دعوة إلى وعي الذات - الدكتور رشيد ياسين

فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحي - من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

اتجاهات وأسماء في المسرح المعاصر

لم يشهد فن المسرح، طوال خمسة وعشرين قرناً من تأريخه، مثل هذا التنوع اللامحدود الذي شهده عصرنا الراهن، وهو تنوع يشمل مناهج التأليف الدرامي مثلما يشمل أساليب العرض المسرحي. وتكفينا التفاتة سريعة إلى تأريخ المسرح لندرك أن الأمر لم يكن كذلك في الماضي، فقد كان للمسرح في مراحل ازدهاره المعروفة طرق معبدة واضحة يسلكها، وكانت الحياة المسرحية تتميز في كل مرحلة من هذه المراحل بتجانس كبير مرده إلى المثل الفنية الواحدة التي يهتدي بها فنانو تلك المرحلة. وهكذا يمكننا أن نتحدث بوثوق واطمئنان عن الأعراف والمفاهيم التي سادت المسرح الفرنسي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وعن ملامح التراجيديا في عصر الملكة اليزابيث، وعن المثال الرومانسي الذي هيمن على المسرح الأوروبي الغربي خلال النصف الأول من القرن الماضي. ولكننا لا نستطيع أن نتحدث بالوثوق نفسه عن مسرح القرن العشرين، فأمامنا عدد لا يحصى من الاتجاهات والأساليب ووجهات النظر التي يصل الاختلاف بينها أحياناً إلى حد التعارض المطلق، وبين أيدينا من النصوص والنتاجات المسرحية المعاصرة ما يصعب حصره وتصنيفه. وتطور المسرح في عصرنا هذا لا ينفصل عن تطور الحضارة جملة، فهو شكل من أشكال عديدة ابتدعها الوعي البشري للتعبير عن ذاته. ومع تراكم التحولات والأحداث الجسام في عصرنا وتسارع وتائر التطور الاجتماعي واتساع آفاق المعرفة الإنسانية، كان على الوعي أن يعيد النظر في الأشكال الفنية الموروثة التي أخذت تكشف، بصورة متزايدة، عن قصورها عن استيعاب هواجس العصر. من هنا جاء هذا التيار العارم الذي نطلق عليه اسم الحداثة والذي زلزل القواعد الراسخة لشتى الفنون، ومنها المسرح. ومن المؤكد أن للحداثة إضافاتها وإنجازاتها الخطيرة في الفنون المعاصرة، ولكن لها بالمقابل عيوبها الخطيرة كذلك، فقد جاءت بالكثير من البدع والنزعات المتطرفة التي توهجت برهة من الزمن ثم انطفأت مثلما تنطفئ الأسهم النارية دون أن تترك وراءها أثراً. ويكفي أن نتذكر التعبيرية التي كانت تياراً قوياً في المسرح الأوروبي خلال عشرينيات القرن الحالي، فمن يعبأ بها اليوم؟ وماذا تبقى من الدادية، أو المستقبلية مثلاً؟!‏

وما من ضرورة للتطرق إلى مختلف المدارس والنظريات التي جاءت بها الحداثة، فهي معروفة، ولكن ما نحتاج أن نشير إليه في مقدمة هذا الحديث هو أن تطور الفنون في عصرنا الراهن وثيق الصلة ببعض التيارات الفكرية القوية التي كان لها أثرها العميق في صياغة وجدان الإنسان المعاصر. ومن هذه التيارات التي يمكن رصد انعكاساتها الواضحة على اتجاهات الأدب والفن في عصرنا مفهوم الديمومة عند برغسون، ومنهج التحليل النفسي ونظرية تفسير الأحلام عند فرويد، والتفسير المادي للتاريخ عند ماركس، ووجودية سارتر -بنحو خاص. وسنلاحظ بعض هذه الانعكاسات ونحن نستعرض ما اخترناه من نماذج الدراما الحديثة.‏

على أن التنوع الهائل في مسرح القرن العشرين لا ينبغي أن يحجب عن أعيننا حقيقة مهمة، هي أن المنهج الواقعي -الذي بلغ ذروته الكلاسيكية في أواخر القرن المنصرم وأوائل القرن الحالي‏

عند هنريك إبسن وبرناردشو وأنطون تشيخوف وغيرهم من كبار الواقعيين -لا يزال التيار الأساسي الطاغي على المسرح العالمي، أما الاتجاهات الأخرى فلا تعدو أن تكون، في الغالب، سوى روافد صغيرة، قد تفيض وتلفت إليها الأنظار أحياناً، ولكنها سرعان ما تختفي وتندثر إذا لم تستمد حياتها وديمومتها من هذا التيار الكبير.‏

وليس صعباً على المتأمل أن يلاحظ أن الواقعية في المسرح (وفي الفنون العصرية المتفرعة عنه كالسينما والدراما التلفزيونية) ظلت في عصرنا هذا أقوى بكثير مما هي عليه في سائر الفنون الأخرى.‏

ويعود هذا، بالدرجة الأولى، إلى طبيعة المسرح نفسه. فإذا كانت الفنون أنواعاً من المحاكاة -كما ذهب أرسطو طاليس- فإن المسرح يحاكي الواقع محاكاة شاملة، لا جزئية كما في الفنون الأخرى. إن كاتب القصة -مثلاً- يحول الواقع إلى صورة ذهنية تنقلها الكلمات، والرسام يحوله إلى صور بصرية ساكنة ذات بعدين، أما المسرح فيقدم إلينا الواقع بصورته العيانية وبأبعاده الثلاثة وبحركته الدائبة التي لا تنقطع. وإذا كانت وسيلة الكاتب في تصوير الإنسان هي الكلمة، ووسيلة الرسام هي الخط واللون، فإن وسيلة المسرح الأساسية في تصوير الإنسان هي الإنسان نفسه بلحمه ودمه وبكل عنفوان الحياة في كيانه. من هنا يستمد المسرح قدرته البالغة على التأثير، وهنا تكمن خصوصية المسرح التي تجتذبه بقوة إلى الواقعية كلما دفعته بعض التيارات بعيداً عنها.‏

ولكن ما هي هذه الواقعية التي نتحدث عنها؟ إن مفهوم الواقعية كثيراً ما يختلط في الأذهان بمفهوم آخر يقاربه من بعض الوجوه، وأعني الطبيعية التي بشر بها الكاتب الفرنسي إميل زولا في النصف الثاني من القرن الماضي، وكان سترندبرغ وهاوبتمان ألمع ممثليها في حقل التأليف الدرامي. ولا مجال للتوسع في شرح الفوارق بين المفهومين، بل يكفينا القول بأن الطبيعية، في أوجز تعريفاتها، هي السعي إلى محاكاة الواقع حرفياً وبدون تمييز، بينما تعني الواقعية غربلة الواقع واصطفاء ملامحه النموذجية ولحظاته المكثفة لبلوغ ما يقتضيه الفن من عمق وصدق وتركيز.‏

