|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
جـ- المثقف اللامنتمي: يلحظ الباحث شخصية المثقف اللامنتمي بشكل بارز في الروايات التي تدور أحداثها في فترتي الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ويرجع السبب في ذلك إلى طبيعة المرحلة التاريخية والسياسية التي عصفت بالمجتمع السوري إبان الخمسينات والستينات، والتي تميزت بخيبة أمل كبيرة أصيب بها المثقفون الثوريون الذين رأوا أحلامهم وآمالهم تتحطم على صخرة الواقع(1) . حتى لا نصاب بما يصاب به بعض النقاد من قراءة الإبداع المحلّي بأدوات نقدية غريبة عنه، نسارع، إلى القول إن ثمة فروقاً بين شخصية المثقف اللامنتمي في الفلسفة الأوروبية وآدابها، وشخصية المثقف اللامنتمي كما تبدّى في الرواية السورية. إن الدافع إلى اللاانتماء بالنسبة إلى اللامنتمي الغربي هو المجتمع الصناعي الذي شيّأ الإنسان، وحوّله إلى مجرّد آلة، فاغترب عن نفسه وعن الآخرين، وفقدَ الارتباط بالمجتمع، وأصبح كبطل رواية هنري باربوس "الجحيم" لا يرى طريقاً إلى الخارج أو إلى ما حول أو إلى الداخل(2) . أما الدافع إلى اللاانتماء بالنسبة إلى المثقف العربي كما تبدّى في الرواية السورية فهو العجز عن القيام بالدور المنوط بالمثقف، والمهمة الملقاة على عاتقه، وهي تغيير المجتمع إلى الأفضل والأجمل. إذا كان اللاانتماء وساماً يعلقه المثقف الغربي على صدره(3) ، فإن اللاانتماء -كما تبدّى في الرواية السورية- هو صفة مذمومة حاولت الشخصيات المثقفة التخلص منها، وبذلت قصارى جهدها في سبيل ذلك. إن وجود فروق بين المثقف اللامنتمي كما هو في الرواية السورية، والمثقف اللامنتمي كما هو في الثقافة الغربية لا يعني أنه لا وجود لعلامات التشابه بين الشخصيتين، وهذا ما سيتوضح أثناء تحليلنا لأهمّ الشخصيات المثقفة اللامنتمية في الرواية السورية. ينتمي "أحمد" بطل رواية وليد إخلاصي "أحزان الرماد" إلى المثقفين الشباب الذين تخرجوا من الجامعة، فوجدوا أحلامهم وطموحاتهم تتحطم على صخرة الواقع. عمل أحمد بعد التخرج موظفاً في شركة، وبدا غير راض عن عمله وشعر بالاغتراب عنه: "كان المكتب الرئيسي للشركة علبة أنيقة أشبه بملعب ليلي لكرة السلة. كان الرجل الجالس في غرفة زجاجية متصدراً المكان، يتصنع الكياسة، نصف باسم، نصف حي نصف ميت، نصف محبوب، نصف مكروه، نصف مشاهد، نصف ممثل. وكان يسجل بأمانة "الأوليفتي" حركات وسكنات الموظفين الموزعين على طاولاتهم كأحجار الشطرنج النظيفة. كانت اللعبة متقنة، وكان الإتقان لعبة"(4) . لقد تضافرت عدّة أسباب أدت إلى عزلة "أحمد" وشعوره باللاانتماء، فبالإضافة إلى قسوة المدينة التي دمّرت روحه، وحوّلته إلى عاهر(5) ثمة سببان، أولهما إخفاقه في حبّه لزينب زميلته في الجامعة، وثانيهما موت الفتاة الصغيرة "فردوس"، الذي كان له أثر كبير في اغترابه وعزلته عن الناس والمجتمع. يقول بعد حادثة الفتاة وخصومته مع معلّمه في العمل: "تبين لي في هذا الصباح بالذات أن ثمة رجلاً ما، في مكان ما، يعيش ويتنفس ويتحرك بمتعة وحرية أكثر مما أفعل أنا. كرهت العمل والمدينة، وها أنذا أتوق إلى التفكير كفيلسوف مبتدئ في أمر وجودي ومصيري"(6) . لقد كان الواقع أكبر من إرادة "أحمد"، فانكفأ على نفسه يجتر أحزانه، ويعلن عجزه ويأسه: "لا نملك القدرة على الاحتجاج لأننا وضعنا في نقطة التوازن المقيت. من يستطيع أن يصرخ في وجه النظام والرؤساء؟ من يستطيع أن يصرخ في وجه الأطباء والإله؟ من يستطيع أن يقول لا؟"(7) . ولأن أحمد لا يستطيع أن يقول لا فقد وجد نفسه مغترباً عن مجتمع ووطنه: "لماذا أعيش وماذا أفعل؟ ماذا يمكن لي أن أقدم. هل أنا وطني؟ هل الفراش وحده هو الذي يقدم لي الوطن؟ كنا تلاميذ فأنشدنا الأغاني بحرارة. كبرنا فما عاد الأمر يعنينا، لماذا، لماذا؟"(8) . أما "زينب" فكانت تحلم بأن تكون فنانة تشكيلية بعد تخرجها من الجامعة، ولكن ما إن اصطدمت بالواقع حتى تبخرت أحلامها وآمالها، وانقطع خيط سعادتها فجأة(9) ، وعملت دهانة بديلاً من فنانة، وأضحت مطلقة بعد زواج قصير من ضابط في البحرية. لقد تكسرت أحلام أحمد وزينب لأنهما لا يملكان القدرة على المواجهة، ولا يستطيعان التخلص من التردّد، يقول أحمد: "قررت أن أكتب على الحائط يسقط التردد، قررت أن أصرخ منادياً رغم بعد المسافة. لكني لم أفعل شيئاً"(10) . ولأن أحمد وزينب لا يستطيعان أن يفعلا شيئاً بسبب ضعفهما وعجزهما فإنه لم يبق أمامهما سوى الهرب وإعلان اللاانتماء، والانفصال عن الواقع: "لقد تعلمت ألا أحب أو أكره"، فخار يكسر بعضه"(11) . لقد حاول أحمد وزينب الخروج من اللاانتماء إلى الانتماء عن طريق الحب والزواج، بعد أن وجد كل واحد منهما في الآخر الأمل والخلاص من الوحدة والعزلة(12) ، ولكن وليد إخلاصي حكم على هذه المحاولة بالموت والإخفاق، ولم يسمح لها بالظهور والنجاح، لأن هذا الانتماء -بحسب رأيه- هو انتماء فردي يؤدي إلى الخلاص الفردي لا الجماعي. إن وليد إخلاصي يريد أن يقول من خلال روايته "أحزان الرماد": لا خلاص إلا الخلاص الجماعي، وكل محاولة فردية للخلاص ستسقط، ولن يكتب لها النجاح، لذا فإن مشهد الحريق الذي أنهى به الكاتب حياة أحمد وزينب لم يكن إلا محصّلة ونتيجة للصراع الإيديولوجي في نص الرواية المتمثل بإيديولوجيا لامنتمية وأخرى منتمية انتماءً فردياً، وذلك وفق الشكل الآتي: زينب وأحمد قبل اللقاء لا انتماء الإيديولوجيا في الرواية زينب وأحمد بعد اللقاء انتماء فردي الرواية كإيديولوجيا الكاتب رفض الانتماء الفردي وإدانة أحمد وزينب أما بطل رواية عبد النبي حجازي "المتألق" فهو مثقف ممزق بين انتمائين: الانتماء إلى الطبقة البرجوازية من جهة أبيه، والانتماء إلى الطبقة الفقيرة من جهة أمه. يشرح "جميل بن حسني الطرة" حاله قائلاً: "فلا أنا ابن، ولا أبي أب، ولا أمي أم، ولا أسرتي أسرة ولا محيطي محيط... وتندرج حياتي بكل وجوهها تحت هذا النفي الذي قادني إلى النفي المطلق، إلى العزلة"(13) . يفيد ما تقدم أن السبب الرئيسي الذي جعل "جميلاً" لا منتمياً هو الواقع الاجتماعي الذي وجد نفسه فيه، والذي سبب له اضطراباً وحيرة، فهو تارة يجد نفسه منتمياً إلى طبقة أمه؛ طبقة الفقراء التي بدأت تحرز الانتصارات في الساحة السياسية داخل الرواية وخارجها، وتارة أخرى يميل إلى طبقة أبيه؛ طبقة الأغنياء التي كانت تتأرجح بين الصعود والهبوط. لقد حاول "جميل" حسم انتمائه، فأقدم على الزواج من "دعد" البرجوازية التي رأى فيها أمله وخلاصه: "زرعتُ عمري في عينيك الزرقاوين، وحلمت أنني مبحر إلى اللانهاية اللازوردية"(14) . وحاول أيضاً الانتماء إلى الطبقة الفقيرة، فسعى