شخصية المثقف في الرواية العربية السورية - محمد رياض وتار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث:

المثقف وقضايا السياسة‏

آ- المثقف وقضايا الاستقلال الوطني:‏

تكاثرت بعد نكسة 1967 الروايات السورية التي حاولت تصوير المفاصل التاريخية الأساسية في إعادة تشكيل المجتمع في سورية. منذ الحرب العالمية الأولى(1) . والجدير بالذكر أن هذه الروايات عنيت بتصوير مرحلة الاحتلال الفرنسي لسورية أكثر من عنايتها بمرحلة الاحتلال العثماني، التي ألمحت إليها الروايات في معرض تناولها لفترة الاحتلال الفرنسي(2) . فروايتا "مدارات/الأشرعة"، "ولن تسقط المدينة"، على سبيل المثال لا الحصر، تغطيان الفترة الممتدة مابين 1918-1920، أي منذ رحيل الأتراك عن سورية حتى دخول الفرنسيين.‏

لايجد الباحث في الرواية التاريخية السورية رواية واحدة يمكن أن يطلق عليها مصطلح "رواية مثقفين". فقد انصرفت الروايات التي رصدت مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي إلى تصوير الشخصيات الشعبية، وأعطت البطولة الحقيقية" لأولئك الناس الطيبين الأميين الذين دفعهم وعيهم العفوي إلى الثورة على المستعمر الفرنسي"(3) .‏

وكان وراء اختيار الرواية التاريخية السورية لشخصيات من الوسط الشعبي دافعان هما:‏

1- رغبة الروائيين في إنصاف تلك الشخصيات الشعبية التي شاركت في النضال الوطني، ولم يذكرها التاريخ الرسمي المكتوب "حسن جبل"، و"محمد قاديش" وغيرهما.‏

2- إدانة الروائيين للطبقة البورجوازية التي كانت أكثر إنتاجاً للمثقفين لقدرتها على تعليم أولادها، والتقليل من دورها في تحقيق الاستقلال، والحط من شأن شريحتها المثقفة. وهذا ما أشار إليه "سمر روحي الفيصل" عندما ذهب إلى أن "فارس زرزور" في روايتيه "حسن جبل" ولن تسقط المدينة" كان يضمن عباراته وسياق روايتيه سخرية من مشاركة "عبد الرحمن الشهبندر" في محاربة الاستعمار(4) .‏

موقف المثقف من الاستقلال الوطني في رواية "مدارات الشرق":‏

رصدت رواية "مدارات الشرق" لنبيل سليمان فترة هامة في حياة سورية، امتدت من خروج الأتراك إلى دخول الفرنسيين، وأعادت تشكيل تاريخ سورية في تلك الفترة من خلال وقوفها عند المفاصل الكبرى التي شكلت ذلك التاريخ، كدخول اليهود طرفاً في الصراع على صعيد التاريخ السياسي، وتسلم البورجوازية المحلية زمام الأمور، وصعود بعض الطبقات الوسطى إلى الطبقة العليا، على صعيد التاريخ الاجتماعي، بالإضافة إلى إشارة الرواية إلى بدايات انتشار الفكر الماركسي في سورية.‏

وقف نبيل سليمان من بورجوازي دمشق وباشواتها موقف الحياد(5) ، وترك لهم حرية الحركة والتصرف، ولم يقسرهم على اقتراف الآثام والشرور والخيانة، كما هو سائد في عدد كبير من الروايات السورية. وبذلك استطاع "نبيل سليمان" أن يكشف عن التكوين النفسي والفكري لهذه الطبقة، ويدينها بطريقة غير مفتعلة، فالباشا شكيم يجمع بين اللونين الأبيض والأسود، وهو شخصية معتدلة في موقفها الوطني. لقد رفض الانتداب الفرنسي ومعاهدة سايكس بيكو، والهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وفضل طلب المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية(6) . و"للباشا شكيم" علاقات مع الاستعمار، تمثلت بعلاقته مع "المستر بيجيت" زوج أخته "لميعة" المقيمة في لندن. وقد جاء هذا الاعتدال في مواقف "الباشا شكيم" متطابقاً مع طموحه إلى قيادة البلاد بعد خروج الفرنسيين: "ماذا يفعل الباشا شيكم الآن، سوى أنه يسعى كي يكون حوذياً؟ أليست هذه البلاد التي يرغب في أن يقودها مثل تلك العربة أو تلك الخيول"(7) ؟‏

وهكذا كشف "نبيل سليمان" عن تذبذب الطبقة الإقطاعية المتحالفة مع البورجوازية، وتناقضاتها بين القول والفعل، وأوضح أن مواقفها الوطنية هي مواقف انفعالية، تتلاشى عندما تتعارض مصلحة الذات مع مصلحة الوطن. لقد انتهى "الباشا شكيم" الذي رفض هجرة اليهود إلى فلسطين إلى التفكير بأن يبيع كل مايملك إلى إحدى الشركات اليهودية. يقول "لسليم أفندي": "هم يحاولون أيضاً أن يشتروا في فلسطين. في حيفا وجينين وغور بيسان. لا أخفي عليك أنت مثل أخي. إني فكرت في أن أبيعهم كل مالي... يمكن سمعت أن حماي قد باعهم الكثير"(8) .‏

وبما أن البورجوازية العربية ضعيفة، وتابعة للبورجوازية الغربية فقد كشف "نبيل سليمان" عن انتهازيتها وعجزها عن تحقيق التطور والتقدم للمجتمع، وسعيها إلى إنشاء صناعات خفيفة تضمن لها الربح السريع. يقول "الباشا شيكم" لسليم أفندي: "هل فهمت؟ ودعني أسألك أي من الشركتين اللتين أمامنا الآن "الزراعية" أم "القدسي" يمكن أن تحقق ربحاً أكبر وأسرع؟(9) .‏

تسعى البرجوازية الاستعمارية -كما يقول "فرانز فانون" -إلى عقد صلات بالنخبة المثقفة في البلد المستعمر(10) . وبذلك ينشأ تحالف بين الطرفين، ويعمل كل طرف على تحقيق مصالح الطرف الآخر، فتحقق البورجوازية الاستعمارية مصالح النخبة المثقفة بدعمها ومساندتها لتتمكن من المحافظة على امتيازاتها، وتحقق هذه النخبة مصالح البورجوازية الرأسمالية عن طريق عجزها عن إنجاز التقدم والتطور للمجتمع. وقد أشار "نبيل سليمان" إلى هذا التحالف، والدور العميل والرجعي لهؤلاء المثقفين، ورصد مواقفها كشخصية "أمير الحج" وشخصية "الخواجة" الذي أكد فضل الاستعمار وضرورته: "بيروت سلمت أمرها منذ البداية واستراحت. بيروت بعافية أمّا الشام"(11) .‏

لقد كان "نبيل سليمان" بارعاً عندما أدان هؤلاء المثقفين، وعلى ألسنتهم هم. يقول "أمير الحج" مخاطباً الباشا شكيم: "ياحسرة. الأمير مثلك. كلكم مثل بعض. لعبة بيد الإنكليز، وكل واحدة على قدره... وغداً أو بعد غد يروح الإنكليز ويجيء الفرنسيون. ماذا ستفعل وماذا سيفعل الأمير إذا جاؤوا"؟(12)

أما "هشام الساجي" فهو مثقف وضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، وأنشد الأناشيد الوطنية مع الأطفال في شوارع دمشق، وتطلع إلى ذلك اليوم الذي يرى فيه وطنه متطوراً متقدماً، وأدرك أن ملاكي الأراضي الإقطاعيين. هم السبب في تخلف بلاده: "في إيابه السريع، وفي انزوائه الطويل إثر ذلك، ملأه يقين بأن ملاكي الأرض جميعاً، ومن أسوأهم إلى أفضلهم، من الدولة العلية إلى أي رضا بك أو شكيم باشا، أو شيخ معمم أو شيخ بدوي، هم أس البلاء في أرجاء الشام"(13) . لقد حاول "هشام الساجي" أن يفعل شيئاً من أجل وطنه، من خلال مقالاته التي شرح فيها أسباب التخلف، ولكن جهوده ذهبت سدى، وأحلامه تحطمت وهو يرى الجيش الفرنسي يقتحم أسوار دمشق، وأصيب باليأس والعجز: "كانت أصابعه جميعاً تتحرك معاً، سوى السبابة اليمنى التي بدت مشلولة، وإلى جوارها بدا القلم هو الآخر مشلولاً، وكان ينوء تحت وطأة حزن طاغ، وعينه مسمرة إلى الدرج الفارغ"(14) .‏

وقد فسر الدكتور "عبد الرزاق عيد" إخفاق "هشام الساجي" وعجزه بما "ترسب في الوعي الإيديولوجي والسياسي المشبع بالستالينية حول احتقار المثقف واتهامه بالجبن والتردد والتذبذب والتنظير"(15) . ولانظن أن الأمر يرجع إلى تأثيرات الستالينية) في الفكر العربي، بقدر ما يرجع إلى واقع المثقف العربي، وطبيعة العلاقة القائمة بينه وبين مجتمعه. وقد ساهم زمن كتابة الرواية، وما شهده من هزيمة العرب في حرب الخليج، في طرح صورة المثقف على ماهي عليه شخصية "هشام الساجي"، وفي التخفيف من حدة التفاؤل التي ميزت المثقفين العرب في الخمسينات والستينات، والتي نراها بارزة في الأعمال الروائية المبكرة لنبيل سليمان، ولاسيما رواية "وينداح الطوفان".‏

ويمثل "سليم أفندي البسمة" الطبقة المتوسطة، وهي تتردد بين التمسك بالهوية الوطنية واللحاق بالاستعمار. إن "لسليم أفندي" مواقف وطنية كثيرة، فهو يرحب بالحكم العربي الجديد بعد طرد الأتراك، ويسعى إلى مقاومة الشركة اليهودية التي اشترت الأراضي في فلسطين، وتريد شراء أراضي الغوطة أيضاً، وتبلغ فرحته أقصاها عندما يرى العلم العربي يرتفع في سماء الشام، ويدافع عن الصناعة الوطنية، ويقف في وجه الخواجة الذي أصر على أن الخطر القادم على البلاد يأتي من الأتراك والروس، وأن فرنسا تقدم المساعدات للناس، ويرد "سليم أفندي" على الخواجة بغضب مبيناً له أن روسيا لم تسئ إلى العرب، لا في أيام قيصريتها ولا في أيام شيوعيتها، وأن المصيبة ليست في فرنسا وحدها، بل في رجالها وأتباعها من العرب(16) .‏

هذه المشاعر الوطنية والقيم الأصيلة تقابلها مشاعر وقيم أخرى، اكتسبها سليم أفندي بعد أن تعلم اللغة الفرنسية التي مكنته -إلى جانب خبرته في التجارة- من الانتقال من تجارة الحبوب والقنب إلى تجارة الأراضي، ومن الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الثرية والاستعمار.‏

إن "سليم أفندي" يمثل "الفئة الجديدة التي تنسل من السوق التجارية القديمة وهي تبحث عن التوسع والانتشار، لتجد لها مكاناً في فضاء سطوة الأرستقراطية الزراعية الإقطاعية والتجارية التقليدية، وهي تحمل وضاعة نشأتها إذ تقبل بحماسة غريزية شديدة على ماكانت تترفع عنه الفئات العليا السابقة. "فسليم أفندي البسمة" الذي يبتسم له الحظ لايجد غضاضة في أن يقبل بكل هذا النهم على خديجة خادمة الباشا شكيم، بل القبول بزواجها بعد طلبها من زوجها عبد الودود"(17) .‏

إن "سليم أفندي" و"الخواجة ثابت" و "أمير الحج" و"الباشا شكيم" نماذج مثقفة تدل على ماتتركه ثقافة المستعمر من آثار سلبية في شخصية المثقف الوطني، أخطرها فصله عن القيم الوطنية الأصيلة، وتوجيه أنظاره إلى قيم المستعمر وأفكاره. "سليم أفندي" الذي كان متمسكاً بالقيم الوطنية الأصيلة من شهامة وشرف وكرامة ورفض للأجنبي بدأ يتغير بعد أن تعلم اللغة الفرنسية، وذهب إلى برلين، واستخف بثقافته القومية، وتبنى إيديولوجيا المستعمر وطرائق تفكيره: "زهد سليم أفندي بغلال الحبوب والقنب... زهد فيما يسود البلاد من تجارة وزراعة... صار لسانه ينطق بالفرنسية، رمى بالطربوش والكوفية، كان ثمة ماينقلب فيه كل يوم"(18) . لقد عاد "سليم أفندي" إلى الشام بعد رحلة إلى برلين، وراح يقارن بين البلاد التي فارقها وبلاده، ووجد أن الهوة واسعة بين الطرفين، وتساءل -مبيناً ما يتذرع به المستعمر من إنقاذ الشعوب الضعيفة والمتخلفة ليبرر لنفسه احتلالها -"عما إن كان لايحق لسكان تلك البلاد أن يملكوا العالم، ماداموا على ماهم عليه، ومادامت الشام على ماهي عليه"(19) .‏

رصدت رواية مدارات الشرق، ولاسيما جزؤها الثاني "بنات نعش" بدايات دخول الفكر اليساري إلى سورية، وصورت شخصيات تسرب إليها هذا الفكر. والملاحظ أن هذه الشخصيات تنتمي إلى الطبقة الفقيرة الفلاحين والعمال)، فعزيز اللباد من أصل فلاحي، أطلق النار على الإقطاعي "عبود بك الرشدة" ولاذ بالفرار. "ووليف كيروز" عامل شيوعي، تعرف عليه "عزيز اللباد" ونشأت بينهما صداقة. وتتميز هذه الشخصيات بإحساسها الوطني المتأجج في داخلها، والذي دفعها إلى مقاومة المستعمر الفرنسي، ورفضه رفضاً مطلقاً.‏

لقد أراد "نبيل سليمان" -من خلال طرحه لهذه الشخصيات- أن يقول: إن الذين قاوموا المستعمر الفرنسي هم أنفسهم الذين قاوموا الإقطاعيين والبورجوازيين. وسنرى هذه الفكرة بشكل أعمق وأوسع في رواية "المستنقع" لحنا مينة(20) .‏

موقف المثقف من الاستقلال الوطني في روايتي "لن تسقط المدينة" و "حسن جبل":‏

إذا كانت رواية "مدارات الشرق" رصدت الموقف السلبي لمثقفي البورجوازية العربية من قضايا الاستقلال الوطني، وبينت دورهم الرجعي والعميل، فإن رواية "لن تسقط المدينة"(21) لفارس زرزور وقفت عند الدور الإيجابي لمثقفي البورجوازية العربية في معركة الكفاح من أجل الحرية والاستقلال. وبذلك تؤكد رواية "لن تسقط المدينة" صحة ما ذهب إليه "فرانز فانون" من أنك إذا تابعت نتائجها البورجوازية الوطنية) إلى حدودها القصوى أدركت أنها تهيئ لنزع الغشاوة عن وعي الشعب، وللتنديد بالاضطهاد، ولفتح باب كفاح التحرير(22) . ولايقلل من أهمية دور مثقفي البورجوازية العربية في معركة الكفاح والنضال لنيل الاستقلال ماذهب إليه "سمر روحي الفيصل" من أن "فارس زرزور" إنما كان يسخر من البورجوازية الوطنية، من خلال سخريته من شخصية الدكتور "عبد الرحمن الشهبندر"(23) . وذلك لأن "فارس زرزور" لم يسخر من "عبد الرحمن الشهبندر" كما سنرى في تحليل رواية "حسن جبل" بالإضافة إلى وجود شخصيات مثقفة بورجوازية ووطنية كان لها دور إيجابي في معركة الاستقلال، كشخصية "بشير الصافي" و "حميد الرقي" و "يوسف العظمة".‏

ترصد رواية "لن تسقط المدينة" بداية تشكل الوعي القومي العربي لدى شريحة من المثقفين البورجوازيين، وتطور هذا الوعي وتصاعده باتجاه الالتحام بقضايا الشعب، والدفاع عن مصالحه. فبشير الصافي صيدلي عاد من أوروبا في الفترة التي كان فيها الشعب في سوريا يتهيأ لاستقبال الجيش العربي -الانكليزي. وعندما كشف "الصافي" اللعبة لم يلق باللوم على الشعب، بل التمس له الأعذار: "إذا خطر لك يوماً أن تذكر هذه الأيام فلا تنح باللائمة على هذا الشعب الفقير، فهو يحتفل كالعادة. وغداً عندما يجد نفسه مخدوعاً، فسيعرف كيف يتحرك"(24) .‏

إن "بشير الصافي" يثق بالناس والشعب ثقة كبيرة، ويدعو إلى الالتحام المثقف بالناس، والعمل على توعيتهم، والوقوف إلى جانب قضاياهم. يقول مخاطباً "عبد الرحمن الشهبندر" الذي كان ضعيف الثقة بالجماهير: "أنر السبيل للناس، وستجدهم يندفعون من تلقاء أنفسهم وستجد نفسك وراءهم"(25) . ويطالب أيضاً بأن تكون الأهداف التي يدعو إليها المثقفون متطابقة مع إرادة الشعب ومصالحه: "إن الأفكار لاتستطيع أن تعيش في الرؤوس وحدها، ولاتنبت من الرؤوس وحدها، بل يجب أخذها من الناس وإعطاؤها إلى الناس، لأن الفكرة في الأساس هي في خدمة الجمهور، ولهذا يجب اطلاع الناس بصورة مفصلة على كل مايجري في البلاد، وما سيجري فيها"(26) .‏

يعني إصرار "بشير الصافي" على التحام المثقف بالناس لكسب معركة الاستقلال وجود شرخ بين المثقف والناس، ناتج عن عدم قدرة الناس على فهم خطاب المثقف، وعجزهم عن استيعاب مفرداته وتراكيبه. لذا حث "بشير الصافي" المثقفين على مضاعفة الجهد لرفع وعي الشعب إلى مستوى الفكرة التي يحملونها(27) .‏

تطرح شخصية "بشير الصافي" تساؤلاً هو لماذا بدا "بشير الصافي" مثال المثقف المخلص للشعب، المدافع عن قضاياه، فيما بدا غيره من المثقفين البورجوازيين انتهازياً، وعميلاً للمستعمر؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد أن نقف عند مكونات الوعي لدى "بشير الصافي"، والإيديولوجيا التي يعتنقها. لقد أشار "نبيل سليمان" إلى أن "بشير الصافي" قد اطلع على الفكر الماركسي كما يشير بقوة شرحه عن النقود ورأس المال، واهتمامه بدور المثقفين في تطوير الثورة(28) .‏

وطرحت "لن تسقط المدينة" -إلى جانب علاقة المثقف بالشعب- فكرة الوحدة الوطنية، من خلال شخصياتها المثقفة البورجوازية التي وقفت في وجه التفرقة والإقليمية والطائفية التي سعى الاستعمار إلى زرعها بين أبناء الوطن الواحد، ودعت إلى مزيد من التمسك بالوحدة والاتحاد. لذا انتقد "بشير الصافي" الشيخ "صالح العلي" لموقفه السلبي من الاسماعيليين، ولتوزيعه قواته عشائرياً: الحدادين، المتاورة... ودعا الدكتور "عبد الرحمن الشهبندر" إلى تأسيس جمعية سرية، تنادي بمبدأ وطن العرب للعرب، ويكون خطابها موجهاً لكل الناس(29) . ومثل هذا الموقف الذي يدل على إضاءة الجوانب السلبية في العمل الوطني ينم على موقف علمي ونقدي من التاريخ، ويبعد عنه الموقف الاطلاعي الذي ليس في النهاية غير سلبية مغلقة(30) .‏

وتكشف الدعوة إلى الوحدة الوطنية عن إيديولوجيا الشخصيات المثقفة، وتحدد طبيعة بواكير الوعي القومي العربي أو الديني. لذا لانجد على ألسنة الشخصيات المثقفة ذكراً للصراع أو الطبقات المكونة للمجتمع، لقناعة هذه الشخصيات بأن الطابع العام للنضال ضد الاستعمار هو طابع تحرري بالدرجة الأولى.‏

تعتبر رواية "حسن جبل"(31) امتداداً لرواية "لن تسقط المدينة" التي انتهت بمحمد قاديش وهو يلبي دعوة "الأشمر" إلى إشعال الثورة في الغوطة بعد معركة "ميسلون" وعدم الاستسلام. أما رواية "حسن جبل" فتابعت رصد أحداث النضال ضد المستعمر ووصلت إلى أحداث ثورة آذار، من خلال تقديمها لسيرة المجاهد "حسن الجبل"، من دون أن تغفل سيرة محمد قاديش، وتطور وعيه النضالي.‏

ولعل أهم ما في رواية "حسن الجبل" هو الأفكار التي تضمنها الحوار الذي جرى بين الدكتور "عبد الرحمن الشهبندر" و "محمد قاديش"، والذي كشف عن اختلاف في أفكار الشخصيتين اللتين تنتميان إلى طبقتين مختلفتين. لقد غلب على شخصية "قاديش" طابع الانفعال والتحدي. ورفض أي شكل من أشكال المساومة. فالإنسان لايكون ثورياً -بحسب رأي قاديش- إلا إذا حمل السلاح، ويبرر "قاديش" تهوره واندفاعه وحماسته الزائدة بأن لكل ثورة ظروفها وقوانينها، ولابد أن يحترق على لهيبها الكثيرون أما الدكتور "عبد الرحمن الشهبندر" فيخالف "قاديش" في آرائه. فيكفي أن يتبرع الإنسان بقسط من ماله للثورة ليكون ثورياً، وهو الشهبندر) ضد العمل الثوري العفوي والانفعالي، والشعب -عند الشهبندر- كلمة تعني المواطنين. جميعهم بكل طبقاتهم. والمقياس الأساسي في تقييم الشخصية هو الأخلاق. ولايرى ضيراً في شراء الأسلحة الانكليزية(32) .‏

ويلاحظ الباحث من الحوار بين "قاديش" و"عبد الرحمن الشهبندر" أن الأول يمثل العاطفة في النضال التحرري، بينما يمثل الثاني العقل والتنظيم والتخطيط. وهما بذلك يعكسان مدى تأثير الثقافة في المناضل ضد المستعمر. فقاديش تلقى ثقافة محلية فقط، فبقي انفعالياً في فهمه للثورة، أما الدكتور "الشهبندر" فقد أكسبته ثقافته المتخصصة، واطلاعه على ثقافة غريبة إلى جانب ثقافته المحلية بعداً جديداً لم يتوافر لقاديش.‏

إن السخرية من مشاركة عبد الرحمن الشهبندر، والطبقة البورجوازية في النضال ضد المستعمر ترجع إلى المؤلف نفسه، الذي نظر إلى رحلة النضال ضد المستعمر من وعي مسبق، يقسم الناس إلى طيبين وأبرياء، وهم الفقراء، وإلى أغنياء، مدانين، و "يسقط أفكار الحاضر على الماضي، ويتناسى المراحل التي قطعتها البورجوازية، من مرحلة الاستعمار والإقطاع حتى مرحلة الاستقلال، ومرحلة القضاء على البورجوازية الصناعية بعد صدور قرارات التأميم"(33) .‏

موقف المثقف في رواية "المستنقع":‏

إذا كانت روايتا "مدارات الشرق، و "لن تسقط المدينة" قد صورتا شخصيات مثقفة تنتمي إلى الطبقة البورجوازية، وكشفتا عن الوعي القومي لدى هذه الشخصيات، فإن رواية "المستنقع" تختلف عنهما من حيث إنها رصدت بدايات تشكل الوعي القومي العربي لدى شخصيات شعبية لعبت دور المثقف دون أن تتلقى تعليماً منظماً، كشخصية "كوزي" و "أسبيرو الأعور" وكان وراء صنع هذه الشخصيات أيديولوجيا المؤلف التي تقدس الطبقة العاملة، وترى في العامل معلماً وأستاذاً للمثقف المتخصص. وهذا ماجعل شخصية "فايز الشعلة" -على الرغم من ثقافته العالية، ودوره الكبير في النضال السياسي والاجتماعي- لاترقى إلى ذروة متفوقة من النضج(34) .‏

طرحت رواية "المستنقع" على لسان الشخصيات المثقفة النضالين القومي والاشتراكي. فهذه الشخصيات -ولاسيما فايز الشعلة- أدركت أن الفئات التي تناضل ضد المستعمر هي نفسها الفئات الشعبية التي تناضل ضد الإقطاعيين والبورجوازيين، حلفاء المستعمر وأصحاب المصلحة في بقائه. وهكذا نجد "فايز الشعلة" يقود مظاهرة ضد الفرنسيين والبطالة والجوع، ويوزع المنشورات ضد المحتلين، ويدعو إلى طردهم، وإلى توزيع أملاك الأغنياء على الفقراء(35) . لقد أراد "حنا مينة" أن يقول من خلال شخصية "فايز الشعلة": "إن أصحاب الأفكار الاشتراكية المبكرة هم الذين قادوا العمل ضد سلخ اللواء"(36) .‏

وأدى تطابق الأهداف التي دعت إليها الشخصيات المثقفة مع أهداف الشعب ومصالحه إلى التحام هذه الشخصيات بالشعب. وظهر هذا الالتحام جلياً في المظاهرات التي كان يقودها "الشعلة" ومن ورائه الشعب يردد: ليسقط الاحتلال وليعش الاستقلال(37) .‏

وكان لمعلمي المدارس -كما قدمتهم "المستنقع"- مواقف من القومية العربية والاحتلال. وقد انقسم هؤلاء المعلمون إلى نمطين: الأول دعا إلى القومية العربية، وطرد المستعمر، كالأستاذ "أحمد" الذي حفّظ طلابه القصائد الوطنية التي ألهبت حماستهم، ودفعتهم إلى النضال ورفض الاحتلال. أما النمط الثاني فدعا ممثلوه إلى القضاء على القومية العربية، وإلى فرض اللغة الفرنسية بدلاً من اللغة العربية، وإلى إبعاد الطلاب العرب عن كل مايذكرهم بلغتهم وتاريخهم وحضارتهم(38) .‏

وثمة شخصيات مثقفة لعبت دور العميل للاستعمار. فلم تسمح بانتشار الفكر القومي العربي، وحاربته بكل ماتملك من سلاح، ودعت إلى فصل الدين عن السياسة. وقد مثّل هذا النموذج من المثقفين مدير المدرسة الذي عاقب الطفل /حنا مينة لأنه كتب على السبورة بيتاً من الشعر يتحدث عن فلسطين(39) .‏

ب-المثقف وقضايا النضال القومي:‏

أهملت الرواية السورية رصد التحولات التاريخية والسياسية التي شهدها الوطن العربي في العقدين الأولين من القرن العشرين، فلم تتوقف عند الاحتلال التركي للوطن العربي، ولاعند الحرب العالمية الأولى، وعزفت عن تصوير الحرب العالمية الثانية كما عزفت عن الحرب التي هزمت فيها أربعة جيوش عربية أمام إسرائيل، وهي حرب 1948.‏

ولعل السبب في إهمال الروائيين لهذه الأحداث التاريخية الهامة يرجع إلى أنهم كانوا يمنّون النفس بالمستقبل، فعزفوا عن أحداث الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب 1948 لأنها شهدت انتقال العرب من مستعمر إلى آخر، واستبدلوا بها أحداث مقاومة المستعمر الفرنسي، وتحقيق الاستقلال(40) .‏

ولكن المستقبل كان مخيباً للآمال، فانهار حلم الوحدة العربية في بداية الستينات، وتعرض العرب لهزيمة كبيرة أمام إسرائيل في عام 1967، "مما دفع الروائيين إلى تأمل حاضرهم للبحث عن أسباب ترديه، والخلاص من هزائمه. وليس هناك شك في أن انعكاس الحروب في الرواية السورية يشير إلى أن الروائيين شرعوا يواكبون الأحداث المصيرية لأمتهم العربية بعد إهمالهم أحداث النصف الأول من القرن العشرين"(41) .‏

موقف المثقفين من حرب حزيران 1967:‏

هزت نكسة حزيران وجدان المثقف العربي، وزعزعت كيانه النفسي، وتركت في نفسه مرارة وأسى. وقد حظيت النكسة -لما تركته من نتائج هامة على الصعيدين السياسي والاجتماعي- باهتمام الأدباء العرب على امتداد الوطن العربي.‏

رصد الروائيون أبعاد النكسة في رواياتهم من موقع المثقف البورجوازي الصغير، القلق والمتردد. ولعل السبب في اختيارهم لشخصية المثقف البورجوازي الصغير يرجع إلى المكانة البارزة التي تبوّأته الطبقة المتوسطة في المجتمع العربي، منذ أن ساهمت في إنجاز الاستقلال إلى أن تسلمت مقاليد الحكم والسلطة، وتنطّعت للتصدي لمشكلات الأمة العربية وقضاياها. وثمة روائيون أوقفوا أدبهم الروائي على تتبع حياة الطبقة البرجوازية الصغيرة، ورصدوا نشأتها وتطورها وآمالها ونجاحاتها وإخفاقاتها، ومن بين هؤلاء الروائيين نذكر على سبيل المثال لا الحصر "حليم بركات" و "هاني الراهب"(42) .‏

كانت استجابة الفن الروائي في سورية للنكسة سريعة، فما هي إلا بضع سنوات على مرور النكسة حتى ظهرت رواية حليم بركات "عودة الطائر إلى البحر" 1969، ورواية عبد النبي حجازي "قارب الزمن الثقيل" 1970، ورواية ممدوح عدوان "الأبتر" 1970، ثم تتالت النصوص الروائية، فظهرت رواية "الأيام التالية" لنصر الشمالي عام 1972، ورواية "ثلج الصيف" لنبيل سليمان" عام 1973، ورواية "ألف ليلة وليلتان" لهاني الراهب عام 1977.‏

وعلى الرغم من وفرة النصوص الروائية التي تناولت النكسة فإن الباحث يستطيع تصنيفها في تيارين رئيسين، أولهما رصد المأساة من زاوية الكشف عن أسباب النكسة. وقد طغى على هذا التيار اليأس المطلق. وينتمي إليه معظم النتاج الروائي الحزيراني، كرواية "عودة الطائر إلى البحر"، و "قارب الزمن الثقيل"، أما التيار الثاني فقد رصد النصوص التي تنتمي إليه -على قلتها- الفترة التالية للحرب، وحاول تجاوز النكسة، لذا طغى عليه التفاؤل المطلق(43) .‏

يجد المتتبع للروايات السورية التي وقفت عند النكسة أن هذه الروايات تصور واقعاً مداناً، سلطة وأفراداً. فقد أدان الروائيون واقع ماقبل الحرب من خلال أقوال الشخصيات المثقفة التي أدانت الواقع العربي المتخلف سياسياً واجتماعياً. وقد أُدين واقع ماقبل الحرب من زاوية الضباط المُسرحين من الخدمة والارتجال في الأعمال العسكرية، والخيانة والقلق الفردي والحماسة الفارغة والتفاوت الطبقي والثورية الشكلية، والشعارات وعدم التمسك بالأرض(44) . "فأحمد شهاب" بطل رواية "قارب الزمن الثقيل" ضابط في الجيش، وجد نفسه بعيداً عن الخدمة بعد أن أصيب في اشتباك جزئي مع العدو. وقد تنبأ "أحمد شهاب" بنتيجة الحرب قبل وقوعها عندما أشار إلى ضعف إمكانات العرب العسكرية مقابل تطور أسلحة العدو: "بالبنادق وحدها نقف أمام جيش بحرب نظامية؟ سخافة"(45) . ومن الأسباب التي أدت إلى النكسة -في رأي أحمد شهاب- حالة التشرذم والتجزئة التي تعيشها الأمة العربية، لذا يدعو إلى توحيد الجيوش والقيادة والجهود: "ننهزم؟ ألف جيش، وألف قيادة.. يجب أن نوّحد الجهود اليوم.. اليوم"(46) .‏

أما "رمزي الصفدي" بطل رواية "عودة الطائر إلى البحر"(47) فيرى أن السبب الرئيس في النكسة إنما هو الجهل الذي أدى إلى هدر الطاقات المتوافرة في أبناء الأمة العربية: "الملايين منهم كانوا في منازلهم أيام الحرب، يصغون للراديو. لماذا لم يكن بعض هؤلاء في المعركة؟ لماذا؟ لماذا؟ لايلومهم بقدر مايلوم بلاده وحكوماتها. إمكانات مهدورة. لا شيء في بلاده أكثر من الإمكانات المهدورة، كأن البلاد العربية سلة مهملات"(48) .‏

أما رواية "الأيام التالية" لنصر شمالي فقد عرضت لواقع ماقبل الحرب من زاوية التفاوت الطبقي، وانقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة مستغِلّة، وتضم الأغنياء والميسورين، من التجار والسماسرة والمتعهدين، وطبقة مستغَلّة، وتضم الفقراء والمحتاجين، وألمحت الرواية إلى أن مجتمعاً يقوم على الاستغلال لابد أن ينهزم في المعركة.‏

وأشارت رواية "ليالي عربية" لخيري الذهبي إلى ما ساد الفترة السابقة للنكسة من كبت الحريات، وغياب المؤسسات الديمقراطية، وتشديد الحكومات العربية على المثقفين واضطهادهم، وحظر العمل السياسي، ممّا جعل بعض المثقفين يقف من الحرب موقف الحياد واللامبالاة. لقد تعرضت إحدى الشخصيات المثقفة في الرواية للسجن والتعذيب الجسدي، ولم يطلق سراحها إلا بعد أن أقسمت على ترك السياسة. وعندما نشبت الحرب ذهبت هذه الشخصية إلى المسبح.‏

لقد استطاعت الروايات السورية مجتمعة أن تقدم مشهداً عاماً عن واقع ماقبل الحرب، وأن تحلل الأسباب التي أدت إلى النكسة. ولكن الرواية الواحدة قصّرت في الكشف عن الأسباب التي ساهمت في النكسة، واقتصرت على سبب واحد أو سببين، مما يعكس عجز الروائيين عن إدراك الأسباب الجوهرية للنكسة من جهة، وعجز المثقف عن تحليل أسباب النكسة تحليلاً موضوعياً من جهة ثانية. وهذا ما أشار إليه "سمر روحي الفيصل" في تحليله لرواية "قارب الزمن الثقيل". فقال: "أليست معاملة الحرب على أنها أزمة ضابط مسرح من الجيش، راغب في المشاركة في القتال شيئاً من تبسيط الحرب"(49) .‏

ويلاحظ المرء أن "الروايات التي صدرت في ذلك الوقت سيطر على أغلبها الإحساس بالهزيمة، دون التماسك والوعي للبحث عن البواعث. لقد كانت الهزيمة من العنف بحيث هزت الوجدان الروائي بعنف شديد، فجاءت استجابته المتأخرة استجابة عاطفية أكثر منها عقلية،... ولم تستطع الرواية الخروج برؤية إيجابية لما حدث"(50) .‏

لم يكتف الروائيون بإدانة واقع ماقبل الحرب، بل أدانوا أيضاً المثقف البورجوازي الصغير، وكشفوا عن أن هذا المثقف متردد، ومتذبذب، ومعزول عن الناس. فعلى الرغم من أن "رمزي الصفدي" حلّل الواقع العربي قبل النكسة، وخلص إلى أن النكسة لابد أن تلحق مجتمعاً، يعطل قدراته وإمكاناته، فقد ظل ينتظر نتيجة مفرحة: "دلائل عدة تشير إلى أن العرب يخسرون، ولكنه يتناسى هذه الأدلة، ويتعلّق بأي خبر قد يوحي بانتصار عربي، فيردده أمام نفسه، وأمام الآخرين"(51) . أما "سعد أمين" فيقول: "أقسم بشرفي أنني مثلهم، ومازلت أنتظر المعجزة، بكل مافي بطني من إيمان شرقي لايعترف بالأرقام، مازلت أعتقد أن هناك سراً مفرحاً على الطريق"(52) .‏

إن تردد هذه الشخصيات المثقفة يميط اللثام عنها، ويوضح حقيقتها، فإذا هي شخصيات تقول شيئاً وتتمنى شيئاً آخر. إن "أحمد شهاب" الذي حمّل المجتمع سبب ابتعاده عن الجيش، وعن المعركة مع العدو، والذي أظهر حماسة منقطعة النظير للمشاركة في الحرب، كانت تتنازعه رغبة أخرى وهي البقاء في البيت، وممارسة الجنس مع "نوال".‏

لقد ذهب ليبحث عن سيارة تقلّه إلى القنيطرة، ولكنه عاد إلى "نوال"، وادعى أن الطريق إلى القنيطرة غير سالكة، دون أن يتأكد من صحة الخبر الذي نقله إليه صديقه، لأنه -كما اعترف- كان يتمنّى الخيبة(53) .‏

ولا يختلف "رمزي الصفدي" عن "أحمد شهاب"، فلطالما كرّر أنه طاقة مهدورة، وأن بلاده لاتريد أن يكون له دور، ولكنه ما إن تخيل نفسه فدائياً حتى أحسّ "برعشة. إنه يحب الحياة... إنه مملوء بها. يولع بالعالم حتى الانتشار، مأخوذ بالمحيطات والبحار والجبال"(54) .‏

يرجع سبب تردّد المثقف البورجوازي الصغير -كما طرحته الرواية- إلى طبيعة وعيه ونوعية ثقافته. "فرمزي الصفدي" أستاذ في الجامعة، وذو ثقافة غربية، يريد أن يحدث بلاده على الطريقة الأوروبية، ويتمنى أن تنتشر الثقافة الغربية في مجتمعه، ولكن الباحث يكتشف أن "رمزي الصفدي" يعيش وعياً مزدوجاً وثقافة متناقضة، علمية وميتافيزيقية، وأنه مثقف لايستخدم ثقافته العلمانية في تحليل الواقع: "أقاصيصك هي التي خدعتني ياشهرزاد. صدقت أقاصيص الجن والأبالسة، والملائكة والعنقاء والرخ، والفانوس السحري وخاتم لبيك. صدّقتها. اعتمدت على الفانوس السحري، وخاتم لبيك. باسمها دخلت المعركة، وحاربت. الفانوس السحري لم يضئ، ولم يخرج منه العفريت. ياعلاء الدين خاتم لبيك لم يلبّ النداء"(55) .‏

ولم تكن "نوال" السبب الذي منع "أحمد شهاب" -بحسب رأي محيي الدين صبحي- من تلبية الواجب الوطني(56) ، بل إن السبب يرجع إلى طبيعة وعي هذا المثقف، وإلى ثقافته التجريدية التي أورثته القلق، وأبعدته عن الواقع، وتركته يحلق في عالم الخيال: "لماذا أنسلخ عن واقعي المحسوس وأعايش الخيالات؟ الأوهام؟ لماذا"(57) ؟.‏

وأدان الروائيون المثقف البورجوازي الصغير من زاوية الحماسة الفارغة، والرغبة التي ظلت حبيسة نفسها، ولم تتحول إلى فعل وممارسة، وجعلوا هذه الشخصيات المثقفة تكثر من أحلام اليقظة، كتعويض عن عجزها وإخفاقاتها بالقيام بعمل بطولي على أرض الواقع. إن "سعد أمين" يشعر -وهو على فراش المرض- بحنين لايوصف إلى الدبابة العربية المصنوعة في الاتحاد السوفياتي، ويعجب بمتانتها وجمالها ورشاقتها وارتفاعها المنخفض، وهيكلها السميك المنيع، ويتخيل نفسه على ظهرها يتقدم ضمن الأرتال الزاحفة، ولكنه سرعان ما يغرق في الأسى حتى أذنيه، عندما يستيقظ من الحلم ليرى نفسه ملقى على فراش المرض(58) .‏

ويقول "أحمد شهاب" في حلم من أحلام اليقظة الكثيرة: "أحتل المستعمرات الواقعة جنوبي طبرية، وأتقدم حتى مطار كوكب الهواء. أجنّد الأهلين... نعبر نهر الأردن ونتمركز في المرتفعات. غباء، أحلام غبية يتسلّح بها الفاشلون أمثالي"(59) .‏

أما رواية "ألف ليلة وليلتان"(60) لهاني الراهب فتدين من خلال شخصية العقيد المثقف العربي الذي اكتفى قبل الحرب بالحماسة الفارغة، والثرثرة الثورية. يقول العقيد وهو يلعب النرد: "العربي صبور. يتحمل. يملك أصالة الجمل في الصحراء. تحمّلنا إسرائيل عشرين سنة، والاستعمار الغربي مئة سنة، والعثمانيين أربعمئة سنة. لكننا هزمنا الأعداء دائماً وسنهزمهم"(61) .‏

إن المثقف البورجوازي الصغير -كما قدّمته الرواية الحزيرانية- مثقف معزول وضائع، وتفصله هوّة واسعة عن الناس ومصالحهم، وعن أمته وقضاياها، ولا يعرف عن بلاده أكثر ممّا يعرفه السائح. وإذا كان المجتمع هو المسؤول عن تغييب دور هذا المثقف، وعزلته وضياعه، فإن الباحث لايستطيع أن يغفل ما لثقافته من دور كبير في عزلته وضياعه. إن "رمز الصفدي" مثقف فقد ثقته ببلاده، وبلاده فقدت ثقتها به، وهو غير مخلص لبلاده، وبلاده غير مخلصة لكرامته وحريته، لأنه اختار السلامة والانعزال والاحتماء والتغلق. ويكفي أن نذكر موقفاً واحداً له لندلّ على أنه مثقف معزول عن قضايا أمته ومشكلات بلاده، وهو رفضه المشاركة في المظاهرة ضد الحكومة الأميركية، في الوقت الذي قبلت فيه "باميلا" -وهي الأميركية- المشاركة"(62) .‏

وهكذا نخلص إلى أنه "ليست بواعث العالم المتخلف هي التي وراء انحسار المد القومي فقط، وإنما كذلك المثقف المدين والمدان، الرافض والمرفوض، والذي يحيا الحياة الهيّنة ولايريد أن يضحي بها"(63) .‏

اتفقت الروايات الحزيرانية على أن الحرب كانت المطهر للإنسان العربي؛ فصورت شخصيات مثقفة غسلت الحرب أعماقها وعقولها، بعد أن هزت وجدانها ووجودها، وبدت -بعد الحرب- كأنها ولدت من جديد. وقد اتجه أغلب هذه الشخصيات إلى العمل الفدائي كحل للأزمة، وكمحاولة للخروج من المأزق. "فرمزي الصفدي" اعتبر الفدائي "الجسر الوحيد الذي يصل العرب بالمستقبل، ويعبُر بهم خارج سور المأساة"(64) . أما "سعد أمين" فقد تطوّع في الفدائية، وفضل العيش في "حي الزهور"، حيّ الفقراء واللاجئين، معلناً اندماجه بالناس بعد غربته عنهم، وانفصاله عن الواقع.‏

ويعني اختيار الشخصيات المثقفة للعمل الفدائي أن هذه الشخصيات فقدت ثقتها بالكلمة كوسيلة لتغيير الواقع. يقول "رمزي الصفدي" في لحظة يأس: "ماقيمة الكتب"(65) ؟ وتقف "ناديا" بطلة رواية "الوطن في العينين"(66) لحميدة نعنع، موقفاً سلبياً من المثقفين، وتفقد ثقتها بدور الكلمة في الثورة: "أذهب إلى القائد الذي لايخطئ... أقرع بابه، تفتح لي زوجته الغارقة بأحلامها: أريد مقابلته!! إنه مشغول، لم ينم البارحة. أقتحم الباب وأدخل إليه في مكتبه... أصرخُ في وجهه: الآن سنصفّي حساباتنا. تعال وحدثني عن مثلكم وعن نظرياتكم... الآن قل لي بمَ زودّتموني وأمثالي لنصدّهم عن أبواب إرم؟"(67) .‏

ولم تقرب حرب حزيران بين الشخصيات المثقفة في رواية "الدوّامة"(68) لقمر كيلاني فحسب، بل ساهمت أيضاً في تشبث هذه الشخصيات بالوطن، والتحامها بالشعب. تقول "فادية": "كله كان زبداً ياسامية... تكسر على هذه الصخرة العاتية التي هي الحرب. لم أكن أعرف نفسي جيداً، ولم أكن أرى سميراً جيداً. أنا لا أحب سمير... وسمير لا يصلح لي. إنسان أناني، ومحدود الأفق لايفكر إلا بنفسه، ومصلحته الذاتية وأنا أتفجر حباً لكل الناس، وعطاء لكل الناس"(69) .‏

ويمكن أن نجمل موقف الشخصيات المثقفة من حرب حزيران بما يأتي:‏

1-لم يعرف الروائيون الحرب على أرض الواقع، لذا قدموا مجتمعات روائية لاوجود لها إلا في أذهانهم، ولاتحمل مسوّغاتها في داخلها. فعلى الرغم من أن رواية "قارب الزمن الثقيل" بدأت صباح أول أيام حزيران وانتهت في اليوم الرابع من أيام الحرب فقد أشارت صفحاتها الأولى إلى معرفة أحمد شهاب بنتيجة الحرب(70) .‏

2-نجحت الروايات الحزيرانية مجتمعة في تحليل واقع ماقبل الحرب، والكشف عن الأسباب التي أدت إلى النكسة. أما الرواية الواحدة فقد اقتصرت على جانب واحد، وأهملت الجوانب الأخرى.‏

3-اهتم الروائيون برؤية المثقف البورجوازي الصغير للحرب، وطرحوه متردداً ومعزولاً عن الناس، وحمّلوه مسؤولية النكسة، ودفعوه إلى الشعور بالذنب(71) .‏

4-أهمل الروائيون رؤية المثقف الثوري للحرب. حتى الروايات القليلة التي طرحت هذا النمط من المثقفين كرواية "الأبتر"(72) لممدوح عدوان لم يكن طرحها مقنعاً، وكانت الشخصية المثقفة فيها سطحية وهشة، وبوقاً ينفخ فيه المؤلف أفكاره.‏

5-عكست الروايات شعور المثقف بمحدودية دور المثقف والكلمة في المعركة وأعلت من شأن السلاح والرصاصة، ولذا دفعت الشخصيات المثقفة إلى اختيار العمل الفدائي كحل للخروج من المأزق.‏

6-كشفت الروايات الحزيرانية عن أن استجابة المثقف للحرب كانت استجابة عاطفية(73) ، لاتستند إلى التحليل العلمي للأسباب والنتائج. فبعض الشخصيات المثقفة وجد أن قلة الأسلحة وتخلفها بالقياس إلى أسلحة العدو كانت السبب في النكسة، أما بعضها الآخر فرأى أن السبب الذي أدى إلى النكسة هو التخلف والجهل، وبعضها رآه في الأنظمة العربية، وبعضها رآه في المجتمع كله، مؤسسات وأفراداً.‏

أما نتائج الحرب فنكاد لانجد ذكراً لها، والاستثناء الوحيد هو رواية "الوطن في العينين" التي أشارت على لسان إحدى الشخصيات المثقفة إلى أن الحرب تركت نتيجة واحدة هي سقوط البورجوازية الصغيرة: "لقد أعطت الحرب نتائج إيجابية، لقد فضحت أنظمة البورجوازية الصغيرة، وعجزها عن خوض معركتها الوطنية التي عطلت لأجلها كافة المعارك الأخرى.. لقد أسقطت الحرب مقولة الحزب الواحد، ليفهم هؤلاء الأغبياء استحالة استمرارهم في الحكم بمفردهم"(74) .‏

(1) انظر "الرواية السورية" لنبيل سليمان، ص161، ومن الروايات السورية التي عالجت موضوع الاستقلال قبل عام 1967 رواية "الراية الثالثة" لعبد الرحمن باشا، و"مصرع اللواء" لخليل السباعي، و"ثائر من بلدي" لإبراهيم المرجاني.‏

(2) راجع "الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية" لسمر روحي الفيصل، مرجع سابق ص469، وص197.‏

(3) المرجع نفسه، ص272.‏

(4) انظر الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، مرجع سابق ص278.‏

(5) انظر الفيصل. سمر روحي، 1993 -قراءات في تجربة روائية ط1- دار الحوار، اللاذقية، ص104.‏

(6) انظر مدارات الشرق/ الأشرعة، ص320-321.‏

(7) مدارات الشرق / الأشرعة، ص330.‏

(8) المصدرنفسه، ص97.‏

(9) المصدر نفسه، ص134.‏

(10) انظر كتابه "معذبو الأرض"، مرجع سابق ص49.‏

(11) مدارات الشرق، ص335، وكذلك، ص355.‏

(12) مدارات الشرق، ص134.‏

(13) مدارات الشرق/الأشرعة، ص340.‏

(14) المصدر نفسه، ص345، وانظر أيضاً الجزء الثاني /بنات نعش/، ص574.‏

(15) عيد. عبد الرزاق، 1991 -الرواية والتاريخ، بالاشتراك مع محمد جمال باروت، دار الحوار اللاذقية، ص62.‏

(16) انظر مدارات الشرق/الأشرعة، ص98، 103، 131، 355.‏

(17) الرواية والتاريخ، دراسة في مدارات الشرق، مرجع سابق ص59.‏

(18) مدارات الشرق/ الأشرعة، ص102.‏

(19) المصدر نفسه، ص102.‏

(20) مينة. حنا، 1983 ط3- دار الآداب، بيروت.‏

(21) زرزور. فارس، 1982 -لن تسقط المدينة ط2- الإدارة السياسية، دمشق.‏

(22) انظر معذبو الأرض، مرجع سابق ص65.‏

(23) راجع كتابه الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، مرجع سابق ص278.‏

(24) لن تسقط المدينة، ص38-39.‏

(25) لن تسقط المدينة، ص336، وانظر أيضاً، ص257.‏

(26) المصدر نفسه، ص253.‏

(27) انظر لن تسقط المدينة، ص256. وفي رواية "ليالي عربية" لخيري الذهبي تقص إحدى الشخصيات المثقفة مافعلته لمقاومة المستعمر الفرنسي، من توزيع المنشورات، ونقل الأخبار إلى الأحزاب الوطنية واليسارية. فيقول رجل كهل: "أنتم أيها المثقفون لاتعرفون ما الذي تريدونه فعلاً. ثلاثون عاماً وأنتم توزعون المنشورات، وتنادون باسم الشعب والشعب عنكم بعيد. قبل أن توزعوا المنشورات اجعلوه قادراً على قراءتها". ص153.‏

(28) انظر كتابه "الرواية السورية"، مرجع سابق ص182-183.‏

(29) انظر رواية "لن تسقط المدينة"، ص241.‏

(30) انظر كتاب "الرواية السورية" لنبيل سليمان، مرجع سابق ص187.‏

(31) زرزور، فارس، 1969 -حسن جبل- وزارة الثقافة، دمشق.‏

(32) انظر رواية "حسن جبل"، ص130، وص140-141، وص144-145، وص149.‏

(33) الاتجاه الواقعي في الرواية السورية لسمر روحي الفيصل، مرجع سابق ص278.‏

(34) انظر "الرواية السورية" لنبيل سليمان، ص169، وكذلك "عالم حنا مينة الروائي" لمحمد كامل الخطيب وعبد الرزاق عيد، دار الآداب، بيروت، 1979، ص149.‏

(35) انظر "المستنقع"، ص247، وص298.‏

(36) الفيصل. سمر روحي، 1985 -تجربة الرواية السورية- اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص156.‏

(37) انظر المستنقع، ص301.‏

(38) المصدر نفسه، ص373.‏

(39) المصدر نفسه، ص369.‏

(40) انظر الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية لسمر روحي الفيصل، مرجع سابق ص197-200.‏

(41) الاتجاه الواقعي في الرواية السورية، مرجع سابق، ص200.‏

(42) رصد "حليم بركات" حياة مثقفي الطبقة البورجوازية الصغيرة في رواياته: "القمم الخضراء"، و "ستة أيام" و "عودة الطائر إلى البحر"، و"الرحيل بين السهم والوتر". و "هاني الراهب" في :"المهزومون"، و "شرخ في تاريخ طويل" و "ألف ليلة وليلتان". انظر دراسة هذه الروايات في "الرواية والواقع"، مرجع سابق ص51-81.‏

(43) انظر شكري. غالي، 1977 -صراع الأجيال في الأدب المعاصر ط1- دار الطليعة، بيروت، ص235.‏

(44) انظر الاتجاه الواقعي في الرواية السورية، مرجع سابق ص204.‏

(45) قارب الزمن الثقيل، ص15.‏

(46) المصدر نفسه، ص82.‏

(47) بركات. حليم، 1969 -عودة الطائر إلى البحر- دار النهار، بيروت.‏

(48) عودة الطائر إلى البحر، ص132، وانظر أيضاً، ص23، 45.‏

(49) الاتجاه الواقعي في الرواية السورية، مرجع سابق ص242-243.‏

(50) عبد الغني. مصطفى، 1994 -الاتجاه القومي في الرواية، عالم المعرفة، العدد 188، ص174.‏

(51) عودة الطائر إلى البحر، ص48.‏

(52) الأيام التالية، ص206.‏

(53) انظر قارب الزمن الثقيل، ص198، وص57.‏

(54) عودة الطائر إلى البحر، ص157، وانظر أيضاً، ص22.‏

(55) عودة الطائر إلى البحر، ص114.‏

(56) انظر كتابه البطل في مأزق، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1979، ص77.‏

(57) قارب الزمن ا لثقيل، ص29، وانظر أيضاً، ص38، وص68.‏

(58) انظر الأيام التالية، ص203.‏

(59) قارب الزمن الثقيل، ص68.‏

(60) الراهب. هاني، 1977 -ألف ليلة وليلتان، دار الآداب، بيروت.‏

(61) ألف ليلة وليلتان، ص271.‏

(62) انظر عودة الطائر إلى البحر، ص50.‏

(63) الاتجاه القومي في الرواية، مرجع سابق ص186.‏

(64) عودة الطائر إلى البحر، ص161، وكذلك ص64.‏

(65) المصدر نفسه، ص21.‏

(66) نعنع. حميدة، 1986 -الوطن في العينين ط2- دار الآداب، بيروت.‏

(67) نفسه، ص79.‏

(68) كيلاني. قمر، 1983 -الدوّامة- وزارة الثقافة، دمشق.‏

(69) المصدر نفسه، ص315.‏

(70) راجع الاتجاه الواقعي في الرواية السورية لسمر روحي الفيصل، ص206، وانظر "قارب الزمن الثقيل"، ص15-16.‏

(71) الأمثلة هنا كثيرة، نذكر منها "كرم المجاهدي" بطل "الربيع والخريف"، الذي حمّل نفسه سبب النكسة على الرغم من أنه كان خارج الوطن. انظر الرواية، ص314.‏

(72) عدوان. ممدوح، 1970 -الأبتر، الإدارة السياسية، دمشق.‏

(73) من المواقف العاطفية والانفعالية نذكر على سبيل المثال موقف "ناديا" في "الوطن في العينين" حيث تصف هذه المثقفة العرب بجبال الطحين واللذة، وتطلب من اللّه أن يحرقهم ويخرج من رمادهم بشراً آخرين. ص80.‏

(74) الوطن في العينين، ص79.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244