والواقعية، بهذا المعنى، ليست ظاهرة فنية حديثة العهد، بل هي قديمة قدم المسرح نفسه، لقد كان يوربيدس واقعياً كبيراً رغم أن الآلهة تتدخل أحياناً بشكل مباشر -كما في مسرحية ميديا مثلاً -لحسم مصائر البشر في مسرحياته. وكان شكسبير واقعياً كبيراً هو الآخر رغم ما يطالعنا في مسرحياته من جن وسحرة وأشباح. ولكن واقعية القرن التاسع عشر هي غير الواقعية الكلاسيكية. إنها واقعية شديدة الالتصاق بالواقع الملموس، حريصة على التقيد بمظهره الخارجي ومنطقه المألوف إلى الحد الذي يبدو فيه العمل المسرحي سلسلة محكمة من الأسباب والنتائج.‏

وقد بلغ من حرص هنريك إبسن -وهو إمام هذا المنهج في مجال المسرح- على التقيد بمظهر الواقع أنه امتنع في مسرحياته الواقعية امتناعاً تاماً عن استخدام المناجاة الذاتية (soliloquy) والعبارات التي تغمغم بها الشخصيات الدرامية لنفسها أحياناً (aside)، رغم أن هذه من الأعراف الراسخة في المسرح، ولكن إبسن نفسه بدا في المرحلة الأخيرة من حياته وكأنه ضاق ذرعاً بواقعيته الصارمة، فإذا كانت هذه الواقعية هي الإطار الأمثل لمسرحيات الاحتجاج الاجتماعي أو الدراما العائلية -كما في بيت الدمية والأشباح مثلاً- فإنها بالمقابل لم تكن الإطار المناسب لمعالجة تلك المشكلة الوجودية التي شغلت إبسن في العهد الأخير من حياته، أعني مشكلة تمزق الفنان بين الواقع الممض وبين المثال الذي لا يدرك. وهكذا كان إبسن في مسرحياته الأخيرة أول من كسر الإطار الواقعي الصلب الذي صنعه بنفسه. ومهما يكن من أمر فإن ظهور إبسن وجيل الواقعيين الكبار في أواخر القرن الماضي كان بداية لهيمنة المنهج الواقعي على المسرح في القرن الحالي. ولم يكن ذلك اعتباطاً بل كان استجابة لحاجة تاريخية. وفي هذا يقول الناقد الأمريكي المعروف أريك بنتلي:‏

"لم تكن الواقعية نتيجة التلهف على الجديد بأي ثمن، بل كانت نتيجة -ورديفا- لهيمنة المدينة والآلة على الحياة، وهذا أمر لا يمكن تجاهله أياً كان رأينا فيه، وكان نتيجة -ورديفا- للإصلاح الاجتماعي والانشغال الجديد بأوضاع الشعب. وكان نتيجة -ورديفا- لنهضة العلوم الفيزيائية التي ترمي إلى السيطرة على الطبيعة بمعرفة مساراتها".‏

ولكن الشعور الذي خامر هنريك إبسن في شيخوخته حول قصور المنهج الواقعي ظل يخامر كتاب المسرح وفنانيه، ويعبر عن نفسه بأشكال مختلفة وصلت إلى حد التمرد العنيف خلال الأزمات والكوارث الاجتماعية وفي أعقاب التحولات التاريخية التي شهدها القرن العشرون. ولقد كانت المستقبلية، التي ولدت في إيطاليا في نهاية العقد الأول من هذا القرن والتي تبناها فلاديمير ماياكوفسكي وغيره من الكتاب والفنانين الروس في أعقاب ثورة أكتوبر، تعبيراً عن هذا الشعور. وكان مسرح بريشت الملحمي هو الآخر تعبيراً عن الإحساس بأن الواقعية التقليدية لم تعد قادرة على أداء المهمات الثورية المنوطة بالمسرح. وكانت المسرحية الشعرية التي كتبها ت. س. إليوت وكريستوفر فراي في إنكلترا وماكسويل أندرسون في الولايات المتحدة الأمريكية محاولات للخروج بالدراما من اهتماماتها الواقعية المحدودة إلى آفاق إنسانية أكثر رحابة وشمولاً. وربما كان مسرح العبث، الذي استهله يوجين يونسكو في منتصف القرن الحالي بمسرحيته الشهيرة المغنية الصلعاء أخطر تحد واجهته الواقعية في عصرنا، فقد قام على فكرة مؤداها أن الواقعية تزيف العالم لأنها تضفي عليه معقولية ليس لها وجود. وقد بدت هذه الدعوة، التي انبثقت أساساً عن فكرة العبث عند سارتر، مقنعة في عصر تداعى فيه كثير من المعتقدات والمثل التي قامت عليها الحضارة الأوروبية الغربية. ولكن هذه الاتجاهات لم تعش طويلاً رغم المواهب الكبيرة التي وقفت وراءها، وإن تكن نبهت إلى قصور الواقعية التقليدية وهيأت الأذهان لنوع جديد من الواقعية بدأ يسود المسرح في النصف الثاني من القرن الحالي.‏

إن هذه الواقعية الجديدة هي مدار حديثنا اليوم. ولسنا نطمح إلى تقديم تصور شامل عن نشأتها وتطورها وأعلامها، فالمجال لا يتسع لذلك كله، وإنما نريد الإلمام السريع ببعض الملامح الأساسية لهذا الاتجاه الجديد والوقوف عند بعض الأسماء البارزة والأعمال الدرامية المهمة التي لم يتسن لأغلب المعنيين بالمسرح عندنا الإطلاع عليها لأن ما نقل منها إلى العربية لا يزال قليلاً حتى الآن.‏

والواقعية الجديدة التي نتحدث عنها واقعية لا يعنيها كثيراً أن تحقق التماثل التام بين ما يجري في الواقع وما يجري على منصة المسرح ولا تلتزم ذلك المنطق الصارم الذي التزمه إبسن في مسرحياته الاجتماعية، بل هي واقعية يعنيها جوهر الواقع أكثر مما يعنيها مظهره الملموس، ولا تتردد في التضحية بهذا المظهر في سبيل إبراز المحتوى الفعلي للعلاقات الإنسانية والكشف عن أخفى دوافع السلوك البشري. وهي لا ترفض الاتجاهات الأخرى، كالمسرح الملحمي ومسرح العبث مثلاً، بل تفيد منها هنا وهناك بوصفها تقنيات تتيح للكاتب حرية أكبر في معالجة موضوعاته وإيصال أفكاره، كما أنها تتخذ من كشوف العلم واستبصارات الفكر الفلسفي المعاصر مداخل إلى فهم التجربة الإنسانية المعقدة. إننا، إذن، أمام مسرح جديد يختلف كثيراً عن المسرح الواقعي الذي نعرفه، ولكنه هو الآخر واقعي في جوهره لأنه يتناول الإنسان ضمن علاقاته الاجتماعية التاريخية ويتصدى بعمق وجرأة لهمومه وقضاياه ومؤسساته الكبرى، كالدين والعائلة والجنس والنظام السياسي، ويسعى إلى تسليط الضوء على الزوايا الخفية في النفس البشرية.‏

ولهذه الدراما الواقعية الجديدة ممثلون مرموقون اخترنا منهم لحديثنا هذا ثلاثة: الكاتب البريطاني بيتر شافر، والكاتبين الأمريكيين سام شبرد وبرنارد بوميرانس. وهؤلاء الكتاب الثلاثة يمثلون اتجاهات مختلفة في الكتابة للمسرح -كما سنرى في ما بعد- ولكنهم يلتقون ضمن هذا المنحى الجديد الذي نتحدث عنه.‏

ينتمي "بيتر شافر"، المولود عام 1926، إلى جيل الكتاب الذين نهضوا بالمسرح البريطاني في عقدي الخمسينات والستينات. ومن المعروف أن هذه النهضة الشاهقة، التي قارنها بعض النقاد بنهضة المسرح الإنكليزي في العصر الأليزابيثي، بدأت بظهور مسرحية جون أوزبورن الشهيرة انظر وراءك بغضب عام 1956. ولكن أوزبورن لم يستطع الاحتفاظ بنجاحه المبكر الباهر فتراجع إلى الخلف مفسحاً المجال لجيل من كتاب الدراما اللامعين، بينهم هارولد بنتر وتوم ستوبارد وبيتر شافر وروبرت بولت وآخرون.‏

بدأ شافر الكتابة للمسرح والتلفزيون منذ الخمسينات وظهر له أكثر من عمل ناجح خلال تلك الحقبة، ولكنه قفز إلى صف كبار الكتاب بمسرحيته الصيد الملكي للشمس The Royal Hunt of The Sun التي ظهرت عام 1964، وهي تصور سقوط إمبراطورية الأنكا في بيرو عام 1532 على أيدي حفنة ضئيلة من المرتزقة الأسبان يقودهم جنرال أمي اسمه فرنشسكو بيزارو. وفي عام 1973 نشر شافر مسرحيته السايكولوجية الحصان (Equus) . وقد أحدثت هذه المسرحية دوياً هائلاً وأثارت ردود فعل متباينة واستمر عرضها على المسرح في نيويورك أكثر من ثلاث سنوات متواصلة.‏

وفي عام 1979 أصدر شافر ثالثة مسرحياته الكبرى، أماديوس، التي تناولت العلاقة الغريبة بين المؤلف الموسيقي العظيم موتسارت وبين معاصره الموسيقي أنطونيو سالييري.‏

ويمكننا أن نرى من طول الفواصل الزمنية بين مسرحية وأخرى أن بيتر شافر من الكتاب الذين يعملون بتأن وحرص. وهو يقول في مقدمة كتبها لمسرحياته الثلاث هذه إن تأليف المسرحية الواحدة يكلفه سنوات عديدة من البحث والتحضير وإعادة الكتابة مرة بعد مرة حتى يأخذ العمل بين يديه الصورة التي يرتضيها ويطمئن إليها. وتتميز مسرحيات شافر بأنها تستند إلى خلفية ثقافية واسعة، إذ تتخلل نسيجها الفني المتشابك معارف شتى تمتد من الميثولوجيا الإغريقية إلى تاريخ الاستعمار الغربي الحديث، ومن أصول التأليف الموسيقي إلى أصول العلاج النفسي. وهذه إحدى سمات الدراما المعاصرة، التي تواجه بالمعرفة العلمية المتعمقة كثيراً من المشكلات التي كان مسرح العصور الماضية يواجهها بالحدس أو التأمل المحض. وحين يعود الكاتب المسرحي المعاصر إلى شخصيات التأريخ وأحداثه فإنه يتزود سلفاً بكل ما تقتضيه هذه المهمة من معرفة علمية دقيقة. أما في الماضي فقد كان الكاتب المسرحي يبني عمله أحياناً على معرفة جزئية بالتأريخ، وقد يستعين بخياله لسد النقص الكبير في معارفه التاريخية، كما فعل الكاتب الفرنسي فولتير حين كتب مسرحيته المعروفة عن النبي محمد (ص). وتنفعنا في هذا الصدد مقارنة سريعة يبن مسرحية أماديوس لبيتر شافر وبين مسرحية شعرية صغيرة حول الموضوع نفسه كتبها الشاعر الروسي الكبير الكسندر بوشكين بعنوان موتسارت وسالييري. ففي مسرحية بوشكين تطالعنا صورة رومانسية زائفة لموتسارت هي من نسج خيال الشاعر قطعاً، أما في مسرحية شافر فنحن أمام موتسارت الحقيقي -كما تصوره رسائله الشخصية- بغروره ونزقه وولعه بالنكات السخيفة وضائقته المادية الأبدية. ومع أن صورة موتسارت في مسرحية أماديوس عارية تماماً من الجلال الأسطوري الذي نرسمه في أذهاننا لعظام الفنانين، فلا أحسب إلا أنها أحب إلى نفوسنا بكثير من صورته في مسرحية بوشكين، لأنها أصدق وأكثر امتلاء بالحياة وأقرب إلى ما نعرفه بالتجربة الحية عن ضعف الإنسان ونزواته وحماقاته.‏

وغني عن القول أن شافر لم يكن يريد بكتابة هذه المسرحية أن يصحح الصورة المرتسمة في الأذهان عن موتسارت، فهذه مهمة الدارس وليست مهمة الفنان، وإنما أراد أن يتخذ من الصراع بين سالييري وموتسارت وسيلة للتعبير عما سماه في مقدمته التي أشرنا إليها باعتراض الإنسان على التعسف الإلهي. فسالييري يعذبه شعور موجع بأن العدالة الإلهية قد ظلمته عندما أسبغت العبقرية على موتسارت، رغم بذاءته وحماقاته الصبيانية، وضنت بها عليه، هو الرجل المجتهد الوقور، الذي يريد تمجيد قدرة الله في فنه. وإذ يرى موتسارت ينتقل من نجاح إلى نجاح وهو عاجز عن مجاراته، يستولي عليه اعتقاد بأن هذا الفتى العبقري النزق اللاهي ليس سوى أداة يريد بها الله إذلاله وتحطيمه، وتمتلئ نفسه بالموجدة والكراهية ويصمم على تحطيم هذه الأداة. وتتحقق لسالييري أمنيته الشريرة فيموت موتسارت في شبابه، ويخلو له الجو، ولكنه سرعان ما يكتشف أنه هزم مرة أخرى. لقد ذهب موتسارت وبقي فنه العظيم، أما هو -سالييري- فقد عاش ليرى اسمه ينطفئ شيئاً فشيئاً ويغيب عن ذاكرة التاريخ.‏

إن سالييري في مسرحية أماديوس شخصية يسوقها دافع هدام، ومع ذلك فهي لا تشبه الشخصيات الشريرة التي ألفناها في المسرح، فنحن نفهم معاناته ولا نملك إلا أن نتعاطف معه في بعض المواقف. إننا نراه يحاول التقرب من موتسارت فيصطدم باستخفاف الأخير ولا مبالاته، بل إننا نرى موتسارت يتخذ منه مادة للهزء والتندر أحياناً. وهكذا تبقى عواطفنا موزعة بين طرفي الصراع، لأن لكل منهما حقه الإنساني ومبرراته.‏

ويخامرنا إحساس مماثل ونحن نتابع مسرحية شافر الأخرى المسماة الصيد الملكي للشمس وهي تقوم -كالمسرحية السابقة- على الصراع بين شخصيتين مركزيتين، هما آتا هوالبا ملك إمبراطورية الأنكا الغنية الذي يؤلهه شعبه، والجنرال بيزارو الذي يغزو هذه الإمبراطورية الشاسعة ويستولي عليها بجيش من المغامرين المرتزقة قوامه مائة وسبعة وستون شخصاً بينهم اثنان من المبشرين المسيحيين. والضحية في هذه المسرحية هو الملك الشاب آتا هوالبا، ابن الشمس، الذي يستدعي قائد هذه الحفنة من الغزاة إلى لقائه، وحين يتم اللقاء يبادر الملك بسذاجة متناهية إلى إظهار حسن نيته فيأمر حرسه المؤلف من ثلاثة آلاف مقاتل بإلقاء سلاحهم. ويغتنم الغزاة هذه الفرصة فيقتلون أتباع الملك العزل ويأخذونه رهينة لديهم.‏

ولا يبدو على الملك، الذي تعود على الثقة بالإنسان، أنه استخلص الدرس الضروري من هذه المذبحة الوحشية، فهو يساوم آسريه على حريته وحين يعلم أنهم جاؤوا من أجل الذهب يعرض عليهم أن يملأ لهم حجرة سجنه ذهباً مقابل إطلاق سراحه، مكتفياً بعهد مكتوب يقدمه إليه بيزارو. ويفي الملك بوعده فيأمر بجلب الذهب من كل مكان وتتراكم في الحجرة التحف الفنية النفسية التي تنتزع من المعابد والقصور. وعندما تمتلئ الحجرة تماماً يأمر بيزارو بصهر هذه التحف، غير ملتفت إلى قيمتها الفنية، وتحويلها إلى سبائك يتقاسمها مع أتباعه. ويطلب آتا هوالبا وقد أنجز وعده بأن يفي الطرف الآخر بما وعد به، ولكن بيزارو يخشى انتقام الملك فيشترط عليه التعهد بتركه وأتباعه يغادرون البلاد بسلام. ولأن الملك لم يألف الخديعة والمناورة فإنه يرفض إعطاء مثل هذا التعهد، ولا يبقى أمام الغزاة سوى التخلص منه للنجاة بأنفسهم. وترتفع الأصوات منادية بقتل الملك، ولكن بيزارو، الذي نشأت بينه وبين آتا هوالبا مودة صادقة خلال فترة سجنه، يصحو ضميره وتتحرك في نفسه بقية من نوازع الفروسية فيرفض قتله، وإذ يعجز أتباعه عن إقناعه بذلك يتمردون عليه ويقيمون محكمة دينية يترأسها المبشران المسيحيان ويحاكمون الملك ويقضون بإعدامه بتهمة الكفر ومعاداة المسيح واغتصاب الملك من أخيه! ويستقبل آتا هوالبا الحكم مطمئناً، فهو ابن الشمس الخالد الذي لا يموت، وإذا لم يكن أبوه الشمس يريده إلى جواره فسيبعث من جديد في فجر اليوم التالي! وأمام هذه الطمأنينة يبدو بيزارو الشيخ الذي يقترب من نهايته الموحشة بقلب خال من الإيمان، ميالاً إلى تصديق المعجزة. إنه يقول لتابعه مارتن:‏

-أنظر إليه: إنه هادئ على الدوام كما لو أن أنياب الحياة لم تنهشه أبداً... ولا أنياب الموت. ماذا لو أن الأمر كان صحيحاً حقاً يا مارتن؟ أن أكون ذهبت لاصطياد الآلهة فظفرت بواحد منها؟ بكائن يستطيع أن يجدد حياته مرة بعد مرة؟‏

ويتساءل مارتن مندهشاً:‏

-ولكن كيف يستطيع ذلك يا سيدي؟ كيف يستطيعه أي إنسان؟‏

-ويجيبه بيزارو:‏

-بالعودة مرة بعد مرة إلى مصدر الحياة-إلى الشمس!‏

ويشنق الملك الشاب بوحشية، وعندما يؤتى بجثته ويلقى بها عند قدمي بيزارو ينحني عليها هذا غير مصدق، حتى إذا أيقن أنها خالية من الحياة وانقطع في يده خيط الإيمان الواهي الذي كان يتشبث به، ضربها بقوة صارخاً:‏

-خديعة! لقد خدعني! خديعة..‏

وارتمى منتحباً للمرة الأولى في حياته.‏

هنا، مرة أخرى، نتعاطف مع الضحية ولا نخلو في الوقت نفسه من تعاطف مع الجاني، لأن ثمة توازناً كبيراً بين الشخصيتين المتصارعتين، فلكل منهما منطقها ودوافعها، ولكل منهما عيوبها وجوانبها الإنسانية. إن آتا هوالبا ليس بريئاً كل البراءة، فهو يعترف بأنه قتل أخاه واستولى على ملكه، وهو من هذه الناحية مكافئ للجندي المرتزق بيزارو الذي جاء سعياً إلى الاستحواذ على ملك الآخرين. ولكن لآتا هوالبا عيباً تراجيدياً خطيراً، هو ثقته بالآخرين وتعففه عن الكذب والمراوغة، وهي صفات لا تأتلف مع فن السياسة والحكم. ولولا ذلك لما استطاعت حفنة بائسة من المرتزقة أن تهزم إمبراطورية شديدة الغنى يقطنها أربعة وعشرون مليوناً من البشر.‏

إن مسرحية الصيد الملكي للشمس تقيم مواجهة مأساوية بين عالمين مختلفين: الغرب الاستعماري بجشعه واقتحاميته وريائه الديني والأخلاقي، والدول التي نطلق عليها في أيامنا هذه اسم العالم الثالث، بسلبيتها وسكونها ومعتقداتها الغيبية وسذاجتها السياسية.‏

والمسرحية مليئة بالمفارقات الحادة التي حفلت بها عهود الاستعمار القديم، والتي لا تزال تحفل بمثلها السياسات الدولية المعاصرة وإن اختلفت الظروف والأشكال، فالأسبان المتحضرون، الذين ألفوا الكتب في قواعد الفروسية، لا يتورعون عن قتل آلاف من الهنود العزل الذين كانت كل جريرتهم أنهم أرادوا إظهار حسن النية والرغبة في السلام! والمبشرون الذين جاؤوا إلى هذه البقعة النائية يحملون صليب المسيح وتعاليمه الإنسانية يباركون النهب ويحضون على سفك الدماء لقاء أن تنال الكنيسة حصتها من الذهب المسروق! ولا يكتفي شافر بإبراز هذا التناقض الصارخ بين جوهر المسيحية وبين الأعمال الهمجية التي ارتكبت باسمها، بل يتناول المفاهيم اللاهوتية المسيحية نفسها بتهكم لاذع، ففي مناظرة بين أحد الكهنة الهنود وبين مبشر مسيحي ممن يرافقون حملة بيزارو، يدور الحوار التالي:‏

المبشر: قل لي، كيف يمكن أن يكون للشمس ولد؟‏

الكاهن الهندي: وكيف يمكن أن يكون لربكم ولد، ما دمتم تقولون إنه بلا جسد؟‏

المبشر: إنه روح-في داخلنا.‏

الكاهن الهندي: ربكم في داخلكم؟ وكيف يكون ذلك؟‏

وهنا يتدخل الملك آتا هوالبا مجيباً على السؤال:‏

-إنهم يأكلونه. إنه يتحول في البداية إلى كعك ثم يأكلونه. لقد رأيت هذا. فهم يقولون في صلاتهم هذا جسد إلهنا. ثم يشربون دمه بعد ذلك. إنه لأمر سيء جداً. هنا في إمبراطوريتي لا نأكل الناس. لقد منعت أسرتي ذلك منذ زمن بعيد.‏

وفي مسرحية الحصان -وهي ذات موضوع معاصر، خلافاً للمسرحيتين السابقتين- يدور الصراع مرة أخرى بين شخصيتين مركزيتين، هما الطبيب النفساني مارتن دايزرت والشاب المراهق ألن سترانغ، الذي جيء به إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد أن سمل عيون ستة جياد بمسمار كبير. ويصطدم الطبيب بادئ الأمر بتكتم ألن وتهربه من الإجابة وصلفه وخشونته، ولكنه يستدرجه بالصبر والحيلة إلى الإفضاء بما في نفسه بالتدريج فنكتشف أن انحرافه يعود أساساً إلى التناقضات الحادة في بيئته المنزلية، فقد نشأ بين أم مسيحية شديدة التدين وأب يدين بالمادية والفكر الاشتراكي على تزمت وضيق أفق. ونكتشف أن ألن -بتأثير من الكتاب المقدس الذي كانت أمه تتلوه على مسامعه في صغره -اتبع ذات يوم صورة تمثل السيد المسيح وهو يسير إلى الجلجلة مكبلاً بالأغلال، وعلقها فوق سريره. ولكن والده لم يطق هذه الصورة ولم يشأ لولده أن ينشأ في أجواء المسيحية فرفعها من مكانها. وعندما ألفى ولده محزوناً لفقد الصورة جاءه بصورة أخرى تمثل حصاناً يطل من سياج حديقة وألصقها مكانها. وقد تضافرت هذه الصورة مع انطباعات عديدة أخرى. لا يسمح المجال بذكرها، على خلق قناعة لدى الصبي بألوهية الحصان، فصار يركع أمام صورته في الليالي ويناديه باسم "Equus" وهي التسمية اللاتينية للحصان- ويبتدع له سلالة شبيهة بسلالة المسيح الواردة في الإنجيل.‏

وتشاء الصدفة أن يلتقي ألن فتاة جميلة اسمها جل، تعمل في إسطبل للخيل، فتساعده على العمل هناك مرة في الأسبوع. ويغتنم ألن هذه الفرصة ليتسلل في الليل، بين حين وآخر، مع أحد الخيول إلى ركن منعزل في مزرعة قريبة، يمارس فيه طقوساً غريبة يتجرد خلالها من ثيابه ويعتلي الحصان في نشوة وهوس لا يخلوان من تفجر الأشواق الجنسية المكبوتة.‏

وذات مساء تدعوه صديقته جل إلى مشاهدة فلم جنسي في إحدى دور العرض، ثم تقنعه بالذهاب معها إلى الإسطبل، حيث يستطيعان ممارسة الحب بعيداً عن الرقباء، وحين يرقد معها على القش ويعانقها يداهمه شعور بأنه يخون معها معبوده "Equus" وأن أحداق الخيل تراقبه باستياء من وراء الباب المغلق، فيقلع عن محاولته ويطرد الفتاة بخشونة، ثم يركع أمام الخيل يسألها الصفح والمغفرة. ولكن عيون الخيل تواصل التحديق إليه حتى يدركه اليأس ويعتريه الغضب فيتناول قطعة معدنية حادة ويفقأ أعينها الواحدة تلو الأخرى، ثم يرتمي على الأرض صارخاً مولولاً.‏

ليست هذه، في الواقع، سوى خلاصة باهتة لهذه المسرحية المعقدة، الغنية بما فيها من فكر واستشفاف لخفايا النفس البشرية وأنماط استجابتها لمؤثرات العالم الخارجي. ونلحظ هنا كذلك ما سبق أن لاحظناه من توازن بين قطبي الصراع في مسرحيات بيتر شافر، فالطبيب مارتن دايزرت، الذي يفترض أنه الطرف الإيجابي في الصراع، يعاني من الواقع من تناقضات داخلية عميقة، إنه رجل غير سعيد بمهنته التي يمارسها ولا بحياته الخاصة. وهو يهرب من ركود حياته، التي لا يطيقها ولا يملك القدرة على تغييرها، إلى كتب التاريخ وإلى ذكريات فترة أمضاها في إحدى القرى اليونانية. ويبدو دايزرت- وقد أوكلت إليه مهمة معالجة ألن سترانغ- مرتاباً في جدوى عمله، فلماذا يجرد الفتى من هذه الأسطورة التي تلهب خياله ووجدانه؟ إنه يرى في عبادة ألن للخيل وطقوسه المحمومة التي يؤديها معها توهجاً ونشوة تفتقر إليهما حياته هو. وهو غير واثق من أنه يفعل خيراً حين يشفي هذا الفتى من خباله ويرده إلى الحياة الخاوية الرتيبة التي يحياها الناس الأسوياء. ويلخص لنا دايزرت محنته منذ بدء المسرحية حين يقول مخاطباً الجمهور:‏

-المسألة أنني يائس. إنني شخصياً أحمل، كما ترون، رأساً كرأس ذلك الحصان. هذا هو إحساسي. إنني مشدود إلى اللغة القديمة والافتراضات القديمة، أستجمع قواي لأثب بحوافر نظيفة إلى مسار للحياة جديد كلياً، أحدس وجوده مجرد حدس... ولكنني لا أستطيع القفز لأن اللجام يمنعني ولأن قوتي الأساسية -أو قدرتي الحصانية إن شئتم- أقل مما ينبغي..‏

ومن المهم، وقد ألممنا بمضمون هذه المسرحيات الثلاث، أن نتوقف عند الجوانب التقنية في أعمال بيتر شافر.. ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا المجال أن الراوية المستعار من مسرح بريشت الملحمي موجود في جميع المسرحيات التي ذكرناها. ويتضح هذا التأثير البريشتي بنحو خاص. في مسرحية "الحصان"، حيث نرى الطبيب النفسي يتوجه بين حين وآخر بخطاب مباشر إلى الجمهور الذي يجلس قسم منه على منصة المسرح نفسها.‏

وتتخذ مسرحية الصيد الملكي للشمس شكل ذكريات يرويها العجوز مارتن الذي رافق الجنرال بيزارو في حملته على بيرو، وكان أيامها حدثاً في مقتبل العمر. وثمة مشاهد عديدة نرى فيها مارتن الشيخ يعلق على الأحداث، بينما نرى في الوقت عينه مارتن الشاب يشارك فيها. ولعلها المرة الأولى التي يؤدي فيها ممثلان مختلفان شخصية واحدة في وقت واحد على منصة المسرح!.‏

وللراوية في مسرح بيتر شافر وظيفة تشبه من بعض وجوهها وظيفته في مسرح بريشت، فهو يسرد ويفسر ويعلق، داعياً المتفرج إلى تأمل الأحداث‏

التي تعرض أمامه. ولكن الراوية هنا ليس مجرد مراقب أو مشاهد، كما في المسرح الملحمي، بل هو طرف أساسي في الصراع، أو أحد المشاركين فيه على الأقل، وهو بالتالي لا ينطق بلسان المؤلف، بل بلسان الشخصية التي يؤديها.‏

على أن مهمة الراوية في مسرحيات شافر لا تقف عند هذا الحد، بل هو في الواقع جزء أساسي من تقنية يستخدمها شافر لأغراض متعددة. فمن مزايا هذه التقنية أنها تتيح للكاتب أن يبدأ قصته من النهاية ويضع أمامنا حصيلة الأحداث قبل وقوعها على المسرح، وبذلك تتحول بؤرة الاهتمام عند المتفرج من التساؤل عما سيحدث أخيراً إلى التساؤل عن سر ما حدث بالفعل. وفي ذلك ما فيه من شحذ اهتمام المتفرج وإثارة فضوله. ومما يضاعف من هذا الاهتمام والفضول أن المقدمات والنتائج في مسرح بيتر شافر تبدو للوهلة الأولى شديدة التنافر ومنافية لمنطق الأشياء، فكيف يقدم -مثلاً- صبي يعشق الخيل ويؤلهها تأليهاً على سمل عيونها؟ وكيف تقهر حفنة بائسة من المغامرين إمبراطورية بأسرها؟! إن غرابة الواقعة وغموض أسبابها يدفعان المتفرج إلى متابعة ما يجري أمامه بتركيز مضاعف لمعرفة السر الذي يمضي المؤلف كاشفاً عنه بتمهل حتى يعريه تماماً في المشهد الأخير من المسرحية.‏

ومن مزايا هذه التقنية كذلك أنها تعطي القصة التدفق المستمر، فليس ثمة فواصل تقتضيها تغيرات الزمان والمكان، لأن مسرح الأحداث هو ذاكرة الراوية نفسه، وبالتالي فلسنا أمام فعل يجري في أمكنة وأزمنة مختلفة، بل نحن أمام تيار من الوعي المتصل. ورغم أن شافر يقسم مسرحياته إلى فصول ومشاهد، كما هي العادة، إلا أنه يحرص في مقدمات مسرحياته على الإشارة إلى أن الفعل الدرامي متصل منذ بداية المسرحية حتى نهايتها. ولعل هذا ما دعاه إلى جعل الممثلين في مسرحية الحصان يلازمون منصة العرض طوال الوقت ليبرزوا إلى دائرة الضوء عندما يأتي دورهم. وليست هذه، على أي حال، صفة ينفرد بها بيتر شافر، فالواقع أن تدفق الفعل المسرحي بلا انقطاع من الأمور التي يحرص عليها كتاب الدراما المعاصرون انطلاقاً من فكرة الديمومة البرغسونية، التي أشرنا إليها في مطلع الحديث.‏

ونلمس في مسرحية الحصان لمحة أخرى من ملامح المسرح الملحمي عندما نرى ممثلي أدوار الخيل ينهضون من مقاعدهم ويلبسون أقنعتهم أمام الجمهور.‏

ويولي بيتر شافر أهمية كبيرة لعناصر العرض المسرحي، فهو من المؤلفين الذين يؤكدون دوماً أن الكلمات وحدها لا تكفي وأن المسرح هو رؤية يشترك في صياغتها المؤلف والمخرج. وهو لا يميل إلى رسم البيئة رسماً واقعياً على منصة المسرح، فأحداث مسرحية "الحصان" -مثلاً- لا تجري في مستشفى للأمراض العقلية، كما يفترض، بل ضمن مساحات هندسية يغلب عليها التجريد، وكأنه يريد بذلك أن يقول إن مخيلة المثقف الغربي باتت أسيرة القوالب الجامدة التي فرضها تقدم العلم والتكنولوجيا على حياة المجتمعات المتطورة. وفي الصيد الملكي للشمس نرى قرصاً معدنياً كبيراً، يرمز إلى شمس الأنكا، يتدلى وسط المسرح، ونرى هذا القرص الوهاج ينطفئ عندما يبدأ الغزاة الإسبان بالاستيلاء على الذهب.‏

ولننتقل بعد ذلك إلى الكاتب الأمريكي سام شبرد، وسنتوخى الإيجاز في الحديث عنه بعد أن طالت وقفتنا عند مسرحيات بيتر شافر. وشبرد يمثل وجهاً آخر من أوجه الواقعية الحديثة في الدراما، فهو من الكتاب الذين يخلطون الواقع بالرمز، والمعقول باللامعقول والغريب، إلى الحد الذي يضفي على أعماله مسحة من الغموض ويرشحها لأكثر من تفسير واحد. ويذكرنا شبرد من الناحية التقنية بالكاتب البريطاني المعروف هارولد بنتر، بينما يذكرنا من حيث الفكر والمواقف بزميله الأميركي إدوارد أولبي، فهما يلتقيان في رفضهما قيم المجتمع الأميركي وإدانة ما يتصف به هذا المجتمع من نفعية وقسوة وخواء روحي. وسام شبرد كاتب غزير صدر له حتى الآن أكثر من عشرين مسرحية. وسنقصر الحديث هنا على واحدة من أهم مسرحياته، وهي الطفل المدفون، الحائزة على جائزة بوليتزر.‏

تقدم إلينا مسرحية الطفل المدفون أسرة غريبة مؤلفة من أب عجوز سكير يلازم أريكة قديمة في صالة المنزل، وزوجة ثرثارة تتحدث بلا انقطاع عن أيامها وابنها الراحل الذي ما كان ليموت شاباً لولا أنه تزوج من امرأة كاثوليكية، ومن ولدهما تلدن الأبله الذي عاد إلى بيت أبيه بعد أن طرد من نيومكسيكو لسبب غامض، وبرادلي الفظ ذي الكتفين القويتين والساق الخشبية. ويدور الحديث في المشاهد الأولى حول مزرعة الأسرة التي أهملت منذ عشرات السنين. وفجأة يعود حفيد الأسرة الغائب فنس ومعه خطيبته الأمريكية- اللاتينية شيلي التي جاء بها لتتعرف إلى أهله. ولكن الجد السكير ينكر حفيده ولا يتذكره رغم المحاولات التي يبذلها الشاب لابتعاث صورة الماضي في ذاكرته. وحين يعود تلدن -ولد فنس- إلى المنزل فإنه هو الآخر لا يحفل بوجود ابنه ولا يلقي إليه أي اهتمام. ويساور الفتاة الشك في حقيقة انتساب فنس إلى هذه الأسرة، وتحاول إقناعه بمغادرة البيت ولكنه يصر على البقاء. وعندما يكثر إلحاح الجد العجوز على الجميع بأن يبتاعوا له قنينة من الخمر يتطوع فنس لأداء المهمة ويغادر المنزل فتنتهز شيلي هذه الفرصة لتسأل تلدن عن هوية خطيبها فيجيبها هذا بأنه ليس له أولاد وأن ولده الوحيد قد قتله الجد وهو طفل رضيع. ويحاول العجوز منع تلدن من الاستمرار في سرد القصة فيسقط من أريكته إلى الأرض ويظل رابضاً هناك. وخلال ذلك يدخل برادلي الفظ منتهراً تلدن فيهرب هذا مذعوراً منه. ويتقدم برادلي من الفتاة ويأمرها بفتح فمها ثم يدس أصابعه فيه!.‏

وفي الفصل الأخير من المسرحية نرى برادلي نائماً على أريكة والده القديمة وقد تدثر بدثاره ووضع ساقه الخشبية إلى جانبه بينما الأب لم يزل مستلقياً على الأرض. ونرى الأم وقد عادت إلى المنزل بصحبة كاهن بروتستانتي عجوز يدعى الأب دويس، أما فنس الذي خرج لشراء الخمر فلا نلمح له أثراً. وتعود الفتاة إلى الاستفسار عن قصة الطفل المقتول فيزجرها برادلي الذي يستيقظ من نومه منزعجاً، ولكنها تختطف ساقه الخشبية وتتركه عاجزاً عن الحركة. وتتدخل الأم عبثاً لإسكات الفتاة الفضولية. وأخيراً يقرر العجوز أن يتكلم فيعترف بأنه قتل الطفل ودفنه في الأرض المجاورة للمنزل لأنه كان طفلاً غير شرعي حملت به زوجه سفاحاً، ولم يكن يريد لهذه الغلطة أن تدمر كل ما بناه.‏

ويعود فنس أخيراً وقد أفرط في السكر وجاء معه بكل القناني التي أفرغها في جوفه، ويقتحم المنزل مترنماً بأغنية من أغاني الحرب، ويبدأ بقذف القناني الفارغة وكأنه يخوض معركة بالقنابل اليدوية. وإذا ذاك فقط تتذكر الجدة أن هذا حفيدها فتسأل:‏

-فنسنت؟ أهذا أنت فنسنت؟‏

ويعتدل برادلي في جلسته على الأريكة متوعداً فنس ثم ينزلق إلى الأرض زاحفاً لاسترداد ساقه الخشبية، ولكن زحفه المضني يطول بلا جدوى لأن فنس يركل الساق الخشبية بقدمه كلما اقترب عمه منها. وأخيراً يعلن الجد، قبل أن يلفظ أنفاسه، أنه يترك المنزل بما فيه لحفيده فنسنت، وأدوات الحراثة لابنه تلدن، ويتناول فنس ساق عمه الخشبية ويرمي بها خارج المنزل. وتلتفت شيلي قبل رحيلها إلى فنس فتسأله:‏

-أتريد أن تبقى هنا؟ فيجيبها: لا بد لي من البقاء لتستمر الأسرة ولتظل الأمور تسير في مجراها.‏

وفي ختام المسرحية نرى تلدن يعود من خارج المنزل، وقد غطاه الوحل حتى ركبتيه حاملاً بين ذراعيه بقايا طفل ميت، ويعبر الصالة ببطء ويرتقي السلم وعيناه مثبتتان على الجثة الملطخة بالوحل، وفي الوقت نفسه نسمع الأم تخاطب زوجها العجوز وهي تهبط السلم:‏

-دوج؟ أهذا أنت يا دوج؟ أتدري؟ لقد كان تلدن محقاً بشأن الذرة. لم أر مثل هذه الذرة من قبل. هل ألقيت عليها نظرة مؤخراً؟ إنها بطول قامة الرجل منذ الآن. في هذا الوقت المبكر من السنة. وثمة جزر كذلك. وبطاطا. وبازلاء. شيء شبيه بالفردوس في الخارج، يا دوج. يجب أن تلقي نظرة. معجزة. لم أر لها شبيهاً من قبل. لعل المطر فعل شيئاً. لعله المطر.‏

هذه، بالخطوط العامة، هي قصة مسرحية الطفل المدفون، ويمكننا أن نلاحظ القرابة الفنية بينها وبين أعمال هارولد بنتر وصاميويل بيكيت، التي تنقلنا بصورة مفاجئة من الأجواء والتفاصيل الواقعية المألوفة إلى أجواء كابوسية تبدو فيها التصرفات والأقوال غريبة وغير مترابطة. ولكن شخصيات شبرد أكثر امتلاء بالحياة من شخصيات مسرح بيكيت، وهو أكثر انشغالاً بالهموم الاجتماعية من بنتر. ورغم أن المستوى الرمزي في أعمال سام شبرد لا يفصح عن نفسه بسهولة، فإنه يتميز بالإثارة الذهنية وقوة الإيحاء. ولنا أن نفترض أن مسرحية الطفل المدفون تصور لنا صراع الأجيال في المجتمع الأميركي، وأن هذا الشاب الذي عاد إلى منزل جده بعد غيبة طويلة فجوبه بالتجاهل والإنكار هو رمز للأجيال الفتية الباحثة عن الانتماء في مجتمع منحل تخلى عن مثله القديمة. أما هذا الطفل الذي اغتيل ودفن تخلصاً من العار فقد يكون المؤلف أراد به حلم الحرية والعدالة الاجتماعية الذي اغتالته الرجعية الأمريكية في أواسط القرن بعد أن لمست في بقائه خطراً يهدد كل ما بنته -على حد تعبير العجوز دوج في المسرحية المذكورة، وعندما نفهم مسرحيات شبرد على هذا النحو تتضح لنا مراميه ويغدو معقولاً ومؤثراً ما بدا للوهلة الأولى غريباً ومجافياً للمعقول.‏

وسنتوقف أخيراً عند مسرحية كان لها دويها الكبير في الولايات المتحدة وبريطانيا منذ سنوات، تلك هي مسرحية الرجل الفيل التي كتبها مؤلف أميركي شاب يدعى برنارد بوميرانس. وقد فازت في حينها بجائزة نقاد المسرح في نيويورك وعدد من الجوائز الأخرى.‏

والرجل الفيل ليس شخصية صنعها خيال المؤلف بل هو إنسان حقيقي يدعى جون ميرك عاش في لندن في أواخر القرن الماضي، وكان له تكوين مشوه يثير الفزع. وقد عثر عليه جراح شاب يدعى فريدرك تريفز عندما كان أحد الأفاقين يعرضه للفرجة في أحد الدكاكين لقاء قروش، فنقله إلى مستشفى وايت تشابل في لندن ووفر له الأمن والعيش الكريم. وقد ترك لنا الدكتور تريفز كتاباً عن جون ميرك، ولا يزال هيكله العظمي وصوره الفوتوغرافية محفوظة حتى اليوم. وتشير المصادر التي بين أيدينا إلى أن ميرك كان ذا رأس كبير بشكل استثنائي، وكان له في جبهته نتوء عظمي هائل يكاد يغطي إحدى عينيه، وفي مؤخرة رأسه كيس من الجلد المنتفخ، وكانت شفته العليا مقلوبة إلى الخارج بفعل نتوء عظمي آخر في فكه الأعلى. وكان ظهره مغطى بكتلة من اللحم الكريه تمتد إلى منتصف فخذه وتنبعث منها رائحة مقززة، بينما تتدلى من صدره كتلة مماثلة من اللحم. وكانت ذراعه اليمنى ضخمة مشوهة، أما اليسرى فكانت جميلة، أنثوية التكوين -كما يقول تريفز. ولكن هذا المظهر المروع كان يخفي وراءه - كما اكتشف الطبيب في ما بعد- نفساً رقيقة حساسة تتوق إلى الحنان والصداقة كسائر البشر.‏

وقد سعى تريفز إلى إقناع بعض شخصيات المجتمع اللندني بزيارة ميرك في ملاذه المنعزل في المستشفى، وسرعان ما اكتشف هؤلاء ذكاءه ورهافة حسه فصاروا يترددون عليه ويقدمون إليه الهدايا ويمدون المستشفى بالإعانات المالية للإنفاق عليه. وتهيأ لميرك- وقد أحيط بكل هذه الرعاية- أن يقرأ وأن يشرع في تحقيق حلم كان يساوره، وهو وضع تصميم لكنيسة القديس فيليب في لندن.‏

وقد أتم هذا التصميم بالفعل، ولكن وضعه الجديد أيقظ في نفسه رغبات وأحاسيس كانت دفينة في الماضي، فقد اشتد به التوق إلى المرأة على علمه باستحالة الوصول إليها، وصار يتحرق شوقاً إلى ممارسة حياة طبيعية كالآخرين. وذات يوم فكر ميرك -الذي كان ينام جالساً لأن تكوينه الغريب لا يسمح له بالنوم الطبيعي- أن يضع رأسه على الوسادة كأي إنسان آخر، ولكن ثقل رأسه الهائل أدى إلى كسر رقبته واختناقه.‏

هذه قصة الرجل الفيل كما يرويها أكثر من كتاب، وقد نقلها برنارد بوميرانس إلى المسرح بأمانة وبأسلوب واقعي صارم، ولكنه عدل عن النهج المألوف في الكتابة، فلم يقسم مسرحيته إلى فصول ولم يجعل لها عقدة وحلاً، بل كتبها في واحد وعشرين مشهداً قصيراً وجعل لكل من هذه المشاهد عنواناً يشير إلى محتواه. ولا نعثر في مسرحية بوميرانس على الصراع الدرامي المألوف الذي تطرقنا إلى بعض أشكاله ونحن نتحدث عن مسرحيات بيتر شافر، فالصراع الأساسي في الرجل الفيل يدور بين ميرك وقدره القاسي، لا بينه وبين أطراف أخرى تظهر على المسرح. وهو صراع محسوم منذ البداية، فميرك لا أمل له في الخلاص من محنته ومصيره، ولذلك فإن الفعل الدرامي لا يجنح إلى الصعود، بل يسير باتجاه أفقي حتى النهاية. وقد تعيد شخصية جون ميرك إلى أذهاننا صورة غريغور سامسا في رواية كافكا المعروفة المسخ، فكلتا الشخصيتين محكومة منذ اللحظة الأولى بقدر رهيب لافكاك منه، ولذلك فهي لا تخوض صراعاً من أجل الخلاص وليس في يدها أن تخوض مثل هذا الصراع، بل قصارى ما تستطيعه هو أن تحاول التكيف مع الواقع المرعب الذي فرض عليها.‏

وتمثل هذه المحاولة الأليمة اليائسة البؤرة التي تستقطب اهتمام المتفرج في مسرحية الرجل الفيل.‏

وفي هذه المسرحية نجد أنفسنا مرة أخرى أمام مجرى متصل من الفعل الدرامي، فالمسرحية -كما أسلفنا- لا تتألف من فصول تسدل الستارة بعد كل منها، بل من مجموعة لوحات تتعاقب وكأنها صفحات من قصة يقرأها المرء دون توقف. ونجد أنفسنا كذلك أمام لغة درامية جديدة، يمكن أن ندعوها باللغة المقطرة، فالكاتب المسرحي المعاصر ميال إلى الاقتصاد في اللغة وتشذيب العبارة من كل الزوائد التي يمكن الاستغناء عنها، بل وإلى بترها أحياناً إذا كانت تتمتها يمكن أن تفهم من سياق الحديث. ولعل الكاتب البريطاني هارولد بنتر أشهر مثال في هذا الباب. وعلى العموم فإن المسرح الحديث لا يميل إلى الإسهاب في القول أو التصنع في العبارة، أو الانسياق مع انثيالات الأفكار والعواطف إلا في الأحوال التي تقتضيها ضرورة درامية واضحة.‏

وبعد فهذه بعض الاتجاهات البارزة في ما أسميناه بالواقعية الجديدة في المسرح المعاصر. وقد آثرنا أن نقتصر على نماذج قليلة ليتسنى لنا أن نقف عند كل منها وقفة كافية، فذلك أجدى من تعداد الأسماء -وهي كثيرة- والاكتفاء بملاحظات عامة لا تقربها إلى الذهن أمثلة ملموسة. ولعل في هذه الإلمامة المتواضعة ما يساعدنا على تشخيص واقع الحركة المسرحية عندنا وتبين موقعها من مسارات تطور المسرح العالمي المعاصر.‏

بغداد - 1986‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244