شخصية المثقف في الرواية العربية السورية - محمد رياض وتار

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع: نماذج الشخصيات المثقفة

قدم الروائيون السوريون في رواياتهم نماذج متعددة للمثقفين. فعلى صعيد المهنة ثمة نموذج المثقف الطالب، ونموذج أستاذ الجامعة، والضابط والسياسي والمحامي.. وعلى صعيد المنبت الطبقي هناك المثقف المنحدر من الطبقة الفقيرة في المجتمع.‏

ويلاحظ الباحث اهتمام الروائيين بشخصية المثقف المنتمي إلى الطبقات المتوسطة، فقد كان لهذه الشخصية حضور كبير في الرواية السورية فاق حضور الشخصيات المثقفة المنتمية إلى الطبقة الغنية أو الطبقة الفقيرة، وذلك لسببين، أولهما أن معظم الروائيين السوريين ينتمي بالمولد إلى الطبقة المتوسطة، وثانيهما أن حياة الطبقة المتوسطة الغنيّة بالنجاح والإخفاق تغري الروائي بتصويرها، وتقدم له مادة غنيّة يشيد عليها عالم روايته.‏

ويلاحظ الباحث على صعيد آخر اهتمام الروائيين بالمثقف القادم من الريف إلى المدينة. ويرجع هذا الاهتمام إلى أمرين، أولهما أن لهذا المثقف حضوراً كبيراً في الواقع الاجتماعي الذي يودّ الروائيون تصويره، إذ شهدت فترة الخمسينيات من القرن العشرين هجرة عدد وافر من أبناء الريف السوري إلى المدينة من أجل الدراسة أو للعمل في قطاع الدولة كموظفين في الدوائر الحكومية. أما ثانيهما فيرجع إلى أن قسماً كبيراً من الروائيين السوريين من أصل ريفي.‏

أما التقسيم الذي يعتمد على الثقافة في تصنيف المثقفين فيفرز ثلاثة نماذج للمثقفين في الرواية السورية، وهي المثقف التراثي، والمثقف الثوري، والمثقف اللامنتمي. وتختلف هذه النماذج الثلاثة تبعاً لاختلاف الإيديولوجيات التي تعتنقها، فالمثقف الثوري يختلف عن المثقف التراثي بأنه يسعى إلى تغيير الواقع وتحديث المجتمع وفقاً للنموذج الغربي والحضارة الغربية. في حين يتطلع المثقف التراثي إلى تغيير الواقع وفق نموذج ماضوي هو نموذج السلف. أما المثقف اللامنتمي فيدّعي الحياد واتخاذ إيديولوجيا وسطية ومواقف مستقلة عن اليسار واليمين.‏

وقد اعتمدنا في تصنيف الشخصيات المثقفة على التقسيم الذي يستند إلى الثقافة، لأنها أكثر شمولاً من التصانيف الأخرى، ولأنه يستطيع أن يستوعبها ويعبر عنها أيضاً.‏

آ- المثقف التراثي:‏

هو المثقف الذي يتوسّل التراث لتغيير الواقع، ويرى أن النموذج الأمثل للحضارة قد أنجز وانتهى، وأنه من الأفضل للبشرية محاكاة الماضي ومحاولة تمثله وإعادة تشكيله. ويلاحظ الباحث وجود نمطين للمثقف التراثي في الرواية السورية، وهما:‏

1- المثقف التراثي المتستّر بالتراث:‏

ونجد أمثلة لهذا النمط في رواية نبيل سليمان "وينداح الطوفان" ورواية نذير عظمة "الشيخ ومغارة الدم"(1) ورواية هاني الراهب "بلد واحد هو العالم" ورواية محمد إبراهيم العلي "المخاتير".‏

