|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
إبسن رائد المسرح الحديث (بمناسبة الذكرى المائة والخمسين لميلاده) لم يثر كاتب مسرحي في زمانه من ردود الفعل العنيفة ومن التضارب بين الإعجاب العميق والسخط العارم ما أثاره الكاتب النرويجي هنريك ابسن عندما نشر سلسلة مسرحياته الاجتماعية المعروفة في الربع الأخير من القرن الماضي. فقد انقسمت الأوساط الثقافية والمهتمون بالمسرح في أوروبا بأسرها إلى فريقين، أحدهما يصفق له والآخر يصب عليه اللعنات، ولعل أبلغ صور هذا الانقسام ماحدث في بريطانيا عام 1891. فبينما كانت الصحافة البريطانية المحافظة تصب جام غضبها على ابسن "المخبول"، "الغريب الأطوار" وتصف مسرحية الأشباح -وقد عرضت في لندن آنذاك عرضاً خاصاً وعلى نطاق ضيق -بأنها شيء يثير القرف وبالوعة مكشوفة، نشر برنارد شو كتابه الشهير "جوهر الابسنية" الذي أعلن فيه بجسارة أن ابسن أعظم من شكسبير. وكانت حجة شو في هذا الحكم المسرف أن شكسبير لم يصور أوضاعنا الفعلية على المسرح وإن يكن صور أشخاصنا. أما ابسن فقد عرض لنا أشخاصنا وأوضاعنا في وقت واحد. وعظمة ابسن -في رأي شو- لا تقف عند هذا الحد، بل إن أعماله ولاسيما بيت الدمية هي، في الوقت ذاته، نقطة تحول في بناء الدراما. فقد كانت الدراما حتى ظهور ابسن تتألف من تمهيد وحبكة وختام. أما اليوم، وبعد أن جاء ابسن، فقد صارت الدراما تتألف من تمهيد وحبكة ونقاش. وكان شو يشير بذلك إلى المناقشة الفكرية المثيرة بين نورا، بطلة مسرحية بيت الدمية، وبين زوجها في الفصل الأخير من المسرحية. وسواء جارينا برناردشو في حماسته المفرطة لمؤلف بيت الدمية أو لم نجاره، فإن الخلاف الصاخب حول عظمة هنريك ابسن قد حسم منذ زمن طويل، واحتل الرجل مكانة غير منازع إلى جانب أكبر كتاب المسرح العالميين: شكسبير وشعراء المسرح التراجيدي الإغريقي. أين تكمن عظمة ابسن؟ وما سر الضجة الكبيرة التي أحدثها بين معاصريه؟ من السهل أن يقال أن ابسن أثار فزع المحافظين عندما جعل نورا تهجر بيت الزوجية وتتخلى عن أطفالها الثلاثة احتجاجاً على معاملتها كدمية بلا عقل، أو أنه خدش الحشمة البورجوازية الكاذبة عندما تطرق، للمرة الأولى على خشبة المسرح، إلى قضايا فاضحة كالسفلس الوراثي وجناية الآباء على الأبناء. ولكن هذا وحده لا يفسر لنا كل ذلك الجدل الذي احتدم حول كتابات ابسن، والذي شارك فيه مفكرون من وزن برناردشو وجورج بليخانوف. كما أنه لا يفسر لنا خلود ابسن وتجدد الاهتمام بأعماله المسرحية رغم أن أوضاع المجتمع الأوروبي الراهن لم تعد تشبه الأوضاع التي ندد بها في مسرحياته. والواقع أننا لن نفهم أهمية ابسن فهماً كاملاً إلا حين نتبين أن عمله هو النقطة الفاصلة بين مرحلتين من تاريخ فن الدراما، فبظهور دعائم المجتمع وبيت الدمية والأشباح وعدو الشعب والبطة البرية، بلغت الدراما الواقعية الحديثة، التي بشر بها ليسنغ وديدرو منذ أواسط القرن الثامن عشر، درجة عالية من النضج والشاعرية وإحكام البناء. ولهذا يحتل هنريك ابسن، بحق، الفصل الأول في أي دراسة عن المسرح الحديث. ويمكن القول دونما غلو أن تطور ابسن ككاتب مسرحي كان، على نحو ما، تلخيصاً لتاريخ تطور الفن الدرامي ذاته. فقد استهل عمله الأدبي بكتابة المسرحية الشعرية الرومانسية التي تستلهم -في الغالب- أحداث الماضي البعيد، ثم انتقل في المرحلة الثانية من حياته الإبداعية إلى كتابة المسرحية النثرية الواقعية، التي كانت سبباً في شهرته المدوية. أما في الطور الأخير من حياته فقد ابتعد بالتدريج عن المنحى الواقعي الاجتماعي واتجه إلى المسرحية السايكولوجية -الرمزية مستوحياً تجربته الذاتية في الحياة والفن. وكان هذا نوعاً من العودة إلى المسرح الشعري، بالمدلول الواسع للكلمة. ولعلنا نستطيع أن نلاحظ أن هذه، على وجه التقريب، هي المراحل التي مر بها أدب الدراما في تاريخه الطويل. فقد بدأ شعرياً يأخذ مادته من التاريخ والتراث، ثم انتقل إلى النثر مع انتقاله إلى معالجة الموضوعات المعاصرة، واتجه أخيراً إلى تأمل علاقة الفنان نفسه بالعالم وإلى استخدام أشكال تعبيرية أكثر التصاقاً بالذات. ولكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث في تطور الفن الدرامي عند ابسن أهميتها ونتاجاتها العظيمة، كما أن هذه المراحل ليست منفصلة عن بعضها كما قد يبدو للوهلة الأولى، فروح الإصرار والتشبث بالمثل الأعلى، التي نجدها عند براند - وهي نفسها التي تواجهنا عند لونا هيسل في مسرحية دعائم المجتمع التي تنتمي إلى المرحلة الواقعية، وهي نفسها الروح المسيطرة على سولنس في سيد البنائين، إحدى روائع المرحلة الرمزية، أي المرحلة الأخيرة في حياة ابسن، ومع ذلك فليس من المجازفة أن يقال إن ابسن الواقعي، لا الرومانسي أو الرمزي، هو الذي استأثر ومازال يستأثر باهتمام فناني المسرح وجمهوره طوال القرن الأخير، وأن المسرحيات الخمس التي سبقت الإشارة إليها هي التي بوأته مكانته الباذخة في تاريخ أدب المسرح. نشر ابسن أولى مسرحياته في عام 1850، وكانت مسرحية شعرية بعنوان كاتالينا استوحاها من تاريخ النرويج وكتبها متأثراً بشعر الفروسية والحب وبالمناخ الثوري الذي ساد أوروبا برمتها في تلك الفترة. وكان ابسن -يوم نشر تلك المسرحية متخفياً وراء اسم مستعار -شاباً في الثانية والعشرين من عمره، قدم إلى العاصمة كريستيانا (أوسلو الحالية) ليدرس الطب بعد سنوات سبع عجاف أمضاها يعمل مساعد صيدلي في بلدة غريمشتاد الساحلية الصغيرة. ولا يستطيع دارس ابسن أن يتجاهل هذه الفترة من حياة الكاتب العظيم. فهنا، في هذه البلدة النائية المعزولة عن العالم، التي ذهب إليها الفتى هنريك ابسن طالباً للرزق بعد أن تدهورت أحوال أبيه المالية على نحو مفاجئ، أتيح له أن يختزن في ذاكرته الكثير من صور الانغلاق والتزمت والرياء الاجتماعي، التي أصبحت فيما بعد مادة لمسرحياته الاجتماعية. ولم يلبث هنريك ابسن أن تخلى عن فكرة دراسة الطب وغادر أوسلو ليصبح مساعداً لمدير مسرح مدينة بيرغن. ثم حصل على منحة سفر لدراسة الإخراج المسرحي في الدانمارك وألمانيا، وبعد عودته مارس الإخراج في مسرح بيرغن ثم في المسرح القومي في العاصمة. ولهذه الخبرة العملية أثرها العميق في وصول ابسن إلى ذلك الإتقان المذهل في الصنعة الدرامية. فقد أتاح له اشتغاله بالمسرح في تلك الفترة أن يلم بأسرار المسرحية المتقنة الصنع التي كانت شديدة الرواج في المسارح الأوروبية يومذاك، وكان أبرز مؤلفيها الفرنسيان يوجين سكريب وفكتوريين ساردو. ويمكننا أن نلمس أثر المسرحية المتقنة الصنع في نتاجات ابسن الباكرة، مثل قبر المحارب (1850) وليلة القديس يوحنا (1853) والليدي انغر من اوسترات (1855) و وليمة سولهاوغ. (1856) والفايكنغ في هلغلاند (1858) فجميع هذه المسرحيات من النوع الميلودرامي الذي كان سائداً آنذاك، أما موضوعاتها فهي مستمدة من التاريخ القومي والحكايات الشعرية الشعبية. ورغم ذلك فقد حملت تلك المسرحيات بعض الملامح الأساسية التي تميزت بها أعمال ابسن الناضجة في الفترات اللاحقة كعودة الأشباح من الماضي، والصراع بين المثالية والواقع، والاهتمام بالقضايا الاجتماعية، والبراعة في رسم الشخصية المسرحية من جوانبها المختلفة. في عام 1864 غادر ابسن وطنه ليمضي معظم سنوات حياته التالية في إيطاليا وألمانيا. ومع أنه لم يكن مغموراً حين غادر النرويج، فإن الشهرة الواسعة جاءته مع صدور مسرحيته الشعرية العظيمة براند في عام 1866. ولم تعد عليه براند بالشهرة وحدها بل عادت عليه كذلك بمعاش ثابت من الحكومة النرويجية، بالإضافة إلى حقوقه المادية كمؤلف. وبذلك انتهت المتاعب المالية التي رافقته حتى ذلك الوقت. ويسجل عام 1869 تحولاً خطيراً في عمل ابسن، إذ يهجر الشعر إلى النثر، والأسطورة إلى الواقع والشخصيات التاريخية إلى الشخصيات المعاصرة الحية التي عرفها في مجتمعه: الرأسمالي والكاهن وعمدة البلدة والصحفي والطبيب والعامل وربة البيت الخ. وقد استهل ابسن هذا الطور الواقعي الجديد بمسرحية عصبة الشباب التي عاد بعدها إلى الشعر مرة واحدة في مسرحية الامبراطور والجليلي، قبل أن يهجره إلى الأبد. وبعد ذلك بسنوات كتب ابسن إلى أيدموند غوس، يفسر له تحوله إلى استخدام النثر في المسرح: "أنت تشعر أنه كان من الأفضل لو أني كتبت مسرحيتي شعراً، وهذا ما لا أستطيع الموافقة عليه. لابد أنك لاحظت أن هذه مسرحية واقعية.. ولقد أردت أن أجعل القارئ يحس أنه ينظر إلى شيء حدث بالفعل.. ليس الأمر كما لو كنا مازلنا نعيش في أيام شكسبير.. لقد أردت أن أرسم كائنات بشرية عادية. فكيف أستطيع أن أدعهم يتكلمون لغة الآلهة؟. ولكن ابسن لم يتخل عن الشعر إلا من حيث هو قواف وأوزان، أما روح الشعر فقد ظلت قوية في كل أعماله اللاحقة، بل إنها بلغت في مرحلة إنتاجه الواقعي مالم تبلغه في مرحلته الرومانسية. وربما كان هنريك ابسن الوحيد بين مؤلفي المسرح الحديث الذي يرتفع إلى جلال المأساة الإغريقية دون أن يتخلى عن واقعيته الصارمة. فالعبارة المسرحية عنده غالباً ما تحمل. إلى جانب مدلولها الواقعي المباشر، مدلولاً رمزياً شاملاً. وحين ندرس العبارة الابسنية فإنها تدهشنا بكثافتها ووظائفها المتعددة، فهي ليست مجرد عبارة تنبثق من الفعل الدرامي وتمهد له، ولكنها ضوء ينتشر في اتجاهات مختلفة لينير شخصية المتكلم والمخاطب وليكشف عن الماضي ويشير إلى المستقبل. ويمكن القول بأن مسرحية دعائم المجتمع التي نشرت عام 1877 هي البداية الحقيقية للمرحلة الواقعية من عمل ابسن، فقد أحرزت نجاحاً جماهيرياً كبيراً وعززت ثقته بصواب الجديد الذي اختاره. وبطل المسرحية رأسمالي نرويجي يبني ثروته ومركزه الاجتماعي المرموق على الكذب والخيانة، ولكنه يكتشف فيما بعد أن المرء لا يمكن أن يبني سعادة حقيقية على أساس كهذا، ويدفعه هذا الوعي الجديد إلى إعلان الحقيقة أمام الجميع.وقد ختم ابسن مسرحيته هذه بعبارة تلخص القضية التي ناضل من أجلها طوال حياته: إن روح الحقيقة وروح الحرية هما دعامتا المجتمع. وفي عام 1879 نشر ابسن مسرحية بيت الدمية التي سلفت الإشارة إليها، وقد قوبلت هذه المسرحية، لاسيما في ألمانيا، بعاصفة من الاحتجاج، واضطر مؤلفها -رغم عناده المأثور- أن يضع لها خاتمة أخرى إرضاء للجمهور الألماني الذي وجد فيها تهديداً لطمأنينته العائلية. وقد لاحظ برناردشو -وكان محقاً- أن روعة بيت الدمية إنما تكمن في نهايتها غير المألوفة، ولولا هذه النهاية لما كانت تختلف عن أي مسرحية ميلودرامية من مسرحيات تلك الأيام. وقصة بيت الدمية- باختصار- هي قصة الزوجة التي تقرر فصم العلاقة الزوجية حين تكتشف أن زوجها لا يكن لها احتراماً حقيقياً ولا يؤمن بحقها في أن تفكر أو تتخذ أي قرار. وقد وجد ابسن أن خير رد يوجهه إلى أولئك الذين أغضبتهم بيت الدمية أن يكتب مسرحية أخرى تكشف عن العواقب التي تنجم عن إذعان المرأة لمصيرها وموافقتها على معايشة زوج لا يحبها ولا يحترم حقوقها. وهكذا كتب مسرحيته العظيمة "الأشباح" التي صدرت في عام 1891. ولم يكن ابسن يجهل أن مسرحيته الجديدة ستثير استياء بعض الأوساط فقد كتب إلى ناشر أعماله هيغل يقول: "من المحتمل أن تسبب "الأشباح" شيئاً من عدم الارتياح في أوساط معينة، ولكن إذا لم تسبب ذلك فما الحاجة إلى كتابتها؟". ولكن ردة الفعل كانت أعنف بكثير مما توقع ابسن. فقد هاج لها الرأي العام الأوروبي وماج، وهبطت مبيعات كتب ابسن وكان يعول عليها أكثر من تعويله على العروض المسرحية، ولم يجسر أي مسرح في البلدان الاسكندنافية على تقديمها، ومرت ثلاث سنوات قبل أن يجرؤ أحد على ترجمتها إلى اللغة الألمانية. ولكن لماذا أثارت الأشباح كل هذا الغضب العنيف؟ إن القارئ المعاصر يصعب أن يعثر على الجواب، فالمسرحية لا تشتمل على كلمة بذيئة واحدة، وكل مافي الأمر أن بطلها أوسوالد ضحية لمرض السفلس الذي ورثه عن أبيه. وقد قدمه ابسن إلى الناس بوصفه الثمرة المنطقية لعلاقة زوجية ينقصها الحب والاحترام. ولم ينكمش هنريك ابسن أمام العاصفة، بل أمعن في تحدي "الأكثرية الحمقاء" فكتب مسرحيته التالية عدو الشعب التي ألهب فيها الصحافة والأحزاب والرأي العام بسوط احتقاره، معلناً أن الرأي القائل بأن الأكثرية دوماً على حق هو إحدى الأكاذيب الاجتماعية التي يتوجب على الرجل المستقل الأريب أن يكافح ضدها. وقد خرج ابسن عن عادته هذه المرة فكتب عدو الشعب في سنة واحدة، عوضاً عن سنتين، وهي المدة التي كان يمضيها في كتابة المسرحية الواحدة. وفوجئ ابسن مرة أخرى عندما وجد أن الجمهور الذي قصد إلى إهانته واستفزازه بهذه المسرحية قد استقبلها بحماسة شديدة! وتأتي مسرحية البطة البرية لتختم المرحلة الاجتماعية من عمل ابسن ولتمهد للمرحلة الرمزية -السايكولوجية. وقد حيرت هذه المسرحية المعقدة البناء نقاد ابسن ووجد فيها أكثرهم نقضاً لأفكاره السابقة حول الحقيقة فالمسرحية تندد بالمثالية الفجة في شخص بطلها غريغر فيرله، الذي يجر الخراب على عائلة بأسرها عندما يحطم الوهم الذي تعيش فيه. وينتمي إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من حياة ابسن الإبداعية عدد من روائعه الشهيرة، أبرزها هيدا غابلر (1890) وسيد البنائين (1892) وايولف الصغير (1894) وعندما نستيقظ نحن الموتى )1899) وبهذه المسرحية الأخيرة ختم هنريك ابسن، وهو في الحادية والسبعين من عمره، حياة فكرية وفنية خصبة استمرت زهاء نصف قرن. وكان ابسن قد عاد من منفاه الاختياري إلى وطنه في عام 1891 تحف به شهرته العالمية. وحين بلغ السبعين من عمره احتفلت به النرويج احتفالاً رسمياً ضخماً. ومات في عام 1906 تاركاً وراءه ولداً واحداً، هو سيغورد ابسن الذي مارس هو الآخر الكتابة للمسرح دون أن يصيب فيها نجاحاً يذكر. بغداد 1978 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |