دعوة إلى وعي الذات - الدكتور رشيد ياسين

فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحي - من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حول مسرحية " التوأمان "

هكذا تصل النصوص العالمية‏

إلى جمهورنا المسرحي !‏

كيف ارتضيت لنفسك أن تكون طرفاً في عمل كهذا؟!‏

سؤال ألقاه عليّ كثير من الأصدقاء الذين حضروا مسرحية التوأمان في مسرح المنصورة، أو شاهدوا الإعلان اليومي المنفر الذي كان يظهر عنها في التلفزيون. وكان هؤلاء الأصدقاء محقين في تساؤلهم ودهشتهم دون شك، فكيف يكون المرء صارماً في حكمه على الآخرين ثم يقبل لنفسه كل هذا التساهل؟ كيف يدعو إلى مسرح رفيع متطور ثم يشارك في عمل مسرحي يشتمل على كل هذا القدر من التهريج والإسفاف؟! أليس هذا تناقضاً بين القول والعمل وبين النظرية والتطبيق؟!..‏

والإجابة سهلة وميسورة، فالتناقض موجود دون شك حين ينظر المرء إلى المسألة من بعيد، أما حين يقترب من الوقائع ويلم بالملابسات الخفية الكامنة وراء السطح فإنه لن يجد للتناقض أثراً، بل سيجد -على الضد من ذلك تماماً- أننا كنا منسجمين كل الانسجام مع مبادئنا ومثلنا الفنية، وأن إخفاق هذه التجربة ليس إلا دليلاً آخر على صحة ما كتبناه، في مناسبات عديدة سابقة، عن مظاهر التردي في مسرحنا العراقي.‏

كيف؟ ذلك ما سأرويه، بالإيجاز الممكن، لكل من يعنيهم الموضوع.‏

منذ أكثر من عام ونصف، اقترح عليّ أحد أصدقائي من المخرجين المسرحيين أن أترجم له إحدى المسرحيات الكوميدية العالمية ليقدمها بالتعاون مع شركة بابل. وكانت الشركة قد شرعت آنذاك بإنتاج بعض المسرحيات الكوميدية المحلية التي لقيت نجاحاً شعبياً ملحوظاً رغم مستواها الفني المتواضع. وهكذا انبثقت في ذهني فكرة ترجمة مسرحية توأمان من البندقية للكاتب الإيطالي الكبير كارلو غولدوني. ولم يكن اختياري لهذه المسرحية بالذات محض صدفة، فهي من المسرحيات التي أحببتها وقرأتها أكثر من مرة لما فيها من براعة البناء وطرافة الشخصيات والمواقف. ولم يكن صعباً بالطبع، أن أختار بدلاً من ذلك مسرحية لكونغريف أو برنارد شو أو وايلد أو غيرهم من مؤلفي النمط المعروف بالكوميديا الرفيعة، أو كوميديا السلوك، ولكنني اعتقدت -ولا أزال- أن ملهاة شعبية من هذا النمط ستكون أقرب إلى ذوق جمهور لم يألف بعد المسرحية الأجنبية. وكنت أؤمل أن يساعد هذا النص الممتع جمهورنا المسرحي، الذي أتخم بالأعمال الملفقة الرديئة، على اكتشاف مباهج المسرح الحقيقي.‏

وحين ترجمت النص إلى اللهجة المحلية الدارجة لم يكن دافعي الوحيد تقريبه إلى المشاهد البسيط الذي يشق عليه فهم الفصحى، بل كنت أستجيب -في المقام الأول- لضرورة فنية، فقد كتب غولدوني مسرحيته هذه بلهجة أهل البندقية ولم يكتبها بلغة الأدب في زمانه. وكنت أحس بأنني سأكون أكثر أمانة لروح النص إذا ترجمته بأسلوب يحاكي أسلوبه الأصلي. ومما أكد لي صواب إحساسي هذا أنني في أثناء الترجمة، كنت أعثر دوماً، وبصورةٍ عفوية، على تعابير شعبية عراقية تماثل تعابير المؤلف نصاً وروحاً.‏

هل كنت مصيباً في تقديري هذا؟ لا أدري فهذه مسألة تقبل البحث والنقاش، ولكن الذي أدريه أنني راعيت الأمانة المطلقة في النقل، فلم أسمح لنفسي بأي تحوير أو اجتزاء في النص، بل نقلته كما هو مجتهداً قدر استطاعتي أن أحفظ له تلك النكهة الواقعية التي جعلت غولدوني أول رائد للدراما الطبيعية في تأريخ المسرح.‏

ولا أريد أن أطيل. فالذي حدث بعد ذلك أن شركة بابل ابتاعت مني حقوق إنتاج النص وكلفت بإخراجه الفنان إبراهيم جلال، الذي اتصل بي مبدياً رغبته في أن أرافقه شخصياً في العمل بوصفي خبيراً درامياً. وسأجانب الحقيقة لو زعمت أنني كنت شديد الثقة بقدرات إبراهيم جلال الإبداعية، ومع ذلك فلم أتردد طويلاً في القبول، فمادام الرجل يريد أن يستعين بي ويستنير بملاحظاتي في مجرى العمل، فما المانع؟ إن للرجل خبرة طويلة قد أتعلم منها، ولي بالمقابل تصورات وآراء قد يفيد منها في عمله، وقد تساعدنا هذه التجربة، الأولى من نوعها، على إرساء تقليد مثمر في المسرح العراقي.‏

هكذا فكرت، ويبدو لي أني كنت مخطئاً. فقد فاتني أن إبراهيم جلال جاوز السن التي تسمح له بإعادة النظر في مفاهيمه وطريقته في العمل. ولا أريد أن أقسو على الرجل ولكني لا أجد مناصاً من القول بأن تجربة التعاون معه كانت خيبة أمل كبيرة. فقد شرع في العمل وليس في ذهنه أي تصور مدروس عن المسرحية التي سيخرجها، وأجاز لنفسه منذ اليوم الأول أن يعبث بالنص ويدخل عليه تعديلات مرتجلة لا تأتلف مع السياق. ولم يخطر لجلال قطعاً أن عليه أن يعود بادئ الأمر إلى الكتب -كما يفعل أي مخرج جاد- ليعرف شيئاً عن مؤلف المسرحية، وعن بيئته وعصره وعن طرق أداء الكوميديا دي لارته التي كان غولدوني مطوراً لها ووارثاً لتقاليدها.‏

وهذه النقطة الأخيرة مهمة بوجه خاص، فالكوميديا دي لارته والمسرحيات التي تنتمي إلى نمط الفارس عموماً تتطلب خفة وبراعة خاصتين من الممثل، وقد كتب غولدوني مسرحيته هذه لفرقة من فرق الكوميديا دي لارته وكان في ذهنه، وهو يكتبها، هذا الطراز من الممثلين.‏

ولعل من المناسب أن نشير إلى أن تسمية الكوميديا دي لارته نفسها تعني كوميديا الحرفة أو كوميديا المهارة. وعندما عرضت فرقة مدينة جنوا مسرحية غولدوني هذه -أي توأمان من البندقية- في باريس خلال الستينيّات كانت براعة ممثليها حديث الصحافة. وقد كتب مراسل صحيفة التايمس اللندنية في حينها يقول:‏

"نادراً ما ضج مسرح سارة برنارد بكل هذا القدر من الفكاهة والمرح، وبمثل هذه الحيوية والبراعة الكوميدية الخالصة، أو بمثل هذه اللباقة والابتكار في التمثيل".‏

ومن دواعي الإنصاف أن نقول هنا إن بعض ممثلينا الذين شاركوا في مسرحية التوأمان قد كشفوا عن مواهب لا يستهان بها، ولكن المشكلة أن المخرج أظهر عجزاً مؤسفاً عن استيعاب طبيعة المسرحية، ولم يكن عوناً لممثليه على فهم الشخصيات التي يؤدونها، ولم يفطن إلى مواطن الذكاء والنكتة في الحوار. ولم يكتف بذلك بل سمح لنفسه ولبعض ممثليه بتشويه هذا النص الجميل بما حذفوا منه وما أضافوا إليه من فيض قرائحهم!‏

وكنت خلال المراحل الأولى من العمل أحضر التمرينات بانتظام وأدون قوائم طويلة من الملاحظات. وكان حضوري شديد الوطأة على الممثل السيد محمد حسين عبد الرحيم بالذات، الذي كان يحس بأن وجودي يحد من حريته في إعادة تأليف النص على الوجه الذي يروقه! وكنت في الاجتماعات الثنائية العديدة التي عقدتها مع المخرج أقول له ملاحظاتي بالتفصيل وأنبهه إلى أخطائه في تفسير بعض الشخصيات والمواقف وفي رسم الحركة المناسبة على المسرح فيوافق أو يتظاهر بالموافقة، ولكنه كان ينسى في اليوم التالي ما اتفقنا عليه ويعود إلى تكرار أخطائه نفسها. وكان طبيعياً إزاء ذلك أن أفكر بالانسحاب من العمل، وقد فكرت فيه مراراً، ولكن إبراهيم جلال كان متشبثاً ببقائي معه، وكان يتراجع كلما هممت بالانسحاب ويعد بتدارك أخطائه. وحين أيقنت أخيراً أنني كنت أجهد نفسي دون طائل انسحبت من العمل رسمياً وأبلغت بذلك السيد ممثل الشركة المنتجة، طالباً إليه حذف اسمي (بوصفي خبيراً للمسرحية) من اللافتة الموضوعة أمام المسرح، وقد تم حذفه بالفعل. أما دليل العرض فكان قد طبع في وقت مبكر ولم يكن ثمة سبيل لتغييره، وقد ارتأت الشركة عدم توزيعه على المشاهدين.‏

ومع ذلك فلابد من القول بأن الكارثة الحقيقية في هذا العمل لم تكن المخرج رغم رداءة عمله، بل هي الممثل محمد حسين عبد الرحيم الذي قام بدور التوأمين: فهذا الممثل، الذي لا يتمتع -علىما يبدو- بأية ثقافة فنية ولا يعر ف شيئاً عن أخلاقيات المسرح، لم يكد يرتقي المنصة في يوم العرض الافتتاحي حتى ضرب بالنص عرض الحائط واستعاض عن الحوار الذي كتبه غولدوني بهذيانه ونكاته السمجة، غير ملتفت إلى التوصيات التي اتخذتها وزارة الثقافة والإعلام منذ أمد قريب جداً بإلزام الممثل بالتقيد بالنص ومحاسبته في حالة الخروج عليه. ويكفي لإدراك فداحة التشويهات التي ألحقها هذا الممثل بالمسرحية أن نشير إلى أن كل العبارات التي ظهرت في الإعلان التلفزيوني عن المسرحية كانت من ابتداعه ولا وجود لها في النص، فليس من المعقول أن يخط كاتب كغولدوني كلاماً سوقياً مبتذلاً من طراز آني ورطة، المي الصافي اخبطه أو كل هالرشاقة وما تتشاقه!! وإذا كان لهذا السلوك الشخصي المستهجن من دلالات عامة فإن دلالته المؤسفة الأولى هي تدني مستوى الثقافة والذوق وغياب التقاليد السليمة في المسرح، وهذه ظواهر تناولناها وحذرنا من أخطارها مرات عديدة.‏

أحسب أني بهذا قد أجبت إجابة وافية على تساؤلات الأصدقاء الذين أدهشتهم مشاركتي في مسرحية التوأمان، فالواقع أن هذه المشاركة لا تتعدى ترجمة نص ممتع لم يسبق لـه -في حدود علمي- أن ترجم إلى العربية. ولا جريرة لمؤلف النص أو لمترجمه إذا كان قد تعرض للمسخ والتشويه قبل وصوله إلى الجمهور. وليس هذا، على أية حال، أول نص أجنبي جميل يشوه على منصة المسرح العراقي، فما أكثر النصوص العالمية الرائعة التي تحولت على أيدي مخرجينا إلى أعمال مملة فاشلة، رغم ما تلاقيه من نجاح في أرجاء الدنيا الواسعة! ويقال في تفسير ذلك، عادة، أن جمهورنا المحلي لا يستسيغ المسرحية الأجنبية، وهذه تهمة لم يقم عليها أي دليل.‏

أما الحقيقة التي لا يريد أن يعترف بها أحد فهي أنّ مسرحنا لم يرتق بعد - رغم الادعاءات التي يطلقها البعض دون تحفظ -إلى مستوى معالجة النصوص محكمة البناء، التي تتطلب فهماً دقيقاً متعمقاً لأسرار الفن الدرامي. ولهذا يلجأ البعض إلى التستر وراء المسرح الملحمي، ويلجأ البعض الآخر إلى أكذوبة اسمها المسرح الاحتفالي ويلجأ فريق ثالث إلى غير ذلك من التسميات، ليموهوا فقراً في الثقافة وضعفاً في المواهب. ولا مخرج لنا من هذه الأزمة إلا بالمواجهة الجريئة الصادقة مع النفس والاعتراف بأننا مازلنا بعيدين جداً عن المسرح الرفيع المتطور الذي نريده، فما زال ينقصنا المخرج المثقف الكفء، الملم حقاً بمتطلبات مهنته، ومازال مستوى التأهيل الذي يتلقاه طلاب المعاهد والأكاديميات الفنية عندنا متدنياً جداً، وماتزال صحافتنا الثقافية والفنية تفسح المجال للمتطفلين على النقد المسرحي ممن ينقصهم التحصيل الأكاديمي والخلفية الثقافية الضرورية، مثلما تنقصهم الدوافع النزيهة في كثير من الأحيان. وإذا كنا نريد للمسرح أن ينهض من كبوته حقاً فإن علينا أن نتدارس السبل الكفيلة بمعالجة هذه المشكلات الجوهرية، بعيداً عن أية مجاملة أو مسايرة أو تمويه.‏

بغداد 1986‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244