقي ترافقه عصبية حقيقية. كلام ابن خلدون، ماكلام ابن زيدون. أما إيمان بلا عصبية، إيمان بلا تحرير القدس والبترول.... مجرد حشوة في الدماغ، وبضاعة في السوق العقائدي"(12) . ورأت هذه الشخصيات المثقفة ضرورة تحديث النظرة إلى التراث، وقراءته في ضوء الحاضر، وقراءة الحاضر في ضوء الماضي، وذلك من أجل خلق تواصل بين الماضي والحاضر. لقد قدّم "أبو نعيم" في رواية "المرابي" لمحمد إبراهيم العلي(13) رؤية جديدة لأحداث التاريخ العربي الإسلامي، مستخدماً المعارف الحديثة في تفسير أحداث الماضي. وانتقد "أبو نعيم" في ضوء هذه النظرة الجديدة الرأي القائل بأن أبا لؤلؤة قتل عمر بن الخطاب من أجل درهمين، وأوضح أن الأغنياء هم الذين دفعوا أبا لؤلؤة لقتل عمر بعد أن شعروا بالخطر يحدق بأموالهم، ويهدد مراكزهم الاجتماعية(14) . وأفاد "أبو خالد" في رواية "شرخ في تاريخ طويل"(15) ، من التاريخ العربي الإسلامي، ولاسيّما فترة الرسول ص) وصراعه ضد قريش، وفسّر الحاضر في ضوء الماضي، وخلص إلىأن الأوضاع الجديدة تشبه الأوضاع القديمة، وأن الصراع الذي دار بين محمد ص) وقريش يدور الآن بين الثورية والرجعية: "لم يكن محمد ليستطيع قهر قريش والمشركين لو لم يشن عليهم الغارات والغزوات. كان لابد من الدم لسقاية تلك الشجرة. ونحن الآن نواجه ظروفاً مماثلة. الرجعية يا أخ أسيان تتربص بالثورة لتجهز عليها. لن تنتصر إلا بمزيد من الثورية".(16) يستفاد مما سبق أن الرواية السورية رصدت المواقف الفكرية من التراث العربي الإسلامي، من خلال تصويرها لشخصيات مثقفة، مثلت هذه المواقف الفكرية الثلاثة وهي: موقف القبول المطلق، وموقف الرفض المطلق، وموقف الانتقاء. وكشفت الدراسة أن الشخصيات المثقفة التي مثّلت الموقفين الأول والثاني عانت الاغتراب عن الذات والآخرين، وانتهت إلى السقوط والإخفاق. أما الشخصيات المثقفة التي مثّلت الموقف الثالث فقد حالفها النجاح، وبدت أكثر تماسكاً وأقل اغتراباً، وأشد انتماء إلى الذات وإلى الناس. ومن المفيد في ختام هذا الفصل أن نسجل أهم النتائج التي توصلنا إليها، بعد دراستنا للموقف الحضاري للشخصيات في عدد من الروايات السورية. إن أهم مايمكن تسجيله هو أن الرواية السورية رصدت الموقف الحضاري للمثقف العربي، وعرضت لموقفه من الغرب، ومن التراث، ومن خلال تصويرها لشخصيات مثقفة، لها مواقف متباينة من الحضارة. ويمكن حصر هذا التباين في ثلاثة مواقف هي: 1 - الموقف الرافض للغرب والمتمسك بالتراث:[يوسف الأسواني- سهير- الراوية في رواية ومرّ صيف- المعلم سلطان في رواية بلد واحد هو العالم]. 2 - الموقف الرافض للتراث،والمتمسك بالغرب: [الشخصيات المثقفة في رواية "الزمن الموحش"]. 3 - الموقف الانتقائي، الذي لم يرفض الغرب، ولم يرفض التراث، وإنما حاول أن يفيد من الطرفين، الغرب والتراث [أبو نعيم في المرابي، أبو خالد في شرخ في تاريخ طويل]. وتبيّن لنا أن الشخصيات المثقفة التي تخلت عن التحديث، ونكصت إلى تراثها السلفي، تجتر أمجاد الماضي، عاشت أزمة عصرية، وبقيت خارج عصرها، ولم تقدم شيئاً لوطنها. أما الشخصيات المثقفة التي تبنت أيديولوجيا غربية على حساب التراث فقد عانت الاغتراب عن الذات وعن الناس، وأخفقت في النهاية، في حين بدت الشخصيات المثقفة التي وقفت موقف الانتقاء أكثر تماسكاً وأقل اغتراباً. (1) انظر دراسة مفصلة لهذه المواقف في "الفكر العربي المعاصر بين الجمود والتجديد"، وهو بحث للدكتور حسن حنفي، منشور في "قضايا وشهادات"، الثقافة الوطنية(1) ، مؤسسة عيبال، قبرص، العدد 4 عام 1991. (2) الراهب، هاني: 1985- بلد واحد هو العالم- اتحاد الكتاب العرب، دمشق. (3) المصدر نفسه، ص 144. (4) المصدر نفسه، ص 244. (5) حجازي. عبد النبي، 1970، قارب الزمن الثقيل- اتحاد الكتاب العرب، دمشق. (6) المصدر نفسه قارب الزمن الثقيل، ص 14. (7) حيدر. حيدر، 1993-الزمن الموحش ط4، دار أمواج، بيروت. (8) الزمن الموحش، ص 23. (9) المصدر نفسه، ص 38. (10) الزمن الموحش، ص 228، وانظر أيضاً ص 117. (11) المصدر نفسه، ص 137. (12) بلد واحد هو العالم، ص 193-194. (13) العلي. محمد إبراهيم: 1985- المرابيالمخاتير)، ط2، من دون ذكر دار النشر. (14) انظر المرابي المخاتير) ص 184. (15) الراهب. هاني: 1970، - شرخ في تاريخ طويل- دار الأجيال، دمشق. (16) شرخ في تاريخ طويل، ص 213. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |