|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ب- الثقافة المحلية: عني الروائيون السوريون بالثقافة المحليّة للشخصيات المثقفة، وأجروا على ألسنة هذه الشخصيات أقوالاً وأفكاراً ترجع مصادرها إلى الثقافة المحليّة بأنواعها المتعددة، الدينية والأدبية والتاريخية والقومية والشعبية. أ- الثقافة الدينية: يلاحظ الباحث وجود نمطين من الثقافة الدينية في أقوال الشخصيات المثقفة، أولهما الثقافة الدينية المستمدة من القرآن الكريم وأحكامه وتشريعاته، والأحاديث النبوية الشريفة، وممّا كتبه الفقهاء والمفسرون، من شروحات للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، أما ثانيهما فهو الثقافة الدينية المستمدة من الكتاب المقدس/ العهد القديم، والعهد الجديد. ثمة شخصيات مثقفة تحدّدت مواقفها من قضايا المرأة في ضوء آيات القرآن الكريم أو اجتهادات الفقهاء والمفسرين، على حين كانت الأساطير التوراتية وتعاليم القديسين مصدراً لأفكار شخصيات مثقفة أخرى. رفض الضابط في رواية هاني الراهب "شرخ في تاريخ طويل" المساواة بين الرجل والمرأة، مستنداً إلى ما جاء في القرآن الكريم من آيات تدلّ على فضل الرجل على المرأة(1) . يقول: "المرأة هي المرأة منذ أيام محمد عليه السلام، ومنذ بدء الخليقة، والرجال قوامون على النساء. للمرأة حقوق، أعطها لها، وواجبات، طالبها بها"(2) . ويلاحظ الباحث وجود موقفين متناقضين من مسألة تعدد الزوجات. فقد ألقت إحدى الشخصيات المثقفة في رواية فاضل السباعي "رياح كانون" محاضرة أباحت فيها تعدد الزوجات، ولا سيما إذا كانت الزوجة عقيماً لا تلد، بينما ذهب "رامي حسام الدين" إلى تحريم تعدد الزوجات لأن "الضر الذي يعود على الزوجة العقيم من جراء التعدد أشد إيلاماً من حرمان الزوجين معاً من النّهاية المنشودة"(3) . يعكس الموقفان السابقان واقع المرأة في الفكر الديني الإسلامي. فقد استندت شخصية المحاضر الذي أباح تعدّد الزوجات إلى ما أقرّه القرآن الكريم، من إباحة تعدد الزوجات بشرط العدل: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة..)(4) . أما الموقف الثاني فيعكس ما ذهب إليه المعتزلة والمصلحون الاجتماعيون حديثاً من أن التعدد محظور بنص الآية الكريمة، لأن العدل غير ممكن إطلاقاً(5) . وقفت الشخصيات المثقفة في رواية أحمد داود "حبيبتي يا حب التوت"(6) من المرأة موقفاً سلبياً، ففضلت الذكور على الإناث، واعتبرت الأنثى عبئاً على أهلها، ودعت إلى سجنها في البيت(7) . وهذا الموقف يعكس ما شاع على ألسنة الفقهاء والمشرّعين من تشريعات تسلب المرأة إنسانيتها، وتحرمها من الحقوق التي منحها إياها القرآن الكريم، كحق الحياة والتعليم والمساواة بالرجل من حيث الأصل الإنساني، وتقييد الطلاق والتمتع بالجسد في إطار العلاقة الزوجية(8) . يفيد ما تقدم أن ثمة مصدرين استعارت منهما الشخصيات المثقفة أفكارها حول قضايا المرأة، وهما: القرآن الكريم الذي نصّ على أن للمرأة حقوقاً يجب أن تنالها، وواجبات يجب أن تؤديها. أما المصدر الثاني فهو تشريع الفقهاء والمشرعين والمفسرين الذين لاقت المرأة على أيديهم تبخيساً لحقوقها وحصاراً منيعاً على حريتها. يبدو تأثير الأساطير التوراتية واضحاً في موقف "فياض" بطل رواية حنا مينة "الثلج يأتي من النافذة" من المرأة. فقد رفض فياض -وهو المناضل الثوري- أن يصطحب معه امرأة في رحلة نضاله، وشبّه نفسه بالقديسين الذين يرفضون المرأة، ويعيشون حالة حرمان: "إنه يفهم الحرمان مفروضاً، أما أن يكون اختياراً وطويلاً، فهذا يحتاج إلى سمو رفيع، إلى رياضة روحية تجعل المناضلين والقديسين في مرتبة واحدة، بل إن القديسين لا يجدون من العسر ما يجد المناضلون، ولا يفتقدون حتى خصلة الشمس كما يفتقدها هؤلاء. حسبه إذن أن يكون حوارياً.. أن يتقبل هذا الحرمان بالصبر لا بالرّضى. وبالإرادة المدفوعة باليقين، لا العفوية. وحين يكون في وسعه أن يدفع الحرمان، ولو بشكل متقطع، فلن يتوانى، وبانتظار ذلك لا بأس بالأحلام، وحتى الدَّاعرة منها، على ألا يكون فيها شطط، ولا تحجب عنه طهر الوجه الذي أطل عليه يوماً من النافذة"(9) . إن "دينيز" فتاة النافذة تختصر رؤية "فياض" للمرأة، وتكشف عن الثقافة التي استقى منها موقفه، فهي فتاة النافذة) تجمع بين الطهر والغواية، بين المثالية والمادية. وقد رفض فياض الجانب الواقعي/ المادي من المرأة، وتمسك بالجانب المثالي لما استقرّ في وعيه من أن المرأة/ الجسد هي مصدر الغواية والفتنة، تغوي المناضل الثوري، وتحرفه عن جادة الصواب، كما أغوت حواء آدم، وجعلته يأكل من الشجرة التي حرَّمها اللَّه(10) . ومن المفيد هنا أن نذكر الأثر العميق الذي تركته التربية الدينية التي تلقاها حنا مينة في طفولته، في الشخصيات الروائية التي صدرت في أفكارها عن الأساطير التوراتية، وتعاليم السيد المسيح والرسل والقديسين، ولا سيّما الرسول "بولس" الذي أعجب به حنا مينة إعجاباً شديداً، لأنه تجرأ على "الناموس" وحاول أن يجدد المسيحية وهذا ما أشار إليه حنا مينة من خلال شخصية "جوزيف" الذي أعجب بالرسول "بولس" وبتعاليمه(11) . استعار حنا مينة ما جاء في العهد الجديد من محاولة إبليس إغراء السيد المسيح بالذهب والمال، ولقاء أن يتخلّى الأخير عن رسالته التي نذر نفسه لحملها، وأسقطها على فياض، وزّجه في موقف مشابه. لقد حاول الشبح أن يثني "فياض" عن عزيمته، ودعاه إلى التخلي عن مبادئه الثورية، ولكن فياض رفض كل الإغراءات التي قدمها الشبح/ إبليس، وانتصر -كما انتصر يسوع- على الجانب الشرير من نفسه(12) . لقد ترك العهد الجديد أثراً في مواقف فياض "وأقواله، وتحدّد في ضوئه كثير من أفكاره التي استمدّها من سيرة حياة السيد المسيح الذي حاول فياض أن يتمثل شخصيته، فهو فياض) مثله يحمل صليبه بشجاعة ورجولة، ويذكر العشاء الرباني وغسل أقدام التلاميذ، ويود لو غسل هو أقدام التلاميذ ورفاقه في النضال كما فعل المسيح(13) . ويتخيل فياض نفسه قدّيساً يمنح البركة للمؤمنين والفقراء كما كان الرسل يفعلون، ويتعذب ويعاني كما كانوا يعانون: "كل هذه الدنيا وليس لي مكان أسند رأسي إليه.؟ ماذا جنيت إذن، ولماذا أنا معاقب؟ وتمثل وهو في غربته وبؤسه كل غرباء الدنيا وبائسيها، وودّ لو يمسح على رؤوسهم جميعاً"(14) . لا يختلف "كرم المجاهدي" بطل رواية حنا مينة "الربيع والخريف" عن "فياض"، فهو مثله يحب أن يتشبه بالسيد المسيح، ويحمل في وعيه ثقافة توراتية، كشف عنها عندما أسقط محاولة إبراهيم ذبح ابنه إسماعيل على علاقته ببيرشكا المجرية: "مريضة هي بيروشكا) والطبيب بالباب.. حبة المسكن في جيبه، في كفه وكأس الماء جاهزة. والشفتان والقلب والعصب المفتت كل ذلك يتطلب الرحمة! إنها تحت رحمته، ومقابل مجيئه تنسى... وقد نسيت.. المحب ينسى، يسامح يصفح وهي محبة، عاشقة، والإله الذي تتعبده قادر أن يجعلها قرباناً للذبح.. يا إبراهيم توقف عن ذبح ولدك.. إليك بالكبش إنه الفدية.. قال لها: هيا ولم تقل لا لم تكن تستطيع.. منوّمة هي مسلوبة الإرادة.. خذني.. وأخذها.. أمسكها من يدها وخرجا من الباب. خرجا من الدير. الراهبة غادرت الدير. تصرف يا إبراهيم بولدك كما تشاء"(15) . لقد حاول حنا مينة أن يوظف الفكر الديني توظيفاً ثورياً في رواياته(16) ، فأجرى على ألسنة بعض الشخصيات المثقفة أفكاراً تدل على رغبتها بتجاوز ما هو سلبي في الفكر الديني، واستبدال الفكر الثوري به: "الشيء المهم أن يكف الناس في سعيهم لتجسيد صبواتهم عن إدارة خدهم الأيمن"(17) ، ولكن التحليل العميق يكشف أن حنا مينة لم يستطع أن يتجاوز كل الجوانب السلبية في الفكر الديني، التي تركت تأثيراً كبيراً في شخصيات رواياته، وأدت إلى ظهور التناقض في سلوك الشخصيات ومواقفها، لقد بدا فياض على سبيل المثال قوياً عنيداً تارة، وضعيفاً تارة أخرى، لأنه كان ممزقاً بين الثوري والمسيح. لقد تعذب المسيح وتألم، لذا يجب على فياض أن يتألم ويشكو ويئن: "يا دنيا! يا دنيا لماذا ضقت في وجهي"(18) . كان لسفر "الجامعة" بما انطوى عليه من شعور الإنسان بلا جدوى الحياة أثره الكبير في الشخصيات المثقفة اللامنتمية كشخصية "أسيان" بطل رواية هاني الراهب "شرخ في تاريخ طويل"، الذي تمثل -وهو في حالة شعور بالاغتراب- الجامعة بن داود ملك أورشليم الذي قال معبراً عن اللاجدوى من حياة الإنسان على الأرض: "باطل الأباطيل. قال الجامعة. باطل الأباطيل. الكل باطل. ما فائدة الإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس"(19) . أما الراوي في رواية حيدر حيدر "الزمن الموحش" فيكشف موقفه من التراث والجيل القديم عن تأثره "بمراثي إرميا" التوراتية التي أسقطها على الواقع العربي الذي تحول بعد النكسة إلى "إرميا" جديدة، أصيبت بالحزن والاكتئاب وجلّلها العار، وتخلّى عنها الآباء والأجداد. وقد عبّرت شخصية الراوي والشخصيات المثقفة الأخرى في الرواية عن موقفها الرافض للتراث عموماً ولجيل الآباء خصوصاً، وظهرت على أنها شخصيات يتيمة تعيش بلا أب: "إنما نحن أطفال يا عزيزتي متى نبحث عن أب"(20) . ورجعت الشخصيات المثقفة إلى أحداث التوراة، ولا سيّما الأحداث التي وقعت بين الكنعانيين واليهود، لتبرهن على أن اليهود اليوم، بغدرهم ولا إنسانيتهم إنما هم امتداد ليهود الأمس الذين عرفوا بالغدر والحقد وحبّ سفك دماء الأبرياء. "فرمزي الصفدي" بطل رواية حليم بركات "عودة الطائر إلى البحر" يربط عشيَّة نشوب حرب حزيران بين الماضي والحاضر، ويخلص إلى أن التاريخ يعيد نفسه، وأن ما حدث في الماضي البعيد من غدر اليهود وبراءة الكنعانيين العرب يحدث الآن من جديد، وذلك بعد أن قرأت له صديقته الأمريكية "باميلا" ما جاء في سفر التكوين من أن دينا وهي ابنة يعقوب الإسرائيلي خرجت إلى الحقول فشاهدها شكيم بن حمور الحموي أمير البلاد، فأعجب بها وأخذها وضاجعها، ثم كلّم أباها طالباً منه أن يأخذ له دينا زوجة... ووافق أبو دينا على طلب حمور الحموي شريطة أن يختن الأخير في ليلة الزفاف كل الصبيان في مملكته. وفي ليلة ظلماء، والشباب يتألمون من آثار الختن، جاء يعقوب بجيوشه وذبح الشباب وسبى البنات واحتل البلاد(21) . تحتاج الطبقة المستغلّة إلى المثقفين لينتجوا لها إيديولوجيا تبرّر سلوكها واستغلالها للطبقة الفقيرة. وقد مثّل "المعلم سلطان" في رواية هاني الراهب "بلد واحد هو العالم" هؤلاء المثقفين، فتحالف مع "أم اللولو"، ودافع عنها وبرّر سلوكها واستغلالها للرعاع والفقراء مستنداً في ذلك إلى آيات القرآن الكريم بعد أن منحها التفسير الذي يخدم مصالحه ومصالح أم اللولو. لقد خلق اللَّه -بحسب رأي سلطان- الناس درجات، وجعلهم في طبقتين: الطبقة الغنية التي أعطاها اللَّه أعلى المراتب، والطبقة الفقيرة التي حرمها اللَّه من نعمة العقل وعوّضها عن العقل بالقوة البدنية التي يجب أن تسخرها لخدمة الطبقة الغنية(22) . ومن الواضح أن "سلطان" يتكئ في فكرته السابقة إلى الآية الكريمة التي وردت في سورة الزخرف: أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريّاً، ورحمة ربك خير ممّا يجمعون)(23) . ولكن "سلطان" فسر الآية الكريمة السابقة تفسيراً يخدم مصالحه ويبرّر لأم اللولو ظلمها للفقراء، وتناسى أن الإسلام- على الرغم من أنه أكد أن البشر متفاوتون من حيث الملكية الفردية والعقل والذكاء والقدرات والإمكانات - منع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وذهب إلى أن الناس متساوون، وأنه لا فضل لإنسان على آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح. ب- الحكايات الشعبية: الحكايات الشعبية هي الحكايات التي ينتجها الذهن البشري الجماعي، ويحمّلها دلالات نفسية وفكرية تخص روح الشعب، وتعبر عن مجموع التجارب في حياة أمة من الأمم. وقد عمد بعض الروائيين السوريين إلى الإفادة من هذه الحكايات الشعبية، فأجروها على ألسنة الشخصيات المثقفة، وهي تخوض غمار الأحداث. شاع في الرواية السورية التي وقفت عند نكسة حزيران الحديث عن المهدي المنتظر الذي -كما تذكر الحكاية الشعبية- سوف يخرج من عين الشمس، ويهبط في مآذن الجامع الأموي، ثم يتوحد المسلمون تحت رايته، ويتوجهون لقتال اليهود الذين تتألب عليهم الحيوانات والطيور والأشجار والنباتات والحجارة، ولا يقف إلى جانبهم سوى شجرة الدفلى التي تحميهم بأغصانها(24) . وبما أن لهذه الحكاية أصولاً في التراث الإسلامي فقد شاعت على ألسنة الشخصيات المثقفة التراثية التي لم تكتف بالخبر كما ورد في الأصل، بل أضافت إليه إضافات جعلته أقرب إلى الأسطورة منه إلى الحقيقة. يقول "الشيخ علي" في رواية نذير عظمة "الشيخ ومغارة الدم": "نهاية العالم قد آذنت. سيظهر المهدي. إنه جواب الأسئلة كلها. عدل للأرض الجائرة ونور للذين أظلمت قلوبهم. ستبطل الدوافع والأسباب ويتغير كل شيء. إرادة المهدي من إرادة اللَّه. تبطل الفانية والآخرة خير من الأولى. ستقذف المدافع اللبن بدلاً من النار والبارود، وتتعطل الأسلحة. السيوف الخشبيّة تحد الحدّ بين الكفر والإيمان. السيوف الخشبية تضيء الظلمة والموت في سبيل اللَّه جسر إلى الجنة"(25) . إن تحوّل خبر "المهدي المنتظر" ومقاتلته اليهود إلى أسطورة بعد أن أضاف عليها الخيال البشري ما أضافه، أدى إلى أن تكون الشخصيات المثقفة التي تمسكت بهذا الخبر، شخصيات تراثية اتصفت بالتستر بالتراث، وتضليل الناس لتحقق المكاسب الشخصية، واستخدمت هذه الحكاية كتعويض عن شعورها بالعجز عن مواجهة الأعداء، بينما وقفت شخصية المثقف الثوري ضدها وشكت في صحتها(26) . أما حيدر حيدر فقد صوّر الإنسان العربي على أنه حائر وتائه وضائع، لذا شبهه ببطل الحكايات الشعبية "علاء الدين" الذي غامر في الحياة وتعرض للمخاطر والأهوال. يقول الراوي: "راني غضب وغريب في ليل جهنم وأنت هنا، لا راحلاً ولا مقيماً، قائم بين السيف والنطع بعد أن لمع البرق أخيراً، شاطراً قوس قزح إلى ألوانه الأساسية، تقف على مفترق الدروب الثلاثة: درب السد السائر فيه لن يرد، ودرب الحريق، ودرب الغريق. وعليك أن تختار يا علاء الدين"(27) . وأما حليم بركات فكشف في روايته "عودة الطائر إلى البحر" عما ينطوي عليه وعي بطل الرواية "رمزي الصفدي" من ازدواجية ثقافية: غربيّة، وشرقية تستند إلى ما يزخر به كتاب "ألف ليلة وليلة" من خرافات وأساطير كقصص الجن والأبالسة والعنقاء والرخ، والفانوس السحري وخاتم لبيك(28) . وأراد حنا مينة أن يكون بطل روايته "الثلج يأتي من النافذة" ثورياً، يسعى إلى تخليص العالم من الظلم الاجتماعي، لذا يجب عليه أن يتحمل المصاعب ويجتاز العوائق حتى يحقق ما يصبو إليه، ولا يجوز له أن يشك لحظة واحدة بهدفه السامي وإلا كان مصيره السقوط والإخفاق كمصير أبطال الحكايات الشعبية الذين يذهبون لفك الرصد وإبطال السحر وإنقاذ الأسيرة، فإذا التفتوا إلى الوراء احترقوا وتحطم الحلم والأمل. تتحدث إحدى الحكايات الشعبية عن الصراع بين الإنسان والضبع، وتوضح عجز الإنسان عن المواجهة واستسلامه للموت لأن الضبع رشه ببوله. وقد أسقط حليم بركات هذه الحكاية على الإنسان الفلسطيني الذي تاه وضل الطريق إلى استرجاع الأرض، وفقدَ القدرة على المواجهة والثقة بنفسه وقواه: "يمضي إلى فراشه. لا ينام، لا يمكنه أن ينام. يفكر في أن فلسطين عروس خطفها الضبع إلى مغارة معزولة. يغضب الفلسطيني العربي. يحمل بندقيته. يطلق النار. لا يصيب. يهرب: يتسلق شجرة أسماها شجرة الثورة بالرغم من قدمها. الشجرة لا تحميه. يبول الضبع على ذيله ويرشه. فينضبع الفلسطيني"(29) . وقدّم نذير عظمة في روايته "الشيخ ومغارة الدم"، على لسان شخصية "الشيخ علي" حكاية شعبية محمّلة بالدلالات، تستند إلى قصة قتل قابيل لأخيه "هابيل" التي وردت في القرآن الكريم والأساطير التوراتية، وتعيد إنتاجها من جديد بما يتناسب والخيال الشعبي الذي نسج حول القصة الأصلية الحكايات والأساطير. يقول "الشيخ علي": "منذ مئة عام كان يعيش في جبلنا المقدس هذا راع من أهل اللَّه، ولهذا الراعي أخ شرير. كان لها يوم ذاك اسم واحد: المغارة السوداء. ورعاة الجبل يحترمون راعي المغارة ويجلّونه. وحده يستطيع أن يأوي إليها، ووحده ينام على أعتابها، يأنس إليها بأغنامه يتبركون به حتى يبارك اللَّه أعشابهم القليلة التي تنبت في تراب الجبل، ويبارك الماء الذي يتجمع بركاً صغيرة في صخوره بعد كل مطر. واللَّه يبارك في خراف الشيخ... وأخو الراعي ينام في كهوف... ما من حجر أو تراب يملكه فيربطه بالأرض. وحده اخترق قدسية المغارة. لم يدخل إليها. أحس في الطرف الآخر منها ما يجتذب الأغنام. لعله الماء. تخيل المغارة. تخيل المغارة ودياناً خضراً. صار ملعوناً. ما عنده قداسة لشيء. الحياة عنده وحدها المقدسة يريد أن يعرف كل شيء. وما يحيط بكل شيء إلا اللَّه. إنه ملعون... كل رعاة الجبل وسكانه يصيحون به يا ملعون! صار يقول: الجبل مملكتي - أنا تاريخ هذه المدينة- وأميرها المجنون- الأطفال يركضون خلفي في الأزقة- على هذا الجبل سأرفع ساريتي وأبحر في الريح- إنني سيد الروح الآتية وملك الملبوسين. في إحدى الأمسيات لاحظ على طرف المغارة حملاً يثغو. يلمس الصخر ويثغو. وحين اقترب منه رأى دموعاً من الماء تنزّ من صخرة كبيرة كأنما هناك عيون تبكي في وسطها المشقوق. وضع أذنه على الصخر فسمع هديراً. ألقى كل ثقله على الصخرة، وإذا بها تنفتح. ينكشف أمامه نهر حقيقي. حاول أن يصرخ، ولكن الماء كان يعقد لسانه، وفوجئ بأخيه الراعي يلهث في رقبته من خلفه ويقول: عطاء اللَّه. سيكفي الماء رعاة الجبل كلهم. فتلبّد وجهه الملعون وقال: لا إنه ماؤنا وحدنا. بل إنه مائي وحدي. طلع على وجهي فهو ملكي. وهمّ الراعي أن ينفخ البوق علامة الماء للرعيان الآخرين. فبادره الملعون وانتزع منه البوق وحطمه تحت قدميه. أخذ الراعي يصرخ الماء الماء. فاستولى الغضب على الملعون، وشجّه بصخرة.. وأصابته ضربة على أم الرأس فأجهزت عليه. وانتبه الملعون إلى أن يديه مخضبتان بدم أخيه فهجم على النهر وغطس كفيه في الماء. صار النهر نهراً من الدم واشتعل الجبل. رجال من النار يتوجهون نحو المغارة. الأنبياء بعثوا والأولياء قاموا من قبورهم ليقتصوا منه. إنها نهاية الملعون. يخلع باباً لصومعة شيخ الجبل ويلقي به في الماء والدم، ويبحر إلى الطرف الآخر من المغارة، إلى بلاد العجم"(30) . ولحكايات "ألف ليلة وليلة"، ولا سيما حكاية شهرزاد وشهريار نصيب في ثقافة الشخصيات المثقفة. ويلاحظ الباحث ورود هذه الحكاية الشعبية على ألسنة شخصيات مثقفة أوروبية، ممّا يدل على أن هذه الحكايات كانت المصدر الأساسي لمفهوم الشرق عند الأوربيين، وذلك بعد أن ترجمت إلى عدة لغات أجنبية(31) . إن "بيروشكا" - على سبيل المثال- في رواية حنا مينة "الربيع والخريف" لا تعرف من الشرق سوى حكايات ألف ليلة وليلة. (1) أقر القرآن الكريم فضل الرجل على المرأة من ناحيتين: الأولى فطرية كقوله ليس الذكر كالأنثى) والأخرى مكتسبة تتعلق بالقدرة على الإنفاق وترتبط به، كقوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا). راجع بهذا الصدد كتاب الدكتور نعيم اليافي "واقع المرأة بين الضبط الاجتماعي والتطورمرجع سابق"، حيث درس واقع المرأة في الديانات