|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هل نحتاج حقاً إلى المسرح الملحمي؟ حين يستعرض المرء التيارات والمفاهيم السائدة في المسرح العربي المعاصر فلن يصعب عليه أن يلاحظ أن بريشت ومسرحه الملحمي قد تركا أثراً عميقاً في مجرى حياتنا المسرحية. وتتبادر إلى الذهن في هذا الصدد تفسيرات متعددة منها ما يتصل بمكانة بريشت في المسرح العالمي الحديث ومنها ما يتصل بهويته الفكرية والسياسية. ولكن أرجح هذه التفسيرات عندي هو شيوع الاعتقاد بأن إضفاء صفة الملحمية على عمل مسرحي ما يعفي المؤلف من التقيد بأصول الحبكة الدرامية، كما يعفي المخرج والممثل من مشقة بناء العرض المسرحي المترابط المقنع. ومرد هذا الاعتقاد إلى نظرية بريشت القائلة بضرورة إبطال السحر الذي يمارسه المسرح على مشاهديه، هذا السحر الذي يجعلهم يغفلون عن أنفسهم وينخرطون عاطفياً في الصراعات الدائرة على المسرح، ناسين أنها صراعات زائفة تجري بين ممثلين حفظوا أدواراً مكتوبة وخرجوا لتوهم من غرفة المكياج! ولكن لماذا يريد بريشت أن يبطل سحر المسرح؟ لماذا يريد لجمهوره أن يظل ساكن النفس، يراقب أحداث المسرحية من الخارج دون أن ينغمس فيها؟ إن بريشت نفسه يعطينا في كتاباته النظرية إجابة مستفيضة عن هذا السؤال. ولا يسعنا، والمجال ضيق، أن نعود الآن إلى تلك الكتابات. بيد أن جوهر المسألة يتلخص في اعتقاد بريشت بأن المسرح الأرسطوطاليسي التقليدي يخدع جمهوره، فالمسرح الأرسطوطاليسي -من وجهة نظر بريشت- يصنع لجمهوره عوالم وهمية تلهيه عن النظر إلى واقعه الحقيقي، ويتلاعب بعواطفه ليعطل قدرته على التفكير، ويفرض عليه ما يشاء من أفكار ومفاهيم دون أن يعطيه فرصة لمناقشتها. وهو، بعد ذلك، مسرح تغلب عليه السذاجة ولا يمتلك من المعارف العلمية ما يحتاجه إنسان عصرنا المعقد. كما ذهب بريشت إلى أن المسرح يجب أن يتحول إلى أداة للتعليم والتغيير بعد أن ظل لزمن طويل مقتصراً على صنع التسليات والأوهام. ومن هنا كانت دعوته إلى تحطيم هذا السحر الهدام الذي يسلطه المسرح على جمهوره، وإزاحة الجدار الرابع الذي اعتاد المتفرجون أن يتوهموا أنه موجود وأنهم يرون من خلاله أحداثاً فعلية تدور في حجرة مغلقة. وبغية عزل المتفرج عاطفياً عما يجري على خشبة المسرح، لجأ بريشت إلى التقنيات الملحمية (أي الروائية)، فأدخل في أعماله المسرحية عنصري السرد والتعليق وانتهج في الكتابة للمسرح أسلوباً تبدو معه المسرحية أشبه بمجموعة فصول روائية منها بفصول درامية جيدة الحبك. وفي الإخراج غمر بريشت مسرحه بالنور الساطع لئلا يدع مجالاً للتوهم والاندماج، واستعان بالديكور التجريدي واللافتات والعروض السينمائية. أما في التمثيل فقد ابتدع منهجاً جديداً قوامه أن يحتفظ الممثل بمسافة معينة بينه وبين الشخصية التي يمثلها، فلا يتقمصها ولا يعيش حياتها الداخلية -كما يوصي منهج ستانسلافسكي- وإنما يدرسها ويقدمها إلى الجمهور من الخارج، وبأقصى ما يمكن من الدقة. وقد تناول بريشت في بعض كتاباته النظرية دور الممثل في مسرحه فقال إنه أشبه بدور الشاهد الذي رأى في الشارع واقعة اصطدام سيارة فوقف يصف ما رآه لحشد من الناس تجمعوا من حوله. ومن الطبيعي أن الشاهد في مثل هذه الحالة لا يحاول الادعاء بأنه ضحية الاصطدام، ولكنه يستعين بحركاته ونبرات صوته ليقرّب صورة الواقعة إلى أذهان المستمعين الذين تجمعوا لمعرفة ماحدث. ولا أريد أن أسهب في الحديث عن نظرية المسرح الملحمي وتقنياته فهذا موضوع معروف في ما أعتقد، ولكني أريد التمهيد لهذا السؤال الذي يخامرني منذ فترة طويلة: لماذا يندفع كتابنا وفنانونا المسرحيون إلى تبني نظرية المسرح الملحمي بكل هذه الحماسة، بينما يتحفظ إزاءها معظم فناني المسرح في العالم؟ أهو ولعنا بكل ماهو خارج عن المألوف، أم أن مما يخدم حركتنا المسرحية حقاً أن نتخلى عن قواعد الدراما الأرسطوطاليسية؟ لاشك أن نظرية بريشت تستند -كما رأينا- إلى مبررات قوية، فالمسرح، شأن كل الفنون، ينبغي أن يكون أداة تثقيف وتطوير، لا مجرد أداة للتسلية، ولكن من قال إن المسرح لا يستطيع النهوض بهذه المهمة إلا إذا تجرد من سحره وتخلى عن خصائصه الأساسية؟ إن ادعاء كهذا سيقودنا لدى التأمل إلى نتيجة غريبة جداً، مؤداها أن العمل الفني يغدو أقل نفعاً للمجتمع كلما كان أمتن بناء وأقدر على إثارة العواطف. ومن الطبيعي أن هذه النتيجة لا يمكن قبولها، لأننا لو قبلنا بها لوجب علينا التسليم بأن أية منظومة تعليمية جافة هي أفضل من أعمال سوفوكليس وشكسبير. والواقع أن المسرح الأرسطوطاليسي ليس عاجزاً عن الإثارة الفكرية إلى الحد الذي يصفه بريشت، فجل الأعمال المسرحية العظيمة، التي عالجت قضايا الإنسان الأساسية والتي تتجدد حياتها على منصات المسارح في أرجاء العالم مرة بعد مرة، إنما تنتسب إلى هذا النمط من التأليف الذي ينكره بريشت. ورغم أن القرن العشرين قد شهد -إلى جانب المسرح الملحمي -تيارات مختلفة، ألممنا ببعضها في حديث سابق، فقد ظل المسرح الأرسطوطاليسي التيار المهيمن على الحركة المسرحية العالمية حتى اللحظة الراهنة. وأحسب أن هذا أمر طبيعي تماماً، فنحن نذهب إلى المسرح سعياً وراء المتعة التي يوفرها لنا هذا الفن، لا لنستمع إلى جملة من المواعظ التي تعترض مجرى المسرحية بين حين وآخر وتشوه بذلك الانطباع الكلي الموحد الذي يتركه المسرح عادة في نفوس مشاهديه. وثمة من يذهب إلى أن بريشت غالباً ما نقض دعوته إلى مسرح ملحمي بأعماله المسرحية الرائعة التي تجبر المتفرج على الانخراط العاطفي في أحداثها، رغم أن مؤلفها قد قصد إلى غير ذلك. ومما له دلالته البليغة في هذا الصدد أن حضور المسرح الملحمي قد انكمش منذ وفاة مؤسسه عام 1956، فضلاً عن أن تعاليم بريشت لم تجذب إليها أي مؤلف مسرحي ذي شأن، وإن كان بعض كتاب المسرح المعاصرين قد أفادوا من تقنياته الملحمية (كظهور الرواية أو المعلق على منصة المسرح، مثلاً) دون الإخلال بأسس البناء الأرسطوطاليسي المتعارف عليها. وبالمقابل فقد أثبتت المسرحية الخاضعة لهذه الأسس أنها تتسع -وقد اتسعت دوماً- لمناقشة الأفكار الخطيرة والتنبيه إلى المظالم والمخاطر التي تهدد طمأنينة الإنسان وسلامته، دون أن تمزق النسيج الحيّ الذي هو قوام كل عمل فني. ويحسن بنا أن نتوقف قليلاً عند هذه الملاحظة الأخيرة، التي تلخص في رأيي الجانب السلبي في نظرية بريشت الملحمية، فالنص الأدبي -أياً كان نوعه- لا يمكن أن يقتصر على مخاطبة العقل وحده، كما أراد الكاتب الألماني الكبير، بل هو يخاطب وجدان المتلقي بكل مكوناته، وأهمها الاستجابة العاطفية التي يصر بريشت على إلغائها. وليس عملاً فنياً هذا الذي يعجز عن إثارة عواطفنا وشعورنا بالجمال. ولا يتعارض هذا مع وجود الفكر في الأعمال الفنية، فالفكر جزء من مواجهة الإنسان لعالمه، هذه المواجهة التي تؤلف مادة الفن، ولكنه في النهاية ليس إلا جزءاً واحداً من استجابتنا المعقدة لعالم الناس والأشياء. وهكذا فحتى أولئك الذين يشايعون بريشت لا يجدون مناصاً من الاعتراف بأنه كان متطرفاً في دعوته. مرة أخرى أعود إلى التساؤل: هل أفاد مسرحنا العربي من مفهوم بريشت الملحمي؟ وفي ظني أن الجواب لا يحتاج إلى تنقيب طويل. يكفينا أن نتفحص واقعنا المسرحي العربي لنكشف أن صفة المسرح الملحمي أصبحت. في كثير من الأحيان، غطاءً يستر رداءة النص وتفكك العمل المسرحي. ويعمد مؤلفونا الملحميون، عادة، إلى التنميق اللفظي والعبارات الثورية والمواعظ الأخلاقية ليعوضوا عن غياب الحبكة واضطراب السياق وافتقار الشخصيات إلى ملامح إنسانية واضحة. ومن الطبيعي أن الثرثرة المنمقة وحدها لا تكفي لاجتذاب الجمهور إلى المسرح. ولذلك فإن المهمة التعليمية الوحيدة التي أنجزتها هذه الأعمال الملحمية حتى الآن هي تعليم الجمهور على البحث عن المتعة الثقافية في مكان آخر غير المسرح؟ بغداد 1977 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |