|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حول مسرحية "الباب"(1)هل بدأت الدراما المحلية بالانتعاش؟ لا أريد أن أدع المناسبة تبتعد كثيراً دون أن أقول كلمة في الباب. تلك المسرحية الجميلة التي كتبها الأديب يوسف الصائغ وشاهدناها على مسرح المنصور منذ أمد غير بعيد. فليس أمراً كثير الحدوث في أيامنا هذه أن يخرج علينا كاتب بنص مسرحي جميل. وإذا كان من بواعث الغبطة أن نكسب في شخص يوسف الصائغ كاتباً مسرحياً موهوباً يسد بعض ما نعانيه من فقر في هذا الجانب من حياتنا الثقافية، فإن مما يضاعف الغبطة أن مسرحية الصائغ الأولى جاءت على قدر ملحوظ من النضج والاستواء، ودلت دلالة لا تقبل الشك على أن لمؤلفها عدا الموهبة إحاطة جيدة بقواعد التأليف الدرامي. صحيح أن الباب بسيطة في حبكتها وليس فيها إلا القليل من الشخصيات والفعل الخارجي. ولكن ما كشفت عنه من حس درامي دقيق يعزز علينا الأمل بأن المؤلف سيكون قادراً على معالجة موضوعات أكثر تشابكاً وتعقيداً في المستقبل. أين تكمن مزايا هذه المسرحية؟ لعل أول ماتجدر الإشارة إليه أن شخصيات "الباب" ـ خلافاً للكثير مما يكتب عندنا للمسرح ـ ليست دمى يحركها المؤلف ويضع على لسانها مايشاء من أفكار، بل هي كائنات حية من لحم ودم وأعصاب، تعيش معاناة حقيقية وتصدر في تصرفاتها وأقوالها عن دوافع واضحة مقنعة، فليس ثمة فعل لا تدعو إليه ضرورة ولا ثرثرة في غير محلها، لا مواقف فكرية معزولة، عن مجرى الصراع في المسرحية. إن كل شيء هنا ينبثق ببساطة وتلقائية عن المواقف الدرامية التي تمر بها الشخصيات، ويفضي بصورة منطقية إلى ردود الفعل التي تليه. وهذا، بالطبع، شرط أولي من شروط البناء الدرامي، ولكن غيابه عن الكثير من النصوص المسرحية المحلية يجعله مزية تحتسب لهذه المسرحية. ومن المزايا الأخرى التي تستحق التنويه في مسرحية "الباب" سياقها الدرامي الذي يتميز بالتوازن والإحكام، فمع أن المؤلف لم يقسم مسرحيته إلى فصول ومشاهد ـ كما جرت العادة ـ فإن المسرحية تتألف عملياً من ثلاثة فصول تتطابق مع التقسيم الكلاسيكي المعروف الذي يشترط لكل عمل درامي عرضاً وعقدة وحلاً، ويتمثل "العرض" في المحاكمة التي تجري لبطل المسرحية. بينما تبدأ "العقدة" بهبوطه إلى القبر وتصل إلى ذروتها باستسلامه للنوم بعد معاناة طويلة وانطفاء الشمعة الوحيدة التي تضيء المكان. أما مرحلة الحل فتبدأ بنزول "هي" إلى القبر وما ينشأ عنه من تقارب طبيعي بينها وبين بطل المسرحية التي سبقها في النزول، وتنتهي بتحول هذا التقارب بين الاثنين إلى حب يتحديان به الرعب والموت ويصلان به ما انقطع من أواصر بينهما وبين الحياة. وقد أعطى المؤلف كلاً من هذه المراحل الثلاث في مسرحيته مداها الكافي دون ترهل أو ابتسار. ورغم أن المناجاة الذاتية التي انخرط فيها بطل المسرحية حين وجد نفسه وحيداً في القبر كانت طويلة إلى حد غير مألوف في المسرح فلا مناص من القول بأنها بلغت من الروعة والتوهج ومن التوتر والامتلاء ماجعلها ترتفع إلى مستوى التجربة الرهيبة التي عاشها بطل المسرحية. وأرجو ألا أكون مغالياً إذا قلت إن يوسف الصائغ اجترح في هذا الفصل مأثرة شعرية جديرة بالإعجاب. ولابد لنا، ونحن نتحدث عن القيمة الفنية لهذا النص، من الإشارة، بنحو خاص، إلى اللغة الدرامية الرشيقة، المرنة، التي كتب بها. وليس كثيراً على شاعر كيوسف الصائغ أن يستخدم اللغة هذا الاستخدام الحاذق، ولكن من دواعي الارتياح حقاً أن يوفق إلى هذا الحد في الموازنة بين شاعرية اللغة وواقعيتها، فلا يأخذه الشعر بعيداً عن بساطة الحديث اليومي وعفويته، ولا تسلبه الواقعية قدرته على الأداء الشعري الخالي من الابتذال.... ويمكن القول بأن لغة "الباب" هي تسفيه عملي لنمطين سائدين في الكتابة المسرحية: النمط الذي يلجأ إلى الجعجعة اللفظية واصطناع البلاغة ليوحي للقارئ والمتفرج بامتلاء فكري مزعوم، والنمط الآخر، الذي يقرن الواقعية بسوقية الفكر وفجاجة التعبير... هكذا يمكننا أن نقول أن يوسف الصائغ صمم عمارته الدرامية الأولى تصميم المهندس الحاذق، ولكن الدراما ليست عمارة وحسب، بل هي ـ بالقدر نفسه ـ فكر وموقف.. فهل وفق الصائغ في رسالته الفكرية توفيقه في صياغته الفنية، وهل جاء مضمون مسرحيته معادلاً لشكلها في القوة والإقناع؟ هنا أجدني اختلفت مع مؤلف "الباب" اختلافاً جوهرياً، لأن "الرسالة" الأخلاقية التي تنطوي عليها هذه المسرحية مما يتعذر علي هضمه. والواقع أن مما يضاعف الاهتمام بمسرحيته "الباب" أنها تطرح للبحث قضية أخلاقية بالغة الخطورة، يمكن تلخيصها بالسؤال التالي: ـ هل يتوجب على المرء أن يواجه مسؤولية اختياره الحر بصلابة، ولو كان ذلك يعني التضحية بالحياة ذاتها؟ وليس هذا ـ قطعاً ـ السؤال الجديد، فقد طرحه كتاب المسرح التراجيدي وأجابوا عليه مرات كثيرة، ولا أظننا نقع في تعميم تنقصه الدقة إذا ذهبنا إلى أن جوهر التراجيديا نفسه يتمثل ـ أساساً ـ في الصلابة الأخلاقية التي تجعل بعض الناس يتحملون مسؤولية الموقف الذي اتخذوه عن قناعة، وإن قادهم ذلك إلى التصادم مع المؤسسة السياسية أو مشيئة الآلهة أو أي قوة أخرى من القوى الكبرى التي لا قبل للفرد بمواجهتها. ويحسن في هذا الصدد أن نعود بالذاكرة إلى انتيغونا بطلة مسرحية سوفوكليس الشهيرة، فقد حكم عليها هي الأخرى بالدفن حية، كبطل مسرحية يوسف الصائغ تماماً، ولكنها تقبلت مصيرها الرهيب بشجاعة لأنه كان من اختيارها أصلاً.لقد أقدمت انتيغونا على دفن جثة أخيها بولنكس وهي تعلم جيداً أنها تتحدى بذلك سلطة الطاغية كريون، الذي أمر بترك الجثة في العراء، وعندما قبض عليها وجيء بها إلى الحاكم الذي تحدت إرادته، لم تحاول التنصل من فعلتها ولم تلتمس الصفح، فقد كانت مقتنعة بأنها أدت واجبها، وأن عليها أن تتحمل كل مايترتب على ذلك من نتائج. ولم تكن انتيغونا أقل شغفاً بالحياة من بطل مسرحية يوسف الصائغ، فقد كانت شابة في مقتبل العمر ولها خطيب يحبها وتحبه، ولكنها كانت تواجه امتحاناً مأساوياً: كان عليها أن تختار بين التخلي عن واجبها الأخلاقي وبين الموت. وقد اختارت الأخير لأنها كانت من ذلك المعدن الإنساني النبيل الذي يؤثر الموت على السقوط. ولم تكن انتيغونا تجهل أن من الناس من يغتفر السقوط الأخلاقي ويلتمس له المبررات، وهي لذلك تقول لأختها الخائفة اسمينا: ـ كان خيارك أن تعيشي، وكان خياري أن أموت.. وكان لحكمتك عالم يؤيدها، ولحكمتي عالم آخر.. على هذا النحو أجاب سوفوكليس، بلسان انتيغونا، عن هذا السؤال الخطير، وهكذا كان منطق التراجيديا عموماً، ولكن لمؤلف الباب منطقاً آخر، لعله أقرب إلى روح عصرنا المفتقر إلى المثل العليا، فهو يجيز لبطله أن يتنكر لالتزامه الأخلاقي لمجرد أن تعلقه بالحياة ونهمه إلى ملذاتها الحسية أقوى عنده من كل دواعي الالتزام. وينبغي الاعتراف أن منطق بطل المسرحية يبدو مقنعاً للوهلة الأولى... فما الذي يدعو إنساناً عاقلاً إلى التضحية بحياته من أجل جثة هامدة لا تنفعه بشيء، ولا تنتفع بتضحيته أصلاً؟! ولكن قليلاً من التأمل قد يقودنا إلى اكتشاف شيء من الزيف في هذا المنطق، فبطل المسرحية لم يتمرد على مشيئة ظالمة فرضت عليه فرضاً، وإنما تنصل من قرار حر اتخذه بملء إرادته، غير جاهل بما يترتب عليه من تبعات. ومما له دلالته أن صاحبنا لم يفكر قط في التراجع عن قراره هذا إلا عندما توجب عليه أن يحول تعهداته المكتوبة إلى فعل ملموس. فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني، ببساطة، أن للمرء أن يلتزم عندما يكون الالتزام مصدر منفعة ومتعة، وله بعد ذلك أن يتنكر لالتزامه هذا إذا وجد فيه مايهدد سلامته أو ينتقص من متعته.ومامن فلسفة أخلاقية تقر مثل هذا المنطق.نعم، قد يرى البعض في مسلك بطل المسرحية تبريراً مشروعاً، لرفض التضحية المجانية من أجل قضية خاسرة، وقد يجدون فيه دعوة إلى اغتفار الضعف البشري أمام ما تفرضه الحياة من امتحانات بالغة القسوة أحياناً، ولا يشق علي فهم أي من هذين الدافعين، ولكن ما لا أفهمه ولا أستسيغه قطعاً هو عجز بطل يوسف الصائغ عن الشعور بصعوبة المأزق الأخلاقي الذي وجد فيه نفسه. فبطل المسرحية لا يحس ولو لحظة واحدة بأنه قدخان نفسه، ولا يعاني أي تمزق داخلي بين واجبه الأخلاقي من جهة وتشبثه بالحياة من جهة أخرى، بل يبدو منسجماً كل الانسجام مع ضعفه الآدمي، مقتنعاً كل القناعة بأن حياته ومتعته الشخصية أحق بالتمسك من أي مبدأ آخر، إنه باختصار شخصية ذات نزعة ابيقورية عنيفة ترى في اللذة مبدأها الأسمى التي تهزم أمامه سائر الاعتبارات الأخرى. وبالتالي فهو بطل عار من البطولة، بطل ليس له من قضية سوى أن يعيش ويستمتع بحياته!.. وهذه النزعة الابيقورية عند بطل مسرحية "الباب" تفصح عن نفسها بطريقة فظة في حديثه عن حبه لزوجته الراحلة، فهو يعلن أمام المحكمة أنه أحبها إلى آخر لحظة من حياتها، ولكن حبه طار وتبخر فجأة عندما وجدها ميتة بين يديه. لقد أحس فجأة بأنه لا يعرفها، وامتلأت روحه اشمئزازاً وأصابه رعب وغثيان. هكذا يقول صاحبنا بالحرف الواحد. وحين يسأله رئيس المحكمة عن سر هذا الشعور يجيبه ببساطة: ـ هل سبق لك ياسيدي، أن جربت تقبيل جثة؟ هل استطاع أحد ممن أحبوا أن ينام مع جثة التي أحبها؟ وحسبنا هذه الإجابة لندرك أن الحب الذي يتحدث عنه بطل المسرحية ليس في واقع الأمر إلا تعلقاً شهوانياً خالياً من أي تواصل إنساني عميق. لقد كانت زوجته مجرد جسد يمنحه اللذة، وحين انطفأت الحياة في هذا الجسد وتحول إلى جثة هامدة لا سبيل إلى تقبيلها أو النوم معها طار الحب وتبخر، بل انقلب إلى اشمئزاز وغثيان، تماماً كما لو أن هذه الزوجة كانت مائدة شهية فاحت منها علىحين غرة رائحة كريهة.. فأين الحب في هذا كله؟ إننا إزاء علاقة ليس لها من الحب سوى بعده البيولوجي الخالص، أما أبعاده الإنسانية الكبيرة الأخرى فلا أثر لها على الإطلاق. إن صاحبنا لم يفجع بوفاة الزوجة الحبيبة بل أصابه رعب واشمئزاز، ولم يخسر حنانها أو وفاءها أو طيبتها أو إيثارها أو أية صفة أخرى مما يميز العلاقات الحميمة بين البشر عن العلاقة البيولوجية بين أي ذكر وأنثى في الطيبعة، بل خسر جسداً كان يستمتع به. وحين يستعيد ماكانت عليه هذه الزوجة قبل موتها فإنه لا يتذكر سوى أنها كانت مليئة بالرغبة، مستجيبة، متفهمة، مشاركة، متلذذة، ولم تعد كذلك الآن! ولهذا كله دلالته الواضحة على أن بطل مسرحية الصائغ لم يعرف الحب بأبعاده الإنسانية العميقة، ولم يفهم من العلاقات الإنسانية ذاتها سوى أنها مصدر للمتع الحسية. ولهذا كان من المنطقي تماماً أن يحنث شخص كهذا بقسمه، فقد كان التعلق بملذات الحس دافعه الأساسي إلى الالتزام بالعهد الذي أخذ به نفسه، وكان هذا التعلق ذاته هو الدافع إلى تنصله من هذا العهد. وهكذا يكشف لنا التحليل أن بطل المسرحية كان منسجماً مع نفسه في الحالين، وأن ما بدا تناقضاً في سلوكه ليس في الواقع إلا متابعة لهدف ثابت واحد ـ هو المتعة الحسية، كما أسلفنا ِـ في ظرفين مختلفين أشد الاختلاف. ليس لنا إذن أن نعترض، من الوجهة الفنية المحضة، على رسم شخصية بطل المسرحية فهي شخصية حية ومتسقة إلى أبعد الحدود، وهي في الواقع شخصية نصادفها في حياتنا كل يوم، بل هي: ـ إن أردنا مزيداً من الدقة ـ شخصية المثقف العربي المعاصر في مواجهة الخيارات القاسية التي يطرحها عصره، ولكن اعتراضنا ذو طبيعة فكرية، فليس بطل "الباب" هو المثال الأخلاقي الذي نحتاج إليه في زمن يتطلب منا الكثير من الشجاعة ونكران الذات لحماية وجودنا ذاته. ومهما يكن من أمر، فإن ما حققه يوسف الصائغ على مستوى البناء الفني أمر جدير بكل ثناء وهو بدء انتعاش للدراما المحلية نأمل أن يتواصل ويتطور. وقد كنا نتمنى أن يأخذ هذا النص الجميل صورته المناسبة على منصة المسرح، ولكن تمنياتنا هذه منيت بإحباط ذريع، لأن الإخراج المسرحي قصر عن مستوى النص بأشواط بعيدة، وهذا ما سنعالجه تفصيلاً في الحلقة التالية من هذا الحديث. بغداد 1986. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |