|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
د-الخصائص الفنية للعلاقة بين المثقف والمكان: يعتبر الوصف أحد المكونات الأساسية للرواية. فمن الصعب أن نتخيل رواية تخلو من عنصر الوصف. ويكمن دور الوصف في أنه "يحقق التوازن بين زمن الكتابة وزمن القصة، ومن حيث تبطيئه لتسارع الأحداث المسرودة عبر النص، إضافة إلى دوره في تحديد الإطار الذي تتحرك فيه الأحداث والشخصيات، وإبرازه لمعالم المكان، وتحديد الزمان، وملامح الشخصيات"(1) . وقد تطور الوصف بتطور الرواية، فهو في الرواية التقليدية تقنية هامشية، تقتصر وظيفتها على التزيين، وتدل على البراعة في الكتابة والإنشاء، أما في الرواية الجديدة فهو تقنية فنية فعالة ودالة، تسهم في بناء الوحدة الكلية للنص الروائي، وتدل على معنى معين في إطار سياق الحكي، وتقوم بوظيفة كشف الخلفية التي تصدر عنها الشخصية الروائية في مواقفها، والإيحاء بطبيعتها النفسية والفكرية، ومستوى وعيها(2) . لقد تحول المكان من مجرد ديكور أو وسط يؤطر الأحداث في الرواية التقليدية إلى محاور حقيقي، يقتحم عالم السرد، محرراً نفسه من أغلال الوصف التقليدي، وذلك عن طريق إسقاط الكاتب الحالة الفكرية والنفسية للشخصيات على المحيط الذي تعيش فيه(3) . إن هاني الراهب لم يقدم المكان في روايته "شرخ في تاريخ طويل" على أنه إطار للأحداث فقط، بل أسقط العالم النفسي للشخصيات على الأمكنة التي تلونت بمشاعر الشخصيات وعكست في الوقت نفسه مواقفها وأفكارها. لقد رسم "أسيان" صورة للمدينة في الليل. كشف من خلالها عن خيبته بالمدينة التي شعر فيها -وهو الريفي- بالضياع والخوف: "الليل وسكون المدينة. يتقلب الليل على أرصفة الشارع، وتشحب أضواء المصابيح الموازية لغرفتي، ويعلو تنفس مسعود هادئاً قرب النافذة الأخرى. من بعيد تتصاعد قرقعة إغلاق الحانوت الأخير، وينبثق زمور سيارة مسرعة"(4) . إن الوصف في المقبوس السابق لم يتم بواسطة العين الحقيقية، بل عن طريق النفس التي أسبغت على الموضوع الموصوف مافي النفس من ضياع وتشتت وسأم. فما شعرت به النفس من الملل والسآمة انصب على الليل. فغدا الأخير ضجراً أيضاً، يتقلب على أرصفة الشوارع. أجمع نقاد الرواية الجديدة على أن للمكان دوراً كبيراً في تحديد الخصائص الفكرية والنفسية للشخصية، وأكدوا العلاقة المتبادلة بين المكان والشخصية، وذهبوا إلى أن وظيفة المكان هي إلقاء المزيد من الضوء على الشخصية، بغية الكشف عن عالمها الفكري والنفسي: "إن بيت الإنسان امتداد لنفسه، إذا وصفت البيت فقد وصفت الإنسان"(5) . استغل وليد إخلاصي في "أحزان الرماد" زيارة "أحمد" "لزينب"، ليقدم على لسان الأول وصفاً لغرفة زينب كشف من خلاله عن اغتراب زينب، وشعورها بالوحدة. لقد ساهم المكان الموصوف الذي تعيش فيه "زينب" في جلاء حالتها النفسية، وتجاوز كونه إطاراً تعيش فيه الشخصية، إلى كونه الشخصية ذاتها: "كانت غرفة واحدة استأنست بالغرفة الواحدة التي تفرعت عن الصالة الصغيرة. وإلى جانب مساحة ضيقة استعملت للحمام والمطبخ، لم يكن ثمة سوى فسحة من السطح تنتصب فيها مداخن سوداء مرعبة"(6) . ويلاحظ الباحث وجود نمطين للمكان في الرواية السورية هما: المكان المغلق والمكان المفتوح، ولكل منهما خصائص وميزات تعكس الطبيعة الفكرية والنفسية للشخصية التي تعيش فيه(7) . يكثر حضور الشخصيات المثقفة في الأماكن المغلقة كالمقهى والبيت والبار...، أو الأماكن المنعزلة كالغابات والجبال، مما يعكس انغلاق الأفق أمام الشخصية المثقفة من جهة، وعزلتها عن الناس، وعجزها عن القيام بالدور المنوط بها، وهو تغيير الحياة إلى الأفضل والأجمل من جهة أخرى. إن المقهى -وهو أهم الأماكن التي تتواجد فيها الشخصيات المثقفة -هو المكان المفضل للشخصيات المثقفة في روايات "الزمن الموحش" و "شرخ في تاريخ طويل" و "ألف ليلة وليلتان"، وقد اختارت هذه الشخصيات المقهى لتمارس فيه العطالة وتزجية الوقت، بعد أن وضعها الواقع المؤلم على هامش الحياة، وغرّبها عن المجتمع والناس. أما رواية خيري الذهبي "طائر الأيام العجيبة" فتحتوي على مكانين متناقضين، هما المكان المعزول، والمكان المفتوح، وقد وظّف "الذهبي" هذين النوعين من الأمكنة ليكشف من خلالهما عن الطبيعة الفكرية والنفسية لشخصيات روايته. إن "لمياء" فتاة متبرجزة ولا مبالية، ولأنها كذلك فقد اختار لها المؤلف منزلاً منعزلاً في قمة الجبل، كانت تذهب إليه لتمارس هوايتها في اصطياد الشباب والطيور معاً. وقد جعل خيري الذهبي المكان المغلق والمعزول بيت الجبل) مؤشراً على انزلاق الشخصية المثقفة من اليسار إلى اليمين، لذا كان ذهاب "سعيد شعبان" إلى الجبل أول خطوة على طريق انحرافه. أما النمط الآخر فهو المكان المفتوح والمتسع الذي عرفنا عليه خيري الذهبي من خلال حديث "حامد" الرسام النوبي عن بلاد النوبة، وحديث "نورما" عن قريتها النوبية دهميت) وآثارها. وقد بدا هذا النمط من الأمكنة ذا أفق واسع وممتد، يعكس امتداد أفق الشخصية واتساع رؤيتها وعمق إيمانها بالحياة. وعلى الرغم من أن خيري الذهبي لم ينجح في حبك الرواية لاعتماده على الأسلوب الكلاسيكي الذي تجلّى بكون الرواية مبنية كقصة داخل قصة على نحو استطرادي وترتيب رتيب(8) ، فإنه نجح في جعل المكان الموصوف معبراً عن الطبيعة النفسية والفكرية لشخصيات روايته التي عاشت في مكانين متناقضين مغلق ومفتوح، لأنها كانت ملوّنة بلونين أبيض وأسود. وقدم خيري الذهبي في روايته "ليالي عربية" شخصيات مثقفة فقدت الاتصال بالواقع والناس، وعجزت عن ممارسة دورها في تغيير المجتمع، وانصرفت إلى شؤونها الذاتية والحلول الفردية، ولذلك سجنها في غرفة واحدة، وقطع عنها الماء والكهرباء والطعام، ليدل على أنها شخصيات لامنتمية وعاجزة عن ممارسة الدور المنوط بها. وقد اعترفت هذه الشخصيات بعجزها وعدم قدرتها على إحداث أي تغيير في الواقع. أما "وليد إخلاصي" فقد اختار المكان المغلق كمأوى أخير وأبدي لبطل روايته "بيت الخلد" "أكثم الحلبي" الذي حاول أن يغيّر الواقع الفاسد، ولكنه اصطدم بالسلطة الرجعية التي ضيقت عليه حتى اختار قبره بنفسه، ودفن نفسه حياً في مكان أشبه بصندوق حجري مغلق. يفيد ماتقدم أن الروائيين السوريين اهتموا بالمكان المغلق كإطار للشخصيات المثقفة أكثر من اهتمامهم بالمكان المفتوح، لأنهم قدموا شخصيات مثقفة غير قادرة على ممارسة دورها. هـ- الخصائص الفنية للعلاقة بين الراوي والمثقف: السرد هو الكيفية التي تروى بها القصة، عن طريق مكونات السرد الثلاثة: السارد والمسرود والمتلقي، وما تخضع له هذه المكونات من مؤثرات، بعضها يتعلق بالراوي والمروي له، وبعضها الآخر يتعلق بالقصة ذاتها(9) . والسرد أهم العناصر المكونة للعمل الروائي. فعلى الرغم من تضافر العناصر التي يتألف منها عالم الرواية فقد بقي السرد مهيمناً على الكتابة الروائية(10) ، فكل مافي الرواية سرد، الوصف سرد، والمكان سرد، وتقديم الشخصيات لايكون إلا عن طريق السرد. ولكن رواية سارد/راو يقوم بسرد الحوادث. وهذا الراوي الذي يسند إليه الكاتب مهمة القص شخصية وهمية بثلاثة وجوه: الأول يمثل الكاتب، والثاني هو شخص الراوي نفسه، والثالث يمثل القارئ أو المتلقي(11) . وإذا كانت العلاقة بين الراوي والكاتب هي علاقة تمثيل الأول للثاني، وتوسل الثاني الأول من أجل القيام بمهمة القص، فإن العلاقة بين الراوي والشخصيات الروائية الأخرى تقوم على الوساطة بين القارئ والشخصيات من جهة، وبين المؤلف وشخصيات الرواية من جهة أخرى، ولذا يُعرّف الراوي بأنه خالق الشخصيات(12) . تفرض علاقة الراوي بالشخصيات الروائية وجود ثلاثة أنماط للراوي، وهي(13) : 1-الراوي أكبر من الشخصية الحكائية الرؤية من خلف): ويكون الراوي في هذه الحال عارفاً أكثر مما تعرفه الشخصية الحكائية، ومهيمناً على السرد، ومتحكماً ببنية النص، وبالشخصيات التي تبدو في هذه الحال تابعة لمنطق الراوي/البطل العارف بكل شيء. 2-الراوي يساوي الشخصية الحكائية الرؤية مع): وتكون معرفة الراوي مساوية لمعرفة الشخصية، فإما أن يكون الراوي في هذا النمط شاهداً على الأحداث، وإما شخصية مساهمة في الرواية. 3-الراوي أصغر من الشخصية الحكائية الرؤية من خارج): لايعرف الراوي في هذا النمط إلا القليل مما تعرفه إحدى الشخصيات في الرواية، مما يجعل الراوي يعتمد كثيراً على الوصف الخارجي. وتقوم الشخصيات في هذا النمط بمهمة السرد إلى جانب الراوي الذي يمثل أحد الأصوات التي تتناوب على عملية السرد. وقد سيطر الراوي المهيمن على السرد والشخصيات الحكائية على الرواية العربية التي اعتمدت في بنائها على التجربة الحياتية للكاتب أو للشخصية، ولكن تراجع التجربة الحياتية إلى الظل، وسيطرة الرؤية والموقف الفكري على الرواية العربية الحديثة اقتضى تحديث طرائق عرض المادة الروائية، مما أدى إلى تراجع الراوي المهيمن وحلول الرواية التي تتضمن أكثر من راو يقوم بعملية السرد(14) . لايتمكن الراوي من سرد الأحداث وتقديم الشخصيات إلا إذا كان محيطاً وعالماً بأحداث الرواية بكاملها قبل أن يبدأ بقصها. ففي رواية حيدر حيدر "الزمن الموحش" يبدأ الراوي بقص الأحداث بعد نهايتها، معتمداً على ذاكرته في استرجاع الأيام التي قضاها في دمشق بصحبة "سامر البدوي" و "وائل الأسدي" و "راني" و"مسرور" و "أمينة" مما جعله شاهداً على الأحداث والشخصيات وفترة زمنية امتدت من الخمسينات وانتهت بنكسة حزيران: "إني أتذكر الآن بهدوء تام كيف نفخت الريح في تلك الأودية، وكيف ضربت بكل شراستها وأنينها الموجع أبواب الكهوف المتناثرة والمظلمة، فأيقظت السبات الدهري العميق لآلاف الأحاسيس التي كانت غافية، ثم فجأة لم يبق غير الصّدى النائح فوق البوابات التي عاودها صمتها القديم. مثل سراب خادع يلمع فوق سهوب بعيدة. سراب يمتد ويمتد. وهكذا يبدو الآن ركام الحكايات شفافاً، لامعاً عصياً على اللمس، عصياً ربما على الإدراك. حكاياتنا التي أفلت في غروب يوم كئيب مع شمس دمشقية تهوي بلا استئذان خلف قمة قاسيون الأجرد"(15) . وعلى الرغم من أن مادة رواية "الزمن الموحش" مستمدّة من التجربة الحياتية لكاتبها ولشخصياتها، فقد نجت من سيطرة الراوي وهيمنته، وظهرت الشخصيات مستقلة عن الراوي، ولها وجودها وكيانها المستقل عن كيانه. وقد استخدم الراوي للحديث عن الشخصيات المثقفة ضمير الغائب الذي وفّر له إمكانية اتخاذ مسافة مناسبة من الشخصية التي يتحدث عنها، بحيث يصبح في مقدوره الحديث عن الطبيعة الفكرية والنفسية للشخصية، وساهم ضمير الغائب) في تحقيق مصداقية مارواه الراوي/الشاهد، بحيث يستحيل التفكير بشخصية أخرى يمكن أن تدلي بشهادة غير التي أدلى بها الراوي. إن التطابق بين ما أخبرنا به الراوي عن الشخصيات، وما أخبرت به الشخصيات عن نفسها في رواية "الزمن الموحش" نجده بشكل أوضح في رواية "أحزان الرماد" التي تناوب على سرد أحداثها راويان أكمل كل واحد منهما رواية الآخر(16) . وقد تمكن وليد إخلاصي من خلال قص الأحداث نفسها على لسان شخصيتين هما أحمد وزينب من رصد وقع الأحداث على الشخصيتين. فرصد وقع حادثة وفاة الطفلة فردوس على "أحمد"، ثم رصد وقع الحادثة نفسها على "زينب". وإذا علمنا أن وقع الأحداث كان واحداً على الشخصيتين اللتين تسردان الأحداث، وأن الشخصيتين تشتركان في أمور كثيرة تبين لنا الهدف الذي رمى إليه وليد إخلاصي من وراء استخدامه لهذه التقنية في السرد، وهو إصدار حكم بإدانة الشخصيتين أحمد وزينب)، وجيل الشباب المثقف الذي جعله تردده في حسم الأمور وعدم مسؤوليته أمام الواقع يقف على الحياد الذي أدى به إلى الضياع والملل والاغتراب واللامبالاة. لقد هدف وليد إخلاصي من خلال روايته "أحزان الرماد" إلى تصفية الحساب مع مرحلة من حياة سورية، هي مرحلة الانقلابات العسكرية، وماتميزت به تلك المرحلة من مصادرة للحريات، والقمع السياسي والفكري، كما هدف إلى إدانة الشباب المثقف المتردد أمام قضايا الواقع والحياة، وأنهى حياة هذه الفئة من المثقفين نهاية مأساوية، فأضرم فيها النار، وحوَّلها إلى رماد. (1) تقنيات الرواية في النقد العربي المعاصر، مرجع سابق ص69-70. (2) للاطلاع على الوصف في الرواية الجديدة ترجى العودة إلى كتاب "نحو رواية جديدة"مرجع سابق، ص42-85. (3) المرجع نفسه، ص71. (4) شرخ في تاريخ طويل، ص5. (5) نظرية الأدب مرجع سابق ، ص231، وانظر أيضاً "بحوث في الرواية الجديدة"، مرجع سابق ص53. (6) أحزان الرماد، ص57. (7) انظر "انفتاح النص الروائي" لسعيد يقطين. حيث درس العلاقة بين المكان والشخصيات في روايات: الزمن الموحش لحيدر حيدر، وعودة الطائر إلى البحر لحليم بركات، والزيني بركات لجمال الغيطاني، وأنت منذ اليوم لتيسير سبول. وانظر أيضاً العلاقة بين المكان والشخصيات في "بنية الشكل الروائي" لحسن بحراوي، ص43، ومابعدها. (8) انظر "الرواية السورية" لنبيل سليمان، ص261. (9) انظر بنية النص السردي لحميد لحمداني، مرجع سابق ص45. (10) انظر تقنيات الرواية في النقد العربي المعاصر، مرجع سابق ص34. (11) انظر بحوث في الرواية الجديدة، مرجع سابق ص65. (12) انظر نظرية الرواية لجون هالبرين، مرجع سابق ص474. (13) انظر النقد الأدبي والعلوم الإنسانية لجان لوي كابانس، مرجع سابق ص115، وبنية النص السردي، مرجع سابق ص47-48. (14) انظر تقنيات الرواية في النقد العربي المعاصر، مرجع سابق ص30، 47، 65. (15) الزمن الموحش، ص9-10، وانظر أيضا ص44. (16) لاحظ هذه التفسيرات في دراسته لرواية أحزان الرماد، ولكنه لم يقرأ الخلفية الفنية والفكرية وراءها. راجع "الرواية السورية" نبيل سليمان، مرجع سابق ص282-289. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |