|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
دور المخرج في المسرح الحديث مادور المخرج في المسرح؟.. سؤال قد يجد البعض عسراً في الإجابة عنه، فالمسرح، كما نعلم جميعاً، فن مركب تدخل في نسيجه عناصر متعددة تؤلف بمجموعها صورته النهائية التي نراها على منصة العرض. وحين نرد هذه العناصر إلى أصحابها لا نجد للمخرج حصة متميزة ينفرد بها دون غيره، فالنص -مثلاً- يضعه المؤلف، وهو يتضمن، كما يفترض، كل عبارة يتفوه بها الممثلون ويعين حتى الجهة التي يدخل منها الممثل إلى المسرح والهيئة التي يكون عليها وهو يواجه مختلف المواقف. والمناظر المسرحية يصممها مهندس الديكور استناداً إلى العصر الذي تدور فيه وقائع المسرحية وإلى التوجيهات التي يضعها المؤلف عادة في مقدمة كل فصل، وأحياناً في مقدمة كل مشهد. وقل مثل ذلك في بقية مكونات العمل المسرحي، كالأزياء والمكياج والموسيقى والمؤثرات الفنية والصوتية المختلفة، فلكل من هذه المكونات فنانوها المتخصصون الذين يتولون إنجازها.. فماذا يبقى للمخرج بعد ذلك؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا الحديث، ولكن قد يكون من الضروري قبل ذلك أن نشير إلى أن المخرج لم يلازم المسرح منذ نشأته الأولى، بل هو ظاهرة حديثة العهد نسبياً، فقد مرت بالمسرح عهود مديدة كان فيها الممثلون أحياناً ومؤلف النص أحياناً أخرى ينهضون بالمهمات التي يطلع بها المخرج في عصرنا الحالي. ولكن تزايد الحاجة إلى جهة توفق بين عناصر العرض المختلفة وتشدها إلى بعضها ضمن إطار واحد جعل وجود المخرج في المسرح ضرورة لا مناص منها. يقول المخرج الروسي الكبير "الكسي بوبوف" في كتابه القيم "التكوين الفني للعرض المسرحي"* إن للمخرج المسرحي ثلاث مهمات أساسية، فهو مفسر النص أولاً، وقائد العمل ثانياً، وهو بعد هذا وذاك المرآة التي يرى فيها الممثل نفسه ودوره. وسنقف، بالإيجاز الممكن، عند كل من هذه المهمات الثلاث. لا شك أن دور المخرج في تفسير النص المراد تقديمه إلى الجمهور هو أولى مهماته، لأن استشفاف الفكرة (أو الأفكار) التي أرادها المؤلف وتحديد الدوافع التي تسوق شخصيات المسرحية إلى التصرف بهذه الطريقة أو تلك هما نقطة الانطلاق نحو بناء العرض المسرحي. ومن التقاليد المرعية في المسرحية الحديث أن يجتمع المخرج وزملاؤه من الفنانين والفنيين، قبل بدء العمل، لتدارس النص وتحليل الشخصيات الدرامية ووضع التصور الأولي للعرض المسرحي. ويلجأ بعض المخرجين المعاصرين إلى أسلوب طريف، إذ يفرزون العبارات التي تجري على لسان كل شخصية على حدة ليتمكنوا من تحديد طبيعة هذه الشخصية ومنطقها ودوافعها، فالكلام التي تتفوه به شخصية درامية ماهو المفتاح الأساسي لفهمها. وقد يتبادر إلى أذهان البعض أن تفسير النص الدرامي أمر هين، فمن الواضح تماماً أن "طرطرف" -مثلاً- رجل منافق، وأن " عطيلا" عاشق غيور، وأن "لير" عجوز مغرور أحمق. وبالتالي فليس من العسير الاهتداء إلى دوافع الشخصيات في نص درامي ما أو إلى الفكرة المركزية التي رمى إليها المؤلف. ولكن الأمر في الواقع ليس بهذه البساطة، فالدراما الجيدة غالباً ما تتسع، كالحياة نفسها، لأكثر من تفسير. وكما يختلف الناس في حياتهم الواقعية فيخرجون بانطباعات مختلفة عن الأشخاص الذين صادفوهم أو الوقائع التي شهدوها، كذلك تختلف المواقف إزاء الشخصيات والأفعال الدرامية. وينبغي أن أقول هنا إنني لست ميالاً إلى الأخذ ببعض الآراء المسرفة التي راجت في السنوات الأخيرة، والقائلة بأن ما يريده المؤلف لا أهمية له على الإطلاق وأن النص يكتسب مدلولات جديدة مع كل قارئ جديد، ولكن لا مفر من التسليم بأن مرامي المؤلف لا تطفو دائماً على السطح. ومازلت أذكر الحيرة التي انتابتني شخصياً عند القراءة الأولى لبعض النصوص المعقدة من طراز "هيدا غابلر" لإبسن و"رجل الجليد آت" ليوجين أونيل. ويمكن القول بأنه كلما ازدادت الشخصية الدرامية حياة وامتلاء أصبحت أفعالها ودوافعها قابلة لمزيد من الاختلاف ومزيد من مستويات الفهم والتأويل. وقد دأب نقاد الأدب على تقسيم الشخصيات الروائية والدرامية إلى نوعين: مسطحة (flat) وممتلئة (rounded). وهم يعنون بالنوع الأول الشخصيات التي يسيطر عليها حافز واحد لا يعنيها غيره، كالطموح إلى السلطة أو التعلق بامرأة ما أو الجشع الشديد.. الخ، بينما تتميز الشخصيات "الممتلئة" بتعدد الاهتمامات وبغنى في التصورات والأحاسيس يذكرنا بالناس الحقيقيين فعلاً. وحين تكون شخصيات الدراما من النوع الأول، أي المسطح، فليس من الصعب تحديد فكرتها الأساسية ومنطق أبطالها، ولكن الأمر يختلف حين تكون الشخصيات من النوع الثاني، فهنا قد يجد المرء عناءً في التفسير، وقد يفهم النص ويفسره على نحو لم يسبقه إليه أحد، وإن كان هذا لا يعني أن من حق أحد أن يتعسف فيفرض على النص أفكاراً لا تأتلف مع محتواه. والتفسير، كما يقول الناقد الأمريكي "إي.د. هرش" في كتابه "سلامة التفسير" (Validity In Interpretation)، قد يقتصر أحياناً على "تعميق" الفهم، ولكنه في أحيان أخرى قد "يغير" الفهم بصورة أساسية. ومن أمثلة الحالة الأخيرة ما قرأته، منذ حوالي ربع قرن، عن مخرج روماني ذهب إلى باريس ليقدم فيها مسرحية شكسبير الشهيرة "هاملت" بصورة تختلف تماماً عن صورتها التقليدية المعروفة. وهاملت، كما يعرف جميع المعنيين بالمسرح، هو الأمير الدانيماركي السَّيِّئ الطالع الذي عاد إلى وطنه ليكتشف أن عمه الغادر قد اغتال أباه الملك وتزوج بأمه واستولى على عرش البلاد. ولكن العرض الروماني -كما ذكرت الصحافة الأجنبية في حينه -ينفي هذه القصة جملة وتفصيلاً، مؤكداً أنها لا تعدو أن تكون خرافة لفقها عميل النرويج "هوراشيو" -وهو من شخصيات المسرحية- وأقنع بها الأمير هاملت ليوقع الاضطراب في بلاط الدانيمارك ويسهل بذلك للجيش النرويجي احتلالها، كما يحدث فعلاً في ختام المسرحية. وجدير بالإشارة أن المخرج الروماني -كما ذكرت الصحف- قدم تفسيره الطريف هذا دون أن يتلاعب بالنص الشكسبيري. كل مافي الأمر أنه استعان بما يمتلكه المسرح من وسائل تعبيرية وبأداء ممثليه ليروي حكاية هاملت على الوجه الذي أراد. وترجع الصعوبة في تحديد دلالات النص، عادة، إلى أن المؤلف المسرحي البارع لا يفصح بشكل مباشر عن الفكرة الأساسية في عمله، كما يفعل بعض المؤلفين الصغار، الذي يضعون الخطب الرنانة على ألسنة أبطالهم، بل يدع للمخرج أن يستنبط ذلك من النص بمجمله. وقد يتضمن النص الدرامي أكثر من فكرة جديرة بالاهتمام. وتعود بي الذاكرة الآن إلى "ايكرمان"، الذي كان سكرتيراً لغوته في سنواته الأخيرة، فهو يخبرنا أنه سأل الشاعر العظيم ذات مرة عن الفكرة الأساسية في مسرحية "فاوست" فأجابه هذا بأن عملاً ضخماً كهذا لا يمكن اختزاله في فكرة واحدة مهما بلغت أهميتها. وخلاصة القول إن على المخرج أن يفهم بوضوح مايريد النص أن يقوله وأن يعين منذ البداية اللحظات التي ينبغي إبرازها بقوة على المسرح، وإلا كان كمن يخبط في ظلمة دامسة. ومن الحماقة أن يتصدى مخرج لتجسيد نص لم تتبين له أبعاده الفكرية. أذكر مرة -وكنت يومها أعمل في مؤسسة السينما والمسرح في العراق- أنني حضرت "بروفة" مسرحية للكاتب الروسي المعروف "أربوزوف". وكان المشهد الذي يجري التدريب عليه يتضمن حواراً متوتراً بين سيدة في الخمسين من عمرها وبين مدير مصح للأمراض الصدرية في الستين من عمره. ولم يكن المخرج قد وضع يده على "الثيمة" الأساسية في النص، فذهب به الظن إلى أن المسألة تتعلق بخلاف بين امرأة مشاكسة، غريبة الأطوار، ومدير حريص على استتباب النظام في المؤسسة التي يديرها. ولم يكن هذا الفهم صحيحاً، ولذلك بدا المشهد مقطوع الصلة بسياق المسرحية، وبدا واضحاً للعيان أن ممثل دور المدير ورفيقه لم يكونا على علم بكنه الشخصية التي يؤديها كل منهما. ولكن الحيرة تبددت عندما تأتى للمخرج والممثلين أن يفهموا ما أراده المؤلف، فأربوزوف يريد أن يقول، على لسان بطلة المسرحية، أن الكهولة ليست نهاية الحياة، وأن امرأة في الخمسين ورجلاً في الستين يمكن أن يتحابا ويجدا في حبهما من السعادة ما يجد الشبان. ولم يكن المشهد الذي ذكرناه يصور امرأة غريبة الأطوار -كما توهم المخرج أول الأمر- بل امرأة عاشقة تؤنب الرجل الذي أحبته لأنه لا يريد أن يفهم أنها تحبه وأن من حقه أن يحب رغم بلوغه الستين. ولننتقل الآن إلى دور المخرج بوصفه قائداً للعمل، وهذه نقطة قد لا تحتاج إلى كثير من التوسع، فالمسرح -كما سبق أن قلنا- فن مركب تلتقي فيه معظم الفنون التي نعرفها، إن لم نقل كلها. إنه حصيلة اقتران الأدب (ممثلاً في النص) بفن التمثيل، والفن التشكيلي بالموسيقى والأزياء والإنارة والمؤثرات الفنية المختلفة. وغني عن الإيضاح أن هذه الفنون المتعددة يجب أن تلغي وجودها المستقل وتندمج في بعضها لتؤلف عملاً موحداً في أسلوبه وإيقاعه وجوّه العام، فالوحدة شرط ضروري لكل عمل فني. ولعل أوجز تعريف لهذه الوحدة تلك العبارة المأثورة التي وصف به غوته أوبرا موتسارت المعروفة "دون جوان": "إنها إبداع روحي تتخلل أجزاءه، كما تتخلله بمجموعه، روح واحدة وأنفاس حياة واحدة". والمخرج هو الرجل الذي يحقق هذه الوحدة، وهو الذي يوجه زملاءه من الفنانين المشاركين في العمل المسرحي إلى ما يتوجب عليهم عمله. ولا يعني هذا، بالطبع، أن هؤلاء الفنانين قد تنازلوا عن ذواتهم المبدعة وتحولوا إلى أدوات خرساء بيد المخرج، وإنما يعني -تحديداً- العمل بانسجام وتوافق ضمن التصور العام الذي وضعه المخرج أساساً. وهنا تكمن الصعوبة الاستثنائية في عمل المخرج المسرحي، فهو كالرسام الذي يبدع لوحة مترامية الأبعاد، ولكنه لا يتعامل كالرسام مع ألوان طيعة، بل مع فنانين لكل منهم أسلوبه وشخصيته الفنية المستقلة. ولابد لنجاح المخرج المسرحي في مهمته هذه من توافر شرطين أساسيين: أولهما أن يعمل مع فريق منسجم، يتقيد بأخلاقيات المسرح ويتحاشى أفراده الانسياق مع الأنانية الفردية التي قد تغري هذا الفنان أو ذاك بالسعي إلى توكيد حضوره الشخصي على حساب العمل نفسه. وثانيهما أن يكسب ثقة العاملين معه واحترامهم لكي يصهر هذه المواهب كلها في بوتقة واحدة. وليس من النادر أن يغيب أحد هذين الشرطين أو كلاهما، ولاسيما في البلدان التي لا تتمتع بتقاليد عريقة في هذا المجال. فقد يحدث أحياناً أو يحاول أحد الممثلين الاستئثار بمقدمة المسرح أو الخروج إلى دائرة الضوء في لحظة غير مناسبة ليستقطب انتباه الجمهور، دون أن يضع في حسابه أن سلوكاً كهذا قد يشتت ذهن المتفرج ويصرفه عن تركيز انتباهه على بؤرة العمل الدرامي. ومن الظواهر المؤسفة التي لاحظتها في المسرح العراقي بوجه خاص خروج بعض الممثلين عن النص أو ارتجالهم النكات لاستدرار ضحك الجمهور وتحويل انتباهه إليهم. وقد يجوز هذا إلى حد ما في الملاهي الشعبية البسيطة التي تتوخى تسلية المتفرجين وإضحاكهم، ولكنه لا يجوز قطعاً مع النصوص الدرامية الرصينة. ومع أن المسؤولية المباشرة في مثل هذه الأحوال تقع على عاتق الممثل الذي تجاوز حدوده المرسومة، إلا أننا لا نستطيع إعفاء المخرج من المسؤولية، لأنه قائد العمل والمسؤول الأول عن نجاحه أو سقوطه. وعمل المخرج يتطلب دقة متناهية في بناء المشاهد وتوزيع مساحة العرض وضبط الإيقاع، لأن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى فشل المسرحية وانصراف الجمهور عنها، وفي ذلك ما فيه من خسائر معنوية ومادية. ولكن فشل مسرحية ما لا يعني بالضرورة أن المخرج قد أخفق في عمله، فقد ينصرف الجمهور عن مسرحية جيدة لأنها تخاطبه بلغة رفيعة لا يفهمها، أو لأنها تعالج قضايا لا تثير اهتمامه. ولتدارك فشل كهذا يتوجب على المخرج، والقوامين على المسرح بوجه عام، أن يضعوا مستوى ثقافة الجمهور والقضايا التي تعنيه في حسابهم عند اختيار النصوص التي يقدمونها إليه. ولا يعني هذا أن علينا أن ندير ظهورنا للأعمال الدرامية الرفيعة التي لا يتجاوب معها الجمهور البسيط، فتعدد المستويات الثقافية لجمهور المسرح مشكلة عالمية، وقد عالجتها الأمم المتقدمة بتخصيص مسارح محدودة المقاعد للنخبة القادرة على تذوق مثل هذه الأعمال. على أن أخطر مايواجه المخرج المسرحي في عمله هو اختلال توازن العرض بطغيان بعض عناصره على البعض الآخر، فالموسيقى التصويرية -مثلاً- عنصر لا غنى عنه في خلق الجو العام للمسرحية، ولكن الموسيقى لا ينبغي أن تطغى على الحوار بحيث يعجز المشاهد عن تتبع الخيط الذي ينتظم حلقات المسرحية. والديكور هو الآخر له دوره البارز في استحضار بيئة المسرحية وأجوائها والإيماء إلى دلالاتها المهمة، ولكن الديكور الباذخ، الذي يتخطى بفخامته الحدود الضرورية، قد ينقلب إلى عامل سلبي فيستأثر باهتمام المشاهد ويصرفه، ولو لفترة وجيزة، عن متابعة مايجري أمامه. والواقع أن المسرح المعاصر يميل عموماً إلى التقشف في الديكور والاقتصار على الحد الأدنى منه. وأذكر، بهذه المناسبة، أنني حضرت في صوفيا مسرحية "عطيل" للمخرج الإيطالي الشهير "زفاريللي"، فوجدت ديكورها يقتصر على جدران القلعة التي تدور فيها الأحداث والسرير الذي خنقت فيه بطلة المسرحية. وحضرت في مسرح "لاماما" الشهير في نيويورك مسرحية "منطق الطير" للمخرج البريطاني المعروف "بيتر بروك"، وكان الديكور كله مؤلفاً من سجادتين فارسيتين، علقت إحداهما في خلفية المسرح وفرشت الثانية على الأرض. وكان العرض مع ذلك في منتهى الروعة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |