دعوة إلى وعي الذات - الدكتور رشيد ياسين

فصول في نظرية الدراما والنقد المسرحي - من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حديث عن شجون المسرح

أعود مرة أخرى إلى الحديث عن المسرح العربي. وحديث المسرح العربي ذو شجون لا تنتهي، وقد استأثرت هذه الشجون باهتمام الوسط الثقافي عندنا، طوال الأسبوع الماضي، بمناسبة عقد اجتماعات اللجنة الدائمة للمسرح العربي في بغداد.‏

لقد وجدت اللجنة أمامها أكواماً من المشكلات المزمنة التي حدت وماتزال تحد من انطلاق المسرح العربي وتقدمه، ووجدت أمامها، من جهة أخرى، أكواماً من التوصيات والتمنيات التي صاغتها ندوات ومؤتمرات سابقة ولم ينفذ منها الشيء الكثير.‏

وهذا شأننا مع الكثير من قضايانا الثقافية، نجتمع ونتبادل الآراء ونتخذ القرارات، ثم نفترق لتعود الأمور إلى مجراها المألوف..‏

ولا نريد أن نتشاءم فنفترض أن اجتماع اللجنة الدائمة للمسرح العربي في بغداد لن يضيف شيئاً إلى ما فعلته (أو إلى ما لم تفعله) الاجتماعات السابقة، ولكن معضلات المسرح العربي المعاصر تبدو كالجبال الرواسي التي تصعب زحزتها، وهي مرتبطة بجملة من العوامل المتداخلة، ليس أقلها ضعف الثقافة المسرحية، مما يضع الكتابة للمسرح والكتابة عن المسرح في مستوى متدن جداً.‏

والواقع أن ضعف الكتابة للمسرح، أو أزمة النص المسرحي العربي -بتعبير آخر- هي أولى المعضلات التي واجهت اجتماع اللجنة الدائمة للمسرح العربي. وقد لجأت اللجنة إلى أقرب الحلول، وهو رصد جائزة نقدية سنوية لأفضل نص مسرحي عربي.‏

وليس في ذلك من بأس، ولكن من المغالاة في التفاؤل أن نتصور أن ربة الإلهام المسرحي ستبادر بالهبوط إلينا بمجرد أن نلوح لها برزمة من الأوراق النقدية. فالمشكلة في الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. وأرجو أن أكون مصيباً في اعتقادي إذا قلت إن ضعف التأليف المسرحي عندنا يعود، قبل كل شيء، إلى ضعف اتصالنا بالنماذج المسرحية الجيدة التي يتعلم الكاتب منها فن الكتابة للمسرح. والفرق بين الكاتب المسرحي الأوروبي أو الأميركي وبين زميله العربي أن الأول يستمد انطباعاته الباكرة عن المسرح، عادة، من أعمال درامية متينة البناء، تقدمها فرق مسرحية لها نصيب كاف من الخبرة، بينما يستمد الأخير هذه الانطباعات من عروض بدائية ركيكة، تفتقر في الغالب إلى العمق والترابط. وليست هذه قاعدة مطلقة، بالطبع، ولكنها الصورة العامة للأمور، ولعل في هذه الصورة ما يفسر لنا كيف أن كتاباً مثل اروين وشو و جون أوزبورن استطاعوا أن يقدموا أعمالاً درامية ناضجة، وهم في مقتبل العمر، بينما لا نزال ننتظر الكاتب العربي الشاب الذي يفاجئنا بعمل مسرحي مرموق.‏

وعندما نضع الأمور في سياقها المنطقي، فإن النتيجة التي لا مفر من التسليم بها هي أن على مسرحنا العربي أن يلتفت، بمزيد من الاهتمام، إلى الأعمال الدرامية العالمية العظيمة، التي هي في الواقع المدرسة الأولى لكتاب المسرح وفنانيه. ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أننا ندعو إلى الانصراف عن النصوص المحلية، فالنص المحلي شرط لابد من توافره لقيام مسرح عربي أصيل، ولكننا ندعو إلى إفساح مجال أكبر للنصوص الأجنبية الممتازة، التي تساعد كتابنا وفنانينا على التغلغل في أسرار هذا الفن المعقد، الذي يسمونه فن البناء الدرامي.‏

وليس في هذا أدنى تفريط بأصالة مسرحنا أو ثقافتنا القومية، فهذا ما تفعله حتى البلدان ذات التراث المسرحي العريق. إن الإنجليز لا يكتفون بمشاهدة أعمال شكسبير وأوسكار وايلد وهارولد بنتر، بل يشاهدون إلى جانبهم، وبانتظام، أعمال ابسن وتشيخوف وبريشت. وفي الاتحاد السوفيتي تحتل أعمال شكسبير، مثلاً، مكاناً ثابتاً في ريبوتوار الفرق المسرحية.‏

ولا أريد الاستطراد في ذكر الأمثلة، فهذا ما لا يجهله أحد من المهتمين بالمسرح، ولكني أكتفي بالقول بأن إقدام مسرحنا القومي على تقديم نصوص عالمية رفيعة تتطلب عمقاً في الفهم ودقة في الأداء سيقوده حتماً إلى الارتقاء بقدراته الفنية ويجعل منه مدرسة حقيقية لفناني المسرح وروّاده على السواء.‏

بغداد 1977‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244