|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ب- المثقف الثوري: الثورة مجموعة من التحولات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تؤدي إلى تغيير جذري وشامل في بنية المجتمع. أما المثقف الثوري فهو الذي يسعى إلى تغيير الواقع، ودفعه باتجاه مرحلة جديدة لم تكن موجودة من قبل. انتشر هذا النموذج من المثقفين في المجتمعات العربية في الثلاثينات من القرن العشرين الذي شهد انفتاح المجتمع العربي على الغرب، وتأثُّر قسم وافر من المثقفين بالمعطيات الثقافية والفكرية في الحضارة الغربية، ممّا أدى إلى أن يبدأ هؤلاء المثقفون بالتطلع إلى إحداث تغيير جذري في البنى المكوّنة للمجتمع العربي، على غرار ما حدث في المجتمعات الغربية بعد القرون الوسطى. لشخصية المثقف الثوري نصيب وافر في الرواية العربية السورية التي عنيت برصد هذه الشخصية، وهي تتطلع إلى تغيير الواقع، وألقت الضوء على آمالها وآلامها، وإخفاقاتها ونجاحاتها. وقد انقسم الروائيون السوريون في تصويرهم شخصية المثقف الثوري إلى فريقين، أولهما طرح شخصيات ثورية متمسكة بالثورة، وثانيهما طرح شخصيات مثقفة انتهازية ومتستّرة بالثورة. 1- المثقف الثوري المتمسك بالثورة: ثمة أمثلة كثيرة لهذا النمط في الرواية العربية السورية لذا سنكتفي بتحليل ثلاث شخصيات مثقفة هي شخصية "فياض" بطل رواية "الثلج يأتي من النافذة" لحنا مينة، وشخصية "نايف" في "وينداح الطوفان" لنبيل سليمان، وشخصية "مصطفى" بطل رواية "الشيخ ومغارة الدم" لنذير عظمة. قدم حنا مينة في رواية "الثلج يأتي من النافذة" نمطين للمثقف الثوري المتمسِّك بالثورة، أولهما تميز بالصمود والتصدي والمواجهة، ومثّله "خليل" وثانيهما تميز بالهرب وعدم القدرة على الثبات، ومثّله "فياض" المثقف البرجوازي الصغير الذي لاحقته السلطة السياسية لأفكاره اليسارية، وألقت القبض عليه، وزجّت به في السجن حيث تعرض على أيدي الجلادين للتعذيب الشديد: "في كل ليلة أجرّ إلى التحقيق، وفي كل ليلة أجلد بالسياط، وحين يغمى عليّ يسكب الماء البارد على جسدي، ينقعونه جيداً، كالجلد قبل وضعه على السندان ينقعونه ويضربونه حتّى يتمزق، ويخرج اللحم مع السياط، ويتناثر على الجدران، فيحملونني في بطانية ويلقونني في الزنزانة، ويدي ليست يدي، ورجلي ليست رجلي. أصبح كتلة من لحم مقرّح، مدمّى، أزرق مشوّه لا أحد يعرفني، ولا أكاد أعرف نفسي"(1) . لم يتوقف فياض عن مزاولة النشاط السياسي، بعد خروجه من السجن، فلوحق واشتد الحصار عليه، وقرّر الهرب إلى لبنان، لينجو من عيون السلطة المنتشرة في كل مكان، وليجرب النضال في بلد آخر(2) . التقى "فياض" في لبنان بالعامل "خليل" الذي استطاع أن يكشف عمّا تنطوي عليه شخصية "فياض" من الاندفاع والحماسة الفارغة وإطلاق الشعارات والكلمات البعيدة عن التنظير والتنظيم، والرومانسيّة المفرطة والتهويمات الخيالية: "إلى الشيطان العقل والمنطق. أريدها كلمات من نار، تكوي، تحرق"(3) . لقد أدرك "خليل" أن ما يحتاج إليه "فياض" إنما هو التجربة التي تستطيع تخليصه من نواقصه وعيوبه، فنصح له أن يدخل التجربة ليتعلم الصبر والجلد، ويتمرس بالنضال: "التجربة هي المحك، فقبل التجربة جميع الناس مناضلون وربما أبطال. جميعهم يمكن أن يقولوا ويكتبوا أشياء حسنة، ثم ماذا؟ المثابرة. الصمود وإلاّ فالضّياع"(4) . وقد قبل "فياض" أن يدخل التجربة التي أوصاه بها صديقه ومعلمه "خليل"، فهجر الثقافة وعمل في ميادين العمل العضلي، كالبناء وقطع المسامير والخدمة في المطعم. لقد كان "فياض" -قبل التجربة- غرّاً في ميادين النضال، تمتلئ نفسه بالحماسة والشعارات الفارغة، والرومانسيّة المفرطة، وتغريه بالحياة الهائلة والتراجع عن مبدئه: "لا ترحل.. لا فائدة من الرحيل.. انظر. على الطريق صليب وهناك حجارة. بهذه سيرجمونك.. وإلى أبعد حفرة.. هذه قبر لن تصل أبداً... أنت تعذب نفسك سدىً، ولماذا تفعل؟ أتريد تغيير الحياة؟ وما الفائدة؟ هكذا كانت وهكذا ستبقى. وضجَّت القاعة بدوي الجرس: - ارحل! ارحل! ارحل فتحرك الشيخ حتى صار قبالته وقال: - حسناً. ارحل. ولكن قل لي إلى أين؟ ستنتقل من بيت إلى بيت، ومن عذاب إلى عذاب، وأخيراً؟ العين الخفية تراقبك، واللقمة المرّة تنتظرك، والكلمة التي تقولها ستضيع، كالقشة في الريح ستضيع. إن حَبّ الزارع هنا يقع على حجر"(5) . لقد كان "فياض" بحاجة إلى التجربة ليتمرس بالنّضال ويشتدّ ساعده وتقوى عزيمته على التحدي والمواجهة، وها هو ذا يخرج من التجربة أكثر توازناً ونضجاً: "ثم استعرض صبوات الناس على هذا التجديد... فوجد أن ذلك كله كان أحلاماً طوباوية مضى زمانها، وأن الشيء المهم أن يكف الناس في سعيهم لتجسيد صبواتهم عن إدارة خدهم الأيمن"(6) . صحيح أن "فياض" أخفق في الانصهار بالطبقة العاملة، وعاد إلى الحقل الفكري والثقافي، ولكنه اكتسب خبرة في النضال من خلال التجربة التي صقلته وصنعت منه إنساناً آخر أكثر تمسكاً بدوره كمثقف ثوري يسعى إلى تغيير الواقع. وقد تبدّى هذا التغيير الذي طرأ على شخصية "فياض" في محاولته التخلص من الرومانسية الثورية والتهويمات الخيالية، وفي اتخاذه قراراً بالعودة إلى الوطن، ومواجهة الظلم: "أبداً لن أهرب بعد الآن! أبداً لن أهرب بعد الآن"(7) . لقد قدم حنا مينة في روايته مثقفاً ثورياً غير ناضج في أفكاره ومواقفه، ثم تركه ينضج على نار التجربة التي زجّه فيها، وذلك ليثبت ضرورة التجربة لصقل المثقف الثوري. ولذا انصب اهتمام حنا مينة -كما يقول "غالي شكري"- على رحلة البطل، لا على البطل نفسه، لأنه كان معنياً بالطريق التي يمضي فيها فياض(8) . أما "نايف" في رواية "نبيل سليمان" "وينداح الطوفان فينتمي بالولادة إلى الطبقة الإقطاعية، ولكنه -بتأثير الأفكار الثورية التي تلقاها في مدارس المدينة- تخلى عن انتمائه إلى طبقة أبيه، واختار الانتماء فكرياً إلى الطبقة الفقيرة، والتحم مع الناس ودافع عن قضاياهم، وقاوم السلطة الإقطاعية وحلفاءها بكل ما يملك من قوّة، وأوضح خطر رجال الدين المزيفين والجنس على الناس، وقاومهما وانتصر على العدو الأول بنشر العلم بين صفوف الفقراء، وعلى الثاني بقتل الست "منيرة" زوجة أبيه الذي كان يلجأ إليها عندما تشتد حوله الأزمات، فتستخدم جسدها لتحلّ له أزماته، ولتذلل الصعوبات التي تعترض طريقه(9) . لقد جعل نبيل سليمان الجنس عدّواً لدوداً للناس والفقراء والمناضلين، وبيّن خطره على المثقف الثوري عندما كاد "أحمد" ينزلق إلى أحضان الست منيرة التي زارته في المدرسة، وحاولت إغراءه بجسدها، وإيقاعه في حبائلها، لتحدث القطيعة بينه وبين الفلاحين ، ولتشوّه صورته في عيون الناس والتلاميذ. ولم يسمح الكاتب بعودة "أحمد" إلى صفوف الناس إلا بعد أن تدخل "نايف" ووقف إلى جانب صديقه "أحمد" الذي اعترف بذنبه، وعاهد الفلاحين على أن يظل ابنهم الأمين والمخلص لهم(10) . وإذا كان نبيل سليمان قد نجح في التخلص من رجال الدين المزيفين بطريقة ثورية، وهي نشر العلم بين صفوف الناس، فإنه أخفق في التخلص من العدو الثاني/ الجنس بطريقة ثورية، ودفع "نايف" إلى ممارسة فعل القتل الذي لا يعتبر حلاًّ ثورياً في مسألة ثورية(11) . طرح نبيل سليمان على لسان "نايف" جملة من الأفكار التي تتعلق بالثورة والمثقف الثوري، أهمها المعادلة الصعبة بين المثقف والعامل، التي استطاع "نايف" أن يحقق التوازن بين طرفيها. لقد أدرك "نايف" أن الشهادات وحدها لا تكفي لصنع المثقف الثوري المؤمن بقضايا الناس، بل لابد أن يختلط المثقف بالناس، يرشدهم ويعلمهم ويفتح عيونهم على الحقيقة، ويدلهم على الطريق المؤدية إلى مصالحهم وأهدافهم، ويتعلم منهم الجلد والصبر وتحمُّل الشدائد. يقول لصديقه "أحمد": "عليك أن تسهر كل يوم في بيت. ألم تقل لي إن أوان العمل قد بدأ؟ عليك أن تجمعهم حولك كل يوم، وتحكي لهم كل ما تعلّمته. الشهادات وحدها لن تخلق الحياة التي تريدها... ولذلك عليك أن تسعى مع هؤلاء الذين ظلوا فقراء بعدي وبعدك، فهم وحدهم يستطيعون أن يخلقوا تلك الحياة"(12) . ويقول أيضاً: "ارفع دراستك يا أحمد مؤقتاً. تعلم من هذه المدرسة الكبيرة... ألم تسمع بالذين قالوا: إن الفلاحين يثقفون، وإن الأرض تثقف؟ وإن العمل الثوري في صفوف الجماهير يثقف، ويعطي شهادات ليس في الجامعات ما يعادلها؟ كل يوم علينا أن نسهر في بيت.. سنحكي لهم عن كل شيء.."(13) . لقد طرح نبيل سليمان على لسان "نايف" المعادلة المتوازنة والجدلية بين المثقف والعامل، وأكد أن ما ينقص الناس، وهو الوعي الثوري يجدونه لدى المثقف الثوري، وأن ما ينقص المثقف الثوري وهو الارتباط بعملية الإنتاج يجده لدى الكادحين والفقراء. إن شخصية "نايف" مرسومة بدقّة متناهية، وتصرفاتها تنبع من طبيعتها الفكرية والنفسية، لذا فهي شخصية روائية مقنعة. ولا يقلل من تماسكها وقدرتها على الإقناع ما ذهب إليه "سمر روحي الفيصل" من أن القارئ لا يعرف دخيلة هذه الشخصية إلا عن طريق أحاديث "أحمد" عنها(14) تؤمن بالتعاويذ درباً إلى الخلاص، وبقدرة الشيخ علي على إبرائنا من هذا اللبس"(15) . لقد اتهم"نبيل سليمان" في معرض تحليله للرواية الراوي "مصطفى" بالازدواجية، والجمع بين الإيمان واللاإيمان، وبأنه يحمل في داخله "الشيخ علي" على الرغم من تمسكه بالعلم ومحاربته للخرافة، وخلص "سليمان" إلى أن النزعة الميتافيزيقية) هي التي انتصرت في نهاية الرواية، لأن "مصطفى" لم يقطع شعرة معاوية(16) . والحقيقة أن هذا الحكم غير صحيح، لأن "مصطفى" وقف من الفكر الديني موقفاً انتقائياً، فرفض منه الخرافة والأفكار التي لا تخدم الإنسان، وقبل منه ما يخدم إنسانية الإنسان. لقد قبل النذور -كما يقول- "لا كمتديّن يخاف قوى الغيب، أو وثني يخشى قوة الآلهة، بل كإنسان معاصر استبقى من النذور مضمونها الإنساني. إنني أجد راحة كبرى في إطعام الفقراء الذين سينتفعون بالنذور التي نذرتها على نفسي"(17) . 2- المثقف الانتهازي المتستر بالثورة: صور هاني الراهب في روايته "ألف ليلة وليلتان" شخصية المثقف الانتهازي المتستر بالثورة، وأوضح أن هذه الشخصية تستغل الثورة وتتستر بها لتحقق مصالحها الشخصية. لقد كان "عباس" يخرج- في السنة الأخيرة من دراسته- مع الطلاب إلى الشوارع ليهتف بسقوط الديكتاتورية العسكرية، وكان يرفض إنهاء المظاهرة إلا معتقلاً أو مبحوح الصوت. وإذا ظفر بكلا الاعتقال والبحّة أحس أن وساماً يخطف الأبصار قد تعلق على صدره، وكان العالم بالنسبة إلى عباس زنزانة رطبة مظلمة تفوق قصور الخلفاء جمالاً وعزاً. تسلم "عباس" -بعد قيام الثورة- منصب محافظ، وكُلِّف بمهمّة توعية الفلاحين في إحدى القرى النائية. وقد أظهر من خلال خطابه الذي ألقاه على الفلاحين أنه يحب الفلاحين، ويقدّر جهودهم، ويعتبرهم لحمة الثورة وسداها، تستمد الثورة من وجودهم وجودها، ومن تحقيق أمانيهم استمرارها. ويحث "عباس" الفلاحين على ضرورة الانتظام في اتحادات نقابية، لأن الطبقة الكادحة لا يجوز أن تبقى بدون تنظيم يفجر طاقاتها، ويرفعها إلى مقارعة الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني. ويدرك "عباس" العلاقة القائمة بين الثورة والفلاحين، فيطلب من الفلاحين أن يكونوا العين الساهرة على حماية الثورة، ومراقبة المسؤولين، وتصحيح أخطائهم، ثم يجيب عن كل أسئلة الفلاحين، ويعدهم بأن تذلل الثورة كل العقبات التي تقف في طريقهم، وتضرب بيد من حديد المستغلين والمتلاعبين بأرزاق الشعب(18) . ولكن الأحداث كشفت عن خيانة "عباس" للفلاحين وللثورة، عندما قبل أن يُطلع الإقطاعي "طلعت بك" على مخطط التجميل لقرية "عكوبة"، لقاء حصوله على جسد "غادة" زوجة "طلعت بك"، وخمسين ألف ليرة سورية. وقد برّر "عباس" فعلته بأن "الثورة سوف تستأصل أمعاء طلعت بك) في المآل، تجرده من كل فلس وعقار تمنعه من أن يكسب قرشاً واحداً لا يعمل لأجله بعرقه، تصادر أبنيته مثلما صادرت أرضه وتوزعها على الفلاحين الذي سيبيعون أرضهم طمعاً في كسب عابر وسريع. هذه الخمسون ألفاً دفعة على الحساب. بعد قليل تعود الثورة فتؤمم الأرض والعقارات، وتعيدها إلى أصحابها الأصليين الكادحين، وعندها سيضحك هو والفلاحون على طلعت بك، هذا البهلوان الذي خانته زوجته وهو في الحمام. وسيعرف هو والبكوات الآخرون أي منقلب ينقلبون"(19) . أما بطل رواية خيري الذهبي "طائر الأيام العجيبة" "سعيد شعبان"، فقد بدأ حياته مناضلاً يؤمن بالثورة، ويتوسط القوى الضاغطة والمضغوطة، ويستهدف في نضاله الناس لا السلطة، ويقود المظاهرات ضد السلطة، احتجاجاً على رفعها مصاريف الدراسة في الجامعة الأميركية، دون أن تستثني الطلاب الفقراء. عمدت السلطة إلى شراء "سعيد شعبان"، وطلبت إليه أن يتخلى عن رفاقه المتظاهرين، مقابل حصوله على سلامته، ولكنه رفض عرض السلطة، وفضل السجن على الخيانة، ثم خرج ليجد نفسه مطروداً من الجامعة. عمل "سعيد شعبان" بعد خروجه من السجن في الصحافة، وكُلّف بملاحقة المظاهرات التي تنشب ضد السلطات والكتابة عنها، وعانى بسبب هذا الموقف ألماً نفسياً حاداً: "شعرت بأني أقف في المكان الخاطئ، كان يجب أن أكون معهم، وأكثر من مرّة نازعتني نفسي أن أقوم فآخذ مكاني ثانية خطيباً فيهم"(20) . وهكذا تحول "سعيد شعبان" من موقف المواجهة إلى موقف المتفرج. وكان هذا التحول نقطة البدء في التحول إلى الموقع الآخر؛ الاستسلام والخضوع والتخلي عن دوره في تغيير المجتمع. لقد ترك "سعيد شعبان" الصحافة والكلمة الملتزمة، وانزلق إلى مواقع الخيانة عندما انتقل للعمل في مكتب لوكالات الأنباء ينقل الأخبار للأعداء. لقد حكم "نبيل سليمان" في دراسته للرواية على "سعيد شعبان" بأنه تحول من اليسار إلى اليمين(21) . والحقيقة أن هذا الحكم غير دقيق. فسعيد شعبان لم يتحول من اليسار إلى اليمين، لأن مواقفه اليسارية تخللها الضعف منذ البداية، ولأن نفسه نازعته منذ بداية الصدام مع السلطة إلى المهادنة والاستكانة، فهو لم يخبر رفاقه بالحديث الذي دار بينه وبين عميد الكلية. إن "سعيد شعبان" نموذج للمثقف الذي سعى إلى تغيير الواقع، وحين اصطدم بالسلطة والقوى المحافظة ورأى أن المصاعب كبيرة والعوائق كثيرة تراجع عن أداء دوره، وتطامن أمام السلطة، وركب الموجة السائدة في المجتمع، وتستر بالثورة ليحقق مصالحه الشخصية. يفيد ما تقدم أن الروائيين السوريين طرحوا في رواياتهم نمطين لشخصية المثقف الثوري، أولهما المثقف الانتهازي المتستر بالثورة لتحقيق مكاسب شخصية. وثانيهما المثقف الثوري المتمسك بالثورة والمدافع عن أهدافها ومبادئها. وقف الروائيون السوريون عند العوائق التي تحول بين المثقف الثوري وأداء دوره في تغيير المجتمع إلى الأفضل والأجمل، وجعلوا هذه العوائق نوعين: عوائق داخلية ترجع إلى المثقف نفسه، وتتعلق بثقافته، وعوائق خارجية تتعلق بالمجتمع الذي يريد المثقف الثوري تغييره. 3- المثقف الثوري ومشكلة الثقافة: ترفض الشخصيات المثقفة في رواية حيدر حيدر "الزمن الموحش" القيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، وتعلن قطيعتها مع الماضي، وانتماءها إلى الحضارة الغربية وقيمها. فراني وسامر البدوي مثقفان أعلنا تخلّيهما عن الماضي، وانتميا إلى الحضارة الغربية، وآمنا بثقافتها وقيمها. يقول "راني" معبراً عن رفضه المطلق لقيم المجتمع وتقاليده: "الثوري يحرق كل الهشيم الكاذب، ولو أدى ذلك إلى احتراقه في النهاية. إذا لم تتغير العلاقات القديمة، فنحن نبحر في سفينة مصدّعة تتخلّلها المياه يوماً بعد يوم. والنتيجة هي الغرق"(22) . لقد تبنّت الشخصيات المثقفة في "الزمن الموحش" ثقافة الغرب، وآمنت بقيمه، وأرادت تحديث المجتمع وفقاً له، ولكن هذه الثقافة لم تتبلور بعد في أذهانها، ولذا فهي تختلف حول الطريق إلى الثورة وكيفية تحقيقها، مما يدل على نقص في الفكر الثوري لدى هذه الشخصيات. فراني يرى ضرورة البدء بتحرير الإنسان نفسياً ثم اقتصادياً، في حين يرى "سامر البدوي" وجوب تحرير الإنسان العربي اقتصادياً ثم نفسياً(23) . وعلى الرغم من أن الشخصيات المثقفة في "الزمن الموحش" رفضت القيم والعادات الموروثة فقد أخفقت في التخلص من سيطرة هذه القيم والعادات، وظلت أسيرة ثقافتين: محليّة وغربيّة، وسقطت فريسة تمزق حاد بين قيم موروثة وأخرى حديثة وافدة. وقد تجلّت هيمنة الماضي على الشخصيات المثقفة بالحضور الكثيف للأب الميت عبر الحلم تارة والذكريات تارة أخرى، وما تميز به هذا الحضور من صراع بين الأجيال(24) . لقد مات والد الراوي، ولكنه بقي يهيمن على حياته، وها هو ذا يأتيه في أحد أحلامه: "بعظمة الموت وكراهيته قام من قبره. خطا نحو بيتنا القديم خطوات وئيدة كمن يمشي في الهواء. كنت أراه وما كان باستطاعتي أن ألمسه. كان ميتاً وحيّاً في مكانين مختلفين. رأيته يطوف حولي، ويرفرف بأجنحة شفافة. يقترب ثم يبتعد كأنما في وجهه كلام يود الإفصاح عنه، لكنه لا يقوى. وسألته لماذا مات هكذا بغتة، وتركني وحيداً، فأشار إليّ بأنه لم يتركني، وفهمت أنه يراني أبداً ويشاهد حياتي. وبدا لي هناك على حافة الضوء والظلمة أسيّاً غير راض. وسألته إن كان راضياً عن حياتي، وهل حياتي رديئة"(25) . يتضح من المقبوس السابق هيمنة الماضي على الراوي، وحرص الأخير على معاينة الذات في ضوء الماضي. وقد أدى رفض الماضي على صعيد الوعي وهيمنته على صعيد اللاوعي/ الحلم إلى تمزق المثقف الثوري بين الرفض والقبول، وهذا ما ظهر جليّاً عبر استخدام ثنائيات ضدية: حي- ميت، ضوء، ظلام، يقترب- يبتعد. لقد أخفق المثقفون الثوريون في "الزمن الموحش" في الاندماج بالواقع، والتلاحم مع الناس، وعانوا حالة اغتراب حاد عن الناس والمجتمع: "أنا أكره الآخرين"(26) ، كما عجزوا عن مواجهة الواقع والتصدي لمشكلاته، وتساقطوا الواحد تلو الآخر، فمات سامر البدوي ووائل الأسدي، وهاجر راني ومنى وأمينة، وعاد الراوي إلى قريته، رمز النقاء بعد أن اصطدم بواقع موحش لم يستطع تغييره. لقد حمل المثقفون الثوريون في "الزمن الموحش" بذور النقاء في أعماقهم. وعندما اصطدموا بواقع كل ما فيه مزيف عجزوا عن تغييره، واكتفوا برفضه، فرفضهم هو أيضاً، وتحولوا إلى مثقفين معزولين عن المجتمع والناس. وهذا ما يفسر السبب في الإدانة التي وجّهت إلى المثقفين في الرواية وعلى ألسنتهم. يقول "راني" عن المثقفين: "حفنة ثرثارة تتحدث في النظري بعيداً عن واقع وآلام الناس. القراءات الضّحلة حولتهم إلى ممثلين كاريكاتوريين وأدعياء يرون العالم من الأعلى"(27) . وطرحت رواية "شرخ في تاريخ طويل" شخصيات مثقفة تشبه شخصيات رواية "الزمن الموحش"، فهي رافضة لقيم المجتمع وتقاليده، وتبحث عن قيم وعادات وتقاليد جديدة. ولكن هذه الشخصيات ضائعة، ولم تجد البديل بعد، تتلمّسه في الفرويدية تارة وفي الماركسية تارة أخرى. لقد رفض "أسيان" قيم المجتمع وتقاليده، ونظر إلى العالم على أنه عدو للإنسان، ولكنه لم يجد البديل، لذا راح يغوص في ذاته لاستخلاص قيم جديدة تصلح لكل مكان وزمان، إنه يريد -كما يقول لصديقه مسعود- "نوعاً من المثال إذا شئت تسميته ذا قيمة في جميع الأزمنة... ولكن ليس في الذهن ولا في الفلسفة.. عن طريق الناس"(28) . يسعى "أسيان" لتحقيق حلمه ورغبته عن طريق علاقته بالمرأة. فهو يرغب بأن يبني علاقة صحية مع المرأة لينطلق بعد ذلك إلى ما هو أوسع. وهذا ما يبرّر كثرة العلاقات العاطفية التي أقامها "أسيان" مع "سزي" و"لبنى" و"فوزية". تنتهي كل محاولات أسيان لتحقيق وحدته الشخصية إلى السقوط والإخفاق، وذلك لوجود معوّقات داخلية نفسية كما هي حال "سزي" المصابة بعقدة إلكترا، وهي عقدة التعلق بالأب، ولوجود معوّقات خارجية تتعلق بالمجتمع كما هي حال "مرام" التي تعيش في بيت متعصب، لا يسمح للمرأة بأن تخرج مع رجل حتى لو كان أخاها. إن شخصيات "شرخ في تاريخ طويل" شخصيات مثقفة وثورية، تعيش في مجتمع بلا قيم، وكل ما فيه ينهار، ولأنها ثورية لا ترضى عن واقعها، وتتمسك بنقائها الشخصي، وتسعى إلى صنع قيم جديدة. ولكنها تخفق ولا تستطيع مواجهة المجتمع ولا الثورة على قيمه وعاداته، ويكون مصيرها الانتحار أو السفر. إن المسؤول عن إخفاق هذه الشخصيات، وعن فقدانها للصلة بالمجتمع والناس هو ثقافتها الثورية الناقصة وإيمانها بأن نظرية واحدة يمكن أن تفسّر العالم كله، بالإضافة إلى التفكير المجرد الذي قادها إلى الفصل بين الفرد والمجتمع(29) ، وطلب المستحيل بدلاً من طلب الممكن والواقعي. وهذا ما أشار إليه "مجد" عندما وصف المثقفين بأنهم رومانتيكيون وسيكوباتيون، وبأنهم سيئو التكيف مع أنفسهم لذلك يفرون إلى الفلسفة والتفكير المجرد، ويطلبون المطلق والمستحيل ليبرروا عجزهم عن تحقيق الممكن(30) . لقد قام هاني الراهب في "شرخ في تاريخ طويل" شخصيات مثقفة تندحر أمام الواقع، وتعجز عن تغييره، لا لأن الواقع عملاق تصعب مواجهته، بل لأن هذه الشخصيات مهزومة فكرياً ونفسياً، وأسيرة ذاتها وثقافتها. إنها -كما يقول عنها الراهب- تدور في فلك مؤثرات فكرية غربيّة كالوجودية والفرويدية والماركسية دون أن تلمّ بواحدة منها(31) . تشبه شخصيات "شرخ في تاريخ طويل" إلى حدّ كبير شخصيات "الزمن الموحش"، فالروايتان قدمتا شخصيات مثقفة ثورية، ولكنها عاجزة عن المواجهة والتغيير. ويؤكد هذا التشابه مسؤولية نقص النظرية الثورية والفكر الثوري عن تقزيم دور المثقف الثوري وسقوطه. أما "فياض" بطل رواية حنا مينة "الثلج يأتي من النافذة" فقد شعر بالنقص والدونية تجاه الطبقة العاملة، وظهر هذا النقص واضحاً من خلال إعجابه الشديد بالعامل "خليل" الذي تبوأ منزلة المعلم، على حين مثّل فياض دور التلميذ الذي يتلقى التوجيهات والتعليمات من معلمه. ولكي يتخلص من عقدة النقص تجاه الطبقة العاملة خاض التجربة، وترك العمل في ميادين الثقافة، وعمل في ميادين العمل العضلي. ولكنه أخفق في مسعاه، وعاد إلى "عمله الأساسي في الحقل الفكري، وإلى طبيعته الأساسية كحليف للطبقة العاملة، دون أن يتمكن من الانصهار بها كما كان يتوهم"(32) . إن فياض نموذج للمثقف الذي يرى في الثقافة تهمة، وهو غير متجذر ثورياً، وينقصه الفكر الثوري، وهو ما اتضح من خلال تكوينه الفكري، ومحاولته الجمع بين ثقافة مادية وأخرى مثالية(33) ، ممّا سبب له عقدة النقص تجاه الطبقة العاملة، والتوهم بأن الطبقة العاملة هي التي تحمل الوعي السياسي للمثقف، وما عودته إلى العمل الذهني إلا دليل على أن المثقف الثوري لا يستطيع -مهما حاول- أن يتخلّى عن دوره المتمثل بالتنظير للطبقة العاملة التي تحتاج إلى المثقفين الثوريين ليحملوا إليها الوعي الثوري. أما "أكثم الحلبي" بطل رواية وليد إخلاصي "بيت الخلد" فقد توفّيت والدته أثناء ولادته، وعاش يتيم الأبوين في كنف جدّه. تمرّد أكثم على واقع القرية الظالم فنفي واتّهم بجريمة إحراق البيادر التي لم يقترفها، وعوقب عقاباً شديداً، وجلد على تل القرية حتى تفجّرت قدماه بالدماء. عمل أكثم راعياً ليسكت عواء أمعائه ثم غادر القرية إلى المدينة، حيث التقى بالشيخ "بيير" الذي علّمه فأصبح مثقفاً يتحدث عن الفلسفة والأدب، وحدّثه عن حزب يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية فانتمى إليه وأصبح عضواً فيه. دخل أكثم السجن بسبب الحزب والأفكار الجديدة التي لم تعجب السلطة، ثم خرج وأصبح صحفياً لامعاً يتحدث عن العدالة والديمقراطية، ويدعو إلى التجديد، ولكنه تعرض للهجوم من أهل المدينة الذين اعتبروا كل جديد من عمل الشيطان، وأدرك أكثم سبب إعراض الناس فدعا إلى إيقاظ مارد العلم الذي نام قروناً. وتحدث أكثم عن المال ذلك الغول الذي يلتهم الناس فخرج تجار الجملة والمفرق في محاولة لتدمير الجريدة التي يعمل فيها أكثم. وعندما دعا إلى الطمأنينة والهدوء هاجمته نقابة مالكي السيارات التي اعتبرت حديثه هجوماً عليها، وحطّاً من مساهمة التكنولوجيا في إسعاد الناس. أصيب أكثم -نتيجة الإخفاق المتكرر- بالإحباط، وعزف عن الكتابة، وهرب من مواجهة الواقع إلى الطبيعة، ثم دفن نفسه حيّاً، تاركاً العالم يعجّ بالأخطاء. لقد ارتكب أكثم خطأين، أولهما زواجه من "قمر"، وهي امرأة جاهلة، تحب المظاهر وجمع المال، وتقف حجر عثرة في طريق تقدم زوجها، وتعيّره بأنه فلاح ولا طموح له(34) . أما الخطأ الثاني فهو صداقته للسجان "نمر الكلسي" الذي عذبه في السجن عذاباً شديداً، ولاحقه عندما خرج من السجن مستغلاً ضعف زوجته "قمر" ليحطم روحه بعد أن عجز عن تحطيم جسده. يقول نمر الكلسي لأكثم: "لن تفلت من يدي، ستعود إليّ مهما بعدت، أو أخرج إليك، وإن أفرج عنك"(35) . إن نمر الكلسي رمز للسلطة بأشكالها كافة، فهو الجلاد في السجن، يعذب السجناء حبّاً في التعذيب، وهو السمسار والتاجر الجديد الذي أراد أن يتخلص من أكثم بعد أن أدرك خطره عليه. وإذا كان "نمر الكلسي" على هذه البشاعة واللاإنسانية، فلماذا قبل أكثم أن يقيم علاقة به؟ لقد أصاب أحد الباحثين الحقيقة عندما فسّر علاقة أكثم بنمر الكلسي بمحاولة الأول المصالحة مع الواقع، بغية الاستفادة من مستجداته(36) . لقد دفع وليد إخلاصي بطل روايته إلى إقامة علاقة بنمر الكلسي ليحقق أمرين، أولهما تأكيد استحالة اللقاء بين المثقف الثوري والسلطة القمعية، فسرعان ما أقدم أكثم على قتل زوجته ونمر الكلسي عندما رآهما عاريين في غرفة النوم، وثانيهما إدانة أكثم الحلبي لتراجعه عن المواجهة. وهكذا جاء سقوط أكثم الحلبي نتيجة منطقية لما تميز به هذا المثقف من عدم القدرة على اتخاذ قرار حاسم في قضايا تخصه، كقضية زوجته قمر التي لم يكن هناك أي مبرّر للسكوت عن أخطائها. ولما تميز به أيضاً من ثقافة مزدوجة تجمع بين ثقافتين: مثالية ومادية، مما سبّب لأكثم ألماً نفسياً حاداً، دفعه للذهاب إلى الشيخ وطلب الراحة والخلاص(37) . لقد قدّم وليد إخلاصي في "بيت الخلد" واقعاً يزخر بالظلم الاجتماعي لا ليبرّر لبطل روايته السقوط والإخفاق والهرب من المواجهة، وإنما ليؤكد أن واقعاً كهذا الواقع يحتاج إلى مثقف ثوري أصلب وأقدر على المواجهة والصبر والتحدي من أكثم الحلبي الذي استكان وهادن ودفن نفسه حيّاً، وحمل راية هزيمته، لأنه لم يتمرس على النضال والمواجهة من جهة، ولأنه ما يزال مثقفاً هجيناً، يجمع بين ثقافتين متناقضتين. 4- المثقف الثوري ومشكلة الواقع: يمكن حصر الوقائع الخارجية التي تقف في طريق المثقف الثوري، وتحول بينه وبين ممارسته لدوره في ثلاثة أسباب، هي عوائق سياسية كغياب الحرية وانتشار القمع والإرهاب والاضطهاد والتشريد والتهجير، وعوائق اقتصادية كانخفاض مستوى دخل المثقف الذي يؤدي إلى انشغاله في تحسين دخله على حساب دوره ووظيفته النقدية، وعوائق اجتماعية كانتشار الأميّة بين صفوف الناس. وقف الصراع التقليدي بين المثقف الثوري والسلطة عائقاً أساسياً حال بين المثقف وأدائه لدوره التنويري، وتفاوتت مواجهة الشخصيات المثقفة للسلطة، فبعضها فضل الاستكانة والانسحاب وإيثار السلامة، وتحول إلى اللاانتماء، كما حدث لإحدى الشخصيات المثقفة في رواية خيري الذهبي "ليالي عربية"، فقد تعرضت هذه الشخصية للاعتقال والسجن بسبب مواقفها الثورية المناوئة للسلطة، وعانت في سجن السلطة صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، فاضطرت للاستسلام والقسم أمام السلطة على ترك العمل السياسي، وانصرفت بعد الخروج من السجن إلى حياة اللهو والمجون، غير مكترثة بمشكلات الوطن وقضاياه: "ورأى من بعيد جسر النصر. خطوات وسيكون في انتظارها عند الجسر، ليذهب إلى موعدهما في المسبح، وأخذ يتخيلها في "مايوهها" الأسود، ولكن الصورة أبت إلا أن تتشكل، ورفض إلاّ أن يشكِّلها. جعلوني أقسم على ترك السياسة وقد تركتها، سأذهب إلى المسبح، وليفعلوا ما شاؤوا"(38) . أما "سعيد شعبان" بطل رواية خيري الذهبي "طائر الأيام العجيبة" فقد استسلم للسلطة المستبدة ورغب في مصالحتها بغية الاستفادة منها، وتحوّل إلى مثقف انتهازي يهادن السلطة المستبدة ليحقق مكاسب شخصية. وأما "علوان" في رواية هاني الراهب "بلد واحد هو العالم" فقد تحوّل إلى مثقف أجير لدى السلطة المستبدّة ووضع كل مواهبه في خدمتها وتبرير أفعالها، مقابل المكانة والجاه والثروة. يقول محدداً موقفه من الصراع بين السلطة والفقراء: "هم علقوا بأم اللولو، وأنا لا أقدر على شيء. لا سلطة لي عليها. وإذا حاولت شيئاً خسرت كل شيء. بينما كل أصدقائي صاروا في العالي"(39) . وثمة شخصيات مثقفة أخرى وقفت في وجه السلطة وقاومتها، ولم يزدها جبروت السلطة وقمعها إلا تمسكاً بمبادئها وأهدافها ودورها المنوط بها، كشخصية "فياض" بطل رواية "الثلج يأتي من النافذة"، الذي أصر على متابعة طريق النضال ضد السلطة الغاشمة على الرغم ممّا لقيه من عذاب شديد على يد السلطة المستبدّة. يفيد مما تقدم أن الروائيين السوريين أشادوا بالشخصيات المثقفة التي أصرت على المواجهة والتحدي والصمود في وجه تعسف السلطة وجبروتها، وأدانوا السلطة القمعية والشخصيات المثقفة التي انهزمت أمام السلطة، وتخلّت عن دورها في تغيير المجتمع. وتبدو حالة الفقر قاسماً مشتركاً بين الشخصيات المثقفة الثورية، ممّا انعكس سلباً على دور المثقف في تغيير المجتمع، وحدّ من إمكاناته وطاقاته، وساهم في سقوطه، وانشغاله بتحسين دخله على حساب عمله الأساسي، وهو النضال من أجل تغيير الواقع إلى الأفضل والأجمل. لقد كان أكثم الحلبي فقيراً، لذا تعرض لهجوم زوجته "قمر" التي سخرت من كتبه وأوراقه التي ملأت بيتها بالأوساخ والمهملات، بدلاً من أن يمتلئ بالنحاس والسجاد، كما يفعل كل الناس عادة لبيوتهم(40) . وكان للشخصيات المثقفة الثورية مواقف متباينة من سوء الأوضاع الاقتصادية، فبعضها تخلى عن مبدئه، وآثر الخلاص الفردي بعد أن أعياه الصبر على المواجهة، كما فعل "علوان" بطل رواية هاني الراهب" بلد واحد هو العالم"، الذي كان فقره المدقع سبباً رئيسياً في تخلّيه عن مبادئه وانحيازه إلى جانب السلطة. على حين فضّل بعضها الثبات على المبدأ والمواجهة حتى النهاية، كخليل في رواية "الثلج يأتي من النافذة"، الذي عزم على المثابرة على النضال، على الرغم مما آلت إليه حال أولاده: "يا خالتي لا تكوني مثل أمي... لا أريد تذكيري بالجوع والأولاد، أنا أبحث وأتألم، ولكني لا أعثر على عمل... الشكوى لا تفيد. وأصلاً لماذا الشكوى؟ يموتون؟ ما أظن، وحتى لو ماتوا... فكري أنت لو خاف كل أب على أولاده، وكل ولد على أهله، لو لم تكن الإضرابات، لو لم يتشرد "فياض"... لو لم يمت الناس؟ فكري كان العامل في الماضي يفنى ولا يحصل على تعويض... كانوا يلاحقونه، وكان بلا قانون عمل -بلا حماية- يكفي لا تذكريني بأولادي. لن أبكي عليهم مثل النساء"(41) . إن إصرار الروائيين السوريين على تقديم مجتمعات روائية متخلفة أدى إلى كثرة العراقيل أمام المثقف الثوري الذي أحاطت به الظروف السيئة من كل جانب، وحالت بينه وبين أداء دوره، فإلى جانب غياب الحرية والديمقراطية وسوء الأوضاع الاقتصادية وقف الجهل عائقاً بين المثقف الثوري وأداء دوره، وكان سبباً في اتساع الهوة بينه وبين الناس الذين تحولوا بسبب الجهل إلى حجر عثرة في طريق المثقف الثوري. وقد عبّر الروائيون عن هذا المأزق من خلال شكوى الشخصيات المثقفة من جهل الناس، وانصرافهم عن تغيير حياتهم. "فجوزيف" في رواية "الثلج يأتي من النافذة" لحنا مينة يتضايق من الناس لأنهم لا يأبهون لكلماته التي يكتبها: "وكان المارة لا يأبهون له... يمضون لشؤونهم كأن شيئاً جديداً لا يحدث، ولا يتوقع أن يحدث، وكأن العوسجة الملتهبة لا تحترق في المكان المقدس، وجوزيف يفكر على هذا النحو: لماذا لا يفهم الناس دفعة واحدة حقّهم، ويدافعون عنه"(42) . أما راوي "الزمن الموحش" فقد انسلخ عن قومه، وتقطعت علاقته بهم، وراح يبحث عن خلاصه الفردي: "آه. هؤلاء القوم. إنك تفكر بهم كثيراً وهم متخلّون عنك منذ زمن. لقد بدأت تهتز وتتقطع علاقتك الجدلية معهم. إنها علاقة من طرف واحد. ولكن لماذا دفنوا حياتهم الخلاّقة على هذا النحو، واستعاضوا عنها بما يشبه الحياة؟ ولم يكتفوا بذلك. ها هم يتحوّلون إلى قضاة وجلادين. ولكنك تتقدم. يُخيَّل إليك أنك تتقدم. تقول: ليكن. سأحيا كما أريد فحياتي تعنيني وحدي. تريد أن تنسلخ إذن منسحباً إلى طرف قصي. ولكن أين يقع ذلك الطرف المضيء؟"(43) . أما خيري الذهبي فأنحى باللائمة على المثقفين، وحملهم مسؤولية إخفاقهم في الاتصال بالناس، فقدم في رواية "ليالي عربية" شخصيات مثقفة مهزومة ومعزولة عن الناس، لأن خطابها الموجّه إلى الناس كان متعالياً وغير مفهوم، ولذا لم يترك في الناس أي تأثير: "ثلاثون عاماً، وأنتم توزعون المنشورات، وتنادون باسم الشعب، والشعب عنكم بعيد. قبل أن توزعوا المنشورات اجعلوه قادراً على قراءتها"(44) . وتُكلَّف إحدى الشخصيات المثقفة في "ليالي عربية" بمهمّة توعية الفلاحين إلى أهمية الثورة، وأهمية الجمعيات التعاونية التي تحميهم من سيطرة الإقطاعيين والسماسرة، ولكن جهدها يذهب سدىً لجهل الفلاحين، وعدم قدرتها على استيعاب مزايا الثورة. والخلاصة أن الروائيين طرحوا في رواياتهم شخصيات مثقفة ثورية رافضة لمجتمعها وراغبة في تحديثه، ولكنها عاجزة عن القيام بدورها لوجود عوائق داخلية وأخرى خارجية. أما العوائق الداخلية فترجع إلى الشخصيات المثقفة نفسها، وتتعلق بثقافتها الغربية التي كانت عاملاً أساسياً في تغريب هذه الشخصيات عن مجتمعها، وخلقت هوّة واسعة بينها وبين الناس. وأما العوائق الخارجية فهي ثلاثة: سياسية كغياب الحرية والديمقراطية وانتشار القمع والاضطهاد، واقتصادية كانخفاض مستوى دخل الفرد الذي ساهم في الحدّ من ممارسة المثقف الثوري لدوره في تغيير المجتمع، واجتماعية كجهل الناس وعدم قدرتهم على استيعاب خطاب المثقف الثوري. (1) الثلج يأتي من النافذة ص97. (2) يكتنف الغموض السبب الذي دفع فياض إلى ترك وطنه والذهاب إلى لبنان، وقد أنبأنا فياض أنه نصح بمغادرة البلاد لمواصلة المعركة في بلد آخر، بينما تشير أحداث الرواية إلى أن فياض قد اختار الهرب بنفسه. وقد رجح مراد كاسوحة الرأي الثاني. انظر كتابه "الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينة" مرجع سابق ص66. (3) الثلج يأتي من النافذة ص95، وانظر ص121. (4) الثلج يأتي من النافذة ص38. (5) المصدر نفسه ص193- 194. (6) المصدر نفسه ص264. (7) الثلج يأتي من النافذة ص372. (8) انظر كتابه معنى المأساة في الرواية العربية ط2، دار الآفاق، بيروت، 1980، ص246. (9) انظر وينداح الطوفان ص116. (10) انظر وينداح الطوفان ص144. (11) انظر قراءات في تجربة روائية لسمر روحي الفيصل مرجع سابق ص14. (12) انظر وينداح الطوفان ص99. (13) المصدر نفسه ص101. (14) انظر كتابه "قراءات في تجربة روائية" مرجع سابق ص17. (15) الشيخ ومغارة الدم ص 29. (16) انظر كتابه "الرواية السورية" مرجع سابق ص210- 211. (17) الشيخ ومغارة الدم ص107. (18) انظر ألف ليلة وليلتان ص114- 119. (19) انظر ألف ليلة وليلتان ص175. (20) طائر الأيام العجيبة ص51. (21) انظر كتابه "الرواية السورية" مرجع سابق ص266. (22) الزمن الموحش ص38. (23) المصدر نفسه ص117. (24) انظر دراسات نقدية في الرواية والقصة مرجع سابق ص31 وانظر أيضاً "الرواية السورية مرجع سابق ص299. (25) الزمن الموحش ص67، وقد كشف "سامر البدوي" عن هيمنة الماضي على الراوي ص131. (26) المصدر نفسه ص123. (27) الزمن الموحش ص27، وانظر أيضاً ص26- 79- 100- 133. (28) شرخ في تاريخ طويل ص156. (29) وجّه نبيل سليمان في كتابه "الأدب والإيديولوجيا في سورية" جملة من الانتقادات إلى هاني الراهب، منها أنه لم يربط بين علم النفس وعلم الاجتماع، أي لم يربط بين ما حدث في النفس الإنسانية من الدوافع والمسبّبات الاجتماعية لتلك العقد والأمراض النفسية" ص138. والواضح أن نبيل سليمان لا يفرّق في نقده لهذه الرواية بين الكاتب وشخصيات الرواية، فهذا الحلم ينطبق على الشخصيات وينسجم وما تميزت به من إحباط وضياع. (30) انظر شرخ في تاريخ طويل ص208. (31) انظر "معارك ثقافية في سورية" مرجع سابق ص27. (32) الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينة، مراد كاسوحة، ص78. (33) سنعالج الازدواجية الثقافية لدى فياض أثناء دراسة مصادر أفكار الشخصيات المثقفة. (34) من الملاحظ أن صورة "قمر" تتكرر في أكثر من رواية. فالمرأة تقف دائماً حجر عثرة في طريق المثقف الثوري، وتمنعه من أداء رسالته. وكان وراء هذه الصورة إصرار الروائيين على تقديم شخصية المثقف الثوري الذي يحمل بذار سقوطه في داخله، وقصر البطولة والنضال على الرجال دون النساء، وكأن المرأة لدى الروائيين لا يمكن أن تكون ثورية، ولا تستطيع أن تتحمل ما يتحمّله الرجل من المصاعب والشدائد. (35) بيت الخلد ص90. (36) انظر بيت الخلد والانتماء المهزوم، عاطف بطرس، المعرفة، دمشق، 1983، العدد256 ص193. (37) انظر بيت الخلد ص123. (38) ليالي عربية ص138. (39) بلد واحد هو العالم ص287. (40) الثلج يأتي من النافذة بيت الخلد ص38. (41) المصدر نفسه، ص311- 312. (42) نفسه ص306. (43) الزمن الموحش ص50. (44) ليالي عربية ص153. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |