دعوة إلى وعي الذات - الدكتور رشيد ياسين

فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحي - من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الملك لير المأساة التي تحولت إلى نكتة!

هل يحق لمخرج ما أن يقطع أوصال نص شكسبيري عظيم، كمأساة الملك لير؟‏

ذلك سؤال واحد من أسئلة محيرة كثيرة تتبادر إلى ذهن المرء وهو يتابع مسرحية الملك لير، التي قدمت ضمن مهرجان بغداد المسرحي الأول. وهو سؤال لا ينتظر جواباً، فأعراف المسرح في العالم كله لا تجيز مثل هذا العبث. نعم، من حق المخرج، بل ومن واجبه، أن يقدم إلينا شكسبير تقديماً معاصراً، وأن يكشف عما في أعماله من استبصارات عميقة لا يبليها الزمن، ولكن ليس من حقه أن يمد إليها يده بالبتر والتشويه، فهذا ضرب من الاستهانة بالقيم. وهذا بالضبط ما فعله مخرج هذه المسرحية السيد صلاح القصب، فقد تناول مشرطه- بجرأة لا يحسد عليها- فأطار الفصل الخامس من مأساة الملك لير برمته بضربة واحدة، ثم انقض على ما تبقى من المسرحية تمزيقاً وتشويهاً حتى أحال هذا البناء الشامخ الباذخ، الذي شغل الباحثين والنقاد قروناً متعاقبة، إلى حطام متناثر فقد روعته وأضاع محتواه!.‏

وإذا كانت فعلة كهذه تنطوي على قدر كبير من الشذوذ والغرابة، فإن ما يفوقها غرابة وشذوذاً أن يمر ذلك دون أن يستنكره أو يعترض عليه أحد من دارسي شكسبير أو المعنيين بشؤون المسرح، وكأن ثمة اتفاقاً ضمنياً بين الجميع على أن منصة المسرح هي منطلق حر للنزوات التي لا تحفل بالمنطق والعبث الجامح الذي يتذرع بأصالة مزعومة!.‏

هل من ضرورة للحديث عن مكانة لير في التراث المسرحي العالمي؟ لقد وصفت هذه المسرحية بأنها الرائعة التي تفوق فيها شكسبير على نفسه وتسنم بها ذروة لم يبلغها أحد قبله أو بعده، ولكن المخرج الذي نحن بصدده لا يبدو مقتنعاً بأن شكسبير يجيد الكتابة للمسرح، ولهذا قرر أن يعيد كتابة لير بطريقته الخاصة! ولندع المخرج نفسه يشرح لنا هذه الطريقة، فقد كتب في العدد الثاني من جريدة مهرجان بغداد المسرحي ما نصه: ألغيت الحوار والصوت وعوضت عنها (كذا) بالصورة. فالفصل الخامس ألغيته تماماً كحوار وكلمات، مستخدماً الصورة بكل مفرداتها.‏

وبوسعنا أن نستلخص من ذلك أمرين: أولهما أن الرجل -أعني المخرج- وجد الحوار الذي كتبه شكسبير لغواً لا طائل تحته فألغاه. وإذا كان وولتر رولي وصاميويل كولردج ووليم هازلت وتشارلز لام واي. س. برادلي ويان كوت وأعداد لا تحصى من كبار النقاد الآخرين قد قالوا بخلاف ذلك فليذهبوا جميعاً إلى الجحيم!.‏

أما الأمر الآخر الذي اكتشفه المخرج فهو أن حبكة الملك لير فضفاضة مهلهلة وأن الفصل الخامس بأكمله يمكن اختصاره بصورة صامتة تقدم على المسرح، وهكذا فعل!.‏

والواقع أن المخرج حذف أشياء عديدة أخرى عدا الفصل الخامس (وكان مضمون المسرحية نفسه من جملة ما حذف)، ولكننا سنعود إلى هذا الحديث بعد قليل، أما الآن فلنتوقف قليلاً عند الفصل الخامس المحذوف.‏

من دواعي الاستغراب حقاً أن يعجز مخرج متعلم عن الانتباه إلى الفوارق البنيوية بين تراجيديا شكسبيرية ومعلقة جاهلية. ولكن هذا بالضبط ما وقع فيه مخرج لير، فقد توهم أن بين يديه معلقة جاهلية يستطيع أن يصطفي من بين أبياتها ما يعجبه ويترك الباقي، ولم يفطن إلى أنه إزاء بنيان متراص متقن، لا يمكن أن تنتزع منه إحدى ركائزه دون أن يتصدع وينهار. والواقع أن حذف الفصل الخامس من مأساة الملك لير قد جعلها أشبه بجسد فصل عنه رأسه، ولم يعد للفصول الأربعة المتقدمة من وظيفة مفهومة، لأن وظيفتها في الأساس هي التمهيد للأحداث الحاسمة التي تضمنها الفصل الخامس. ولا أريد أن أقدم هنا تلخيصاً وافياً لهذه الأحداث التي حذفها المخرج، وإنما يكفي أن أقول إن الصراعات الضارية التي تابعناها في الفصول الأربعة الأولى تبلغ ذروتها المأساوية في الفصل الأخير وتنتهي بموت الجميع، الشريرين منهم والأخيار على السواء، فغونريل، ابنة لير الكبرى، تدس السم لشقيقتها ريغن ثم تموت بدورها منتحرة، وأدموند، الابن غير الشرعي لغلوستر، يخر صريعاً في المعركة أمام أخيه إدغار. وكورديليا التي جاءت بجيشها لتنقذ أباها المشرد وتسترد له عرشه تخسر المعركة أمام شقيقتيها الغادرتين وتقع أسيرة في يد أدموند الذي يوعز بشنقها في السجن.‏

وأخيراً يموت الملك لير نفسه بعد أن طال عذابه بسبب غلطته التراجيدية الفادحة، المتمثلة في طبعه العنيف المتهور واغتراره بالملق الكاذب وعجزه عن استشفاف دخائل أقرب الناس إليه.‏

هكذا يتم دولاب المقادير دورته الكاملة -كما يقول أدموند في لحظات احتضاره- وينتهي كل شيء بالدمار الشامل. لقد دفع لير وغلوستر ثمن حماقتهما وافتقارهما إلى الحكمة والتروي، ودفعت كورديليا ثمن تعنتها وكبريائها، أما رموز الشر الثلاثة، أدموند وغونريل وريغن، فقد ماتوا جميعاً ميتة شائنة لأن النوايا الشريرة يفترس بعضها بعضاً، ولأن الإنسان كما يقول شكسبير على لسان الملك لير ليس سوى دودة أمام نواميس الطبيعة الجبارة، التي صورها شكسبير بكل قسوتها وجبروتها في الفصل الثالث من المسرحية.‏

هذه -بمنتهى الإيجاز- هي مادة الفصل الخامس المحذوف، وبدونها تبقى قصة الملك لير مبتورة عديمة المعنى، وتطمس الأفكار الشمولية التي رمى إليها الشاعر العظيم. والمسألة، بعد ذلك، ليست مسألة قصة ألم المشاهد بمعظم فصولها وبات من حقه أن يعرف نهايتها وحسب، وإنما هي كذلك مسألة الأثر السايكولوجي الذي يفترض في المسرح -والفن عموماً- أن يحدثه في جمهوره. وليس في نيتي هنا أن أتطرق إلى فكرة التطهير الأرسطو طاليسية (لأن أرسطو طاليس أصبح عتيقاً، كما صرح أحد جهابذة المسرح عندنا منذ فترة وجيزة)، ولكنني أود أن أشير، بمنتهى البساطة، إلى أن هزيمة الشر، ممثلاً في أدموند وغونريل وريغن، هو درس أخلاقي بمقدار ما هو عامل انفراج نفسي عند المشاهد. وهذا سبب آخر للاعتراض على حذف الفصل الخامس من المسرحية.‏

ولنعد الآن -وقد أحطنا ببعض ما تضمنه الفصل المحذوف من لير- لنرى كيف عوض عنه المخرج بالصورة الصامتة.‏

إن هذه الصورة، التي يتحدث عنها المخرج بزهو واضح، تتلخص في أنه وضع كورديليا على منصة صغيرة في مؤخرة المسرح وجعل لير يتقدم نحوها وسط الأمواج، ولكنه لا يفلح في الوصول إليها! وغني عن الذكر أن هذه الصورة (المتواضعة على المستوى التقني) لا تتضمن شيئاً على الإطلاق من الوقائع والمعاني التي أشرنا إليها. ولكن أسوأ ما في الأمر أن هذه الصورة بنيت، أساساً، على قصور في الفهم، أو على فهم مقلوب -إذا شئنا الدقة في التعبير. ولو عاد المخرج إلى المشهدين الثالث والسادس من الفصل الرابع وقرأهما بشيء من العناية لاكتشف أن لير لم يجاهد قط من أجل الوصول إلى كورديليا، بل كان -على عكس ذلك تماماً- يتهرب منها ويرفض الانصياع لرؤيتها على حد تعبير "كنت" في الفصل المذكور لأنه كان خجلاً مما ارتكبه في حقها من قسوة وظلم. و بالمقابل، كانت كورديليا هي التي عبرت البحر لتنقذ أباها من محنته،وهي التي دفعت حياتها ثمناً لهذه المحاولة النبيلة. ولو كان المخرج قد فهم النص الذي تصدى لإخراجه (وهذا في ظننا المتواضع أحد شروط الإخراج) لجعل كورديليا هي التي تصارع الأمواج لإنقاذ لير الغارق، وهي التي تغرق بعد أن فشلت في إنقاذه.‏

ومهما يكن من أمر، فإن من مقتضيات الإنصاف أن نعترف بأن الجمهور الذي حضر مسرحية الملك لير، سواء عند عرضها في أكاديمية الفنون الجميلة أو على مسرح الرشيد، لم يفطن إلى أن الفصل الخامس من المسرحية قد حذف. لأنه في الواقع لم يفهم شيئاً من الفصول الأربعة الأولى. ولا يستثنى من ذلك أولئك الذين قرأوا المسرحية بنصها الإنجليزي أو ترجمتها العربية. والسبب في غاية الوضوح. فالمخرج لم يكن ينوي أن يقدم لير إلى الناس كما كتبها مؤلفها، بل كانت له طموحات أخرى، أوجزها في حديثه المنشور في جريدة المهرجان بقوله:‏

"إن الذهاب إلى الصورة الإخراجية يقتضي الإقلاع من مطار الزمن إلى سماء الفلسفة، وهذا بدوره يستوجب استقراء الروح!"‏

وقد تمثلت سماء الفلسفة هنا في بضعة توابيت صفها المخرج على المسرح وفي كفن كبير من الخام الأبيض غطى به الجزء الأكبر من منصة العرض وأجبر ممثليه، معظم الوقت، على أن يلتفوا به ويزحفوا تحته، هذا إذا لم يجبرهم على الوقوف كالمومياءات الفرعونية داخل التوابيت! ولعل أطرف ما رأيناه خلال هذا العرض العجيب أن أحد الممثلين استلقى تحت الكفن ورفع ساقيه إلى أعلى، ولبث كذلك فترة من الوقت حتى أخذتنا به الشفقة وخشينا عليه من الاختناق. ولا أظن أحداً من المتفرجين فهم ما رمى إليه المخرج (فالإقلاع من مطار الزمن إلى سماء الفلسفة ليس أمراً هيناً على أي حال!) ولكننا شغلنا بهذه الألاعيب عن شكسبير وشعره وعن لير ومأساته، ولم نخرج إلا بنتيجة واحدة، هي أن المخرج كان سخياً جداً في ما قدم إلينا من قماش على المسرح وكان فقيراً جداً في ما قدم من فن وفكر وموهبة! وإذا عنَّ للمرء أن يتساءل عن سماء الفلسفة التي حلق إليها المخرج فسيجد أن جناحه الهزيل لم يحلق به بعيداً، فليست التوابيت ولا أكداس الخام الأبيض التي زحم بها منصة المسرح سوى رموز للموت المخيم على شخصيات المسرحية...‏

ولكن أي جديد في هذا؟ أليس الموت مصير الأبطال التراجيديين في معظم الأحوال؟ ألا يخيم الموت على هاملت وماكبث، وأوفيليا وديدمونة، وبروتوس وكوريولانوس، مثلما يخيم على كورديليا ولير وغلوستر؟ أن اكتشافاً كهذا لا يتطلب الإقلاع من مطار الزمن أو أي مطار آخر، بل كلّ ما يتطلبه في الواقع هو الإلمام الأولي بمفهوم التراجيديا.‏

هذا على الصعيد الفلسفي، أما على الصعيد التقني -المسرحي، فقد كانت لهذا الاكتشاف عواقبه الوخيمة، لأن المخرج الذي اكتشف (في لحظة إلهام، دون شك!) أن أبطال مسرحيته يخيم عليهم الموت، ملأ وسط المسرح بالأكفان والتوابيت ولم يدع لممثليه فسحة يؤدون عليها أدوارهم. وأكثر من ذلك أنه تعامل مع الممثلين وكأنهم قطع ديكور يوزعها على خشبة المسرح ليصنع منها ما يتوهم أنه صورة مسرحية، وهكذا ضاعت منه فرصة الإفادة من الممثلين الموهوبين الذين عملوا معه.‏

وإذا فتشنا عن سر هذا التخبط كله فسنجد أمامنا أمرين: أولهما اعتقاد المخرج بأنه يستطيع الانسياق مع نزوات خياله دون حدود أو ضوابط، وثانيهما طموحه إلى تأسيس مدرسة جديدة في الإخراج المسرحي تحمل اسم مسرح الصورة. وسنتريث قليلاً عند كل من هاتين النقطتين.‏

من تحصيل الحاصل أن الخيال إحدى الملكات الأساسية التي تسهم في إبداع الأعمال الفنية، والمخرج المسرحي -كغيره من الفنانين- يحتاج إلى الخيال لتحويل النص الدرامي إلى حياة ملموسة نابضة على خشبة المسرح. ولكن ثمة فرقاً نوعياً بين الخيال الإبداعي والخيال الباثولوجي، أو ما أصطلح على تسميته بالهلوسة.‏

ففي الحالة الأولى يكتشف الذهن المبدع، في لحظة من لحظات التجلي، وجهاً أو أوجهاً عديدة للعلاقة بين أشياء تبدو للوهلة الأولى بعيدة بعضها عن البعض الآخر. وهنا، بالدرجة الأولى، تكمن المفاجآت التي تصادفنا في الشعر العظيم. ومأساة الملك لير حافلة بهذا النوع من الأخيلة المذهلة، التي يستطيع القارئ المعني أن يجدها في كل صفحة من صفحات المسرحية. أما النوع الآخر من الخيال (الذي وصفناه بالخيال الباثولوجي) فقوامه الرابط العشوائي بين ظواهر وصور متنافرة لا تجمعها أية علاقة سيميولوجية، أي لا تجمعها علاقة يمكن للذهن السوي أن يقبلها على وجه من الوجوه.‏

وينتمي خيال المخرج الذي نحن بصدده إلى هذا النوع الأخير، فهو خيال مضطرب، قائم على ربط العناصر والظواهر المختلفة ببعضها ربطاً عشوائياً، اعتباطياً، لا يخضع لأي نظام سيميولوجي قابل للإدراك. وتتجلى هذه السمة الباثولوجية، لا في عمله على منصة المسرح وحسب، بل حتى في كتابته، ولنعد إلى بعض ما كتبه في العدد الثاني من جريدة المهرجان حول معنى الصورة في لير:‏

البهلول يعزف على آلة الكونترباس، لقد شاخ وهرم. هنا أضيف زمن آخر للبهلول... البهلول تورمت ساقه وقطعت، ونمت ساق أخرى، يموت ويبعث حياً، يهرم ويعود فتياً. الزمن عنده مضاف ومسترجع... البهلول انتحر مرتين أي عاش تجربة الموت مرتين وعرف أسرار العالم الآخر... الخ!‏

إن هذه العينة الطريفة تعطينا فكرة عن طبيعة عمل المخيلة عند مخرج الملك لير. فبدلاً من أن يستخدم خياله لاستكمال صورة البهلول، كما رسمها شكسبير في مسرحيته، والكشف عن أبعادها الإنسانية ودلالاتها الفكرية، راح يحدثنا عن كائن خرافي لا علاقة له بالنص الشكسبيري.. كائن مات مرتين وبعث مرتين، وقطعت ساقه ونمت لـه ساق أخرى، وعرف أسرار العالم الآخر.. إلى آخر هذه التهويمات التي ليس لها معنى في حد ذاتها، وليست لها علاقة، من قريب أو بعيد، بالدراما الشكسبيرية التي تقوم على بناء واقعي سايكولوجي عميق للشخصيات والعلاقات الإنسانية.‏

لقد استأثرت شخصية البهلول باهتمام كبير من دارسي مأساة الملك لير، ومن بواعث هذا الاهتمام أنها شخصية ليس لها ما يماثلها في التراجيديات الشكسبيرية الأخرى. وقد ذهب وولتر رولي، وهو من أبرز دارسي شكسبير، إلى أن الشاعر العظيم زج بهذه الشخصية الكوميدية في مأساة الملك لير انصياعاً لرغبات جمهوره، بينما ذهب آخرون إلى أن وظيفة البهلول‏

الأساسية كانت التخفيف من وطأة المأساة على المشاهدين، وهذه حيلة كان يلجأ إليها شكسبير أحياناً، مدفوعاً بحسه الدرامي الدقيق. ونستطيع أن نمضي إلى أبعد من ذلك فنفترض أن شكسبير وضع البهلول إلى جانب لير ليرينا صواب المثل الشعبي القائل خذوا الحكمة من أفواه المجانين وليقنعنا بأن الحاكم المغتر بسلطته وجبروته قد يعجز عن رؤية ما يراه حتى الحمقى والبهاليل من أتباعه، فالبهلول يدرك منذ البداية ما عجز لير عن إدراكه، وهو أن المرء لا يستطيع أن يتخلى عن السلطة الفعلية وأن يحتفظ بكل امتيازاتها في آن واحد. وأياً كان الأمر، فإن البهلول في مأساة الملك لير ما هو إلا شخصية كوميدية. إنه المهرج الذي تنحصر مهمته في إضحاك الملك والترويح عنه. وقد كان من عادة الملوك على أيام شكسبير أن يتخذوا لأنفسهم مهرجين يسلونهم بألاعيبهم ونكاتهم.‏

وبهلول لير يجمع بين الذكاء والوفاء لولي نعمته، فهو يعي ما يجري أمامه ويدرك الحماقة التي ارتكبها سيده عندما وضع نفسه تحت رحمة ابنتيه الجاحدتين. وهو يأسى لما آلت إليه حال الملك الشيخ، ولا يتوانى عن تقريعه برفق لما فعله بنفسه، ولكنه لا يملك سوى أن يمضي في دوره كمهرج غايته الترفيه عن الملك وإضحاكه. وحتى عندما تحل النكبات بالملك لير ويجد نفسه شريداً في ليلة ثلجية عاصفة، فإن البهلول يواصل تهريجه وغناءه ليخفف من عذاب الملك التعس، وإن كانت تعليقاته ونكاته تشف عن حزن دفين. وباختصار، فإن البهلول ليس حكيماً هندياً ولا عرافاً إفريقياً- كما بدا لمخرجنا اللوذعي- وإنما هو مهرج ذكي القلب، يمارس دوره في ظروف مأساوية، ويقول النكتة بينما قلبه يقطر دماً. ولو فطن المخرج إلى ذلك لما أناط الدور بممثل زنجي الملامح، ذي وجه يطفح بالكآبة، وجعله يؤدي كلمات دوره بنبرات بطيئة متفجعة -خلافاً لما يتطلبه الدور من خفة وحيوية ومرح مصطنع. ولو أن سوء فهم المخرج وقف عند هذا الحد لهان الخطب، ولكن خياله الخصب أوحى إليه أن يضيف إلى هذا البهلول الزنجي الثقيل الظل ساقاً خشبية طويلة احتلت جانباً لا يستهان به من مقدمة المسرح، فكانت أشبه بنكتة غليظة نابية في جو يفترض أنه مأساوي.‏

ويبلغ تطرف المخيلة عند المخرج أقصاه في مشهد العاصفة الشهير في الفصل الثالث من مأساة الملك لير. وأذكر أن مشهد العاصفة- عندما حضرت المسرحية في أكاديمية الفنون الجميلة، بدعوة من المخرج- كان مصحوباً بعزف رقيق على الكمان، أما في مسرح الرشيد، فقد حل الكونتراباس محل الكمان. وفي كلتا الحالتين بدا لي الأمر شاذاً وغير مفهوم، فالطبيعة في الملك لير ذات معان تتصل بالجبروت والقسوة والعنف. وسواء فهمنا الطبيعة في هذه المسرحية بوصفها النوازع والأطماع الإنسانية الكاسرة التي تسوق الإنسان إلى الغدر والعنف -كما في حال أدموند وغونريل وريغن- أو فهمناها بوصفها النواميس القاسية التي تحكم حياة البشر وتقرر مصائرهم، أو أخذناها بهذين المعنيين كليهما، فإن آلة الكمان أو الكونتراباس هي آخر ما يصلح للتعبير عن هذه المعاني وخلق الانطباع المراد خلقه عند المشاهد. واختيار إحدى هاتين الآليتين لمصاحبة هذا المشهد -الذي يفترض أن تبدو فيه الطبيعة في أوج عنفها وجبروتها-لا يعني سوى أن المخرج عاجز تماماً عن الإمساك بدلالات النص، أو أنه مسوق- بحافز شعوري أو لا شعوري- إلى مخالفة ما هو منطقي وطبيعي ومألوف.‏

ولنقف أخيراً وقفة سريعة عند ما يسميه المخرج بمسرح الصورة، وسنجد بقليل من التأمل أن هذه التسمية خالية من المعنى في الواقع، فالمسرح في كل أحواله، وعبر تاريخه الطويل، لا يعدو أن يكون صورة مرئية -مسموعة، وحين ندعو إلى مسرح قوامه الصورة فإن ذلك لا يختلف كثيراً، في الواقع، عن دعوتنا إلى شعر قوامه الكلمات مثلاً! ولكن الصورة في المسرح هي غير اللوحة التشكيلية بالطبع. فالأولى -أي الصورة المسرحية- دينامية، متغيرة باستمرار، بينما الأخيرة ستاتيكية ثابتة. الأولى تمتد في الزمان والمكان، بينما ليس للأخيرة سوى امتدادها في المكان. الأولى عمل فني يصنع أمام أنظارنا مباشرة، وينمو ويتكامل بالتدريج خلال فترة زمنية محددة، بينما الأخيرة عمل جاهز مكتمل يطرح نفسه أمامنا دفعة واحدة. وهذه الفوارق العميقة بين طبيعة الصورة في المسرح وطبيعتها في الفن التشكيلي هي، بالضبط، ما لم يفطن إليه مخرج الملك لير. فقد توهم هذا المخرج أنه يستطيع أن يمارس دور الرسام أو النحات على المسرح، ناسياً أن لكل فن خصوصيته وتقنياته ووسائله التعبيرية المختلفة. وكانت النتيجة أننا لم نر الفعل الدرامي في ترابطه وانسيابه المألوفين، بل رأينا الممثلين وهم ينقلون من وضع إلى آخر، بميكانيكية ظاهرة، ليؤلفوا الصورة التي رسمها لهم المخرج. وهكذا ضاع منا المسرح ولم نكسب بالمقابل أي إنجاز تشكيلي ذي شأن. والواقع أن المخرج لا يتمتع بقدرات ملحوظة‏

حتى على المستوى التشكيلي المحض. فوسائله لا تعدو بضعة توابيت‏

وقطعة كبيرة من القماش الأبيض، إضافة إلى بعض الإطارات المعدنية‏

التي لم نفهم لها وظيفة أو معنى. وليته كان ممن يعرفون استخدام‏

الإنارة المتطورة والتقنيات المعاصرة في المسرح، إذن لاستطاع على الأقل أن يعوضنا على صعيد الصورة عما فقدناه على صعيد الدراما والشعر والفكر.‏

وبعد فقد أطلت ولم يكن في نيتي ذلك. فالعمل نفسه ليس جديراً بأن يقف عنده المرء هذه الوقفة الطويلة، بل هو غير جدير بالاهتمام على الإطلاق لولا أنه دخل، على نحو ما، ضمن الأعمال التي مثلت العراق في مهرجان بغداد المسرحي الأول. ولكن ما يضطرني إلى الإطالة هو القلق على مصير المسرح العراقي، الذي طال تخبطه وكثرت إخفاقاته في الأعوام الأخيرة، لأنه مسرح لا يحفل بالمقاييس السليمة، ولأنه مسرح يفتقر إلى الثقافة المسرحية الرصينة مثلما يفتقر إلى الناقد المثقف النزيه، الذي يقف ليصرخ بأعلى صوته: رويدكم! ما هكذا يكون المسرح، وليس هذا هو النموذج المشرف الذي يفترض في الفنان العراقي، ذي التراث العريق، أن يقدمه إلى العالم!‏

بغداد 1985‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244