شخصية المثقف في الرواية العربية السورية - محمد رياض وتار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

موقف المثقف من الوحدة:

لم يحصل العرب -بعد تحرّرهم من الاحتلال التركي- على الاستقلال، بل وقعوا تحت نير الاحتلال الأوروبي الذي قسم الوطن العربي بموجب اتفاقية سايكس بيكو) إلى دويلات، وأقام الحواجز المصطنعة بينها.‏

لم يدم الاحتلال الأوروبي للوطن العربي طويلاً، فسرعان ماتحقق الاستقلال الوطني لأقطار الوطن العربي، القطر تلو الآخر. ولكن الشعب العربي وجد نفسه -بعد الاستقلال- يعيش حالة تجزئة لم يستطع تجاوزها لأن البورجوازية الوطنية التي تسلمت مقاليد الحكم بعد جلاء المستعمر عملت على ترسيخ مافعله المستعمر من زرع الإقليمية،‏

وتشجيع المذهبية والطائفية، ومحاربة كل محاولة تهدف إلى تحقيق الوحدة العربية التي أدركت البورجوازية مدى خطورتها على مصالحها، وعلى استمرار هيمنتها وسيطرتها.‏

واستمر الوضع على ما هو عليه حتى عام 1956، حيث تعرض القطر العربي المصري للعدوان الثلاثي الذي استهدف ضرب حركات التحرر في المشرق العربي. وأثبت العرب -بفضل اتحادهم وتعاونهم- أنهم قادرون على مواجهة المعتدين، وأدركوا ضرورة الوحدة العربية وأهميتها ودورها الكبير في الحفاظ على الاستقلال والتخلص من التبعية. وما إن حل عام 1958 حتى تم الإعلان عن قيام الوحدة بين القطرين العربيين سورية ومصر.‏

وعلى الرغم من أن تجربة الوحدة بين سورية ومصر هي أول تجربة وحدوية في تاريخ العرب الحديث، فإن التعبير الروائي السوري عن هذه التجربة كان قليلاً من حيث الكم، وضعيفاً فنياً(1) . فعلى صعيد الكم لا يكاد عدد الروايات السورية التي رصدت هذه التجربة يتجاوز أصابع الكف الواحدة(2) .‏

أما الضعف الفني فمردّه إلى عجز الروائيين السوريين عن تحويل الفكري إلى فني في معالجتهم لتجربة الوحدة السورية- المصرية، بحيث سجلت الرواية السورية التي تناولت الوحدة "أدنى الأرقام الفنية وأعلى النغمات الفكرية"(3) .‏

يلاحظ الباحث في الرواية السورية التي تناولت تجربة الوحدة وجود شخصيات مثقفة أيّدت تجربة الوحدة، ووقفت إلى جانب نظام الوحدة، وبرّرت تصرفاته وممارساته، كما يلاحظ الباحث وجود شخصيات مثقفة أخرى انتقدت تجربة الوحدة، وأدانت نظامها.‏

يمثل النمط الأول "فؤاد العسكري" في رواية "اللااجتماعيون" لفارس زرزور، الذي لم يقف إلى جانب الوحدة، بل وقف إلى جانب نظام الوحدة(4) ، وتحديداً إلى جانب الممارسات اللاديمقراطية، وفرض الإرهاب السياسي، وخنق الحريات السياسية، معتبراً أن هذه الممارسات ضرورية لاستقرار الأمور، وأن إزالة بعض العناصر التي تصطنع الفوضى من الطريق أمر ضروري لاستقرار الأمن والهدوء في المجتمع(5) .‏

أما النمط الثاني فتمثله شخصيات مثقفة كثيرة، لاهتمام الرواية السورية برصد الموقف المعارض أكثر من الاهتمام بالموقف المؤيد. وقد انصب نقد الشخصيات المثقفة لتجربة الوحدة على الجانب السياسي، كغياب الديمقراطية، وقمع الشعب وخنق حرياته، ولا سيما الحرية السياسية.‏

لقد أفردت رواية "اللااجتماعيون" صفحات عديدة للفترة التي قضاها "خالد جعفر" -وهو ضابط- في الإقليم الجنوبي/ مصر، وصورت ما تعرّض له هناك من اعتقال وتعذيب وحشي. يقول "خالد جعفر"، وفوّهة السلاح السوداء ترصد أنفاسه: "أمن أجل هذا حصلنا على الأسلحة الحديثة؟ هل نحن الاستعمار الذي جيء بالأسلحة لمحاربته"(6) .‏

إن "خالد جعفر" يدين- كما يقول "نبيل سليمان" تجربة الوحدة مرتين، الأولى في قولها مالا تفعل، والثانية في التسلط العسكري على الشعب(7) .‏

وانتقدت الشخصيات المثقفة في رواية "هزائم مبكرة"(8) لنبيل سليمان الممارسات التعسفية لسلطة الوحدة، كنقل الناس إلى مصر، وتسريح الضباط، وحملات الاعتقالات الواسعة... الخ. يقول "طلال": "الآن نسي عبد الناصر الفضل؟ من الذي جاء به إلى هنا؟ بأي حق يسّرح الضباط، وينقل الناس إلى مصر"، ويقول "يوسف": بأي حق يسحب الناس من بيوتها إلى السجن... لا سؤال ولا جواب"(9) .‏

والملاحظ أن الروائيين لم يقدموا في رواياتهم مسوّغات كافية لوقوف الشخصية المثقفة إلى جانب تجربة الوحدة أو ضدها، واكتفوا بأن جعلوا الأصل الاجتماعي، والمنبت الطبقي مقياساً لتحديد موقف الشخصية المثقفة من تجربة الوحدة. فالشخصيات التي وقفت ضد الوحدة، وإلى جانب نظام دولة الوحدة هي من أصل إقطاعي، كشخصية "فؤاد العسكري" في "اللااجتماعيون"، وشخصية "حسني بك الطرة" في رواية "المتألق"(10) لعبد النبي حجازي. أما الشخصيات المثقفة التي أيدت قيام الوحدة، ثم وقفت ضد نظام الوحدة فتنتمي إلى الطبقة المتوسطة "كخالد جعفر" ويوسف السقاف" في "اللااجتماعيون"، و"يوسف" و"طلال" في "هزائم مبكرة".‏

لم يسمح الروائيون لشخصية مثقفة تنحدر من الطبقة الإقطاعية بأن تقف إلى جانب الوحدة، مغفلين بذلك قانون الانسلاخ الطبقي الذي أخذت به رواية "المتألق" فقط من بين الروايات التي عالجت تجربة الوحدة أو ألمحت إليها. لقد انحرف "جميل بن حسني الطرة عن مسار طبقته، وأعلن تأييده للوحدة وشجبه للانفصال :" عندما أعلن الانفصال" أحسست أن الوحدة تسلخ من دمي، نهضت صباحاً، ورحت أذرع غرفتي كالأبله"(11) .‏

إن حالة "جميل" استثناء يثبت القاعدة، ولا ينفيها، بالإضافة إلى أنّ انتماءه إلى الطبقة الإقطاعية ناقص، فهو من أب إقطاعي وأم كانت تعمل خادمة عند الأب الذي افترسها، فأنجبت جميلاً الذي اعترف به أبوه بعد موت الأم وتحت ضغط الجد.‏

حرصت "هزائم مبكرة" على تعدّد الآراء وتباينها من مسألة الوحدة، استناداً إلى المكونات الأساسية خصوصاً، وإلى المفهومات الفردية عموماً(12) ، فقدمت شخصيات مثقفة تحدّدت مواقفها من تجربة الوحدة على أساس تباين الأحزاب السياسية في موقفها من تجربة الوحدة، واختلاف إيديولوجياتها. وقد عرض "نبيل سليمان" لهذه الآراء المتباينة من خلال شخصية الراوي "خليل": "كنت أحار في حلِّ تلك العقد. العراق يضم الكويت بالقوة. هذه وحدة أم اغتصاب؟ الشيوعيون ضد الوحدة هنا معها هناك. يوسف يؤكد أنهم معها هنا ومعها هناك،" وهم فقط ضد المباحث وضد الديكتاتورية. ومنصور يقاطعه دوماً: بل قل ضد عبد الناصر. هل أنت خائف؟ أم أن ما في العراق ليس ديكتاتورية؟ وطلال ومنصور مع الوحدة هنا ضدها هناك. هما مع عبد الناصر وضد عبد الناصر، هما مع الاتحاد السوفيتي وضد حكام العراق. والاتحاد السوفيتي صديق لعبد الناصر ولحكام العراق، فكيف يفهم الناس أول هذه السلسلة من آخرها؟"(13) .‏

والملاحظ أن الشخصيات المثقفة في النصوص الروائية التي تحدثت عن تجربة الوحدة قصرت نقدها لتجربة الوحدة على الجانب السياسي، كالملاحقة والنفي وكم الأفواه، وفرض الإرهاب السياسي، وغفلت عن نقد الجوانب الأخرى، كالفساد الاقتصادي والاجتماعي، وقيام الوحدة دون دراسة التباين بين مصر وسورية دراسة متأنية. ولعل السبب يرجع كما يقول "سمر روحي الفيصل" إلى أن الروائيين كانوا يعبرون عن تجربتهم الشخصية في أثناء الوحدة(14) ، ولا سيما "فارس زرزور" في روايته "اللااجتماعيون"، و"هاني الراهب" في روايته "شرخ في تاريخ طويل".‏

أدى انطلاق الروائيين من تجاربهم الشخصية أثناء الوحدة إلى حدوث شرخ بين المكونات النفسية والفكرية للشخصية وموقفها من تجربة الوحدة، ممّا أدى إلى إضعاف الشخصية، وعدم قدرتها على إقناع القارئ. فعلى الرغم من أن "أسيان" بطل رواية "شرخ في تاريخ طويل"، وظل الكاتب، ترك العمل القومي، واستعاض عنه بالغوص في أعماق الذات، لاستكشاف كنهها وسبر أغوارها، فقد أظهر -في خاتمة الرواية- حزناً شديداً عندما حدث الانفصال(15) .‏

إن استجابة "أسيان" للوحدة استجابة عاطفية، تدل على أنه مثقف لا يفكر بالواقع بقدر ما يفكر بالمثال: "نكتشف بانكسار هزال عاطفتنا نحو الوطن، فننشدّ مرة أخرى إلى العالم المثال الذي لوّن عاطفتنا"(16) ، وأنه مثقف لا يربط بين داخل الإنسان وخارجه ولا يرى علاقة بين الإنسان والمجتمع. لقد أدان "أسيان" المجتمع بعاداته وتقاليده ونظامه، ولكنه لم يستطع أن يجد البديل، لأنه ينظر إلى المجتمع على أنه مجموعة من الأشخاص وليس نظاماً ينتج العالم الداخلي للإنسان، ويحدّد الأخلاق والعادات والتقاليد والقيم(17) .‏

وهكذا، لم يستطع "أسيان" أن يدرك أن نظام الوحدة هو السبب في فساد الواقع، وخلخلة القيم، وأن ما يشعر به من إحباط وقلق مردّه إلى النظام السائد في المجتمع، لا إلى الذات. ولذلك لا نجد "أسيان" يهاجم نظام الوحدة، وإنما يهاجم العادات والتقاليد والقيم.‏

يعكس غياب مفهوم محدّد عن الوحدة عند الشخصيات المثقفة "أزمة الفكر الوحدوي المتمثلة لدى كثير من المثقفين العرب بتجاهل للظاهرة الوحدوية عبر التاريخ، والرجوع إليها بغية تحديد العلاقات الانتظامية، أو القوانين التي يمكن أن تكشف عنها"(18) .‏

وقد أدى غياب مفهوم محدد عن الوحدة إلى اختلاف الشخصيات المثقفة حول شكل الوحدة، والطريق المؤدية إليها. "فأسيان" يرى أن الوحدة تبدأ من وحدة الأفراد وأنها لا تتحقق إلا إذا استطاع الناس أن ينسجموا فيما بينهم: "عندما يستطيع اثنان مثلنا أن ينسجا وحدة تكون وحدة الجماهير مضمونة"(19) ولذا تعلق بلبنى وسعى إلى الارتباط بها والزواج منها، لتأسيس حياة زوجية سليمة لإيمانه بأن المشكلة هي مشكلة أفراد، لا مجتمع. أما "مسعود" صديق "أسيان" فيرى أن وحدة الجماهير لا تتحقق إلا إذا تحققت وحدة الوطن: "إذا كان وطننا ممزقاً فكيف لا نكون ممزقين؟"(20) . ورصد "فارس زرزور" في "اللااجتماعيون" حواراً دار بين مجموعة من طلاب جامعة دمشق أثناء الوحدة، عكس اختلاف المثقفين فيما بينهم بشأن شكل الوحدة، وكيفية تحقيقها:‏

- إن فكرة القومية العربية هي المنطلق من المحيط إلى الخليج.‏

- طبعاً أنا معك.. لكن هذه الخطوة التالية.‏

- بل الخطوة الأولى... الأولى.‏

- يجب أن يتحرر الشعب العربي أولاً في كل أقطاره ثم...‏

- القومية العربية هي التي تحرّره(21) .‏

من المفيد في الختام أن يتم تسجيل أهم الملاحظات والنتائج التي توصّلنا إليها بعد معاينتنا لموقف الشخصيات المثقفة من الوحدة، وهي:‏

1- تحددت مواقف الشخصيات المثقفة من الوحدة ونظام الوحدة على أساس الانتماء الطبقي للشخصية، وإيديولوجيا الأحزاب، ومواقفها المتباينة من الوحدة.‏

2- اهتمت الشخصيات المثقفة بنقد الجانب السياسي في نظام الوحدة، وأغفلت الجوانب الأخرى.‏

3- اختلفت الشخصيات المثقفة فيما بينها حول شكل الوحدة والطريق المؤدية إليها.‏

4- فقدت الشخصيات المثقفة الإقناع لأن الروائيين حمّلوها منطقهم وأفكارهم، ودفعوها إلى مواقف لم تكن تتناسب والطبيعة الفكرية والنفسية لهذه الشخصيات.‏

(1) انظر الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، لسمر روحي الفيصل ص247.‏

(2) من الروايات التي تناولت الوحدة في الفترة المحددة للبحث رواية اللااجتماعيون لفارس زرزور و "شرخ في تاريخ طويل" لهاني الراهب، و"قلوب على الأسلاك" لعبد السلام العجيلي، و"هزائم مبكرة" لنبيل سليمان.‏

(3) انظر الاتجاه الواقفي في الرواية العربية السورية، لسمر روحي الفيصل ص262.‏

(4) انظر الأدب والأيديولوجيا في سورية مرجع سابق ص369.‏

(5) انظر اللااجتماعيون ص230.‏

(6) نفسه ص280.‏

(7) انظر كتابه الأدب والأيديولوجيا في سورية ص367.‏

(8) سليمان. نبيل، 1988- هزائم مبكرة ط2- دار الحوار، اللاذقية.‏

(9) هزائم مبكرة ص30.‏

(10) حجازي. عبد النبي، 1980 -المتألق- اتحاد الكتاب، دمشق.‏

(11) المتألق ص76 وأيضاً ص97.‏

(12) راجع كتاب "قراءات في تجربة روائية" لسمر روحي الفيصل مرجع سابق ص88.‏

(13) "هزائم مبكرة" ص89- 90.‏

(14) انظر كتابه الاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية مرجع سابق ص259.‏

(15) انظر شرخ في تاريخ طويل، ص321- 324.‏

(16) المصدر نفسه ص221.‏

(17) انظر تحليلاً مفصلاً لشخصية "أسيان" في كتاب "الأدب والإيديولوجيا في سورية" لنبيل سليمان وبوعلي ياسين مرجع سابق ص133- 138.‏

(18) بيطار. نديم، 1988- أزمة الفكر الوحدوي، مجلة الوحدة، الرباط، العددان (46) و(47) ص37.‏

(19) شرخ في تاريخ طويل ص193.‏

(20) المصدر نفسه ص255.‏

(21) اللااجتماعيون ص150.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244