السماوية، ص 71-87. (2) شرخ في تاريخ طويل ص70. (3) انظر رياح كانون ص 17-18. (4) سورة النساء/ 3. (5) انظر وضع المرأة بين الضبط الاجتماعي والتطور مرجع سابق، ص 77. (6) داود. أحمد، 1976، حبيبتي يا حب التوت- اتحاد الكتاب العرب، دمشق. (7) انظر حبيبتي يا حب التوت ص 167. (8) للاطلاع على الحقوق التي منحها القرآن الكريم للمرأة ترجى العودة إلى وضع المرأة بين الضبط الاجتماعي والتطور" مرجع سابق ص 71-80. (9) الثلج يأتي من النافذة، ص 286. وانظر أيضاً ص 200. (10) إن الأثر العميق الذي تركته قصة آدم وحواء وخروجهما من الجنة واضح في موقف فياض من المرأة، فالمرأة - كما قدّمتها الأساطير التوراتية- هي صاحبة الخطيئة الأولى، لأنها عصت أمر "يهوه" حين لبت نداء الأفعى/ إبليس، وأكلت من -الشجرة التي حرّم الله على آدم وحواء أكلها. انظر سفر التكوين، الإصحاح الثالث، وانظر أيضاً رسالة "بولس" إلى تيمرتاوس الإصحاح الثاني، حيث يقول: "وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي". (11) انظر رواية "الثلج يأتي من النافذة" ص 171، وقارن بكتاب حنا مينة" هواجس في التجربة الروائية "دار الآداب، بيروت 1982، ص 37. وانظر أيضاً "الرؤية الأيديولوجية والموروث الديني" لمراد كاسوحة مرجع سابق ص 98. (12) انظر إنجيل متّى، الإصحاح الرابع، وقارن برواية "الثلج يأتي من النافذة" ص 193-194. وانظر أيضاً "الرؤية الأيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينة مرجع سابق" ص 85. (13) انظر "الثلج يأتي من النافذة" ص 240. (14) الثلج يأتي من النافذة. ص 210 وقارن بإنجيل متّى الإصحاح الثامن: "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه". (15) الربيع والخريف ص 191، وقارن بسفر التكوين، الإصحاح الثاني والعشرين. (16) انظر "هواجس في التجربة الروائية".مرجع سابق ص 174. (17) الثلج يأتي من النافذة ص 264. (18) الثلج يأتي من النافذة ص 95، وقارن بإنجيل متّى الإصحاح السابع والعشرين. (19) انظر سفر الجامعة الإصحاح الأول، وشرخ في تاريخ طويل ص 218و ص 275. (20) الزمن الموحش ص 218. وقارن بمراثي إرميا الإصحاح الخامس: "آباؤنا أخطأوا وليسوا بموجودين ونحن نحمل آثامهم". (21) انظر عودة الطائر إلى البحر ص 93-95. (22) انظر بلد واحد هو العالم ص 142، 144، 244. (23) الآية رقم 32. (24) يجدر بنا هنا أن نشير إلى أن لهذه الحكاية أصلاً في التراث الإسلامي. فقد روى أبو هريرة رض) أن الرسول ص) قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الفرقد فإنه من شجر اليهود "رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. (25) الشيخ والمغارة والدم ص 50-51. (26) انظر رواية نصر شمالي "الأيام التالية" ص 98-99. (27) الزمن الموحش ص 242. (28) انظر "عودة الطائر إلى البحر" ص 114. (29) عودة الطائر إلى البحر ص70. (30) الشيخ ومغارة الدم ص 50-54. (31) انظر تفاصيل ترجمة كتاب ألف ليلة وليلة إلى اللغات الأجنبية في كتاب إلفة الإدلبي "نظرة في أدبنا الشعبي" ط2- دار الشادي، دمشق، 1992، ص 21-23. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |