شخصية المثقف في الرواية العربية السورية - محمد رياض وتار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مثقفو الطبقة الغنية:

لم يعن الروائيون السوريون بتصوير الشخصيات المثقفة التي تنتمي إلى الطبقة المتسلطة كعنايتهم بتصوير الشخصيات المثقفة ذوات الأصول البورجوازية الصغيرة، وذلك لأن جلّ الروائيين السوريين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة في المجتمع. لذا كان هؤلاء الروائيون -في أغلب الأحيان- يعبّرون من خلال شخصيات رواياتهم عن عالمهم البورجوازي الصغير. ومايعزز رأينا أننا لانجد شخصية من الشخصيات المثقفة المنحدرة من الإقطاع أو البورجوازية تشبه إلى هذا الحد أو ذاك شخصية الروائي أو جزءاً من حياته على الأقل، على حين نجد التماهي بين المبدع والبطل المثقف واضحاً عندما يكون الأخير سليل الطبقة البورجوازية الصغيرة أو الطبقة الفقيرة.‏

ومهما يكن الأمر فقد قدّم الروائيون السوريون في رواياتهم شخصيات مثقفة لها صفات طبقتها الإقطاعية أو البورجوازية، ورصدوا موقفها من الصراع الطبقي. ولهذه الشخصيات نمطان: أولهما انحاز إلى الطبقة الفقيرة، وهجر طبقته، وثانيهما بقي متمسكاً بطبقته، ومخلصاً لها. ومن النمط الأول رواية "كوابيس بيروت"(1) لغادة السمان، وهي مثقفة بورجوازية. تشهد هذه المثقفة الصراع الطبقي الذي انفجر على شكل حرب أهلية، وتقف شاهدة على مجتمع كل مافيه يحترق. تهجر هذه المثقفة طبقتها البورجوازية، بعد أن اكتشفت زيف قيمها وأخلاقها، وترغب بالانتماء إلى الطبقة الفقيرة. وتجلّت رغبتها هذه في انتقادها لحيادية طبقتها ولامبالاتها: "نحن السبب، لأننا سمحنا لكل ذلك بأن يحدث تحت ستار الحياد"(2) .‏

وعلى الرغم من أن رواية "كوابيس بيروت" تحس أنها بعيدة عن طبقتها، وتتعاطف مع الطبقة الفقيرة، وترى الحنان يسكن بيوت التنك: "أولئك الذين يسكنون بيوت التنك، والذين كان يتشدق كوكي برغبته في طردهم واقتلاع بيوتهم بالجرافة.. أولئك البشر، أية عوالم من الحنان والصلابة تعشش في صدورهم النازفة"(3) ، على الرغم من كل ذلك بقي انحيازها إلى الطبقة الفقيرة انحيازاً عاطفياً؛ لأنها عجزت عن المشاركة الفعلية وظلت ممزقة بين حب العدل والدفاع عنه(4) . تقول: "غمرني حزن عميق. ليست مأساتي أنني حيادية.. فأنا منحازة.. مأساتي أنني لاأقدر على معاقرة السلاح وأكره العنف"(5) . لقد بقيت عقيدة بطلة "كوابيس بيروت" في طور الحس الطبقي، ولم تتحول إلى وعي طبقي. فهي تتعاطف مع الفقراء، ولكنها لاتتمكن من أن تقود نضالهم، وتعرف الكثير عن الثورة، ولكنها لاتملك القدرة على تجسيدها على أرض الواقع.‏

إن غادة السمان لم تقدم من خلال شخصية الراوية وعي الشريحة المنتمية بالولادة إلى الطبقة الغنية فحسب، بل رصدت وعي هذه الطبقة، وهي تتحول من اليمين إلى اليسار، وأكدت من خلال موقف الشخصية المثقفة الغنية من الصراع الطبقي أن "الانتماء فعل واختيار، لاصنم أيديولوجي يتحلق حوله العابدون بالصلوات أو التبرك أو الأمنيات أو الندم أو الاستغفار. ليس كلشيهاً على صعيد الشعار السياسي، ولاقفصاً حديدياً على صعيد التنظيم"(6) .‏

إذا كانت رواية "كوابيس بيروت" انحازت إلى الطبقة الفقيرة انحيازاً عاطفياً فإن "نايف" في "وينداح الطوفان" قطع صلته بأسرته الإقطاعية، والتحم بالطبقة الفقيرة التي دافع عنها ووقف إلى جانبها في صراعها مع الطبقة المتسلطة.‏

أما النمط الثاني من مثقفي الطبقة البورجوازية فقد تميز مثقفوه بأنهم لايعترفون بوجود صراع بين طبقات المجتمع، ويدعون إلى التعايش السلمي، وينصرفون إلى إشباع رغباتهم ونزواتهم، ولايؤمنون بالالتزام بقضايا الناس. لقد دعا "غانم ذهب الأرض" في "الأيام التالية" إلى التعايش السلمي، ونبذ الصراعات الدموية، ليحافظ على مركزه الاجتماعي وأمواله الطائلة: "أنا شخصياً لاأسمح لوجهة نظري أن تقودني إلى حلبة الصراع الدموي، بل ولاحتى إلى حلبة ملاكمة. أنا أقول لك ولغيرك: دعنا نتعايش ياصديقي، ونتجنب المجازر التي تتنافى مع روح العصر"(7) .‏

أما "لمياء" في "طائر الأيام العجيبة" فترى في الثقافة متعة وترفاً عقلياً، وترفض التزام الأديب بقضايا الناس ومشكلاتهم، وتدعو إلى فصل الثقافة عن السياسة. تقول لسعيد: "أنا لا أحب الشعر مخلوطاً بالسياسة"(8) .‏

وأهم مايمكن تسجيله بعد تحليل مواقف الشخصيات المثقفة من الطبقات أن المثقفين "ليسوا حيادين، ولايمكنهم أن يكونوا حيادين، وذلك لأنه مفروض عليهم أن يحتلوا موقفاً في الهرم الطبقي للمجتمع"(9) . لذا طرح الروائيون شخصيات مثقفة تدّعي الحياد، ولكنها لاتستطيع تجسيده على أرض الواقع. فعلوان ظل يتأرجح بين الطبقة الفقيرة والطبقة المتسلطة حتى حسم انتماءه إلى الطبقة الفقيرة. وقد تبّين لنا أن معظم الشخصيات المثقفة التي ادعت الحياد من أصل الطبقة المتوسطة المعروفة بتذبذبها وتأرجحها.‏

ويلاحظ الباحث أن الروائيين السوريين أكدوا أهمية التحام المثقف بالناس، وبنوا على هذا الالتحام نجاح المثقف أو إخفاقه. لقد ضلّ "سعد أمين" بطل "الأيام التالية" -على الرغم من أفكاره الثورية- الطريق، وكاد يقع في حبائل الانتهازية لأنه كان بعيداً عن الناس الذين يدافع عنهم. وقد كشف "نصر شمالي" اغتراب بطله عن الناس عندما أخذه إلى "حي الزهور/حي الفقراء، ورصد ماجال في نفسه من مشاعر الخوف والدهشة. ونجح "أحمد" في "وينداح الطوفان"، وبدا شخصية متماسكة، لأنه التحم بالناس واستمد قوته منهم، ولم يسمح لثقافته بأن تفصل بينه وبينهم، وتغربه عنهم، كما يحدث لكثير من المثقفين الذين تكون ثقافتهم امتيازاً لهم، وعامل تغريب يباعد بينهم وبين الناس. يقول "نايف": "ارفع دراستك يا أحمد مؤقتاً. تعلم من هذه المدرسة الكبيرة... ألم تسمع بالذين قالوا: إن الفلاحين يثقفون، وأن الأرض تتثقف؟ وأن العمل الثوري في صف الجماهير يثقف، ويعطي شهادات ليس في الجامعات مايعادلها."(10) ؟‏

ويلاحظ الباحث أن الروائيين عاملوا الشخصيات المثقفة معاملة صارمة، فلم يسمحوا لها بمغادرة تخوم أصولها الاجتماعية، وأجبروها على أن تبقى رهينة الولادة، ولم يتسامحوا إلا مع مثقفي الطبقة المتوسطة، فرصدوا تبدل مواقع هذه الشخصيات على السلم الاجتماعي نزولاً أوصعوداً. في حين كبلوا الشخصيات المثقفة المنتمية بالولادة إلى الطبقة الإقطاعية أو البورجوازية، بقيود طبقتها، وفرضوا عليها أن تظل أمينة ومخلصة لطبقتها. حتى الحالات النادرة التي سمح فيها الروائيون لهذه الشخصيات بتجاوز طبقتها، كانت مرهونة بشروط وظروف ضرورية في رأي الروائيين لكي يتم الانزياح الطبقي من الأعلى إلى الأدنى. فإذا كان "نايف" في "وينداح الطوفان" -وهو مثقف ينتمي بالولادة إلى الطبقة الإقطاعية -اختار أن يكون ولداً عاقاً لطبقته، ووقف في وجه أبيه، مدافعاً عن الفقراء والفلاحين، فإن ذلك كله ماكان ليحدث لولا ظلم أبيه له ولأمه ولأخوته، وتفضيله لزوجته الثانية "الست منيرة".‏

لقد اكتفى الروائيون بسبب واحد أدى إلى انحياز المثقف الذي ينحدر من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الفقيرة، وهو السبب الذاتي المتعلق بالوعي، وغفلوا عن الأسباب الأخرى التي حدّدها "بو علي ياسين" بمدى تهديد الطبقة العليا لكيانات الطبقة المتوسطة، ومدى التقارب بين مصالح الطبقة المتوسطة ومصالح الطبقة العليا، أو مصالح الطبقة الدنيا، ومعيقات التسلق والصعود على سلم الهرم الطبقي"(11) .‏

(1) السمان: غادة، 1976 -كوابيس بيروت- دار الآداب، بيروت.‏

(2) كوابيس بيروت، ص99.‏

(3) كوابيس بيروت، ص418.‏

(4) انظر نادية. خوست، 1983 - كتّاب ومواقف- اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص116.‏

(5) كوابيس بيروت، ص140.‏

(6) شكري. غالي، 1980 -غادة السمان بلا أجنحة ط2- دار الطليعة، بيروت، ص189، ورصد رياض عصمت في دراسته للمجموعة القصصية "رحيل المرافئ الدافئة" تخلي غادة السمان عن طبقتها البورجوازية، وانتماءها إلى الطبقة الفقيرة، راجع "الصوت والصدى" -دار الطليعة، بيروت، ص134-147.‏

(7) الأيام التالية، ص43.‏

(8) طائر الأيام العجيبة، ص22.‏

(9) ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الطبقي، ص34.‏

(10) ينداح الطوفان، ص101.‏

(11) راجع ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الطبقي، مرجع سابق ص54-55.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244