إلى الزواج من "رباب"، زميلته الفقيرة، ورغب بالانتماء إلى حزب البعث والحزب الشيوعي، وشعر بالفرح عندما قامت الوحدة بين سورية ومصر. يقول لزوجته "دعد" بعد النصر الذي حققته الطبقة الفقيرة: - دعيني يكاد يمزقني الحياد. - إنه* غوغاء سوقة/ قالت دعد. - ولكنني أحس أنني منهم(15) . ولكن جميل عجز عن حسم انتمائه، وظل يتأرجح بين انتمائه إلى طبقة أبيه وانتمائه إلى طبقة أمه، لأن "إرادته كانت أكبر من عزيمته الحائرة"(16) ، ولأنه مثقف تنقصه الجرأة والإرادة القوية. إنه -كما يقول عن نفسه "عنترة بلا سيف"(17) . وأدى عجز جميل عن حسم انتمائه إلى تناقضه مع نفسه، فهو ينظّر ولا يعمل، ويقول ولا يفعل، ويكتفي بأحلام اليقظة والتهويم في سماء الأخيلة: "أنا مرابط أدافع عن وطني المنتهك وحيداً، وطني الذي انتهكته التجزئة تصفيق)، أنا لا أصفق، ولكني أحس بأيد ملتهبة تصفق لهذه الخطبة التي أصوغها في خيالي. يا للسخف، أنا معزول لأنني فارّ من العالم"(18) . إن "جميل" لا يملك إرادة قوية تمكنه من حسم انتمائه، لذا يريد "مجتمعاً متناقضاً مثله يرضي نزوعه الداخلي إلى المصالحة الطبقية(19) . إنه يتخيل أباه راضياً بالوحدة على الرغم من أنه يعرف شدة عداء أبيه البرجوازي للوحدة. طرح وليد إخلاصي في روايته "الحنظل الأليف" شخصيات مثقفة معزولة عن المجتمع والناس، ومغتربة عن العصر، وأوضح أن اغتراب هذه الشخصيات هو نوع من الاحتجاج على سيادة الظلم في المجتمع. فهذه الشخصيات المثقفة غير راضية عن مجتمعها وواقعها، ورافضة لثقافة المجتمع وأخلاقه وقيمه ومؤسساته. إنها شخصيات أعلنت قطيعتها مع المجتمع، واختارت العزلة والعيش في القبو بعيداً عن الناس، يقول معلم المدرسة لأصدقائه، الرسام، المدير، الشاعر، آدم): "اتركوا دينكم عند مدخل القبو، واخلعوا يقينكم عن العتبات. هنا نغتسل بماء التحرر من كل شيء"(20) ، ويقول أيضاً: "دعنا لأنفسنا أيها العالم المليء بالضجة والسياسة والأعراف وبرامج الإعلام المكتوبة والمبثوثة، وأبعد الله عنّا مشاكل الآخرين"(21) . وقد أدان وليد إخلاصي هذه الشخصيات المثقفة المعزولة، وبيّن انحرافها وتحوّلها إلى شخصيات انتهازية وهامشية، فالمدير عُين في إحدى السفارات في أوروبة، والرسام اختفى وذهب إلى الهند ليمارس فنّ اليوغا، والشاعر نقل إلى الإشراف على زاوية الكلمات المتقاطعة والتسلية في الصحيفة المحلية، أما المعلم فقد نجا من الهامشية والسقوط، وتخلى عن لاانتمائه وعزلته بعد أن تعلم من "الأسدي" حبّ التاريخ والتمسك بالتراث، والنظر إلى الماضي على أنه صراع بين المستغِل والمستغَل. وبهذا انتقل معلم المدرسة إلى التحدي والمواجهة واصطدم بالسلطة، وسُجن وعُذب حتى مات. ثمة إيديولوجيتان تتصارعان في داخل مجتمع الرواية، أولاهما أيديولوجيا لا منتمية، ويمثلها "آدم" الذي هرب من الحضارة الحديثة إلى الطبيعة، وأما ثانيتهما فهي أيديولوجيا منتمية إلى التاريخ، ويمثلها "الأسدي" و "المعلم". وبدا واضحاً أن إخلاصي انحاز إلى الإيديولوجيا المنتمية، وأدان الأيديولوجيا اللامنتمية ودعا إلى رفضها، وذلك من خلال إدانته للشخصيات المثقفة اللامنتمية. وقد أخطأ "محمد جمال باروت" عندما خلص إلى أن وليد إخلاصي يبشر بالوحشية البدائية وبإنسان الكهوف كبديل عن عالم التسلط(22) ، وما دفع باروت إلى إطلاق هذا الحكم هو تعامله مع الإيديولوجيات المكونة لبنية الرواية على أنها تعبر بشكل مباشر عن صوت المؤلف، وإهماله ما يقوم به الروائي من عرض الأيديولوجيات والمواجهة بينها لكي يتمكّن من أن يقول شيئاً آخر(23) . يفيد ما تقدم أن الروائيين طرحوا في رواياتهم شخصيات مثقفة معزولة، وأوضحوا أن عزلة هذه الشخصيات هي نوع من الاحتجاج على سيادة الظلم في المجتمع. ومن الملاحظ أن هذه الشخصيات المثقفة اللامنتمية تتحدّر من البرجوازية الصغيرة، وكأن الشخصيات المثقفة الأخرى التي تنتمي إلى الطبقات الأخرى في المجتمع لا يمكن -بحسب رأي المؤلفين - أن تكون لا منتمية ومعزولة. وقد أدان الروائيون الشخصيات المثقفة اللامنتمية، وجعلوا نهاياتها مأساوية، فهذه الشخصيات - كما تبدّت في الرواية السورية- إما أن تهاجر إلى خارج الوطن أو تتحول إلى شخصيات انتهازية، أو تنتحر. وقليل من الشخصيات المثقفة المعزولة استطاع أن يتخلص من عزلته ولا إنتمائه. وتحوّل إلى النضال من أجل الحق والخير والجمال. (1) شهدت فترتا الخمسينات والستينات انتشار الفكر الوجودي الذي ترك آثاراً سلبية في الشباب المثقف. للاطلاع على آثار الفكر الوجودي في المثقفين العرب ترجى العودة إلى "سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية "للدكتور حسام الخطيب، معهد البحوث والدراسات العربية، ط1، القاهرة، 1973. (2) ولسن. كولن، 1965- اللامنتمي ط4، تر: أنيس زكي حسن، دار القلم، بيروت، ص18. (3) شغر "ميرسول" بطل رواية ألبير كامو" "الغريب" بالغبطة والسعادة وبحريّته ساعة إعدامه. انظر تحليل الرواية في كتاب كولن ولسن "اللامنتمي".مرجع سابق الفصل الثاني ص 1-7. (4) أحزان الرماد ص37- 38. (5) انظر أحزان الرماد ص37. (6) نفسه ص38. (7) أحزان الرماد ص49. (8) المصدر نفسه ص136. (9) انظر المصد نفسه ص78. (10) المصدر نفسه ص68. (11) المصدر نفسه ص39- 40. (12) يقول أحمد: "زينب كانت هي الأمل الذي اتجهت إليه بكل تصوف" ص67، وتقول زينب: "لو تضمني إلى صدرك أيها الطيب، لو تدخلني عالم دهشتك، لو تشطرني نصفين فلا أحس بأني وحيدة" ص102. (13) المتألق ص124. (14) المصدر نفسه ص184. والجدير بالذكر أن "دعد" كانت بالنسبة إلى "جميل" أكثر من امرأة. يقول: "ثم عدت لأقبلها، لا كما يقبّل أي فم أي خد، لكنه مسٌّ من البحث عن تسويغ الوجود" ص15. * كذا في الأصل والصحيح إنهم. (15) المتألق ص68. (16) انظر الحوار الذي أجراه محمد جمال باروت مع عبد النبي حجازي في مجلة الموقف الأدبي، العددان 129- 130 ص202. (17) المتألق ص94. (18) المصدر نفسه ص83. (19) انظر تجربة الرواية السورية، سمر روحي الفيصل مرجع سابق ص240. (20) الحنظل الأليف ص16. (21) المصدر نفسه ص17. (22) انظر مقاله المنشور في مجلة المعرفة، العدد 230 ص208. (23) للاطلاع على انعكاس الإيديولوجيا في الرواية ترجى العودة إلى "النقد الروائي والأيديولوجيا" للدكتور حميد لحمداني، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1990، حيث كشف المؤلف عن الصراع الإيديولوجي وعلاقة الروائي بهذه الإيديولجيات المتصارعة في نموذجين روائييين هما: الوطن في العينين لحميدة نعنع، والغربة لعبد اللَّه العروي انظر ص 33-38. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |