دعوة إلى وعي الذات - الدكتور رشيد ياسين

فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحي - من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مسرح الشباب والانسياق مع التقاليد السيئة

لا إخال أن من الضروري أن أستهل هذه الوقفة النقدية القصيرة، عند مسرحية سور الصين التي قدمتها فرقة منتدى الأدباء الشباب،بالحديث عن النص ومؤلفه، فكلاهما معروف جيداً لدى المعنيين بالمسرح، ولكني لا أجد بداً من الإشارة إلى أن المخرج الشاب حيدر منعثر قد ركب مركباً وعراً وقرر بملء إرادته أن يخوض امتحاناً عسيراً عندما وقع اختياره على هذه المسرحية الشائكة الغريبة التي تتشابك فيها الأزمنة والشخصيات والأفكار على نحو غير مألوف.ومن المؤكد أن المخرج لم يختر هذا النص بالذات لمجرد أنه نص غير تقليدي، أي أنه لم ينطلق من طموحات شكلية محضة، بل اختاره لما يثير من قضايا هي في الصميم من هواجس الإنسان المعاصر وعذاباته، فالمسرحية تحاكم الطغاة وتسخر من مزاعمهم وتندد بأمجادهم الدموية، وهي ترينا أن الطغيان مهما تباينت عصوره وأساليبه فهو واحد في جوهره ومقاصده، ومن هنا كان هذا التنقل الحر في المسرحية بين الحاضر والماضي القريب والبعيد، والموغل في القدم، وإذا كان من الصعب على المرء أن يلخص في كلمات معدودة كل هذا المضمون الفكري الثري الذي تزخر به المسرحية لأن البحر لا يصب في قارورة ـ كما يقال ـ فقد يحق لنا القول بأن الثيمة الأساسية في عمل ماكس فريش هي أن البشرية لم يعد بوسعها أن تسمح لطاغية ما بالاستئثار بالسلطة المطلقة، ففي ظروف التطور المرعب لوسائل الإبادة الجماعية في عصرنا الراهن بات في مقدور أي حاكم مطلق يملك مثل هذه الوسائل أن يضع حداً للحياة على كوكبنا الأرضي بأسره. وقد وضع المخرج حيدر منعثر يده على هذا المعنى الأساسي وأبرزه بقوة عندما استخدم الفانوس السحري في عكس صورة الانفجار الذري الشبيهة بثمرة متسخة من ثمار القرنبيط على مؤخرة المسرح السايكلوراما)، ولكن توفيق المخرج في اقتناص الأفكار الأساسية للنص لا يعني طبعاً، أن العمل كان موفقاً من كل جوانبه،فثمة مآخذ عديدة لا يصح التغاضي عنها، وإن كنا سنترفق في معالجتها غاية الترفق لأن للشباب عذرهم في ببعض مايرتكبون من أخطاء، ولأن الشباب هم الأمل الذي نعول عليه في الارتقاء بالمسرح العراقي إلى ما نتمناه له من التقدم والإبداع.‏

وأول ما أود الوقوف عنده في معرض الحديث عن الجوانب السلبية في هذه المسرحية هو خضوعها ـ شأن الكثير من أعمال المسرح العراقي الأخرى ـ لبعض التقاليد السيئة التي باتت بحكم العادة والتكرار أمواراً مسلماً بها في مسرحنا. ولعل أسوأ هذه التقاليد هو مادرج عليه المخرج المسرحي عندنا من عدم التقيد بالنص الدرامي، أياً كان مؤلفه، فمخرجنا المسرحي لا يرعى حرمة كاتب حتى لو كان هذا الكاتب وليم شكسبير نفسه. وهو يعتقد أن النص الدرامي، مهما كان مستواه ليس أكثر من مادة أولية يعيد صياغتها على هواه ويحذف منها أو يضيف إليها مايحلو له. وقد كتبت عن هذا الموضوع أكثر من مرة ولا أريد أن أكرر هنا ماسبق أن قلته بل سأكتفي بالقول بأن من غير الجائز أن نعالج النصوص المسرحية العالمية باستهانة وخفة، وأن الحذف والإضافة في مثل هذه النصوص لا يمكن القبول بهما، إلا إذا قضت بذلك ضرورة قاهرة، وقد انساق مخرج هذه المسرحية، الفنان حيدرمنعثر، مع هذا العرف الفني السائد فحذف من نص ماكس فريش ماحذف،وأضاف إليه ما أضاف. وإذا كنا نتسامح معه في ما حذف واضعين في حسابنا الاعتبارات التي دعته إلى ذلك فليس بوسعنا أن نقبل منه الإضافة لأن هذا يجعله شريكاً للمؤلف في نصه، بينما تنحصر وظيفته، في الواقع، في ترجمة نص المؤلف إلى عرض حي على منصة المسرح.‏

ثمة ملاحظة أخرى، تدخل في إطار التقاليد المتوارثة في مسرحنا المحلي، تلك هي الضجيج الفارغ والحركات العنيفة المفتعلة التي يلجأ إليها البعض من مخرجينا لإبراز معنى بسيط كان في الإمكان إبرازه بإيماءة صغيرة بليغة. وهذه في الواقع مستشرية في مسرحنا العراقي. فنادراً ما يرى المرء مسرحية محلية لا يركض فيها الممثلون بصخب أو يرتمون بصورة هستيرية على أرضية المسرح، أو يصرخون بأصوات نابية هي أقرب إلى نداء الدلالين في الأسواق منها إلى التعبير الفني المدروس. وهنا أرى من المناسب بأن أشير إلى نقطتين: أولاهما أن المشهد المسرحي عمل فني يخضع لقوانين الجمال شأن سائر الفنون الأخرى، وليس مجرد تعبير عفوي كأي تعبير آخر في الحياة اليومية. وعندما نتحدث عن الطبيعة الفجة في الأداء المسرحي Naturalism) فإنما نعني هذا اللون من الأداء الذي يحاول محاكاة الواقع دون مراعاة لمقتضيات الجمال الفني. أما النقطة الثانية التي تنبغي الإشارة إليها في هذا الصدد فهي أن بلاغة الإيجاز شرط في المسرح، كما هي شرط في أي فن آخر. وكلما اقتصد المسرح في استخدام وسائله التعبيرية كان أقدر على الاستئثار باهتمام المشاهد وشد انتباهه إلى منصة العرض. أما هذه الوسائل التي يلجأ إليها بعض المخرجين متوهمين أنهم يبتدعون بذلك أساليب جديدة للأداء المسرحي كحمل المشاعل والشموع ونقر الدفوف والرقص المتشنج على منصة المسرح واستخدام ممرات الصالة بوصفها مساحات إضافية للعرض المسرحي فليست في نهاية المطاف سوى تظاهرات فارغة يراد منها إضفاء بريق خادع على أعمال قيمة لها أساساً. ويجدر بنا أن نتذكر هنا أن التهويل والإسراف كانا سمة الفن السوقي على الدوام. ومن المؤسف أن مخرج سور الصين قد انساق ـ إلى حد ما ـ مع هذا العرف كذلك فنظم تظاهرة للمعوقين دخلت صالة المتفرجين دخولاً صاخباً واتجهت إلى منصة المسرح وهي تطلق التأوهات فشغلتنا بعض الوقت عما يجري على المنصة واضطرتنا أن نلوي أعناقنا ليا موجعاً لنرى مايجري وراء ظهورنا! ولم يكتف المخرج بذلك بل جعل ممثليه يتلوون كالديدان على المنصة ويركعون في أحد المشاهد فترة لا يستهان بها أمام الامبراطور رافعين مؤخراتهم في وجوهنا، وتلك صورة نابية كان بوسع المخرج أن يستعيض عنها بإيماءة موجزة لطيفة لا تجرح الذوق.‏

شيء آخر أؤاخذ عليه مخرج المسرحية دون أن أنسى أنه جزء من ظاهرة عامة أخذت تتفشى في المسرح العراقي خلال السنوات الأخيرة، وأعني كثرة الأخطاء اللغوية التي يرتكبها الممثلون حين يؤدون نصاً مكتوباً باللغة الفصحى، وبعض الأخطاء التي سمعناها في مسرحية سور الصين تقع على عاتق المخرج نفسه، فقد وجدتها في النص النهائي الذي اعتمده في عمله، ولكن معظمها يعود إلىجهل الممثلين، وهم كما أعلم من الطلبة وخريجي معهد الفنون الجميلة. الذين يفترض فيهم الإلمام بأبسط قواعد اللغة العربية. وأخص بالذكر هنا ممثل دور بروتوس الذي أقض مضجع سيبويه والكسائي بأخطائه النحوية التي لا تغتفر رغم أنه شاب يتمتع بموهبة فنية واضحة.‏

وسأنتقل الآن، ودونما إسهاب إلى جانب آخر من جوانب العرض، وهو الأزياء. وينبغي الاعتراف منذ البداية بأن مهمة مصمم الأزياء في مسرحية كهذه ليست سهلة على الإطلاق، فوقائع المسرحية تدور في الصين خلال القرن الثالث قبل الميلاد وأبطالها ينتمون إلى شتى العصور، فبينهم بروتوس ربيب قيصر وأحد قاتليه، وبينهم بيلاطس، الحاكم الروماني الذي صلب المسيح، وكريستوفر كولومبس ودون جوان ونابليون بونابرت ورجل قانون من عصرنا الحاضر وآخرون. ولكن مصمم الأزياء وقع في أخطاء فادحة، فثياب بيلاطس لا تشبه ثياب قائد أو حاكم روماني ـ وقد رأينا مثل هذه الثياب في أفلام سينمائية كثيرة ـ بل هي أشبه بثياب حواريي السيد المسيح! ومن العجيب أن بعض الكهنة الصينيين كانوا يتمنطقون بأحزمة ذات زخارف إغريقية، أما نابليون فإن ثيابه لم تذكرنا قطعاً بهيئته التي نعرفها من لوحات دافيد الشهيرة. ولقد كان بوسع مصمم الأزياء أن يتجنب الكثير من الأخطاء التي وقع فيها لو أنه رجع إلى الكتب المعتمدة في هذا المجال، وهي ليست قليلة على أي حال.‏

ولنعد بعد ذلك إلى أداء الممثلين، الذي أردناه إلى النهاية لأنه ـ بطبيعة الحال ـ أحق عناصر العرض المسرحي، بالاهتمام. وسأسارع إلى القول بأن مخرج المسرحية حيدر منعثر الذي مثل فيها دور رجل القانون المعاصر هو نجمها الأول دون منازع، بل هو دون شك أنجح في التمثيل منه في الإخراج. والواقع أن منعثر له ، رغم ضآلته الجسدية، حضور ساطع على المنصة، فأنت لا تستطيع أن تحول عنه نظرك طوال وجوده على المسرح، ولا أدري ماسر ذلك فجاذبية الممثل أو عدم جاذبيته لغز لا تفسره أية مواصفات خارجية ملموسة.‏

أما بقية الممثلين فتتفاوت حظوظهم من النجاح، وأياً كان الأمر فإن من الصعب أن نحكم على مدى إجادة ممثل شاب لا ندري مدى صواب التوجيهات التي تلقاها من المخرج. وإذ نضع في حسابنا كل هذه التحفظات فإن بإمكاننا إن نقول أن ممثل دور بيلاطس لا يخلو من موهبة، ولكنه لم يفهم طبيعة الشخصية التي يؤديها فجاءت أشبه بشخصية قديس مسيحي منها بشخصية حاكم روماني. أما ممثل بونابرت فقد كان مانعاً ولم يوح إلينا بشيء من جبروت هذه الشخصية التاريخية الآسرة. ولم يخل أداء ممثل شخصية الإمبراطور الصيني من القوة ولكن عليه أن يولي نطقه مزيداً من الاهتمام، فقد كان يفتقر أحياناً إلى الإبانة والإفصاح. وتصدق هذه الملاحظة بصورة أشد على ممثلة دور الأميرة مي لان التي لم تكن تفتقر إلى جلال أميرة صينية وحسب، بل كانت تهمس بكلمات دورها بسرعة لا مبرر لها وبصوت ميكانيكي خافت إلى حد جعلني أعجز عن التقاط معظم كلماتها رغم جلوسي على مقربة من منصة المسرح.‏

وهذا كله يؤكد حاجة ممثلينا الشبان إلى العناية بأصواتهم والتدريب المستمر على وضوح النطق وحسن الإلقاء.‏

وبعد فهذه أبرز الملاحظات التي يمكن أن تقال عن المسرحية التي نحن بصددها في عجالة كهذه. ولعل الإخوة الحاضرين قد لاحظوا أنني ركزت على جوانب الضعف في المسرحية واكتفيت بأن أشير إلى مزاياها بشكل عابر. والواقع أن هذا لم يكن لقلة مزاياها، وإنما لحرصي على أن يتجاوز مسرحيونا الشباب أنفسهم ويتغلبوا على نواقصهم ليصلوا إلى المستوى الذي نريد. وإذا كان البعض ممن حضروا هذه الندوات قد ضاقوا بما سمعوا من نقد وردوا على النقاد بحدة ينقصها التروي والموضوعية فإنني آمل أن أجد لدى مسرحيينا الشبان قدراً أكبر من الوعي ورحابة الصدر والقدرة على التعلم، لأن الفنان لا يستطيع بدون النقد أن يتدارك عيوبه ، ويتفوق على نفسه.(1) ).‏

(1) ) ألقيت في مهرجان بغداد الثاني للمسرح العربي 1989).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244