طرحت رواية "وينداح الطوفان" شخصية المثقف التراثي من خلال شبكة العلاقات المكّونة لمجتمع الرواية، والقائمة بين الطبقة المستغِلّة، ممثّلة "بأبي اسكندر" و"بهجة بك" والطبقة المستغَلّة، ممثلة بالفلاحين. فللشيخ "جوهر" صلات تربطه بالفلاحين وأخرى تربطه بالإقطاعيين، فهو المشرع الديني في القرية، وممثل الله فيها. ولذا نال مكانة رفيعة لدى الفلاحين الذين نظروا إليه نظرة تقديس، ورفعوه إلى مستوى القائم على أمورهم الدينية والدنيوية. وللشيخ "جوهر" صلات بالطبقة المستغِلّة، هو أقرب الناس إلى قلب الإقطاعي "أبي اسكندر" وزوجته "منيرة"، فالأول يعتمد عليه في علاقته بالفلاحين، في حين تعتمد عليه الست منيرة في إشباع نهمها إلى الجنس.‏

أدرك الشيخ جوهر مكانته الهامة، وراح يدعّمها ويحافظ عليها بالتحايل والمكر والدّهاء. فعندما اصطدم أحمد وأبوه بأبي اسكندر تدخل الشيخ جوهر واستطاع أن يهدئ من سورة الإقطاعي أبي اسكندر، وأقنعه بلا جدوى الانتقام، بعد أن لفت انتباهه إلى أن موعد الانتخابات قريب، وأنه سيكون في موقف لا يحسد عليه إذا عاقب أبا أحمد وعشيرته الذين سيرتمون صيداً سهلاً بين يدي منافسه "شوكة بك"(2) .‏

وكشف الفصل الثاني من الرواية عن الوجه الحقيقي للشيخ "جوهر"، وانحيازه إلى الطبقة المتسلطة ضد الفلاحين. لقد كان "علي بك" يشتري أصوات الفلاحين بمساندة أبي اسكندر مقابل عشر ليرات للصوت الواحد. وكانت الأمور تسير لصالحه إلى أن تدخل إقطاعي آخر هو "بهجة بك"، وراح ينافس علي بك في الحصول على أصوات الفلاحين.‏

تنبه الفلاحون إلى الأمر بمساعدة "أحمد" و"نايف"، وخططوا لبناء مدرسة ابتدائية بأموال "بهجة بك" و"علي بك"، واتفقوا سرّاً مع بهجة بك، وضمنوا مشاركة المختار والشيخ جوهر. ولكن الأخير الذي خبّأ الأموال عنده انحاز سرّاً إلى "أبي اسكندر" وطلب إليه الموافقة على لعبة محدّدة تنتهي باستخدام أموال "بهجة بك" لبناء المدرسة وضمان أصوات الفلاحين في الوقت نفسه لصالح "علي بك"، دون أن يدفع عشر ليرات للصوت الواحد.‏

استمرت اللعبة كما خطط لها الشيخ "جوهر" حتى انكشفت يوم الانتخابات. وثار الفلاحون لأول مرة على الشيخ جوهر، وأجبروه على إعطائهم المال المخبوء لديه، وتمكنوا من بناء المدرسة وتحقيق أول ثورة حقيقية على الشيخ جوهر.‏

لقد كان لأحمد ونايف وسلمان دور كبير في القضاء على الشيخ جوهر، والكشف عن نواياه الخبيثة وانتهازيته، وتجريده من سلاحه/ الدين الذي استخدمه ستاراً يخفي وراءه حقيقته، ويحقق من خلاله رغباته ومصالحه.‏

لقد طرحت رواية "وينداح الطوفان" العلم كحل وحيد للقضاء على التخلف والجهل.‏

فجعلت خط مسار المثقف التراثي والتقليدي/ الشيخ جوهر، الذي بدأ من النجاح والقوة ثم انحدر تدريجياً إلى الإخفاق والضعف، يترافق مع تصاعد خط العلم وانتشاره في القرية، مؤكدة بذلك أن دور المثقف التراثي والتقليدي "ينتهي بعلمنة الدولة وجعلها ديمقراطية"(3) .‏

أما رواية "هاني الراهب" "بلد واحد هو العالم" فقد تتبعت مسار حياة المثقف التراثي من نشأته وصعوده إلى سقوطه، وكشف عن موقعه من القوى الضاغطة والمضغوطة.‏

كان المعلم "سلطان" فتى جائش النفس لاهف التطلعات. لم تستطع بصارة في الحارة أن تتنبأ له بغير الكلمات المشوشة، ومرّ حين من الدهر ألقى على الحارة فيه ظلاً كثيفاً من الرهبة والتوقعات الدكناء. ربما لأنه لم يستطع أن يقرأ إلا القليل من حارة أنبأت بالكثير. وكان فتى فائر الإمكانات. ثم جاءه من علمه القراءة، فتى آخر هادئ الوجه بركاني الوجدان، قليل الكلام، كثير الإيحاءات، على لسانه شرائع، وفي نفسه عزم على تطبيقها، ويسمّونه الشيخ محمد.‏

في أواسط عشريناته استوى سيّداً ضخماً. بعد أن مات رفيق عقله فجأة أحس بالوحدة والفزع. لكنه استعاد بالتدريج عافية روحه، وبعد حين قصير أحس أن ذلك الرفيق قد مات ليسكن فيه. وهكذا أضيفت إلى أدوات القبضاي في يده أدوات المشروع في عقله ولسانه. وأصبح اللمسة التي يحتاجها متوعك الوجدان ليطيب، والمرجع الذي تحتكم إليه القلوب المخلولة المتنافرة. وكان قد جمع ثروة صغيرة فأعطى الناس مثالاً في كيفية مضاعفتها بالجهد والراحة والكسب الشريف وإذا)(4) اجتمعت لديه قوة الإيمان وقوة الصولجان ظهرت أم اللولو.‏

كانت تحمل بيدها مشاريع كثيرة، فالتقت باليد التي تحمل أدوات كثيرة. واستعدا لجميع العوائق والعائقين. وكانت امرأة تحب الشباب، وكان هو شاباً. وكانت تحب المنذورين لرسالة عليا، وكان منذوراً. وكانت امرأة جميلة وقوية، وقد أحب القوة والجمال"(5) .‏

يستفاد من المقبوس السابق أن "سلطان" تربّى تربية دينية، وأنه أصبح ذا مكانة رفيعة بين الناس، يعلمهم أمور دينهم، ويحلّ لهم مشكلاتهم، وأن السلطة ممثلة "بأم اللولو" اختارته لينفذ مشاريعها.‏

انحاز "سلطان" إلى السلطة/ أم اللولو، ووقف إلى جانبها في صراعها ضد الرّعاع، وبرّر كثيراً من أفعالها وتصرفاتها، مستخدماً الدين ستاراً لتحقيق مصالح "أم اللولو" ومصالحه، ومفسراً آيات القرآن الكريم تفسيراً يخدم مصالح السلطة ويضلّل الناس. لقد خلق الله -بحسب رأي سلطان- الناس درجات. لذا لا يحق لإنسان أن يتطلع إلى مرتبة أعلى من المرتبة التي منحها الله له: "الطبيعة حكمت أن الماء ينزل من الأعلى إلى الأسفل، وليس العكس، وأن الشجرة تنمو من الأسفل للأعلى، وليس العكس. الذي تهيئه الطبيعة لأعلى المراتب يجب أن يكون ويظل في أعلى المراتب، وليس العكس. وهؤلاء الفلسطينيون والأرمن والأكراد والغوغاء كلهم الذين حرمتهم العناية الإلهية نعم الطبيعة أعطتهم زبدة القوة البدنية ونفاية العقل. هؤلاء يجب أن يخرجوا من المكان الذي خلقوا لأجله، وهو دائرة العمل البدني لإنتاج مواد العيش. أية محاولة لتغيير وضعهم تعني الإساءة إليهم وخلخلة عقولهم، وخروجاً على إرادة الله وكفراً بحكمته. ويبدو أن شيئاً من الأفكار دخل دارهم في الآونة الأخيرة، لذلك تعاظمت فيهم نزعتهم التخريبية. هناك أشخاص مريبون يعتقدون فعلاً أن هؤلاء مظلومون ويحرّضونهم، معتقدين أنهم سيغيرون نظام الطبيعة التي خلقتنا بعضنا فوق بعض درجات"(6) وإذا كانت رواية "وينداح الطوفان" أكّدت أن دور المثقف التراثي المتستّر بالتراث ينتهي بعلمنة الدولة وجعلها ديمقراطية، فإن رواية "بلد واحد هو العالم" قدّمت وجهاً آخر لسقوط هذا النمط من المثقفين التراثيين، فجعلت السلطة التي تحالف معها هذا المثقف تقوم باستبعاده والاستغناء عنه، وذلك عندما هيأت لها الظروف مثقفاً آخر هو المثقف البرجوازي الصغير، "علوان" الذي دفعه تطلعه إلى الرفاهية، وحبّ جمع المال إلى السقوط في أحضان السلطة والدفاع عنها ضد الرعاع والفقراء.‏

أما نذير عظمة فطرح في روايته "الشيخ ومغارة الدم" شخصية "الشيخ علي" كنموذج للمثقف التراثي المتستّر بالتراث، وأوضح -على لسان الراوي "مصطفى"- أن تراث الشيخ علي هو تراث الروح المغطّى بالخرافة(7) . إن الشيخ علي يؤمن بأن الروح هي مصدر الخير وأن الجسد هو مصدر الشر، ولذا فإن الجسد دنس وهو مطية للأرواح الشريرة التي تدخل فيه وتتلبّسه، ولا تخرج منه إلا إذا أقيمت الأذكار، وضربت الحلقات حول المريض. يقول الشيخ علي في إحدى حلقات الذكر مخاطباً المريض: "همزة الوصل أنا بين روحك والروح الأعظم. الجسد لمردة الجان والروح لله(8) .‏

والشيخ علي لا يؤمن إلا بالعلوم الدينية، ويرفض العلوم الدنيوية، ويعتبرها ضرباً من الكفر والإلحاد، ويتهم الكتب العصرية بأنها تلقن طالبيها الشك والإلحاد. يقول للراوي مصطفى: "العلم علم الله يا بنّي. إنك تعبّد الطريق إلى جهنم. إنك ولا ريب مأخوذ بما في هذه الكتب العصرية التي تعلم الشك والإلحاد. أنت من الذين يبهرهم نور التقدم عن نور الله، ويوسوس لهم الشيطان في صدورهم فينصرفون عن شمس الحقيقية الأزلية"(9) .‏

إن "الشيخ علي" -كغيره من الشخصيات المثقفة التراثية المتسترة بالتراث- يضلل الناس البسطاء والجهلاء، ويبتزهم مستخدماً التراث ستاراً يخفي وراءه رغبة عارمة في السيطرة على الناس البسطاء. وقد أوضح نذير عظمة مدى سيطرة "الشيخ علي" على الناس وتأثيره فيهم. فعلى الرغم من أن الراوي مصطفى خرج من معركته مع "الشيخ علي" منتصراً، وعاد بالدليل من المغارة فقد ظلت الكلمة الأولى والأخيرة للشيخ علي الذي اتهم الراوي بأنه ملبوس، وأحضره بالقوة إلى حلقة الذكر.‏

ويشبه "الشيخ عبد الرحمن" في رواية محمد إبراهيم العلي "المخاتير" الشيخ علي، فهو مثله لا يؤمن بالعلم الدنيوي، ويعتبره مناقضاً للإيمان، ويتهم المدارس الحديثة بأنها تعلم الطلاب الكفر والإلحاد، وتبعدهم عن عبادة الله، ويرى أن الأفكار التي لا تنطلق من الدين هي أفكار شيطانية يمليها الشيطان على الإنسان ليعمي بصيرته عن رؤية الحقيقة:‏

"يا جماعة الحزب الاشتراكي حزب ملحد. لعنة الله على الذين أسّسوه. وهم الذين يلوثون عقولنا بهذه الأفكار الشيطانية"(10) .‏

2- المثقف التراثي المتمسك بالتراث:‏

طرح هاني الراهب في رواية "شرخ في تاريخ طويل" شخصية المثقف التراثي بشكل مختلف عن شخصية الشيخ جوهر، وشخصية المعلم سلطان، وشخصية الشيخ علي. لقد تربّى "أبو خالد" تربية دينية، وبرز تعصبه للقديم من خلال الحوار الذي دار بينه وبين "مسعود" الذي فضَّل الشعر الحديث على الشعر القديم الذي تحوّل -بحسب رأيه- إلى مجرد زخرفات شكلية وتنميقات لغوية. أما "أبو خالد" فقد فضّل الشعر القديم على الشعر الحديث، واتهم الأخير بأنه مجرد أنصاف جمل(11) .‏

ومما يدل على ولاء "أبي خالد" للماضي تقليده للأسلاف في الشكل والمضمون، في الفكر والجسد. فلأبي خالد جسد قوي ولحية وشاربان كثيفان، وبيده سبحة طويلة لا يستطيع الاستغناء عنها، وأخلاقه هي أخلاق الأجداد، من عفة وطهارة وكرم وشجاعة، وولاء للقبيلة. يقول عن نفسه: "هناك تغتسل النساء عاريات وأنصاف عاريات. ومن هناك يمر شخص واحد فقط فلا يذعرن منه لثقتهن بأنه لن ينظر إليهن- أنا"(12) .‏

ويستحضر "أبو خالد" الجوانب المشرقة في الماضي، ولا سيما الجوانب التي تدلّ على الأخلاق العربية، كالولاء للقبيلة والشرف والكرم والشجاعة، وإغاثة الملهوف، ويسعى إلى نشرها في المجتمع العربي الحديث الذي أصيب بالانحطاط والتخلف لأنه- بحسب رأي أبي خالد- تخلّى عن الأخلاق العربية الحميدة: "هذا هو الداء -داء العرب- الأخلاق.‏

كيف يحيا امرؤ قيس عصرنا، وليس في قلبه ولاء. وأين هو عروة بن حزام، حامي الظعينة حيّاً وميتاً؟ هل أصبح يضاجع حميّاته؟"(13) .‏

وعلى الرغم من انغلاق "أبي خالد" في الماضي، ورفضه المطلق لنمط حياة الغرب والحضارة المعاصرة: "سأضاجع أرباب حضارتك"(14) ، فإنه لم يستخدم الدين -على النقيض من الشيخ جوهر والمعلم سلطان- ستاراً لتحقيق مصالحه الشخصية، ولم يمنح آيات القرآن الكريم التفسير الذي يخدم السلطة ويضلّل الناس، بل انحاز إلى الناس ضد السلطة وقرّر أن يقوم بعمل عسكري للقضاء على السلطة والتخلص من ظلمها وجبروتها، فدرّب الشباب على حمل السلاح واستخدامه، ولكنه اعتقل قبل أن ينفذ مشروعه.‏

إن "أبا خالد" مثال للمثقف التراثي الذي يتوسل الجوانب المضيئة في التراث، ويدعو إلى نشرها والتمسك بها، ويستهدف في عمله المجموع والناس لا السلطة.‏

وصوّر وليد إخلاصي في روايتي "الحنظل الأليف"(15) و"باب الجمر"(16) شخصية المثقف التراثي المتمسك بالتراث، والمدافع عن التاريخ والآثار. "فالأسدي" في رواية "الحنظل الأليف" مثقف يهتم بالآثار، ويقوم برحلات كثيرة إلى كهوف المدينة ليثبت قدم المدينة الذي يعود إلى الإنسان الحجري أو الإنسان الأول: "لابد أن لنا آدم أيضاً، ابتدأت منه الذرية التي انتشرت في كل البلاد"(17) .‏

ويأخذ "الأسدي" على عاتقه التصدي للذين يتآمرون على التاريخ، من تجار البناء والمتعهدين والسماسرة الذين يعبثون بآثار المدينة، ويهدمونها ليقيموا على أنقاضها مشاريعهم الجديدة التي تعود عليهم بالأرباح الكبيرة.‏

وهكذا فإن تمسك "الأسدي" بالتراث هو بمثابة رد فعل على ما يقوم به تجار البناء من هدم آثار المدينة والعبث بها وإتلافها. تقول "ليلى" وهي تلميذة الأسدي: "لقد فشلت في أن أضع حداً لدراسة مستقبل المدينة، فتجار البناء والسماسرة يحطمون كل حلم، لذا تطلعت مع هذا الشيخ العظيم إلى الوراء عساني أجد العزاء"(18) .‏

وإذا كان الأسدي وتلميذته "ليلى" قد تمسكا بالتراث والماضي لعدم قدرتهما على التصدي للحاضر، فإن "وليد إخلاصي" لم يبشر -كما فهم الناقد جمال باروت(19) - بإنسان الكهوف كبديل لإنسان الحاضر؛ حاضر التسلط والقهر، ولم يدع إلى البدائية، بل إن الرواية كإيديولوجيا- وهي صراع الإيديولوجيات داخل مجتمع الرواية- تدعو إلى الغوص في الماضي لا للهرب من مواجهة الحاضر، وإنما لإدراك أن التاريخ البشري ما هو إلا تاريخ الصراع بين المستغِل والمستغَل، والظالم والمظلوم، وأن الخلاص من الظلم والقهر لا يكون إلا بالمواجهة والتصدي. ولذا قدّم "إخلاصي" شخصيات مثقفة لا منتمية ومعزولة عن المجتمع، ثم جعل خلاص إحداها -وهي شخصية المعلم- يتحقق عن طريق معرفته بالأسدي وليلى.‏

أما "جميل الصالحاني" بطل رواية "باب الجمر" فهو موظف في مديرية الآثار والمتاحف. وقد عرف بنزاهته وحبه للآثار، ووقوفه في وجه بعض المسؤولين والمتنفذين الذين تخصصوا في سرقة الآثار وتهريبها إلى خارج البلد، مما أدى إلى طرده من العمل بعد أن لفق له بعض المسؤولين تهمة سرقة أثر حثّي صغير(20) .‏

عثر "جميل الصالحاني" بالمصادفة على مخطوط قديم لمؤلف مجهول عنوانه "النوايا الباطلة في إخفاء آثار الأبواب الزائلة"، يتحدث عن وجود باب لمدينة حلب اسمه باب الجمر. وعاد إلى "الصالحاني" حبه الشديد للتاريخ، فأخذ على عاتقه العثور على باب الجمر ليحقق أمنية مؤلف مجهول، وليشفي غليله من الكشف عن المجهول(21) .‏

اعتبر "الصالحاني" أن تاريخ عائلة "الراس" هو تاريخ وطن تسيطر عليه فئة قليلة، وتستأثر بخيراته، وتحرم الآخرين منها(22) . لقد سعى الصالحاني إلى تدوين هذا التاريخ ولكنه لم يستطع أن يطلع على المخطوطات كلّها، لأن التجار كانوا يشترون هذه المخطوطات التي تقع عادة بين أيدي أناس جهلة لا يقدرون قيمتها(23) .‏

إن "جميل الصالحاني" مثقف تراثي لا ينغلق في الماضي، بل يرى أن الماضي يتغلغل في الحاضر، ويدعو إلى قراءة الماضي في ضوء الحاضر. يقول مجيباً تلميذه "محبة الجمر" عن تساؤله: "ما فائدة تدوين التاريخ إن كنت لن أرى الراس نفسه؟".‏

"تراه كل أحفاده. ألم تشاهده حقاً. رجالات الحردون، أبو السعد المرّاش، الشيخ صغير. حتى الأصهار والأقارب ترى فيهم شيئاً من الراس. ألم تره حقاً؟‏

ارتفاع أسعار الأراضي، تزايد كلفة دفن الميت، ندرة اللحوم في الأسواق أيام الجفاف وأيام الخصب، بريق الذهب في سواعد النساء، وجرأة المرأة في شراء الرجل. ألم تر في كل ذلك آثار الراس، يا ولدي، يا محبة الجمر أنا أدلّك عليه. استدر خلفك وانظر، ها هي المدينة تطل علينا أو أننا نطل عليها. ألم تشاهده. إنه في مكان ما، يتمدد إلى كل مكان"(24) .‏

ولأن "الصالحاني" وتلميذه "محبة الجمر" مثقفان تراثيان متمسكان بالتراث، ويريدان الوصول إلى الحقيقة من خلال البحث في الماضي، فقد كان مصيرهما الموت على يد السلطة التي أدركت خطرهما على وجودها واستمرارها.‏

لقد طلب "محبة الجمر" من "جمانة" أن يرى الراس، أي أن يكشف عن تاريخ العائلة المالكة، فأخبرت جدّها "الحردون" الذي أمر رجاله بأن يقتلوا الصالحاني ومحبة الجمر اللذين خرجا إلى الصحراء للتنقيب عن آثار الراس.‏

وأهم الملاحظات التي يمكن أن نسجّلها بعد دراسة نموذج المثقف التراثي أن الروائيين طرحوا في رواياتهم نمطين لشخصية المثقف التراثي؛ أولهما نمط المثقف الانتهازي المتستر بالتراث، وقد تميز هذا النمط بالانغلاق في الماضي والتحالف مع السلطة ضد الناس، وبمنح آيات القرآن الكريم التفسير الذي يخدم مصالحه ومصالح السلطة، ويضلّل الناس. أما ثانيهما فهو المثقف التراثي المتمسك بالتراث، وتميز هذا النمط برفض الانغلاق في الماضي وبقراءة الماضي في ضوء الحاضر، وبالوقوف إلى جانب الناس ضد السلطة المستبدّة والمستغِلّة.‏

(1) عظمة. نذير، 1974 -الشيخ ومغارة الدم- اتحاد الكتاب العرب، دمشق.‏

(2) انظر وينداح الطوفان ص25.‏

(3) انظر كتاب" بوعلي ياسين" "ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الطبقي" مرجع سابق ص42.‏

(4) كذا في الأصل والصحيح وحين.‏

(5) بلد واحد هو العالم ص101- 102.‏

(6) بلد واحد هو العالم ص144- 145.‏

(7) انظر الشيخ ومغارة الدم ص45.‏

(8) الشيخ ومغارة الدم ص117.‏

(9) الشيخ ومغارة الدم ص47.‏

(10) المخاتير ص21، وانظر أيضاً ص16.‏

(11) انظر شرخ في تاريخ طويل ص85.‏

(12) شرخ في تاريخ طويل ص84.‏

(13) شرخ في تاريخ طويل ص 83- 84.‏

(14) المصدر نفسه ص85.‏

(15) إخلاصي. وليد، 1980 -الحنظل الأليف- دار الكرمل، دمشق.‏

(16) إخلاصي. وليد، 1980 -باب الجمر- اتحاد الكتاب العرب، دمشق.‏

(17) باب الجمر ص109.‏

(18) الحنظل الأليف ص42.‏

(19) انظر مقالة: الدائرة، دراسة في رواية الحنظل الأليف لوليد إخلاصي، مجلة المعرفة، 1981، العدد 230، ص208.‏

(20) انظر باب الجمر ص18.‏

(21) المصدر نفسه ص17.‏

(22) المصدر نفسه ص157.‏

(23) المصدر نفسه ص185.‏

(24) باب الجمر ص294.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244