|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
خواطر حول كتاب دراسات في المسرح العربي المعاصر إذا صح ماذكره الدكتور أحمد سليمان الأحمد من أن مسرحية المروءة والوفاء، التي نشرها الشيخ خليل اليازجي في عام 1876 هي أول مسرحية شعرية كتبت بالعربية فمعنى ذلك أن لمسرحنا الشعري اليوم تاريخاً يقرب من مائة عام.وليست هذه بالفترة الوجيزة، ومع ذلك فإن المكتبة العربية مازالت تفتقر إلى مراجع وافية يعود إليها المعنيون بهذا الموضوع. ولعل كتاب الدكتور الأحمد الذي بين أيدينا هو أول محاولة يقوم بها باحث عربي لتقصيّ نشأة هذا المسرح وتحديد ملامحه البارزة وارتباطه بالقضايا التي أثارها تطور المجتمع العربي خلال هذه الحقبة الطويلة من تاريخ الأمة. ومن الطبيعي ألا تكون محاولة الدكتور الأحمد مبرأة من النواقص والثغرات، فقد سلك طريقاً غير ممهدة، فضلاً عن أن مادة البحث هي من الغزارة والتنوع بحيث يصعب بالإلمام بها ضمن دراسة واحدة. ومع ذلك فإن جهد المؤلف جدير بالثناء،ولا يسع الناقد المنصف، رغم ماقد يجد في الكتاب من مآخذ، إلا أن ينوه بهذا الجهد الملحوظ الذي بذله الدكتور الأحمد في مجال تحاماه الباحثون والنقاد تجنباً لمشقة الاستقصاء والتحليل والمقارنة والتقويم. انتهج المؤلف في دراسته طريقة تجمع بين المنهج التاريخي والمنهج السوسيولوجي، فخصص القسم الأول من كتابه للأشكال المسرحية البدائية التي ظهرت عند العرب بالأقدمين، وحاول أن يفسر ظاهرة تأخر نشوء المسرح العربي، ثم استعرض المراحل التي مرت بها المسرحية الشعرية العربية خلال تسعين عاماً تبدأ بمسرحية المروءة والوفاء في عام 1876 وتنتهي بعام1966. وتطرق المؤلف في القسم الثاني من كتابه إلى انعكاسات الواقع الاجتماعي في المسرح الشعري العربي. وقد تضمن هذا القسم سبعة فصول عن المرأة والصراع بين العادات والتجديد، والفئات الاجتماعية والشعب والحصار والهروب والواقع والخيال. وفي القسم الثالث ـ ولعله أمتع وأعمق مافي هذا الكتاب ـ يتناول المؤلف مسرحية قدموس للشاعر اللبناني سعيد عقل محاولاً استجلاء رموزها في ضوء أيديولوجية هذا الشاعر ومفاهيمه السياسية المعروفة. أما القسم الأخير من الكتاب فيعالج المسرح الشعري العربي من حيث هو وثيقة تاريخية تعرض على الجمهور العربي قسماً طيباً ًمن تاريخه دون كبير تشويه، على حد تعبير المؤلف. هذه هي الخطة العامة التي اعتمدها الدكتور الأحمد في دراسته، ومن الواضح أنه أغفل جانباً عظيم الأهمية، هو الجانب الجمالي ـ التقني في المسرح الشعري العربي، فلم يتطرق إلا عرضاً وفي مواضيع متفرقة إلى مدى إلمام شعرائنا المسرحيين بقواعد الفن الدرامي، ومدى نجاحهم في بناء الحبكة المسرحية المتماسكة والشخصيات الدرامية الحية التي يمكنها أن تصمد لاختبار العرض المسرحي، ومدى قدرتهم على تسخير أدوات الشعر لتصعيد الفعل الدرامي وإبراز مضمونه الأساسي والتحكم في إيقاعاته. وبالتالي فإن الكتاب لم يتضمن أي تصنيف لنتاجات مسرحنا الشعري من حيث القيمة الفنية، ويبدو أن المؤلف آثر أن يترك هذا الجانب من الموضوع لدراسة أخرى مستقلة أو لباحث آخر يتناولـه. ولكنا لا نقرّ الدكتور الأحمد على منهجه هذا، لأن القضايا التي خصها باهتمامه لا يمكن أن تدرس دراسة علمية وافية بمعزل عن القضايا الفنية التي يثيرها المسرح الشعري. وسنقتصر هنا علىمثال أو مثالين. فالدكتور الأحمد يلاحظ ـ وهو على صواب ـ أن شعراءنا المسرحيين لجؤوا إلى التاريخ والأسطورة وأولوهما اهتماماً يفوق اهتمامهم بالواقع الاجتماعي الحي. وهو يعزو هذه الظاهرة، في المقام الأول، إلى أسباب أيديولوجية وسياسية، إذ يراها وليدة الرغبة في العودة إلى التاريخ لنتمكن من مد جسر بين الماضي والحاضر، ومواصلة السير هكذا نحو المستقبل دون انفصام، ولنعرض آراء قد نرى من غير المناسب التعبير عنها بشكل مباشر في نطاق واقعي /ص 196/ . أما السبب الفني الوحيد الذي يقدمه الدكتور الأحمد لهذه الظاهرة فهو أن المؤلفين الذين لا يرتكزون إلى تقاليد عريقة في هذا المجال يستسهلون خوض مواضيع تاريخية أو أسطورية حيث الأحداث والمواقف مهيأة، مسلسلة، الأمر الذي يوفر عليهم جهد الخيال مستفيدين هكذا من إطار درامي موجود في الواقع /ص196/. وهذا تفسير غير مقنع بالمرة، فبناء العمل الدرامي على حكاية جاهزة لا يعفي الكاتب من جهد الخيال وإلا لكان اسخيلوس وسوفوكليس وشكسبير أفقر الشعراء خيالاً لأن جل ما كتبوه كان مستمداً من التاريخ والأسطورة، بل إن شكسبير بنى عدداً من أعظم مسرحياته كالملك لير وهاملت مثلاً)، على أعمال درامية سابقة. أما السببان الأولان فهما معقولان، ولكنهما لا يؤلفان تفسيراً كافياً لهذه الظاهرة. ولنأخذ أحمد شوقي مثلاً، فهل يصح القول بأنه لجأ إلى التاريخ ليقول أموراً لم يكن من المناسب إبداؤها بشكل صريح مباشر؟ ليس ثمة مايبرر افتراضاً من هذا النوع، فشوقي لم يكن شاعراً ثورياً مناوئاً للسلطة، ولم يكن لديه مايدعوه إلى الخوف من الجهر بآرائه الإصلاحية المعتدلة. وإذا أردنا أن نفسر لجوءه إلى التاريخ والأسطورة فعلينا أن نبحث عن السبب، لا في الاعتبارات السياسية أو الاجتماعية، وإنما في الاعتبارات الفنية. وهنا تبرز نقطتان أساسيتان، أولاهما تتعلق بالمسرح الشعري عموماً، والثانية تتعلق بأحمد شوقي بالذات. إن المسألة الجوهرية التي أغفلها الأستاذ الباحث هي أن الموضوعات التاريخية أنسب للمسرح الشعري من الموضوعات المعاصرة، ولو عدنا إلى تاريخ المسرح الأوروبي لوجدنا أنه لم يتخل عن الشعر الذي لازمه منذ نشأته إلا عندما ظهرت الدراما البورجوازية الحديثة أو الكوميديا الجادة كما سماها ديدرو) في أواسط القرن الثامن عشر. فقد أدارت الدراما الحديثة ظهرها للشعر عندما استعاضت عن التاريخ بأحداث الواقع الملموس، وعن الملوك والأبطال والشخصيات الأسطورية بأبناء الطبقة البرجوازية الصاعدة، ويبدو هذا التحول منطقياً ومفهوماً إلى حد بعيد. فإذا كان أمراً مقنعاً للقارئ والمتفرج أن يتحدث الآلهة والملوك القدامى والعرافون الأسطوريون بلغة الشعر الأنيقة، فإن مما يضعف الصدق والانسجام في الشخصيات المسرحية أن يتكلم التجار والسوقة وأشباههم بإيقاعات شعرية ولغة فنية عالية، وقد فطن شكسبير ذلك الواقعي العظيم، إلى هذه الحقيقة فجعل السوقة في مسرحياته يتكلمون النثر كحديث الحارس في المشهد الثالث من الفصل الثاني من مسرحية ماكبث مثلاً)). وقد نواجه هنا اعتراضاً مؤداه أن الكوميديا الشعرية قد لجأت إلى الموضوعات المستمدة من الواقع الملموس منذ عهد أرستوفان، وأن أبطال موليير كانوا يتخاطبون بالكلام الموزون المقفى رغم كونهم من معاصريه. وهذا صحيح، ولكن للشعر في الكوميديا الضاحكة دوراً آخر غير دوره في التراجيديا أو الكوميديا الجادة(1) . ففي الكوميديا الضاحكة يساعد الشعر على تعميق عنصر المفارقة في الشخصيات والمواقف، ويؤدي الوظيفة التي يؤديها شعر الهجاء. ويفتقر الشعر الكوميدي إجمالاً إلى ذلك الجلال الذي نحسه في الشعر التراجيدي والذي يضاعف عندنا الشعور بعظمة الحدث وخطورة الصراع الدائر. إن هذه الحقيقة -وأعني ملاءمة الحدث التاريخي أو الأسطوري للدراما الشعرية- هي التي جعلت الشاعر العربي يلتفت إلى التاريخ باحثاً عن مادة نتاجاته المسرحية. وليس في ذلك من ضير مادام الشاعر لا يكتفي بوظيفة المؤرخ، بل يتخذ من أحداث الماضي مدخلاً إلى معالجة مشكلات الحاضر، ويقدم إلينا في إطار التاريخ شخصيات وصراعات ماثلة في الواقع الحي. وهذا ما فعله جميع كتاب المسرحية التاريخية الكبار ابتداء من اسخيلوس حتى ت. س. ايليوت. ويتوجب هنا التمييز بين عنصرين من عناصر الدراما، هما مادتها subject) وموضوعها theme). فالعنصر الأول يدخل ضمن مكونات الشكل الدرامي وهو في ذاته لا يدل على القضايا التي يثيرها العمل الدرامي، أما الثاني فهو من مكونات المضمون وفيه تتمثل القضية الأساسية المطروحة. ومن السذاجة أن يتصور أحد أن مأساة هاملت مثلاً ليست سوى صياغة درامية لبعض الأحداث الفاجعة التي وقعت في بلاط الدانمارك خلال العصور الوسطى، فلو كان الأمر كذلك لما حظي هاملت بكل ما أولاه إياه نقاد المسرح والأدب من اهتمام عظيم. والواقع أن شخصيات المسرح الشكسبيري تحمل وراء ملامحها وأزيائها التاريخية هواجس إنسان العصور الحديثة وطموحاته وصراعاته الداخلية. وهذا يجعل مسرح شكسبير قريباً إلى نفوسنا، بل ويجعلنا -كما عبر برناردشو- نجد فيه أنفسنا. هذا عن المسرح الشعري بوجه عام. أما في ما يتعلق بأحمد شوقي بالذات فقد كان على الأستاذ الباحث أن ينتبه إلى أن الرجل تلقى ثقافته الجامعية في فرنسا واطلع على أعمال قطبي المسرح الكلاسيكي الفرنسي كورني وراسين. وثمة مايدعو إلى الاعتقاد بأنه اطلع على الدراما الشكسبيرية في ترجمتها الفرنسية أو العربية، الأمر الذي يفسر عدم تقيده بمبدأ الوحدات الثلاث وإدخاله بعض العناصر الكوميدية في المأساة، مما يتعارض مع قواعد بوالو التي خضع لها المسرح الكلاسيكي الفرنسي. وقد يكون شاعرنا اطلع كذلك على مسرح لوبي دي فيغا وكالديرون في أثناء إقامته الطويلة في إسبانيا. ولكننا لا نملك أية معلومات حول هذا الموضوع. بيد أن الأمر الذي لا شك فيه أن كورني وراسين وشكسبير كان لهم أثر حاسم في توجه أحمد شوقي نحو المسرحية التاريخية. إن هذا المثال -وهو واحد من أمثلة عديدة- كاف للتدليل على أن من غير الممكن إغفال المنهج الجمالي والمؤثرات الفنية عند دراسة المسرح الشعري العربي، حتى عندما تكون غاية هذه الدراسة -كما أراد الدكتور الأحمد- البحث عن انعكاسات قضايا الواقع الاجتماعي بفئاته وصراعاته المختلفة في نتاجات هذا المسرح. ولنعد الآن إلى الكتاب لنتابع آراء الدكتور الأحمد في حدود المنهج الذي اختاره. وسنوجز قدر الإمكان، لأن غايتنا لا تتعدى في الواقع رسم الخطوط العامة لهذا البحث دون الدخول في الجزئيات والتفاصيل. لقد تناول المؤلف في القسم الأول من كتابه بعض الأشكال "المسرحية" التي سبقت ظهور المسرح عند العرب وحاول أن يجيب على هذا السؤال الشائك: لماذا تأخر ظهور المسرح العربي؟... واحسب أنه كان موفقاً على العموم في تشخيص كثير من الطقوس والعادات العربية القديمة التي تشتمل على عناصر مسرحية، ولكنه خلط في موضع أو موضعين بين ما يمكن اعتباره شكلاً بدائياً من أشكال المسرح وبين بعض صور الحياة العربية التي يمكن أن تكون مادة لعمل مسرحي بحكم اشتمالها على عناصر درامية. ويمكن الفصل بين هاتين الظاهرتين على النحو التالي: إن كثيراً من الطقوس والعادات التي تمارس في الأعياد والمناسبات الدينية وغيرها كالأعراس ولعبة المبارزة والمواكب الحسينية التي يطلع فيها بعض الأشخاص بأدوار تاريخية معينة يمكن إدخالها ضمن الأشكال البدائية للمسرح، لأنها ترتكز إلى مجموعة من الحركات والأزياء وأحياناً الحوارات) المعدة سلفاً ولأنها تتوخى إيهام جمهرة المتفرجين. فالمسرح في جوهره هو إعادة عرض وقائع معينة ذات دلالة، بغية خلق أثر معين في نفس المشاهد، في حين أن الملحمة وماتفرعت عنه من أشكال أدبية، كالرواية والقصة، هي سرد وقائع ذات دلالة. وأول ما تمتاز به حلبة المسرح أو خشبته هو أنها تنفي نفسها فلا تعود مسرحاً، بل تتحول في ذهن المتفرج إلى حجرة في منزل أو ركن من شارع عام أو ميدان قتال أو أي مكان آخر يفترض أن أحداث العمل المسرحي وقعت فيه. وهكذا فإن مشهد الشمر بن ذي الجوشن على ظهر جواده في موكب عزاء الإمام الحسين ومرأى الحسين نفسه وهو ملفوف بأكفان بيضاء مضرجة بالدماء هما مشهدان مشتملان على طابع مسرحي، لأن غايتهما إيهام المتفرج ونقله إلى مكان الحدث. أما مرأى فارس حقيقي يدافع في الصحراء عن فتاته الجميلة التي يراد اختطافها منه وهو من الأمثلة التي ذكرها الدكتور الأحمد) فليس له أي طابع مسرحي، لأن ما يجري هو معركة حقيقية لا إيهام بمعركة. وكل ما يمكن قوله حول وقائع من هذا النوع أنها تنطوي على عنصر درامي يمكن استخدامه في بناء مشهد مسرحي. وفي فصل آخر من الكتاب يطرح المؤلف السؤال القديم: لماذا تأخر ظهور المسرح عند العرب؟.. وجواباً على ذلك يعرض لنا بعض الاجتهادات التي توصل إليها الباحثون في هذا المضمار، كعدم الاستقرار الذي اتسمت به حياة العرب الأقدمين، وغياب المفهوم المأساوي في الحياة عند العرب وافتقارهم إلى تلك الأساطير والطقوس الدينية الغنية التي تمخضت عن المسرح الإغريقي. ويبدو لي أن هذه الاجتهادات لا تلقي ضوء كافياً على المشكلة، بل إن منها ماهو باطل أساساً كرأي الدكتور عز الدين اسماعيل حول غياب المفهوم المأساوي عند العرب. ومن الإنصاف للأستاذ الباحث أن نقول إنه لم يتبيّن أياً من هذه الآراء، بل اكتفى بإيرادها والتعليق عليها. وبقيت المشكلة غير محلولة، وأكبر الظن أنها ستبقى كذلك. وفي القسم الثاني من الكتاب يتناول المؤلف القضايا الاجتماعية التي عالجها المسرح الشعري العربي، مركزاً اهتمامه بالدرجة الأولى على مسرح شوقي وعزيز أباظة ومسرحية عبد الرحمن الشرقاوي الفتى مهران. وهذا الاهتمام يرتكز إلى اعتبارات وجيهة دون شك، ولكنه لا يبرر إغفال المؤلف لعدد من الأعمال المسرحية الشعرية التي تستمد أهميتها من قيمتها الفنية أو من مكانها في مسار تطور المسرح الشعري العربي. ومن الأمثلة التي تحضرني في هذا الصدد -وهي كثيرة- مسرحيتا الشاعر العراقي خالد الشواف شمسووالأسوار اللتان لم تظفرا من الأستاذ الباحث بأكثر من إشارة عابرة غير دقيقة، رغم أنهما كانتا محاولة رائدة في استيحاء التاريخ البابلي القديم وفي خلق مسرح شعري عراقي. وإذا كانت شمسوالتي كتبها الشواف في عهد مبكر من حياته عملاً تغلب عليه الركاكة، فإن الأسوار تمثل نضجا ملحوظاً في البناء الدرامي والصياغة الشعرية إذا قيست بغيرها من نتاجات المسرح الشعري الكلاسيكي العربي. ومن المؤسف أن الشواف الذي بدأ بداية طيبة تعد بالكثير قد هجر المسرح الشعري بعد الأسوار، ربما لأن عمله لم يجد الصدى الذي يستحقه* . بقي أن نتساءل: إلى أي حد وفق الدكتور أحمد سليمان الأحمد في استقصاء القضايا الاجتماعية الأساسية التي عالجها مسرحنا الشعري؟ ثمة أكثر من مأخذ على المنهج الذي اتبعه في عرض هذه القضايا وفي تحليله لبعض الشخصيات والمواقف الدرامية، ولكنه يصل في نهاية المطاف إلى تعميمات صحيحة، منها أن مسرحنا الشعري كان سطحياً في معالجته لقضايا العصر، وأنه أغفل أحداثاً جساماً في تاريخنا المعاصر كالحرب العالمية الثانية والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والتحولات الثورية التي جرت في العالم العربي خلال السنوات المنصرمة. كما أن هذا المسرح حمّل التاريخ مالا يحتمل ولم يتعمق الأسباب الحقيقية الكامنة وراء أحداثه. فشوقي -مثلاً- لم ينتبه إلى العوامل الاقتصادية والستراتيجية التي جعلت قمبيز يستولي على مصر. وكليوباترا في مسرحية شوقي المعروفة لا تمت بصلة إلى كليوباترا التي حدثتنا عنها كتب التاريخ، بينما نجد عبلة، في مسرحية عنترة لأحمد شوقي، تخطب في قومها داعية إلى تحرير العرب واتحادهم في دولة. ومن الطبيعي -كما أشار المؤلف- أن مثل هذا التفكير والمعالجة لم يكونا واقعين بالنسبة للمكان والزمان اللذين تجري فيهما تلك الأحداث. على أن من الضروري أن نشير إلى أن الأستاذ الباحث لم يراع دوماً دقة المصطلح، فهو يستخدم كلمة التردد للدلالة على ما يسمى عادة في قاموس المسرح بـ الصراع الداخلي، أي التمزق الروحي الذي يعانيه المرء حين تتنازعه عواطف متضاربة أو حين يجد نفسه أمام اختيار صعب بين ماتهواه النفس ومايمليه الواجب. وهذا النمط من الصراع هو قوام المسرح الكلاسيكي الفرنسي وهو عنصر أساسي في الكثير من الأعمال التراجيدية العظيمة. وليس البطل التراجيدي، الذي تتقاذفه تيارات داخلية متعارضة، شخصية سلبية مترددة -كما يؤخذ من كلام الدكتور الأحمد- بل هو في الغالب ضحية التناقض بين ما يضطرم في نفسه من نوازع إنسانية مشروعة وبين العرف الاجتماعي الصارم أو الضرورة التاريخية. ومن هنا جاءت إدانة المؤلف لشخصية ليلى في مسرحية أحمد شوقي المعروفة إدانة غير منصفة، فهي في رأيه شخصية سلبية جبانة لأنها آثرت الخضوع للتقاليد بدلاً من الثورة عليها والاقتران بمن تحب. والواقع أن ليلى في مسرحية شوقي هي بطلة تراجيدية نبيلة ضحت بسعادتها وبحياتها إيثاراً لواجبها نحو أبيها الذي لم ترد أن تجلب له العار. وبالتالي فإن الإدانة يجب أن توجه لا إليها بل إلى التقاليد الجائرة التي تحول بين الإنسان وبين ممارسة حقه الإنساني المشروع، ولعل هذا ما أراده شوقي بالذات. وقبل أن ننتهي من هذا الاستعراض لمواد الكتاب -وهو استعراض غير وافٍ بالضرورة- لابد أن نشير إلى أن الدكتور الأحمد بلغ أقصى حد من التوفيق في تحليله المقنع لرموز مسرحية قدموس للشاعر اللبناني سعيد عقل. وما من سبيل إلى الجزم بأن الشاعر أودع رموزه هذه المعاني التي استخلصها الباحث، ولكن هذه المعاني تبدو وجيهة تماماً حين توضع آراء الخلفية الفكرية لهذا الشاعر اللبناني. وقد كنا نود لو أن الدكتور الأحمد تناول هذه المسرحية من جوانبها الفنية الأخرى واتخذ منها منطلقاً لدراسة بعض المشاكل التقنية التي يثيرها المسرح الشعري العربي. وهنالك الكثير مما يمكن أن يقال في هذا الصدد، فهذه المسرحية مكتوبة برمتها على البحر الخفيف مع كثير من التدوير والإيقاعات البطيئة، فضلاً عن التزويق اللفظي الذي عرف به سعيد عقل. وهي من هذه الناحية أقرب إلى الشعر الغنائي منها إلى الشعر الدرامي، كما أنها خطوة إلى الوراء بالقياس إلى مسرحيات شوقي التي تمتاز بتعدد البحور مع جنوح ملحوظ إلى استخدام الأوزان القصيرة ذات الإيقاعات الدينامية السريعة التي هي أصلح إجمالاً للحوار المسرحي. وينبغي هنا أن نتذكر تلك القاعدة الذهبية التي ألحّ الشاعر الإنكليزي الكبير أليوت على إيضاحها في كتاباته النقدية، وهي أن الشعر في المسرح يجب أن يبرز نفسه درامياً. ويثير مسرح عبد الرحمن الشرقاوي بدوره إشكالات فنية جديرة بالدراسة. فكثيراً ما يتطلب الإيقاع الشعري في مسرحيات الشرقاوي من الممثل وقفة قصيرة ينتقل بعدها إلى البيت التالي، بينما المعنى متصل لا يسمح بالتوقف. وهنا تتحتم التضحية إما بمقتضيات الأداء المسرحي السليم أو بسلامة الإيقاع. وكثيراً ما يسف الشعر في مسرح الشرقاوي إلى مستوى النثر المهلهل وتصبح علاقته بالشعر الدرامي مجرد علاقة خارجية متمثلة في الوزن. وفي هذه الحالة يؤدي الشعر في المسرح دوراً سلبياً لأنه يخلخل الفعل الدرامي ويضعف قدرته على التأثير والإيحاء. وهذه ليست سوى أمثلة قليلة من القضايا التي يطرحها مسرحنا الشعري الناشئ والتي تتطلب دراسات جمالية دقيقة تستند إلى العلم والممارسة لا إلى الأحكام الاعتباطية المتسرعة. ونعود فنكرر في الختام أن دراسة الدكتور أحمد سليمان الأحمد على مايشوبها من نواقص هي خطوة محمودة نحو دراسة المسرح الشعري العربي، ونأمل أن تتلوها خطوات أخرى تسد هذا الفراغ الكبير الذي خلقه تقاعس الباحثين. دمشق 1973 (1) من المناسب أن نوضح هنا أن كلمة كوميديا لم تكن تستخدم في الماضي بمعناها المتعارف عليه الآن، بل كانت تطلق على كل عمل أدبي يفضي إلى نهاية سعيدة. ومن هنا جاءت تسمية نتاجات شكسبير غير التراجيدية بالكوميديات الإلهية رغم خلوها من أي عنصر كوميدي بالمفهوم الدارج لهذه الكلمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |