دعوة إلى وعي الذات - الدكتور رشيد ياسين

فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحي - من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حول مسرحية " الباب " (2).عندما يوضع النص المسرحي في قالب غير مناسب:

عندما يقرأ المرء، نصاً مسرحياً ممتعاً فمن الطبيعي أن يتطلع إلى رؤيته حياً على منصة المسرح. وفي حالة كهذه يذهب المرء إلى المسرح وفي ذهنه تصورات معينة عما سيشاهده، فكل قارئ هو مخرج بمعنى من المعاني، ولكنه مخرج مسرحه ذهنه وعدته خياله.‏

وهو يصوغ المواقف ويرسم البيئة ويتمثل الشخصيات بصورة تلقائية لا واعية خلال انهماكه في قراءة النص. وهذه إحدى الخصائص التي تميز النص الأدبي ـ أياً كان جنسه ـ عن غيره من النصوص، فالأدب لا يكتمل إلا بما تضفيه عليه مخيلة القارئ، ولهذا يقال في القارئ إنه يعيد خلق النص وأن قراءة الأديب، هي الأخرى، ضرب من الإبداع.‏

وحين نشاهد على منصة المسرح ـ أو على الشاشة ـ عملاً أدبياً سبق لنا أن قرأناه وتنفسنا أجواءه وعايشنا شخصياته فإن خيبة أملنا ستكون مضاعفة إذا قدم إلينا مشوها، خالياً من الحياة. ونحن في هذه الحالة نختلف، كثيراً أو قليلا، عن المتفرج الذي لم يسبق له أن قرأ النص، لأن بوسعنا أن نقارن بين الصورة التي ارتسمت في أذهاننا تلقائياً ـ في أثناء القراءة ـ وبين الصورة التي رسمها لنا المخرج. أما المتفرج الذي جاء إلى المسرح وهو لا يحمل أي تصور مسبق عن المسرحية فقد لا يستطيع التمييز بسهولة بين النص وعناصر العرض المسرحي، وقد يلقي باللوم على المؤلف دون أن يفطن إلىأن المخرج هو المسؤول الحقيقي عن الإخفاق.‏

أقول هذا وأنا أستعيد تجربتي مع مسرحية "الباب"، فقد كانت تجربة من هذا النوع الذي وصفته، لقد ذهبت إلى المسرح لأرى نصاً كنت قد استمتعت بقراءته.ولكن إحساسي طوال مدة العرض كان أبعد مايكون عن الاستمتاع، فقد رأيت النص يشوه أمامي على منصة العرض، ومن غريب المفارقات أن المؤلف نفسه كان هناك وقد رافق عملية التشويه هذه ـ كما علمت ـ ولم يحل دون وقوعها.‏

ومع ذلك فمن الصعب الادعاء بأن ما رأيته كان مفاجأة لي، فما أكثر النصوص التي شوهت على خشبة مسرحنا المحلي، وما أكثر الروائع الأدبية التي حولها بعض مخرجينا إلى عروض مملة، ملفقة، خالية من الحياة! لقد شاهدت على أحد مسارحنا مأساة شكسبيرية فضحكت، وشاهدت ملهاة لموليير فلم أضحك قط، وحضرت دراما واقعية لآرثر ملر فلم أقتنع بشيء مما رأيته وسمعته! ولهذه الظاهرة الغريبة عوامل عديدة ليس هنا مجال الإفاضة فيها، ولكن أهمها في اعتقادي هو عدم التفات المخرجين إلى حقيقة أولية، مؤداها أن لكل مسرحية نمطا تنتمي إليه وأسلوباً تتميز به، وأن على مخرج المسرحية بالتالي أن يختار لها من الصياغة والأداء ماينسجم مع نمطها وأسلوبها، فلا يصح ـ مثلاً ـ أن نعالج كوميديا السلوك مثلما نعالج المهزلة ـ أي الفارس ـ ولا أن نقدم التراجيديا الإغريقية بالطريقة نفسها التي نقدم بها الدراما الواقعية الحديثة، لأن لكل من هذه الأنماط مناخها وأسلوبها في الأداء، وينبغي أن نلاحظ كذلك أن بؤرة الاهتمام في النص المسرحي ليست واحدة في كل الأحوال، بل هي تختلف من مؤلف إلى آخر، فإذا كانت الحبكة والشخصيات أهم مافي مسرح هنريك ابسن فإن الحوار البارع الذكي هو أهم مافي مسرحيات أوسكار وايلد، وإذا كان الواقع الاجتماعي يحتل المكان الأول في مسرح غوركي فإن الواقع السايكولوجي هو الذي يستأثر أكثر من غيره باهتمام تشيخوف.‏

وهكذا فإن المخرج الملم بحرفته لا يمكن أن يعالج مسرحية من طراز الشقيقات الثلاث ـ مثلا ـ بالطريقة نفسها التي يعالج بها مسرحية الحضيض، لأن قيمة كل من هاتين المسرحيتين تكمن في مكان آخر غير المكان الذي تكمن فيه قيمة الأخرى.‏

كل هذه حقائق أولية لا ينبغي أن تغيب عن أحد ممن درسوا فن المسرح، ومع ذلك فإن المرء مضطر إلى التذكير بها، لأن بين مخرجينا المسرحيين من يتجاهلها أو يجهلها، وهو لذلك يكيف النصوص وقد يعيد تأليفها أحيانا لتلائم أسلوبه في الإخراج، بدلاً من دراسة النص وفهمه ووضعه في قالبه المناسب. وهذا بالضبط ما فعله السيد قاسم محمد، مخرج مسرحية الباب، فإلى أي نمط تنتمي هذه المسرحية؟ وكيف عالجها المخرج؟‏

للوهلة الأولى قدتبدو "الباب" وكأنها تنتسب إلى النمط المعروف بـ الفانتازيا، ففكرتها مستوحاة من إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، وهي تروي حكاية خيالية عن رجل قضي عليه بالدفن حياً مع زوجته المتوفاة، ولكن المسرحية ليست من نوع الفانتازيا قطعاً، فهذا المدخل الخيالي يفضي بنا إلى عمل ذي نسيج واقعي دقيق بكل معاني الكلمة. وإذا خطر للبعض أن من التناقض أن توصف بالواقعية مسرحية ذات مدخل خيالي، فحسبنا أن نعيد إلى الأذهان أن مأساة هملت تبدأ بظهور شبح، وأن ماكبث تقوم على نبوءة نطقت بها ثلاث ساحرات، ولست هنا في معرض المقارنة، بطبيعة الحال، ولكن مايهمني إيضاحه أن الباب، رغم الحكاية الخرافية التي قامت عليها، تنتمي بشخصياتها، ومواقفها ولغتها وسائر مكوناتها الأخرى إلى المنهج الواقعي، وهي صارمة في واقعيتها إلى الحد الذي يجعل كل مافيها يبدو متمشياً مع قوانين الواقع ومنطقه المألوف. وقد كان حرياً بالمخرج أن ينقلها إلىمنصة المسرح بأسلوب ينسجم مع هذا المنحى الواقعي، ولو أنه فعل لكان تأثيرها في المشاهد أعمق من تأثيرها في القارئ، ولكن إخفاقه في تحديد طبيعة المسرحية جعله يفرض عليها أسلوباً لا يلائمها على الإطلاق، وهو أسلوب لا أعرف له اسماً بين أساليب الإخراج المعاصرة، ولكنه يتسم بشيء غير قليل من الفظاظة ومجافاة المعقول.‏

إن المتفرج الذي قرأ المسرحية قبل مشاهدتها سيصدم منذ الوهلة الأولى عندما يكتشف أن المخرج أعاد كتابة مشهد المحاكمة، فألغى شخصيات القضاة الثلاثة مكتفياً بالمدعي العام الذي تحول إلى قاض ومدع في آن واحد. وهكذا خسر العمل سمته الواقعية منذ اللحظة الأولى. على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فمنصة القضاء نفسها قد قفزت من مكانها المألوف واتخذت شكل سقيفة عالية من الحديد وقف عليها المدعي العام ليحاور المتهم الذي قبع تحت السقيفة باسترخاء كامل مولياً إيانا ظهره!.. وفوق هذه السقيفة، التي يصلها بالأرض سلمان حديديان، تدلت كف كبيرة مبسوطة صنعت بدورها من قضبان الحديد وأمامها كف مزمومة، وقد أضيئت الكفان بضياء أحمر قان فبدتا أشبه بإعلان تجاري صارخ عن منجم من قراء الكف!..‏

ماذا يعني هذا كله؟ وماذا أراد المخرج بهذه المحكمة العجيبة التي يطل فيها المدعي العام من السطح ليخاطب المتهم الجالس في الطابق الأرضي؟! أتراه أراد أن يوحي إلينا بأنها محكمة متسلطة غاشمة؟ إذا كان هذا حقاً ما أراده فذلك هو البؤس بعينه، لأن لدى فنان المسرح من الوسائل والتقنيات الفنية المختلفة مايغنيه عن تشويه معالم الواقع إلى هذا الحد ويوفر عليه (وعلى الشركة المنتجة)، كل هذه الكمية الكبيرة من صفائح الحديد!‏

وأياً كانت الفكرة التي رمى إليها المخرج فإنه تورط هنا في أكثر من خطأ فادح، فقد أضاع المستوى الواقعي الذي تقتضيه طبيعة النص، كما أسلفنا، ولم ينجز شيئاً على مستوى الرمز لفجاجة الأسلوب الذي اتبعه. والأسوأ من ذلك كله أن هذا الديكور الغريب الذي فاجأنا به (بالتنسيق مع المصمم بالطبع) قد شغلنا بعض الوقت عن متابعة الصراع الحاسم الذي كان يدور في المحكمة وبدد إحساسنا بخطورة المأزق الذي كان يواجهه بطل المسرحية. وكانت الكفان الحمراوان اللتان علقهما المخرج في سقف المسرح (وظل يرفعهما ويدليهما بين وقت وآخر) عاملاً إضافياً أسهم في تشتيت انتباه المتفرج وتحويله بعيداً عن بؤرة الفعل الدرامي. وأعترف ـ بتواضع جم ـ بأني لم أهتد إلى المغزى العميق الذي أراده المخرج بهاتين الكفين، ولكن المسألة لا تتعلق بوضوح دلالة هذا الرمز أو غموضها، وإنما تتعلق بوجوده أصلاً.. فهل يصح ـ من وجهة نظر تقنية ـ أن يحول المخرج المسرحي انتباه جمهوره عن الفعل الذي يجري أمامه على المنصة برمز خارجي يقحمه على المشهد، أياً كانت دلالة هذا الرمز؟ وهل تحتاج مسرحية فيها من وضوح الفكر والموقف مافي مسرحية الباب إلى رمز إضافي من هذا النوع؟ أعتقد أن هذين السؤالين يحملان في طياتهما الإجابة الكافية.‏

ليست هذه كل ملاحظاتي على عمل المخرج في الفصل الأول، ولكني سأكتفي بما ذكرت لأفسح مجالاً لملاحظاتي على الفصلين الأخيرين.‏

قلت في الحلقة الأولى من هذا الحديث أن الفصل الثاني يمثل صعود المسرحية إلى ذروتها، وهو يتألف برمته من مناجاة ذاتية طويلة يلقيها بطل المسرحية، الذي دفن حياً مع جثة زوجته وليس معه سوى بعض الطعام وقناني الخمر. وقد كان المؤلف موفقاً في تصوير معاناة بطله حيال هذه التجربة المروعة، وأذكر أني قرأت هذا الفصل بكثير من الاستغراق والاستمتاع، ولكن تجسيد موقف كهذا على خشبة المسرح ليس أمراً هيناً على أي حال. إنه امتحان عسير للمخرج وممثل الدور على السواء. وقد فشل المخرج في هذا الامتحان ـ كما توقعت ـ وجر معه الممثل إلى الفشل. وليس من الصعب أن ندرك السبب. فالنجاح في مهمة فنية دقيقة كهذه يتوقف على أمرين أساسيين، أولهما مدى استيعاب الممثل لأبعاد الموقف وتفاصيله الدقيقة وعمقه السايكولوجي وثانيهما مدى توفيق المخرج في خلق مناخ الرعب والهول الذي يطبق على كائن بشري وجد نفسه حبيساً في جوف مقبرة. ولم يوفر المخرج لعمله أياً من هذين الشرطين الأساسيين. وقدكان بوسع المخرج أن يهيِّئ، في حدود طاقته المناخ الملائم لهذا الموقف لو أنه اعتمد الواقعية في بناء ديكور المقبرة. وحين أقول الواقعية فلا أعني المنهج الطبيعي الذي ينقل الواقع بكل حذافيره إلى منصة المسرح، بل أعني صورة الواقع بخطوطها العريضة الموحية. وفي ظني أن بضعة توابيت مجللة بالغبار وبقايا هيكل بشري في أحد الأركان كانت تكفي (مع الإنارة والموسيقى المناسبتين) لخلق مناخ الرعب والهول الذي تحتاجه المسرحية في فصليها الأخيرين. ولو أن المخرج استعان بمثل هذا الديكور الواقعي البسيط لاحتفظ للنص بكثير من قوته، ولاستطاع في الوقت نفسه، أن يجعل من التوابيت ذاتها منصات للقضاة في الفصل الأول من المسرحية، وفي هذا من بلاغة التعبير وعمق الدلالة والاقتصاد في الوسائل ماليس في محكمته العجيبة ذات الطابقين. ولكن المخرج الذي يميل ـ على مايبدو ـ إلى الاعتقاد بأن الأصالة تعني مجانبة المألوف بأي ثمن وبصرف النظر عن أي اعتبار آخر، استعاض عن الديكور الواقعي، الذي يهيِّئ لنا المناخ المطلوب، بديكور مصطنع غلبت عليه النزعة التجريدية واتسم بفقر المخيلة وسوء الفهم وضعف الإيحاء. وتجنباً للإطالة سأوجز ملاحظاتي في هذا الصدد بالنقاط التالية:‏

? ملأ المخرج فضاء المسرح بهياكل معدنية متراصة شبيهة بالقبور، ونسي أن يترك لبطلي مسرحيته فسحة يؤديان فيها دوريهما فظلا طوال الوقت يتحسسان طريقهما بصعوبة بين قضبان الحديد التي زحمت المنصة. وكان واضحاً أن حرصهما على عدم الارتطام بهذه القضبان، لم يكن أقل من اهتمامهما بالدور الذي يؤديانه!‏

? من الطريف أن نلاحظ أن هذه القبور، التي سدت المسالك على الممثلين، لم يكن لوجودها من مبرر أصلاً، لأن الأحداث تجري في سراديب مقبرة توضع فيه توابيت الموتى بدون دفن. ووقائع المسرحية تشير إلى ذلك بوضوح كامل!‏

? كانت التوابيت التي استخدمها المخرج هياكل عارية من القضبان المعدنية المجوفة، وقد أنزلت إلى المقبرة الحديدية بحبال تدلت من السقف فبدا كما لو أننا أمام رافعة تعمل في ورشة حدادة! والظاهر أن المخرج اضطر إلى استخدام هذا التكتيك لأن مصمم الديكور لم يحسب للأمر حسابه فجعل السلالم ضيقة لا تسمح بنزول التوابيت!‏

? رغم أن الباب يكتسب هنا معنى خاصاً، فهو عنوان المسرحية، وهو السد المنيع الهائل الذي يقف بين بطلها وبين الحياة، فقد بدا لي على المسرح أشبه ببوابة مشبكة لحديقة منزلية! وزاد استغرابي في مابعد حين علمت أن هذا الانطباع نشأ عن كثرة الأقفال الموضوعة على الباب، ولا أدري كيف لم ينتبه المخرج ولا المصمم إلى أن هذه الأقفال تبدو أشبه بالزخارف للمتفرج الجالس في صالة العرض!‏

واكتفى بهذا القدر من الملاحظات، لأ نتقل إلى الحديث عن عمل الممثلين، ولابد في البداية من الاعتراف بأن المخرج كان موفقاً في اختيار ممثليه، فهم فريق موهوب دون شك، ولكن المشكلة أنه لم يحسن استثمار هذه المواهب. ويعود هذا في جزء منه إلى البيئة الزائفة التي وضع فيها ممثليه، بينما يعود في جزئه الآخر إلى تقصير في دراسة الشخصيات والمواقف وإخفاق في تشخيص مواطن القوة في النص، ويتجلى الأثر السلبي لتوجيهات المخرج، بصورة خاصة، في أداء محمود عبد العباس، الذي اتسم عموماً باسترخاء لا يتناسب مع صعوبة المواقف التي يمر بها بطل المسرحية، لقد بدا محمود عبد العباس في مشهد المحاكمة هادئاً غير مكترث وكأنه يناقش أمراً لا يعنيه، بينما كان عليه أن يخوض صراعاً مستميتاً للإفلات من مصير مفزع ينتظره. وكانت أمام هذا الممثل فرصة ممتازة للتألق والاستحواذ على حواس المتفرجين في الفصل الثاني، حين يجد بطل المسرحية نفسه وحيداً في مواجهة الرعب والمجهول.‏

ولكن أداءه في هذا الموقف كان مجرد تقنية خارجية اعتمد فيها على خبرته في التمثيل، وليس انفعالاً صادقاً بالدور، ولعل له العذر، فالمخرج لم يحطه بالجو المناسب الذي يساعده على الإحساس الصادق بما كان يقوله. أما في الفصل الأخير فقد كان أداؤه خالياً من المنطق والإقناع، لا لنقص في قدرته الشخصية، بل لأن المخرج أخفق في بناء علاقات منطقية مقنعة بين الشخصيات الدرامية أو بينها وبين البيئة المحيطة بها. وسأكتفي بأمثلة قليلة تغنيني عن إسهاب لا ضرورة له، فقد رأينا محمود عبد العباس ـ مثلاً ـ ينهب سلم المقبرة وثباً أكثر من مرة، وكأنه يرتقي سلم بيته في وضح النهار، رغم أن وقائع المسرحية كانت تجري في ظلام يفترض أنه دامس مطبق!، ورأينا ها تخاطبه أكثر من مرة فيتجه باحثاً عنها في الوجهة المضادة لمصدر الصوت! وكانت دهشتنا شديدة عندما استلقى عبد العباس، خلال حوار مع رفيقته في المقبرة، على الأرض بارتياح تام واضعاً يديه تحت رأسه كمن يستلقي على عشب ندي في أمسية ربيعية، ناسياً أنه حبيس في مقبرة كريهة لا يدري إن كان سيخرج منها حياً، وأن الأرض التي يفترشها يزحف عليها الدود ويفوح منها نتن المقابر... وربما كانت تعج بالحيات والعقارب! لقد كانت هذه اللحظة أبرز المفارقات التي حفل بها العرض، ولو تقصينا دوافعها لوجدناها صادرة عن تصور ساذج لدى المخرج حول وظيفة الحركة في المسرح، فالمخرج ـ وأنا أحتكم هنا إلى أعمال سابقة شاهدتها له ـ يتصور أن الممثل يجب أن يظل في حركة جسدية دائبة ومتنوعة على منصة المسرح، بقطع النظر عن مقتضيات الدور الذي يؤديه، ولعله يعتقد أن هذه الحركة الدائبة غير المدروسة هي ما اصطلح على تسميته بالفعل الدرامي.‏

ولا يسعني، وأنا أتحدث عن عنصر التمثيل في الباب، أن أغفل الإشارة إلى أحلام عرب، التي أراها للمرة الأولى على منصة المسرح. وأحلام ذات موهبة لا تخطئها العين ولها وجود جذاب على المسرح، ولكنها كانت هي الأخرى ضحية العوامل التي ذكرناها، وقد بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى أنها لم تستوعب دورها جيداً فقد رأيناها تدخل المسرح بطريقة نزقة أثارت بعض الضحك المكتوم، بينما كان عليها ـ طبقاً للنص ـ أن تدخل بجلال شهيدة صممت على مواجهة الموت وفاء للعهد الذي قطعته على نفسها.‏

وبعد، فهذه ليست كل ملاحظاتي على العرض، فهناك الموسيقى والإنارة مثلاً، ولي عليهما أكثر من مأخذ، ولكني لن أدخل في مزيد من التفاصيل مادام القارئ قد ألم ـ كما أرجو ـ بالصورة الكلية، وإذا كان ثمة ما أود إضافته في ختام هذا الحديث فهو الأمل في أن نرى هذا النص المحلي الجيد ذات يوم بصورة أخرى غير الصورة الشائهة المحزنة التي رأيناه عليها.‏

بغداد 1986.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244