|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ستانسلافسكي وفن الممثل المسرحي لاشك أن التمثيل من أقدم الفنون التي عرفتها البشرية، فالناس كما يقول أرسطوطاليس في الفصل الرابع من "فن الشعر" ميّالون بطبعهم إلى المحاكاة، وهم يستمتعون بها حتى عندما تكون مادة المحاكاة شيئاً كريهاً تعافه النفوس(1). والتمثيل أكمل صور المحاكاة دون مراء. وإذا سلمنا بالرأي القائل بأن طقوس العبادة وغيرها من الطقوس الاجتماعية عند الأمم القديمة ليست إلا ضروباً من التمثيل، وأن الرواة في المجتمعات البدائية كانوا يستعينون بالإيماء والحركة وتلوين الصوت ليقرّبوا صورة الوقائع التي يسردونها إلى أذهان مستمعيهم أدركنا أن هذا الفن قد سبق ظهور الدراما عند الإغريق بأشواط بعيدة. ومع ذلك فإن فن التمثيل -خلافاً للدراما نفسها- لا يستند إلى نظرية عريقة. وليس معنى هذا أنه لم يظفر، كغيره من الفنون، بعناية الدارسين والنقاد، ولكن القليل الذي كتبه هؤلاء حول الموضوع لم يكن كافياً لبناء نظرية متكاملة يسترشد بها الممثل في صقل موهبته وإعداد أدواره. وإذا كان من حسن حظ الدراما أنها استأثرت باهتمام مفكر عظيم كأرسطوطاليس فعكف على دراستها وكشف عن طبيعتها وخصائصها الأساسية منذ القرن الرابع قبل الميلاد، فإن مقومات فن التمثيل وعناصر الدور المسرحي ومراحل إعداده لم تحظَ بصياغة نظرية تسعف رجل المسرح في عمله إلا في أواخر القرن الماضي. وقد اقترن هذا التطور في علم المسرح باسم الفنان الروسي الكبير "كونستانتن ستانسسلافسكي". لم يكن ستانسلافسكي فيلسوفاً كصاحب "فن الشعر" ولا أديباً كمؤلف كتاب "الفن المسرحي في هامبورغ"* بل كان ممثلاً ومخرجاً مسرحياً موهوباً استخلص من تجاربه الطويلة المتنوعة وتأملاته "منهجاً" عاماً للتمثيل المسرحي، يرتكز، إلى قوانين السلوك الإنساني نفسه، وبذلك حول عمل الممثل من "الهام" غامض المصدر إلى "علم" له منهجه وأصوله. كان ستانسلافسكي يردد -كما نقل عنه الممثل الروسي "فاسيلي توبوركوف" -أن الممثل يختلف عن العازف أو راقص الباليه أو غيرهما من الفنانين في أنه "محروم من التمارين، لأنه لا يدري كيف ينبغي له أن يتمرن، فهو لا يعرف العناصر التي يتألف منها فنه، وليست لديه نظرية". وقد أنفق حياته الفنية المديدة باحثاً عن هذه "العناصر" التي يتألف منها فن الممثل وعن المقدمات الضرورية لخلق أدوار حية، مقنعة على المسرح. ومع أن من العسير على الباحث، في مقال وجيز كهذا أن يلم من جميع الوجوه بذلك المنهج المتشعب الذي رسم ستانسلافسكي خطوطه الأساسية في كتابيه الشهيرين "إعداد الممثل" و "حياتي في الفن"، إلا أن بإمكاننا أن نوجز هذا المنهج في مرحلتين: إعداد الممثل لنفسه مهنيّاً، ثم إعداده لدوره". كيف يعد الممثل نفسه مهنياً؟ لزمن طويل ساد الاعتقاد بأن الموهبة الفطرية هي كل ما يحتاج إليه الممثل ليتألق على خشبة المسرح. ومن المحزن أن بعض العاملين في المسرح عندنا مازالوا يحملون هذه الفكرة الساذجة، فمهنة التمثيل لا تتطلب في نظرهم سوى جملة من القوالب التعبيرية الجاهزة التي يفرغ فيها الممثل دوره. وقصارى مايراد من الممثل، في اعتقادهم، أن يجيد اصطناع الخوف أو الغضب، وأن يعرف كيف يضحك أو ينتحب على خشبة المسرح. والواقع أن فن التمثيل أعمق وأبعد منالاً من ذلك بكثير. فليس التمثيل مجرد محاكاة سطحية للسلوك البشري، وليس رصيداً جاهزاً من الحركات والتشنجات، بل هو "عملية خلق فني" تستهدف ترجمة أفكار المؤلف المسرحي إلى حياة وحركة وفعل. والممثل الحقيقي هو من يبعث الحياة في الشخصية التي رسمها المؤلف، ويكشف بالمعطيات الحسية عن عالمها الداخلي المعقد، ويبرزها بكل أبعادها السايكولوجية والاجتماعية. وفي عملية الخلق هذه تندمج ملامح الدور بملامح شخصية الممثل لتؤلف صورة مركبة فريدة ومتجددة باستمرار. فكل شخصية تظهر أمامنا على المسرح لها جانبان: الجانب الذي صاغه المؤلف، والجانب الذي أضافه الممثل. ويستلزم الأول منهما -ولنسمّه الجانب الموضوعي من عملية الخلق الفني -فهماً عميقاً للدور وللمسرحية ككل، بينما يرتكز الثاني-وسنسميه الجانب الذاتي- إلى عوامل متعددة، أهمها موهبة الممثل وثقافته وتجاربه وملاحظاته. ويمكننا في هذا الشأن أن نشبه الممثل بالرسام الذي ينقل عن أنموذج حي فهو مطالب من ناحية بأن ينقل إلينا أبرز سمات هذا النموذج كما أنه مطالب من ناحية أخرى بأن يكون له أسلوبه الخاص. وهذا بالضبط ما عناه ستانسلافسكي عندما أوصى ممثلي فرقته بقوله: "كن أنت نفسك في كل دور تؤديه، ولكن كن مختلفاً في كل مرة. فما دامت بيئتك مختلفة، وقصة حياتك مختلفة، فإن ذهنيتك هي الأخرى يجب أن تختلف وكذلك سلوكك وإحساسك بالقيم". وعندما نفهم وظيفة الممثل على هذا المستوى يبدو واضحاً أن الموهبة الفطرية وحدها لا تكفي لخلق الممثل إلا بمقدار ما تكفي الأذن الحساسة وحدها، مثلاً، لخلق المؤلف الموسيقي. فإلى جانب الموهبة -وهي شرط لا غنى عنه لأي فنان- يستلزم فن التمثيل شروطاً عديدة أخرى، أهمها أن يكون الممثل ذا ثقافة واسعة، متعددة الجوانب، ولا سيما في مجال المسرح والفنون الأخرى ذات العلاقة، وأن تكون له معرفة واسعة بطبائع البشر وعاداتهم وعلاقاتهم وأنماط تفكيرهم وسلوكهم، وأن يبذل جهوداً منتظمة للاحتفاظ بمرونة جسمه وطلاقة صوته، وأن يتحلى بأخلاق مهنية عالية. ويبدو لي أن من غير الضروري أن نتوسع في شرح أهمية كل من هذه الشروط فقد يكفي أن نعيد إلى الأذهان أن الدراما هي أعقد صور الأدب العالمي وأرقاها، وإن نقلها إلى المسرح بكل ما تنطوي عليه من عمق فلسفي وما تزخر به من مواقف ونماذج إنسانية هو أمر يتطلب الكثير من الدراية والاستعداد. ويجدر بنا أن نتوقف قليلاً عند مسألة "الأخلاق المهنية" التي أولاها ستانسلافسكي وتلامذته قسطاً كبيراً من الاهتمام. ومرد ذلك إلى أن المسرح فن جماعي قوامه الجهود المتناسقة التي يبذلها حشد كبير من الفنانين، وهذا ما يجعل الفنان في المسرح أقل حرية مما هو عليه في بعض مجالات الفن الأخرى. فالشاعر، مثلاً، يستطيع أن يكتب قصيدته متى أراد، وأن يعيد كتابتها المرة تلو المرة حتى يعثر على القالب الذي يرضيه، وقد لا يعنيه كثيراً أن يرضى الآخرون عما كتب. أما الممثل فهو مرتبط بمواعيد عمل معينة يجب التقيّد بها، وهو يقوم بتجاربه ومحاولاته على مشهد من الآخرين، وهو مطالب بالانسجام مع الخط العام الذي حدده المخرج ومع زملائه الآخرين في المسرحية. وهكذا فإن طبيعة عمل الممثل تستوجب منه نكران الذات والانضباط الدقيق واحترام الزملاء وكبح شهوة الظهور على حساب الغير أو على حساب العمل المسرحي نفسه. وقد ترك ستسانسلافسكي وصايا كثيرة في هذا الصدد، منها عبارته المأثورة "لا تحبوا أنفسكم في الفن، بل أحبوا الفن في أنفسكم". وكان إذا احتج أحد الممثلين على دور صغير أسند إليه يرد عليه بقوله "لا توجد أدوار صغيرة، بل يوجد ممثلون صغار". وتشهد الذكريات التي رواها عنه زملاؤه وتلامذته على مدى تقيده شخصياً بالأخلاق المهنية. وإليكم هذه الواقعة التي رواها عنه الممثل "فسيفولود فيربيتسكي"، أحد أعضاء فرقة مسرح موسكو الفني: "عندما أعفاه فلاديمير". ايفاونوفتش -دانتشكنكو* من دور العقيد روستانيف بعد البروفة الأخيرة لمسرحية "قرية ستيبانتشيكوفو** وأسند الدور إلى "ماساليتنوف"، شهق أفراد الفرقة وحبسوا أنفاسهم خائفين في انتظار ما سيحدث. ولكن لم يحدث شيء. فقد أذعن لمشيئة المخرج دون أن ينبس بحرف، رغم أنه كان يعتبر دور روستانيف، كدور الدكتور ستوكما*** من أفضل الأدوار التي أداها في حياته. ولم نسمع منه أية نأمة احتجاج أو كلمة استياء حول الموضوع. فما دام فلاديمير ايفانوفتش يعتقد أنه لا يصلح للدور فمعنى ذلك أنه لا يصلح". ولعل خير ما نوضح به مفهوم ستانسلافسكي عن إعداد الممثل لنفسه وضخامة الجهد الذي ينبغي عليه بذله في هذا السبيل، أن نقتطف الفقرة التالية من ذكريات الممثل "توبوركوف"، الذي سلفت الإشارة إليه: "كان إذا شكونا إليه من أن نتاجاتنا المسرحية قليلة جداً وأننا ننفق في إعدادها سنين طويلة، يوافقنا على أن هذا غير حسن، ثم يضيف مستدركاً: ولكن إذا أردنا أن نقدم كل شهر مسرحية جديدة، فيستوجب علينا أن نغلق المسرح لبضع سنوات ونطور تقنياتنا. وبعد أن يكون الممثلون قد حذقوا تقنيات المسرح، فإن المخرج لن يحتاج إلى كل هذا الوقت الطويل لإخراج مسرحية. "افترضوا أن شخصاً ما أتاني وأخبرني بأنه يريد أن يتعلم أغنية. وحين شرعت في تعليمه اكتشفت أن صوته لم يصقل، وأن عليَّ قبل أن أعلمه الأغنية أن أعطيه دروساً صوتية. في هذه الحالة سيكون لابد من إرجاء الأغنية ريثما أدرّبه على الغناء. وأعتقد أنكم تقدرون كم يتطلب ذلك من الوقت..". هذا عن إعداد الممثل لنفسه. بيد أن الثورة الحقيقية التي أحدثها ستانسلافسكي في الممارسة المسرحية إنما هي منهجه في "إعداد الممثل لدوره". لقد كتب الكثير عن منهج ستانسلافسكي وصيغت له تعريفات عديدة، قد يكون أقربها إلى الدقة أن يقال أنه منهج "بناء الدور المسرحي من الداخل" أو "خلق المقدمات السايكولوجية اللازمة لولادة الدور بصورة عفوية على خشبة المسرح". وقد أوجز نميروفتش دانشينكو، في إحدى مقالاته، الغاية التي رمى إليها ستانسلافسكي على النحو التالي: "كان ستانسلافسكي يحلم بإبداع فن يمكن الممثلين من أداء أدوارهم في المسرحية بحرية، كما لو كانوا يؤدونها للمرة الأولى، دون أن يلجؤوا إلى الإيماءات والوسائل المستهلكة التي ترافق عرض المسرحية للمرة الأربعين أو الخمسين أو المائتين. كان يحلم، إذا جاز التعبير، بأن يتحول كل عرض مسرحي إلى إبداع جديد، لا يخلو من "الكليشيهات" الجاهزة وحسب، بل ويزخر بالمفاجآت حتى بالنسبة للمثل نفسه..."* . ماذا يعني بناء الدور من الداخل؟ إنه يعني -خلافاً للتمثيل الحرفي الذي يخضع الدور لعدد من التعبيرات المبتذلة المعدة سلفا -أن يتبنى الممثل "منطق" الشخصية الدرامية وأن "يعاني" مشكلتها على خشبة المسرح معاناة حقيقية متجددة، تاركاً لعاطفته فرصة التجسد التلقائي الحر ضمن شروط المسرح. وهذه الغاية تتطلب بناء دقيقاً متأنياً للدور، أو لنستعرض عبارات ستانسلافسكي ذاتها فنقول إنها تتطلب إنماء الدور وتطويره من مجرد "بذرة" إلى نبتة حية، دانية القطوف. وبوسعنا أن نحدد لعملية إنماء الدور هذه أربع مراحل متتابعة: -التعرف على الدور. -تحليله. -معاناته. -تجسيده. ولكل من هذه المراحل أثرها الحاسم في بلوغ النتيجة التي كان يحلو لستانسلافسكي أن يسميها "بالكشف عن حياة النفس البشرية" على المسرح. إن التعرف على الدور يعني قراءته أول مرة. وكما أن انطباعات لقائنا الأول مع شخص غريب قد تلازمنا لفترة طويلة بعد ذلك. وقد تصبح أساساً لا شعورياً لموقفنا منه أو علاقتنا به، كذلك فإن القراءة الأولى للنص المسرحي تترك في النفس عادة، انطباعات يصعب تغييرها. ومن المعروف أن النص المسرحي لا يتضمن إلى جانب الحوار سوى النزر السير من المعلومات والتفاصيل، وهذا ما يجعل القارئ يملأ فجوات النص -بصورة لا إرادية- ببعض الصور المختزنة في ذاكرته. وهكذا فنحن في أثناء القراءة الأولى نتخيل مشاهد المسرحية وملامح أبطالها وهيئاتهم العامة وحركاتهم ونبرات أصواتهم. ولكن تصوراتنا هذه ليست صحيحة في كل الأحوال، فالقراءة الأولى قد لا تتيح لنا فهماً شاملاً للمسرحية. وقد نكتشف، ونحن نتقدم في القراءة وتتجلى لنا الحبكة بمزيد من الوضوح، أننا أخطأنا في تصور بعض الشخصيات. وبالتالي فإن انطباعات القراءة الأولى يجب أن تدرس وتغربل في المرحلة الثانية من إعداد الدور، أي مرحلة التحليل. كيف يحلل الممثل دوره؟ إن تحليل الدور يعني استجلاء مختلف المقومات الخلقية والعقلية والاجتماعية التي تتكون منها الشخصية الدرامية. وأفضل سبيل إلى الإحاطة بمقومات هذه الشخصية أن نحاول، عن طريق استقراء النص، الإجابة عن هذين السؤالين: من هي هذه الشخصية؟ وماذا تريد؟ ومن الطبيعي أننا لن نجد في أي نص مسرحي إجابة مفصلة وافية عن السؤال الأول. ولكن إذا أحسنا قراءة النص فسنجد فيه دون شك المعطيات الأساسية الكافية لبناء الدور، أما الجزئيات والتفاصيل فهي متروكة لتصوراتنا نحن. وتشمل الإجابة عن السؤال الأول معرفة عمر البطل المسرحي وجنسيته ومهنته وانتمائه الطبقي ومركزه الاجتماعي ووضعه العائلي ونوعية علاقاته بالآخرين ومزاجه ومنطقه ودوافعه النفسية الخ.. وعلى أساس هذه المعرفة يستطيع الممثل أن يكمل النص بشتى الوقائع والجزئيات الصغيرة التي تتألف منها حياة الناس اليومية، مستعيناً في ذلك بمخيلته وما تحفل به ذاكرته من صور وانطباعات. وقد تستلزم طبيعة الدور أن يخرج الممثل إلى المجتمع ليراقب عن كثب أناساً يماثلون بطله في المهنة أو الوضع الاجتماعي أو الحالة الصحية أو غير ذلك. وباختصار فإن على الممثل -وفقاً لمنهج ستانسلافسكي- أن يؤلف، في ضوء ما لديه من معطيات، "سيرة كاملة" للشخصية التي يؤديها، وأن يحمل في ذهنه صورة حسية دقيقة لسائر ظروفها المرتبطة بما يجري على المسرح ولو ارتباطاً غير مباشر. وهذه مهمة صعبة. ولكنها ممكنة إذا اكتملت في الممثل شروط الإعداد المهني التي تحدثنا عنها. لنفترض أن ممثلاً ما اطلع بدور "كارستون بيرنك" في مسرحية "أعمدة المجتمع" لهنريك ابسن، فما هي العناصر التي يمكنه أن يستمدها من النص المسرحي وماذا يستطيع أن يضيف إليها؟ إن بيرنك -كما يقدمه إلينا المؤلف في الفصل الأول -رأسمالي نرويجي في نحو الأربعين من عمره، يتمتع بسمعة اجتماعية عالية كرب أسرة مثالي، ذي أخلاق رصينة محافظة. ولكن وصول قريبين للعائلة من أميركا على نحو مفاجئ يكشف لنا عن ماضي الرجل، فنعرف أن ثروته الكبيرة قامت على عملية اختلاس اقترفها في شبابه، وأنه تخلى عن المرأة التي يحب ليتزوج من أخرى تؤمّن له مزيداً من النجاح في المجتمع، وأنه كان طرفاً في فضيحة أخلاقية تنصل منها ونسبها إلى أخلص أصدقائه. ونرى بيرنك في الفصول التالية وهو يجاهد للاحتفاظ بمجده القائم على الاختلاس والرياء والغدر، ولإقصاء شبح الماضي الذي انبعث بغتة في شخص قريبيه العائدين من أميركا. وهو في سبيل ذلك لا يتورع حتى عن التورط في جريمة رهيبة. وفي ختام المسرحية نرى بيرنك، وقد ارتد إليه ضميره، يقف أمام الملأ ليزيح بنفسه الستار عن خطايا ماضيه. وقد يبدو لنا هذا التطور الأخير في شخصية بيرنك مفتعلاً وغير مقنع. كما بدا فعلاً لبعض النقاد، ولكن علينا أن ندخله في حسابنا عند تحليل الدور. ولنحاول الآن، وقد تابعنا تطور شخصية "كارستون بيرنك" ضمن حدود النص، أن نجيب عن هذين السؤالين: -من هو بيرنك؟ وماذا يريد؟ ويمكننا -تمثيلاً لا حصراً- أن نجيب عن السؤال الأول بما يلي: -إن بيرنك شخصية مرائية ذات سلوك مزدوج، ولابد أنه يعيش في حالة قلق دائم من افتضاح أمره. -إنه بارع جداً في إخفاء دوافعه الحقيقية، فحتى زوجته تظل مخدوعة به حتى النهاية. -لابد أن يكون بيرنك على قدر كبير من الجاذبية وقوة الشخصية، فقد أحبه عدد من النساء، وضحى أحد أصدقائه بسمعته من أجله، وأحاطه المجتمع بكثير من الاحترام والثقة. -من الواضح أن الثراء والجاه هما القيمة الكبرى في حياة بيرنك، فقد ضحى من أجلهما بمن يحب وأهمل من أجلهما واجبه تجاه ابنه الوحيد. -إن بيرنك، كما لاحظ أحد النقاد الغربيين، هو "ماكبث" معاصر، قوي الشكيمة، شديد الطموح، لا يحجم -وقد بنى مجده بالجريمة- عن اقتراف سلسلة جرائم أخرى دفاعاً عما بناه. -رغم سقوط بيرنك الأخلاقي فإنه ظل يحمل في أعماقه بعض القيم الخيرة، وهذا ماتدل عليه خاتمة المسرحية، وبالتالي فإن الصراع بين الضمير ومقتضيات المصلحة الشخصية يشكل جزءاً من أزمته الداخلية. ولنكتف بهذا القدر من الإجابة عن السؤال الأول وننتقل إلى السؤال الثاني: "ماذا يريد؟". وينبغي أن نشير هنا إلى أن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال هي أهم ما يواجه الممثل المسرحي، لأنها تكشف عن جوهر الصراع الذي تخوضه الشخصية المسرحية، وتحدد العلائق بينها وبين بقية الشخصيات. والإجابة، في المثال الذي اخترناه، واضحة جداً، فكارستون بيرنك يريد أن يبقي، بأي ثمن، على الأكذوبة التي كانت أساساً لسمعته وثرائه. ولكننا نخطئ إذا تصورنا أننا نستطيع بالسهولة نفسها أن نعرف دوماً مايريده بطل مسرحية ما أو غيره من شخصياتها. وليس الإلمام بعناصر الشخصية المسرحية وتحديد غايتها الأساسية إلا بمثابة الخطوط العامة لصورة مازالت تفتقر إلى الكثير من التفاصيل. وعلى الممثل أن يكمل هذه الصورة. وثمة وسيلتان لذلك: المعرفة والخيال. ففي المثال الذي أوردناه يتوجب على الممثل أن يلم على قدر الإمكان بطابع الحياة ومظاهر السلوك الاجتماعي البورجوازي في بلدة نرويجية صغيرة خلال النصف الثاني من القرن الفائت. وعليه من الناحية الأخرى أن يتخذ من بعض الإشارات العابرة في المسرحية منطلقاً لتصور حياة كارستون بيرنك في شتى مراحلها وإغناء هذا التصور بأقصى ما يمكن من الجزئيات. ولنأخذ، على سبيل المثال، واقعة الاختلاس الذي أقدم عليه بيرنك في شبابه، فالنص لا يعطينا عنها أية تفاصيل رغم أنها عنصر هام في نسج عقدة المسرحية. وواجب الممثل هنا أن يصوغ لنفسه هذه التفاصيل بعناية ودقة ليكون قادراً على "تذكر" هذه الواقعة كشيء حدث بالفعل. وهذا النوع من الوقائع والظروف التي لا نشاهدها على المسرح رغم أنها ذات ارتباط وثيق بما يجري أمامنا من أحداث هي التي يسميها ستانسلافسكي "بالظروف المفترضة" أو "الظروف المسبقة". فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة -مرحلة معاناة الدور، جاز لنا أن نقول إنها فترة صيرورة الدور بكل عناصره الأدبية وجزئياته وظروفه المفترضة جزء من العالم الداخلي للممثل. وقد سبق أن أوضحنا أن هذا لا يعني ذوبان الممثل كلياً في دوره، بل يعني الامتزاج والتكامل بين الممثل والدور. فكما أن الممثل يتكيف ليلائم دوره، كذلك فإن الأخير يتلون بشخصية الممثل. ولعل القارئ الذي شاهد الممثل الروسي "بندرتشوك" والممثل الإنكليزي "لورنس أوليفييه" يؤديان دور "عطيل" على الشاشة، يتذكر كيف أن كلاً من هذين الفنانين البارعين قد أدى دوره أداءً مختلفاً ومهره بأسلوبه الخاص، دون أن يخرج عن الصورة التي رسمها شكسبير. ولا يصل الممثل دفعة واحدة إلى مستوى المعاناة الحقيقية للدور، بل يصل إليه من خلال العمل الدائب والمحاولة المتكررة والاحتشاد الذهني الطويل. ومن الخطأ الاعتقاد بأن جهد الممثل في هذه المرحلة مقصور على المشاركة في التدريبات مع الممثلين الآخرين، فهو مطالب في الوقت ذاته بأن يواصل إعداد دوره على انفراد. باحثاً عن أنسب الأشكال والوسائل التعبيرية لكل جزء من أجزائه، وهو مطالب بأن يحوّل سيرة البطل المسرحي إلى "سيرة ذاتية" وأن يتحسس "الضرورة" الكامنة وراء كل عبارة يقولها البطل أو تصرف يأتيه. وخلال التدريبات التي تجري مع بقية الممثلين تحت إشراف المخرج يتبلور إحساس الممثل بالدور وتزداد معاناته عمقاً، ويكتسب أداؤه الإيقاع المنسجم مع إيقاع المسرحية العام، وتنضج لديه بالتدريج الأشكال الفنية المناسبة للتعبير عن عالم بطله الداخلي. ومن هنا كان تركيز ستانسلافسكي على أهمية التدريبات المتواصلة المضنية. أما المرحلة الأخيرة (تجسيد الدور) فهي أهم المراحل بالطبع، لأنها الصورة المكتملة التي تقدم إلى الجمهور. وقد كان ستانسلافسكي -كما أسلفنا- يطمح إلى خلق حياة حقيقية على المسرح، ترتبط فيها العناصر الروحية والجسدية ارتباطاً تلقائياً طبيعياً، كما في الحياة نفسها، وهذا لا يتحقق إلا إذا ظل الممثل "يحترق" كل ليلة على خشبة المسرح ويعيش أحداث المسرحية وكأنه يواجهها للمرة الأولى. أما إفراغ الدور في قالب ثابت، حتى وإن كان هذا القالب حصيلة مرحلة سابقة من المعاناة الفعلية، فلن يخلق الحياة المرجوة على المسرح، لأن الممثل -مهما كان بارعاً في تقنيته- لا يمكن أن يثير عواطف الجمهور، بينما هو نفسه فارغ القلب، ساكن الأعماق. ولابد للممثل، إذا أراد التزام الصدق في الأداء، من أن يدخل المسرح وهو لا يحمل في ذهنه إلا صورة "الماضي"، ماضي الشخصية التي يمثلها. أما ما ينتظره من محن أو مسرات فينبغي أن يكون "مفاجأة" له، مثلما هو مفاجأة لجمهور المتفرجين. إن ممثل دور "لير"، مثلاً، يجب أن ينسى تماماً أنه سيكابد الويلات من عقوق ابنتيه الكبيرتين، لأنه إن لم ينس ذلك فسيصعب عليه تصديق ما أظهرتا له من ولاء في الفصل الأول من المسرحية. وممثل "روميو" يجب أن ينسى الحب المأساوي العظيم الذي ينتظره وإلا فلن يتهيأ لـه، في الفصل الأول من المسرحية، أن يعبر بالحرارة اللازمة عن حبه لروزالين. وأخيراً فإن على الممثل أن ينسى أنه ممثل أمام جمهور سيحكم له أو عليه، وألا يحاول التصرف على النحو الذي يكفل له التصفيق الحاد عند إسدال الستار، بل يجب أن يحصر همه في أمر واحد، هو أن "يعيش" بكل قلبه وجوارحه على منصة المسرح. دمشق 1973 (1) يقول أرسطوطاليس بالحرف الواحد: "يبدو أن الشعر عموماً قد نشأ عن سببين، كلاهما طبيعي. الأول أن الناس مفطورون على المحاكاة منذ طفولتهم وهم يتميزون عن غيرهم من الكائنات الحية بأنهم الأقدر على المحاكاة وبأنهم يكتسبون معارفهم الأولى عن طريق المحاكاة، والثاني أن الناس جميعاً يحسون بالمتعة أمام التصوير، والواقع يشهد بذلك: فنحن نستمتع بتأمّل التصوير المتناهي في الدقة لأشياء، هي في ذاتها منفردة للعين، كتصاوير الحيوانات الكريهة أو الجثث مثلاً -ترجمتنا عن النص البلغاري المنقول عن اليونانية القديمة بقلم البروفسور أ.نيتشيف والصادر في صوفيا عام 1993. * الكاتب الألماني الشهير ليسنغ. * مخرج مسرحي روسي كبير، أسس مع ستانسلافسكي مسرح موسكو الفني. ** مسرحية مقتبسة من رواية دوستويفسكي المسماة "قرية ستيبانتشيكوفو وسكانها". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |