دعوة إلى وعي الذات - الدكتور رشيد ياسين

فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحي - من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

دعوة..إلى وعي الذات

خلال السنوات الأخيرة كتبت أكداس من البحوث والمقالات حول قضية التراث والمعاصرة في الإبداع الفني. ورغم فوارق الانتماء الفكري والفني، فقد كان الذين عالجوا هذا الموضوع من النقاد والفنانين العرب متفقين على أن الفن مطالب بالتوفيق بين التراث والمعاصرة. وهذا طبيعي تماماً، إذ ليس بوسع أحد -مهما بلغت حماسته للتجديد- أن يدعو إلى فصل الأدب والفن عن جذورهما القومية، كما لا يسع أحداً- مهما بلغ به التزمت- أن يدعو إلى تجاهل تيارات العصر وقضاياه والاتجاهات الفنية السائدة فيه.‏

ولكن اتفاقنا على المبدأ العام لا يعني أننا قطعنا شوطاً بعيداً في الطريق إلى حل المشكلة، فقد ظلت تواجهنا مجموعة من الأسئلة المعقدة التي تتعلق بوضع هذا المبدأ موضع التطبيق:‏

ماذا نعني بالتراث؟ وما هي مستلزمات المعاصرة؟ ماذا نأخذ من تراثنا وماذا ندع؟ كيف نحافظ على شخصيتنا القومية دون أن نقع في العزلة والجمود؟.. الخ.‏

ومن المؤسف أن هذه الأسئلة وغيرها مما يتصل بموضوع التراث والمعاصرة في الفن والأدب لم تعالج حتى الآن معالجة نظرية شاملة تنير الطريق للفنانين والباحثين، ولذلك يظل الموضوع، على كثرة ما كتب فيه، مفتوحاً للنقاش.‏

ما الذي يجعل قضية التراث والمعاصرة تستأثر بكل هذا القدر من الاهتمام؟‏

إن السبب واضح، فنحن لم نوفق حتى الآن إلى إقامة علاقة متوازنة بيننا وبين الثقافة العالمية المعاصرة، وأعني بالعلاقة المتوازنة تلك التي تضعنا في مستوى عصرنا من جهة وتحفظ لنا أصالتنا القومية من جهة أخرى. ويبدو لي أن في مقدورنا أن نميز مرحلتين مختلفتين من مراحل العلاقة بيننا وبين الثقافة العالمية (الأوربية الغربية بوجه خاص):‏

الأولى هي المرحلة التي امتدت حتى منتصف القرن الحالي على وجه التقريب، وقد قصرنا خلالها عن الارتفاع إلى مستوى العصر، والثانية هي مرحلتنا الحالية، وقد عجزنا خلالها عن الاحتفاظ بقدر كاف من الأصالة القومية.‏

خلال المرحلة الأولى كان دنوّنا من الثقافة العالمية متهيباً يشوبه الحذر، ويحدّ منه خوف مزدوج: خوف من انتهاك قداسة التراث والخروج على أشكاله وتقاليده الفنية، وخوف من اقتحام ميادين إبداعية جديدة لم يطرقها أسلافنا من قبل ولا نعرف عنها الشيء الكثير. ولذلك اتسمت حركة التجديد الأدبي والفني عندنا خلال هذه الفترة بالتحفظ والاعتدال، فوقفت الرواية العربية عند حدود واقعية القرن التاسع عشر، وظل شعراؤنا المجددون حتى نهاية الحرب العالمية الأخيرة وبعدها بقليل يتتلمذون على الشعر الرومانسي الإنكليزي والفرنسي (لامارتين، دوفيني، جون كيتس الخ). أما فنانونا التشكيليون فقد كان أول اتصال جدي لهم باتجاهات الفن الأوروبي الحديث في أيام الحرب الأخيرة، عندما قدم إلى العراق بعض الرسامين البولونيين (على ما رواه فائق حسن وجواد سليم وغيرهما من جيل الرواد الأوائل في هذا المجال) رغم أن أوروبا كانت قد عرفت التكعيبية والدادية والسوريالية وغيرها من مدارس الفن الحديث منذ الربع الأول من القرن الحالي.‏

ولكن منتصف القرن شهد ما يمكن أن نسميه انقلاباً من موقفنا من الثقافة العالمية، فقد تخلت الحركة الإبداعية العربية عن تهيبها واعتدالها واندفعت إلى ألوان من التجديد الجريء شملت كل أوجه الخلق الفني وغيرت بالتدريج معالم الثقافة العربية. وغني عن القول أن هذا الانقلاب كان استجابة منطقية لحاجة تاريخية، فقد تطورت الحياة العربية، بشقيها المادي والروحي، منذ الحرب الأخيرة حتى الآن إلى حد لم تعد تستوعبه أو تلائمه أشكال التعبير الفني التي كانت سائدة من قبل. ولكن ما حدث بعد ذلك كان مفارقة مبكية، فقد ساقتنا حماستنا للتجديد إلى تقليد نماذج فنية أجنبية تنتمي إلى سياق حضاري مختلف، وأفضت بنا رغبتنا في إنهاء غربتنا عن العصر إلى نوع من الغربة عن الذات، وتحولت ثورتنا على المقاييس البالية، في أحيان كثيرة، إلى "عدمية" ترفض كل المقاييس.‏

لماذا سار تطورنا الفني والأدبي- ولا سيما منذ أوائل العقد الماضي- في هذا الاتجاه؟‏

إن الإجابة تكمن-في رأيي- في عقدة النقص التي نحسها إزاء الحضارة الغربية، فبدافع من هذه العقدة سارعنا إلى تبني تيارات الفن الحديث في الغرب وراح بعض مثقفينا يرددون، بكثير من التبجح والاعتزاز، آراء نقاد الفن الغربيين المحدثين ويحكمون من خلالها على أعمالنا الأدبية والفنية.‏

ولم يلتفت هؤلاء المثقفون إلى واقع صارخ، هو أن الحضارة الغربية تمر اليوم بطور انحلال وضياع، وأنها بالتالي ليست الأنموذج المناسب لما نبغيه لأنفسنا من رقي حضاري. فالحضارة الغربية الراهنة قد انقلبت على نفسها وبدأت تقوض، بنوع من اليأس والنزق الجامح، كل الركائز الفكرية والمفاهيم الجمالية التي أقامتها لنفسها خلال عصور متعاقبة، لتقف في نهاية المطاف وسط الأنقاض والخرائب مبشرة باللاشكل واللامعنى.‏

وليست هذه، بالطبع، محاولة للغض من قيمة الحضارة الغربية التي أعطت العالم الكثير من الأعمال والمثل الفنية العظيمة، ولا هي دعوة إلى تجاهل منجزات الآخرين، فمن تحصيل الحاصل أن الثقافة القومية -ولا سيما في أيامنا هذه- لا يمكن أن تعيش وتزدهر بمعزل عن الثقافة العالمية، ولكنها دعوة إلى وعي الذات، دعوة إلى إعادة النظر في منحى تطور الثقافة العربية المعاصرة وتقصي جذور المفاهيم التي تسترشد بها الأجيال الجديدة من أدبائنا وفنانينا.‏

إن مراجعة ما كتبه النقاد العرب في نظرية الفن وفي النقد التطبيقي خلال السنوات الأخيرة وما يكتبه نقاد الصحافة عندنا وفي بقية أرجاء الوطن العربي تعليقاً على ما يصدر من أعمال أدبية وفنية ستقودنا إلى ملاحظة أن حركتنا الإبداعية (أي فنوننا وآدابنا) ظلت خلال العقدين الأخيرين تدور في إطار عدد من المفاهيم التي استقر في أذهان الكثير أنها مسلمات لا تحتاج إلى نقاش. فنحن نقرأ -مثلاً- أن على الفنان الحديث أن يتجه إلى الأسطورة والرمز، وأن وظيفة الفن هي خلق عوالم خاصة لا علاقة لها بالواقع ولذلك فالعمل الفني يفسر من الداخل وبمعزل عن العالم الموضوعي، وإن الفن يرفض الترابط والوضوح والعقل، وإن على الفن أن يحطم كل الأشكال والقواعد المتعارف عليها متخطياً نفسه باستمرار. وهذه المفاهيم التي يتسابق بعض مثقفينا إلى ترويجها هي-بالضبط- مرتكزات نظرية الفن الأوربي الغربي في عصر الثورة العلمية- التكنولوجية.‏

ولكن ما هي الخلفية التاريخية التي قادت الفكر الجمالي الغربي إلى هذا الموقف؟ لماذا يلتفت الفنان الغربي إلى الأسطورة؟ لماذا يرفض العقلانية والوضوح؟ لماذا يصر على فصم كل وشيجة بين الفن والواقع؟ ربما كان من الأفضل أن نبحث لدى المفكرين الغربيين أنفسهم عن إجابة عن هذه التساؤلات.‏

في دراسة حول "جذور التعبير الرمزي" يقول الباحث الأمريكي سيغفريد غديون، مفسراً لجوء الفنان الحديث إلى الأسطورة والرمز:‏

"إن القاسم المشترك في العقيدة والطقوس، الذي كان يشد الإنسان إلى الإنسان فيما مضى، قد فقد سلطانه اليوم. فبعد أن كان السحر والأسطورة والدين، في العهود البدائية، تمد الإنسان بدرع روحي في وجه بيئة معادية، أمسى يقف اليوم مجرداً عارياً. وبغية التعويض كان عليه أن يخلق من ذاته رموزاً وصوراً داخلية".‏

ويقول أورلي هولتان في كتابه القيم "مدخل إلى المسرح بوصفه مرآة للطبيعة" متحدثاً عن أزمة الحضارة الغربية المعاصرة:‏

"أن تراكم الأدلة العلمية والصدمات العاطفية التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية وما تلاها قد جعل من الصعب على الإنسان أن يحتفظ بإيمانه الديني القديم وأن يظن نفسه طفلاً للرب. ولكن إذا لم يكن الإنسان طفلاً للرب فماذا يكون؟ وإذا هو لم يكن أكثر من واقعة كونية أو قرد بلا شعر، فماذا سيحل بكل بنيان القيم والتقاليد التي عاش عليها منذ العصور الوسطى؟ هذا هو السؤال الذي وجد كثير من المفكرين والفنانين المرهفي الحس أنفسهم يطرحونه مع اقتراب القرن الحالي من نهايته".‏

ويقول الفنان السوريالي الفرنسي جان آرب مدافعاً عن اللاعقلانية في فنه:‏

"في رأيي أن العقل لا يقدم إلا جزءاً يسيراً جداً من السعادة الإنسانية. إن أشد ثمار العقل إثارة للدهشة قد جلبت للبشرية تعاسة لا حدَ لها. وأنا أجد معظم مكتشفات عصرنا العظيمة مرعبة وكريهة.‏

ويقول آلان روب غرييه، أحد رواد ما يسمى بالرواية الجديدة، مفسراً انفصال فنه عن الواقع:‏

"إن معاني العالم الذي حولنا الآن ليست إلا جزئية ومؤقتة ومتناقضة وقابلة دائماً للنقاش والبحث، فكيف يستطيع العمل الفني إذن أن يدعي تصوير معنى معروف مسبق مهما كان هذا المعنى؟ هل للواقع معنى؟ إن الفنان المعاصر لا يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال. إنه لا يعرف شيئاً عن هذا".‏

إن هذه الشهادات- وسنكتفي بها لئلا نقع في استطراد مخل- تدلنا على المنابع الأساسية للفن الأوروبي الحديث. فانهيار قيم الحضارة البورجوازية الغربية، ولا سيما بعد الحرب العالمية الأخيرة، وحالة الاغتراب والقلق التي يعانيها المثقف في المجتمع الرأسمالي المتطور هما اللذان يغريانه باللجوء إلى الأسطورة والخرافة بحثاً عن درع روحي يحتمي به. لقد فقد المثقف البورجوازي الغربي إيمانه بالنهج العقلاني الذي اختطته الحضارة الأوربية اعتقاداً منه بأن هذا النّهج هو الذي قاده إلى ما يعانيه اليوم من ضياع ويأس. وكفر بالعلم الحديث حين رأى أن هذا العلم قد أثمر من وسائل الإبادة والتدمير ما يكفي للقضاء على الجنس البشري بأسره. وهو -أي المثقف البورجوازي الغربي حائر أمام هذا اللغز لغز العقل الذي يقود أصحابه إلى التعاسة والتقدم الذي يتمخض عن صنوف جديدة مرعبة من القسوة والبربرية وحيرة المثقف البورجوازي الغربي أمام ما يجري في مجتمعه يرافقها إحساس أليم بالعجز عن الفعل والتغيير. فهو أمام القوى الجبارة التي تتحكم بحركة المجتمع أشبه بأبطال صاميويل بيكيت الذين شدهم الشلل إلى مقاعدهم أو دفنوا حتى خصورهم في الرمال. وهو لهذا كله يدير ظهره لواقع يعجز عن فهمه ويعجز عن تغييره، ليصوغ لنفسه، من خلال الفن، واقعاً آخر جديداً لا يخضع إلا لمنطق هواه ونزواته، أويعود إلى الأساطير باحثاً عن خلاصه في حكمة العصور الخوالي، كما عبر غديون في مكان آخر من دراسته المارة الذكر.‏

ما هي أوجه التماثل أو الالتقاء بين معاناتنا، نحن المثقفين العرب، وبين أزمة المثقف البورجوازي الغربي، كما تبدو من خلال الشهادات التي أوردناها؟‏

لعلي في غنى عن الإجابة، فالهموم التي تؤرق المثقف العربي-والإنسان العربي إجمالاً- ذات طبيعة مختلفة تماماً. إن خصومتنا ليست مع العقل بل مع الأوضاع والممارسات والمفاهيم اللاعقلانية في حياتنا، وليست مع العلم، لأننا نعرف جيداً أن العلم يمنحنا القوة ويمدنا بأسباب الرقي المادي والروحي. ونحن لا نعاني في فهم الواقع مشقة كتلك التي يعانيها آلان روب غرييه، فواقعنا واضح المعالم: إنه واقع الاحتلال الأجنبي والتجزئة والتسلط الإقطاعي والرأسمالي والتخلف الحضاري. ولسنا يائسين من تغيير هذا الواقع، رغم الهزائم والإخفاقات، لأننا نقتنع يومياً من خلال التجارب بأننا قادرون على تغييره بالفعل. ونحن لا نشغل أنفسنا كثيراً بالتساؤلات الميتافيزيقية حول معنى الحياة والموت-كما يفعل بيكيت مثلاً- لا لأن الموت لا يخيفنا، ولا لأنا وجدنا الجواب القاطع عن هذه التساؤلات، وإنما لأن همومنا الواقعية وقضايانا الملحة لا تدع مجالاً لهذه الرياضة الذهنية العقيمة.‏

هذه، إذن، هي القضايا الأساسية التي تشغل مثقفينا الثوريين في المرحلة الراهنة من تاريخنا القومي، وهي التي تؤلف بالتالي مضمون نتاجاتنا الفنية والأدبية في هذه المرحلة. أفليس غريباً، بعد ذلك، أن نستورد لهذا المضمون أشكالاً فنية وجدت أساساً للتعبير عن مضمون آخر مختلف نوعياً؟ ثم أليس من دواعي التهكم أن نتحدث، في الوقت نفسه، عن الأصالة والترابط العضوي بين المضمون والشكل؟‏

إن هذه المقدمة-وقد طالت- كانت ضرورية قبل الانتقال إلى قضية التراث والمعاصرة في المسرح العربي، فتطور المسرح مرتبط بمجمل تطور حياتنا الثقافية، وقد كان من الطبيعي، وقد انساقت آدابنا وفنونا خلال ربع القرن الأخير مع النزعة "العدمية" السائدة في الفن الأوربي الحديث، أن ينساق معها المسرح كذلك، وإن اتخذ انسياقه هذا في بعض الأحيان مظهر الحرص الشديد على الأصالة القومية. وقد تبدو الفكرة الأخيرة غريبة ومتناقضة ولكني سأوضحها في مكانها من السياق.‏

لابد لنا ونحن نتحدث عن التراث والمعاصرة في مسرحنا العربي من أن نشير أولاً إلى أن العلاقة مع التراث تتخذ في هذا المجال شكلاً آخر غير الشكل الذي تتخذه في مجال الشعر مثلاً. فالمسرح من الفنون الحديثة النشأة عندنا، إذ لا يذهب تأريخه إلى أبعد من القرن الماضي. ومن الثابت أننا أخذنا مفهوم المسرح وقواعده وتقاليده عن الأوروبيين، وبخاصة عن المسرح الفرنسي الكلاسيكي والرومانسي (كورني وموليير وهوغو ودوما... الخ)، الذي أتيح لرواد مسرحنا الأوائل، كمارون النقاش وأبي خليل القباني ومحمد عثمان جلال، أن يتصلوا به ويتعلموا منه. ولم يكن ذلك خطأ (كما زعم الكاتب السوري الدكتور سلمان قطاية في كتابه "المسرح العربي.. من أين وإلى أين"؟) ولا تفريطاً بالأصالة، فقد أخذت الأمم الأوروبية بدورها فن المسرح عن الإغريق ولم تبتدعه ابتداعاً، ولكن هذا لا يقلل، بطبيعة الحال، من أصالة مسرح شكسبير أو ثربانتس أو غوغول أو غيرهم من كبار الكتاب المسرحيين الأوروبيين.‏

وخلال السنوات الأخيرة قيل كلام كثير حول الشواهد الدالة على أن الحضارات القديمة في وادي الرافدين ومصر والحضارة العربية الإسلامية قد عرفت في طقوسها وشعائرها الدينية ونصوصها الأدبية واحتفالاتها الدنيوية بعض عناصر المسرح. وليس لهذا في الواقع كبير أهمية، فما من شعب في الدنيا لم يمارس طقوساً وشعائر ذات شبه بالمسرح، وما من أدب قومي في الدنيا لا يضم حكايات وشخصيات ومواقف يمكن اتخاذها مادة لعرض مسرحي. بل إن بين علماء الاجتماع من يذهب إلى أن الحياة نفسها مسرح كبير، يتقمص فيه الناس، في كثير من الأحوال، شخصيات غير شخصياتهم الحقيقية وينطقون فيه بكلام أعدوه من قبل. وهكذا فإن وجود عناصر درامية في تراثنا لا يعني أننا عرفنا المسرح، لأن هذه العناصر بقيت في طورها الجنيني ولم تتطور لتصبح فناً مستقلاً له نظريته ونماذجه وكتّابه، كما كان الأمر مع المسرح الإغريقي القديم.‏

ماذا نعني، إذن، حين نتحدث عن ضرورة ربط المسرح بالتراث؟ إننا نعني، بالدرجة الأولى، أن يلتفت كتابنا المسرحيون إلى تاريخنا وأدبنا ومأثوراتنا الشعبية يستمدون منها موضوعات وأفكاراً وشخصيات لأعمالهم المسرحية على نحو ما فعل شعراء المسرح الإغريقي الكلاسيكي حين استقوا مادة مسرحهم من تراثهم الشعبي العظيم.‏

ولكن الارتباط بالتراث يتخذ عند بعض المعنيين بالمسرح عندنا مدلولاً آخر، فهم يريدون للمسرح-باسم الأصالة القومية- أن يتخلى عن كل ركائز الدراما الأرسطوطاليسية (الحبكة، الشخصيات، وحدة الفعل، الحوار.. الخ) وأن يستعيض عنها بركائز أخرى يستمدها من التراث. وكثيراً ما يشار في هذا الصدد إلى كتابات الجاحظ ومقامات الهمذاني وخيال الظل كمصادر لهذا المسرح "الأصيل" المقترح. وتتخذ هذه الدعوة صورة متطرفة في كتاب الدكتور قطاية الذي سبقت الإشارة إليه، فبعد مناقشة سطحية ومليئة بالمغالطات لعناصر المسرح الأوروبي التقليدي، يخلص المؤلف إلى أن وجود النص الدرامي والجمهور غير ضروري للمسرح وأن التمثيل هو العنصر الضروري الوحيد لكي يكون المسرح مسرحاً! وبدلاً من هذه العناصر غير الضرورية يقترح قطاية مسرحاً جديداً يعتمد على المقامات وخيال الظل وحلقات الذكر ورقص السماح وصندوق الدنيا!‏

قد يتبادر إلى الذهن، للوهلة الأولى، أن دعوة الدكتور قطاية هذه وليدة المغالاة في الحرص على الأصالة، ولكن القارئ الذي أتيح له أن يطلع على نظريات المسرح الأوروبي الحديث سرعان ما سيكتشف أن ثورة الدكتور قطاية على الدراما الأرسطوطاليسية ليست إلا صدى متأخراً للآراء التي نادى بها الممثل الفرنسي انتونين آرتو منذ أربعين عاماً في كتابه المسرح وبديله. فقد دعا آرتو في كتابه هذا، الذي أصبح على حد تعبير أحد النقاد الغربيين إنجيل المسرح الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تحرير المسرح من طغيان الكلمة ونبذ روائع الماضي والعودة إلى ما سماه آرتو بالمحاكاة السحرية لحركات الجسم البشري. وهذا ما عنيته حين قلت إن الانسياق مع النزعة العدمية في الفن البورجوازي الغربي تنتحل لنفسها أحياناً مظهر الحرص الشديد على الأصالة القومية.‏

وليست الدعوة إلى بناء نظرية جديدة للمسرح العربي قوامها مقامات بديع الزمان ورقص الدراويش وخيال الظل وما أشبه إلا رافداً واحداً من مجموعة روافد فكرية جديدة تخللت الحياة المسرحية العربية في السنوات الأخيرة. وهي روافد تنتهي جميعاً إلى مصب واحد: رفض الدراما الأرسطوطاليسية والبحث عن أشكال جديدة للمسرح.‏

وحين نتقصى هذه الروافد فسنجد أنها جميعاً ذات منابع أوروبية. وسنجد -وهذا هو الأهم- أنها انبثقت ضمن سياق اجتماعي وعقلي مختلف.‏

ولعل أبرز التيارات المناوئة للمسرح الأرسطوطاليسي في الوطن العربي اليوم تيار المسرح الملحمي. ويستمد المسرح الملحمي نفوذه الكاسح في بلادنا من كونه مسرحاً سياسياً ملتزماً بالإضافة إلى كونه بدعة جديدة في المسرح. ومع أن تلامذة بريشت في بلادنا كثيرون، إلا أن المرء يكتشف، وكله دهشة، أن نظرية المسرح الملحمي التي أسهب بريشت في شرحها ليست واضحة تماماً في أذهان دعاتها. ويحضرني مثال قريب، ففي الذكرى الثمانين لميلاد برتولد بريشت، التي مرت بنا مؤخراً، كتب أكثر من فنان مسرحي عراقي حول ارتباط مفهوم التغريب عند بريشت بمفهوم التغريب عند ماركس. والواقع أن المفهومين مختلفان تماماً والعلاقة الوحيدة بينهما هي أن بريشت كان ماركسياً! ولا تسمح طبيعة هذا المقال بالتوسع في شرح فكرة التغريب عند ماركس (وقد درجنا على ترجمتها بكلمة استلاب) واختلافها عن فكرة التغريب البريشتي (التي يفضل البعض ترجمتها بكلمة إبعاد)، ولكنا سنكتفي بالإشارة إلى أن الاستلاب عند ماركس هو مفهوم فلسفي تمتد جذوره إلى فلسفة هيغل، أما التغريب عند بريشت فهو تقنية مسرحية يراد بها عزل المتفرج عاطفياً عما يجري على منصة المسرح والحيلولة بينه وبين الاندماج في جو المسرحية. وقد رأى بريشت أنه يستطيع تحقيق التغريب الذي يريده باستخدام وسائل السَّرد الروائي على المسرح، ومن هنا جاءت تسمية المسرح الملحمي التي يبدو أنها، هي الأخرى، ليست واضحة تماماً في بعض الأذهان.‏

وإذ نعود إلى كتابات بريشت النظرية تتكشف لنا العوامل التي دفعته إلى رفض القواعد الأرسطوطاليسية، فقد لاحظ بريشت -كما لاحظ انتونين آرتو في الفترة نفسها تقريباً- أن معظم الروائع الكلاسيكية التي تقدم على المسرح لا تعطي المتفرج المعاصر فكرة صادقة عن حياته ومشاكله، فهي مكتوبة لأزمنة أخرى غير زماننا (في رأي آرتو)، أو هي مكتوبة من وجهة نظر الطبقات التي سيطرت على المجتمع في مراحل تطوره المختلفة (في رأي بريشت). وقد رأى انتونين آرتو أن يحسم المشكلة بالدعوة إلى نبذ النصوص المسرحية القديمة جملة، فرفع شعاره المشهور "لا روائع قديمة بعد اليوم"، أما بريشت فقد وجد للمشكلة علاجاً آخر هو إعادة كتابة الروائع القديمة وعرضها بطريقة تكشف عن جوانب الواقع التي أغفلها المؤلف وتساعد المتفرج على رؤية الحقيقة. ولبرتولد بريشت تجارب طريفة في هذا الصدد فعندما فكر في تقديم مسرحية شكسبير العظيمة "روميو وجولييت" على المسرح أضاف إليها ما يكشف عن الوجه الآخر لبطلها ويبدد الهالة الرومانسية التي أحاطه بها المؤلف، إذ نرى روميو في أحد المشاهد يهدد فلاحاً بائساً بالطرد من أرضه لأنه عاجز عن دفع المبلغ الذي يريد روميو جمعه من الفلاحين لشراء هدية ثمينة لحبيبته جولييت!‏

على أن بريشت، وقد التقى بانتونين آرتو في تشخيص مشكلة النص المسرحي القديم، لا يلبث أن يسير في طريق مختلف تماماً. فإذا كان آرتو يعترض على الدراما الأرسطوطاليسية، فإنه يتفق مع أرسطو على أن غاية المسرح هي التطهير أو ما يشابهه، فمسرح القسوة الذي دعا إليه آرتو هو مسرح يكشف للناس عن نوازع الشر الكامنة في نفوسهم، وبذلك يساعدهم على كبحها والسيطرة عليها. أما بريشت فيرفض مبدأ "التطهير" الأرسطوطاليسي واضعاً مكانه مبدأ "التعليم". وهو لذلك لا يريد للمتفرج أن يندمج في المسرحية، أو هو على الأقل لا يريد له أن يندمج فيها ذلك الاندماج الذي ينسيه نفسه ويمنعه من التفكير في القضية المعروضة أمامه.‏

وإلى هنا تبدو المشكلة التي واجهها كل من بريشت وآرتو متعلقة بمدى صدق الانطباع الذي ينقله المسرح عن الواقع، فقد لاحظ الرجلان (وكلاهما بنى نظريته في فترة ما بين الحربين العالميتين) أن المسرح الأوروبي مشغول بنصوص قديمة ليست لها علاقة وثيقة، أو لا علاقة لها على الإطلاق، بالحقائق المقلقة التي كانت تزخر بها الحياة الأوربية في تلك الفترة. وهذا ما نلمسه بوضوح في صرخة أنتونين آرتو الاحتجاجية "إننا لسنا أحراراً، فقد تنقض السماء فوق رؤوسنا في أية لحظة. والمسرح إنما وجد ليعلمنا هذا قبل كل شيء".‏

وهنا يخطر للمرء أن يتساءل: ما العلاقة بين قوانين الدراما الأرسطوطاليسية وبين عجز المسرح الأوروبي في الفترة المشار إليها عن التجاوب مع مشكلات الواقع؟ هل اتسعت الحياة الحديثة وتعقدت إلى الحد الذي لا تستطيع الدراما، بقواعدها المقررة، احتواءه، أم أن المسرح قام منذ البداية على أسس خاطئة؟‏

وهذه، بالطبع أسئلة لا يمكن حسمها بكلمة عابرة. ولكننا نستطيع أن نتذكر في هذا السياق أن مسرح هنريك ابسن (الذي كان صارماً في تقيده بقواعد الدراما الأرسطوطاليسية) أحدث دوياً هائلاً في أوروبا بأسرها في الربع الأخير من القرن الماضي عندما وجه ضربات عنيفة إلى أقوى المؤسسات الاجتماعية وأرسخها: الكنيسة، النظام الرأسمالي، الصحافة، الأسرة.. الخ. وما يقال عن مسرح ابسن يصدق إلى حد كبير على مسرح برناردشو الذي عالج قضايا عصرنا بكثير من لعمق والذكاء، وقد كان شو أسبق من بريشت إلى توكيد ضرورة المناقشة الفكرية في المسرح الحديث، ولكنه لم يجابه صعوبة في إدارة هذه المناقشة ضمن الإطار الدرامي المألوف.*

ومن الأمثلة القريبة العهد في هذا الصدد مسرحية جون أوزبورن المعروفة أنظر وراءك بغضب، فهذه المسرحية ذات البناء الأرسطوطاليسي التقليدي لم تكن حدثاً مسرحياً وحسب، بل كانت في الوقت نفسه حدثاً اجتماعياً ساعد على تفتيت التزمت الاجتماعي الإنكليزي وجعل المواقف الأخلاقية في المجتمع أكثر تسامحاً- على حد تعبير الناقد مارتن إيسلن.‏

هل نمضي في تعداد الأمثلة؟ لا ضرورة لذلك، بالتأكيد، فرجل المسرح يستطيع أن يستحضر إلى ذاكرته، دون عناء، الكثير، من الأعمال المسرحية الحديثة التي لم تمنعها حبكتها الأرسطوطاليسية من استيعاب قلق العصر وأزماته وصراعاته. كما أنه يستطيع أن يتذكر الكثير من "الروائع" الكلاسيكية التي مازلنا، رغم اختلاف البيئة والعصر، نجد فيها نفوسنا وقضايانا، ولولا ذلك لما بقيت حية متجددة على خشبات المسارح.‏

وهكذا فليس سهلاً أن نسلم مع بريشت بأن الدراما الأرسطوطاليسية لم تعد تلائمنا وأن رسم صورة دقيقة للعالم- على حد تعبيره- يستلزم نوعاً جديداً من التأليف للمسرح.‏

والواقع أن بريشت، الذي كان -خلافاً لآرتو- كاتباً درامياً عظيماً قد نقض بكتاباته المسرحية جوهر نظريته حول التغريب، إذ خلق-خلافاً لإرادته- شخصيات درامية حية لا يملك المرء إلا أن يتجاوب معها عاطفياً.‏

ومهما يكن من أمر فإن من الغلو في الادعاء أن يقول قائل إن الشكل الدرامي الأرسطوطاليسي قد ضاق عما نريد تقديمه على المسرح، لأننا لم نستنفد إمكانات هذا الشكل كما استنفدها الكتاب الأوروبيون، ولم نبلغ فيه ذروة تسمح لنا بالانتقال إلى غيره من الأشكال. بل إننا لم نقدم إلى الجمهور حتى الآن من ألوان المسرح الدرامي الأرسطوطاليسي ما يسمح له بالموازنة والحكم على التجارب الجديدة التي نقدمها إليه.‏

لماذا سارعنا، إذن، إلى تبني نظرية المسرح الملحمي بكل هذا الاندفاع؟ إنها -أعيد القول- نزعة الانسياق مع كل تيار جديد في الثقافة الأوروبية. ونزعة الهدم المستمر التي تسود ثقافة العالم الرأسمالي في أيامنا هذه. ولا ينبغي أن نغفل عاملاً آخر مهماً هو أن الأشكال الجديدة- أو اللاأشكال، إذا شئنا الدقة في التعبير- تعفي الفنان، أياً كان المجال الذي يعمل فيه، من المحاسبة، لأن المحاسبة متعذرة مع غياب أية معايير متفق عليها.‏

إن هذه الوقفة عند بعض الروافد الغربية التي تسربت إلى حركتنا المسرحية في السنوات الأخيرة قد تطول كثيراً إذا حاولنا أن نستقصي كل الروافد ونردها إلى منابعها. وربما كان مسرح العبث الوجودي جديراً بأن نتوقف عنده، لأن بعض مفاهيمه قد تسللت إلى أدبنا وممارستنا المسرحية، وإن لم يتحول إلى تيار ذي شأن في نشاطنا المسرحي. ولكن هذه الكلمة لا تطمح إلى الشمول، وإنما هي مجرد دعوة إلى إعادة النظر، دعوة إلى وعي الذات.‏

بغداد 1978‏

* يمكن العودة بهذا الخصوص إلى كتاب جورج ب. شو:‏

The Quintessence of Ibsenism .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244