|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هل كان للسومريين مسرح؟ لا أدري ما الذي يجعل بعض مثقفينا يعتقدون أن اقتباسنا فن المسرح عن الإغريق، شأن غيرنا من الأمم، خطيئة ينبغي علينا اجتنابها، وأن علينا بالتالي أن نبتكر لأنفسنا مسرحاً لا علاقة له بالمسرح الذي يعرفه الناس في كل أرجاء الدنيا أو البحث عن ماضينا البعيد أو القريب لعلنا واجدون فيه شكلاً من أشكال المسرح نستغني به عن هذا المسرح الدخيل الذي جاءنا من الخارج! إنها عقدة لا أجد لها تفسيراً مفهوماً، وهي عقدة تخص المسرح دون غيره من الفنون! لقد أخذنا فن الرواية والأقصوصة عن الغربيين ولم نجد في ذلك أي بأس. وتعلمنا منهم تقنية الرسم بالألوان الزيتية والمائية ونقلنا عنهم مناهج الرسم الحديث وأساليبه من الانطباعية الفرنسية حتى أحدث نزعات الحداثة ونزواتها، ولم يعترض على ذلك أحد! بل بدأنا نحاكيهم في كتابة الشعر، رغم كل تراثنا الشعري الحافل، وبرز عندنا شعراء مزعومون يكتبون ما اصطلح على تسميته بالشعر المنثور أو بقصيدة النثر، على طريقة عزرا باوند وسان جون برس وغيرهما، إيثاراً ًللسهولة وتخفّفاً من عناء التزام الوزن والقافية، بل وربما عجزا عن التمييز بين الموزون والمنثور، ولم يجد هؤلاء من يلومهم، بل وجدوا نقاداً يصفقون لهم ويصنفونهم في عداد المجددين والرواد! كل ذلك بدا ومايزال يبدو ـ في نظر البعض ـ جائزاً ومقبولاً ولا ضير فيه، وكله في نظر هذا البعض من عناوين الحداثة ومظاهر مواكبة العصر، إلا المسرح فهو الفن الوحيد الذي لا يجوز أن نتعلمه من الآخرين، بل ينبغي أن نخترعه بأي ثمن، أو أن نبحث عنه في قبو أمتعتنا القديمة لعلنا نجد له أثراً! لماذا؟ لا أحد يدري بالتحديد، ولكن بحثاً محموماً يجري منذ سنوات طويلة للعثور على مسرح عربي، لا يمت بصلة قربى ولو من بعيد إلى المسرح الأرسطو طاليسي السائد في العالم كله، وفي سياق هذا البحث (الذي يتسم بغيرة حميدة على الأصالة القومية)، تبرز بين حين وآخر دعوات وأفكار لا تخلو من طرافة. فقد دعا كاتب عربي ذات مرة إلى استيلاد مسرح عربي أصيل من رقصة السماح وصندوق الدنيا، ورقص الدراويش! وظهرت في المغرب مدرسة فنية تقول بأن الأعراس والموالد وتجمعات الناس في الأسواق كلها أشكال مسرحية يمكن اتخاذها مادة لخلق المسرح العربي المنشود! وسادت عندنا لفترة من الزمن بدعة سيئة دعيت بالمسرح الاحتفالي أو مسرح الفرجة، ولم تعدم هذه البدعة من يتبناها ويروج لها في الصحافة والأوساط المسرحية بوصفها فناً ذا سمات قومية أصيلة، ولكنها سرعان ما انكمشت وذابت كأي فقاعة فارغة؟ وقد شاء أحد الأساتذة الفضلاء من دارسي الآثار البابلية والسومرية عندنا، هو الدكتور فوزي رشيد، أن يحسم هذه المشكلة المستعصية بطريقة توفر على الباحثين مشقة بحثهم المضني عن مسرح ذي هوية قومية، فخرج علينا بنظرية طريفة شرحها في حديث نشرته مجلة الحوادث في أحد أعدادها الأخيرة، وخلاصة هذه النظرية الجديدة أن الإغريق اقتبسوا مسرحهم عن السومريين والبابليين وأن اسخيلوس، أبا التراجيديا اليونانية، قد تأثر بمسرحية عراقية قديمة عن نزول الإلهة إينانا إلى العالم السفلي. ولا يذكر لنا الأستاذ الفاضل أين عثر على مخطوطة هذه المسرحية التي لم يسمع بها أحد، ولكنه يؤكد لنا أنها متطابقة من حيث الأسس مع أقدم مسرحية يونانية لاسخيلوس مائة بالمائة!.. وغني عن القول أن من دواعي الزهو والغبطة أن نكتشف أن فن المسرح ولد في بابل، لا في أثينا كما زعم الزاعمون، وأن اسخيلوس لم يكن أكثر من تلميذ تعلم فن المسرح على أيدي أسلافنا السومريين والبابليين، ولكن المشكلة أن الأستاذ الباحث لا يقيم أي دليل على أطروحته الغريبة هذه، ولا يبدي من التحفظ والشعور بمسؤولية الكلمة مايفترض في رجل العلم أن يبديه، بل يطلق آراءه دون تثبت في شؤون لا يبدو أنه أحاط بها إحاطة كافية، ولا أدل على ذلك كله، من أنه يجري مقارنة بين مسرحية بابلية لا وجود لها أصلاً وأخرى يونانية لم يكلف نفسه عناء قراءتها، فلوكان قرأ الأوريستيه التي أشار إليها في حديثه أكثر من مرة لأدرك أنها ليست مسرحية واحدة، بل ثلاث مسرحيات منفصلة يجمعها موضوع عام واحد، وهي: أغاممنون، وحاملات القرابين، وربات الانتقام. ولو كان ألم بالمسرح التراجيدي الإغريقي، ولو أيسر الإلمام، لعرف أن ثلاثية الاوريستية ليست أقدم ما كتبه اسخيلوس، بل هي ـ بالتحديد ـ آخر ما وصل إلينا من أعماله، فقد فرغ من كتابتها في عام 458 قبل الميلاد، أي قبيل وفاته بعامين، بينما يعود أقدم أعماله التي بين أيدينا وهي مسرحية الضارعات، إلى عام 490 قبل الميلاد. ولو كان الأستاذ الباحث قرأ الاوريستية لما قال: "وكذلك في المسرحية اليونانية تقوم اليكترا... بتحدي إرادة الإله جوبيتر إله الموت والدمار ولا تخضع إطلاقاً لإرادته"، فالإله جوبيتر لا يرد ذكره في الاوريستية ولا في غيرها من أعمال المسرح الإغريقي لسبب بسيط جداً، هو أن "جوبتير" تسمية لاتينية لا وجود لها عند الإغريق، وهي تقابل عندهم تسمية الإله "زفس". وزفس الإغريقي ـ أو جوبيتر اللاتيني ـ ليس إله الموت والدمار ـ كما زعم صاحبنا الباحث ـ بل هو كبير آلهة الأولمب وإله الرعد والمطر، وهو الإله الذي انتزع السلطة من أبيه "كرونوس" وأحل سلطة آلهة الأولمب محل سلطة آلهة الأرض ـ كما تقول الأساطير اليونانية القديمة. ولنضف إلى ذلك أن اليكترا لا تتحدى كبير الآلهة زفس (أو جوبيتر، كما يسميه الباحث) في مسرحية حاملات القرابين (وهي الجزء الوحيد من الثلاثية، التي تظهر فيه اليكترا)، لأن زفس ليس من أطراف الصراع في التراجيديا المذكورة ولم يرد اسمه فيها إلا على لسان أوريست وأخته وهما يضرعان إليه أن يؤازرهما في الاقتصاص من قتلة أبيهما أغا ممنون!.. ولا نريد أن نطيل فالأمثلة التي ذكرناها تثبت بما لا يقبل الشك أن الأستاذ الفاضل صاحب هذه النظرية الجديدة لم يقرأ الاوريستية التي يتحدث عنها بكل هذا الإسهاب، وأخشى أنه لم يقرأ شيئاً من المسرح الإغريقي القديم، بل قرأ عنه بعض المعلومات المتفرقة هنا وهناك، وهذه المعرفة المتواضعة لا تجيز له أن يخرج برأي على هذه الدرجة من الخطورة!... وماذا عن مسرحية نزول اينانا إلى العالم السفلي، التي لم نسمع بها قبل اليوم؟! يبدو لي أن المسألة برمتها لا تعدو أن تكون وهماً طاف بذهن الأستاذ الفاضل، فقد قرأ في مكان ما أن المسرح الإغريقي، بشقيه التراجيدي والكوميدي، قد انبثق من الطقوس الدينية والشعبية التي كانت تقام في مطلع الربيع للإله ديوينسوس، إله الخصب والكرم والخمرة عند الإغريق، فافترض أن كل طقوس دينية لابد أن تفضي في النهاية إلى ظهور شكل من أشكال فن المسرح. وهذا افتراض لا يخلو من سذاجة، فالأمم جميعاً عرفت الطقوس الدينية في مراحل وجودها التاريخي الباكر، وبعض هذه الطقوس مازال موجوداً حتى عند الأمم المتقدمة في أيامنا هذه، ولكن الطقوس الدينية لم تتحول إلى مسرح ـ بالمعنى الدقيق للكلمة ـ إلا عند قدامى اليونانيين. وبالمقابل فإن نشأة المسرح عند بعض الشعوب، كالمسرح الكلاسيكي الصيني، ومسرح الكابوكي عند اليابانيين، قد اتخذت منحى آخر وكانت في المقام الأول استجابة لميل الإنسان الطبيعي إلى رواية الحكايات وتجسيدها بصورة من الصور. وأياً كان الأمر فلابد من الاعتراف بأن الأستاذ صاحب هذه النظرية الجديدة رجل واسع الخيال، فهو يشير في حديثه المنشور في الحوادث ـ وسأنقل عباراته حرفياً بما فيه من أخطاء نحوية وركاكة ـ إلى أنه عثر في أثناء التنقيب في مدينة الوركاء "على بناء متكون من ثلاث جدران الواحد يحيط الآخر وفي الوسط فتحة توحي إلى أنها منبر أو باب للنزول إلى العالم السفلي". ويستطرد الأستاذ الفاضل قائلاً:"وعندما رفعنا الغطاء لم نجد أي شيء سوى الأرض البكر وهذا بالتأكيد كان يمثل المدخل إلى العالم السفلي وكانت تمثل في هذا المكان....الخ"... وهكذا فإن صاحبنا يكتشف فتحة في الأرض تحيط بها ثلاثة جدران فيقفز به خياله إلى أن هذا مسرح كانت تقدم فيه إلى الجمهور قصة نزول الإلهة إينانا إلى العالم السفلي... ولكن كيف يسع الجمهور أن يرى نزول إينانا إلى العالم السفلي من وراء ثلاثة جدران أحدها يحيط بالآخر؟! وأي مسرح هذا الذي يبنى على هذه الصورة العجيبة؟ هل تتدخل مخيلة الأستاذ النشيطة لحسم الإشكال... لقد كان ثمة راوٍ يجلس على هذه الجدران، التي ترتفع عن الأرض بحوالي أربعة أمتار ويروي للناس مايجري وراءها! ولا يشرح لنا الأستاذ الفاضل كيف كان الراوي يرتقي إلى أعلى هذه الجدران، هل كان يستعين بسلم أم يتسلق بالحبال؟ وهل حدث أن سقط أحد الرواة وهو يحاول التربع على مقعده الخطر فوق الجدران! ولكنه يحاول أن يبرر لنا مسألة الجدار هذه بقوله: ولهذا نجد في المسرح في الوقت الحاضر الخشبة من أهم مستلزماته أي المكان المرتفع عن الأرض لأن الأصل في المسرح هي الجدران التي يقف عليها الراوي ليشرح للناس ماذا يجري...!!.... وليس صحيحاً مايدعيه الأستاذ الفاضل من أن الأصل في المسرح هي الجدران، فالتمثيل في المسرح اليوناني لم يكن يجري على الجدران، بل كان يجري على فسحة من الأرض يسمونها skene بينما كان الجمهور يطل على الممثلين والجوقة من مقاعده الحجرية العالية التي صفت في شكل دائري. وإذا صح مايدعيه الأستاذ من أن الإغريق اقتبسوا مسرحهم عن السومريين والبابليين فليس للأمر عندي غير تفسير واحد، هو أن الممثلين الأغارقة خافوا مغبة تسلق الجدران فآثروا أن يقدموا أدوارهم على الأرض، وتركوا للمتفرجين أن يتسلقوا المقاعد العالية معرضين أنفسهم للسقوط ... والله أعلم!.. بغداد 1989م. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |