|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:24 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الأم شجاعة وأبناؤها ترجمة جيدة ومقدمة تثير الجدل.. صدرت ضمن روايات الهلال مؤخراً ترجمة جيدة لمسرحية برتولد بريشت العظيمة الأم شجاعة وأبناؤها. وإذ أقول ترجمة جيدة فلا أعني أنها ذات لغة سليمة -وهي سليمة اللغة إجمالاً- بل أعني، في المقام الأول، أنها صيغت بلغة مسرحية رشيقة، مرنة ذات إيقاعات منسجمة مع أحداث المسرحية ومنطق أبطالها. وهذا شرط هام يغفله بعض من يتصدون لترجمة الأعمال الدرامية العالمية إلى العربية. ولم يكتف المترجم، الأستاذ شفيق مقار، بترجمة المسرحية بل مهد لها بمقدمة ضافية تناول فيها تطور المفاهيم الأيديولوجية والفنية لدى بريشت وتطرق إلى بعض المؤثرات الفنية الأساسية التي قادته إلى ابتداع مسرحه الملحمي، كالمسرح الصيني ومسرح "النو" الياباني، وألقى شيئاً من الضوء على الركائز النظرية لهذا المسرح الذي كانت له انعكاساته الواضحة في مجمل تطور الحركة المسرحية المعاصرة. ولو أن الأستاذ المترجم وقف عند هذا الحد لحمدنا له جهده في نقل هذه المسرحية المدهشة التي يعتبرها معظم النقاد واسطة العقد في إبداعات بريشت المسرحية، بل يذهب بعضهم، كروبرت بروستاين، إلى أنها من أروع ما ظهر في المسرح الحديث. ولكن المترجم شاء أن يتناول عمل بريشت من خلال نظرية فلسفية -جمالية يصعب التسليم بصحتها، إن لم نقل إنها تفتقر إلى أي أساس علمي. وخلاصة هذه النظرية، من جانبها الفلسفي، أن الإنسان له جوهر ثابت يتخطى حدود الزمن وأن هذا الجوهر قد لازمه منذ أن كان مخلوقاً مشعراً كريه المنظر، حديث عهد بالسير على ساقين وسيلازمه مابقيت الحياة الإنسانية. أما الجانب الجمالي من هذه النظرية، وهو حصيلة الفرضية الفلسفية التي قامت عليها، فيتلخص في أن وظيفة الفن هي الكشف عن هذا الجوهر الإنساني الباقي، فالإنسان -كما يقول الأستاذ مقار- "قبل أن يكون مخلوق العصر والبيئة، كائن ذو جذور وتراث ورواسب تكون في مجموعها ما نعرفه بالعموميات الإنسانية، التي هي مجال الفن والأدب". وبالتالي فإن الفن، كما يرى الأستاذ شفيق مقار، يخون الإنسان ويضلله عندما يفقد الصلة بجوهر الإنسان، أبعاد مأساته كمخلوق مقضي عليه بالموت، وعندما يحد نطاق رؤيته بحدود مشكلة أو أخرى تكون ماثلة في حياة العصر والبيئة. أين يكمن الخطأ في نظرية الأستاذ مقار هذه؟ من الواضح أنه يكمن في منطلقها المثالي، فهو يعتبر الإنسان مقولة مجردة لها وجودها خارج الأزمنة والبيئات، ومعنى ذلك أنه يرد الجوهر الإنساني إلى جملة خصائص بيولوجية خالصة وثابتة ومستقلة عن الشروط المادية التي اكتنفت تطور الجنس البشري. ولكن كيف يتسنى لنا أن نتحقق من سلامة هذه الفرضية ونحن لا نعرف الإنسان إلا في نطاق العصر والبيئة؟ إن هذا يذكرني بمقولة فلسفية أخرى، هي المادة، فنحن نعرف المادة في صورة شجرة أو حزمة من الضوء أو كتلة من الرخام، ولكننا لا نعرف المادة من حيث هي مادة وحسب. وكذلك الإنسان فنحن نعرفه في صورته التاريخية كمركب بالغ التعقيد من عناصر بيولوجية واجتماعية، أي أننا لا نعرف الإنسان البيولوجي المحض، وبالتالي فإن الحديث عن الجوهر الإنسان خارج الأزمنة والبيئات ليس إلا ضرباً من الاجتهاد الميتافيزيقي. وجدير بالملاحظة أن الأستاذ مقار يناقض نفسه من حيث لا يدري حين يحاول تحديد هذا الجوهر الإنساني الثابت بقوله إن الإنسان كائن ذو جذور وتراث ورواسب الخ. فمن البداهة أن هذه العناصر ليست شيئاً أزلياً رافق الإنسان منذ أول أطوار وجوده (إلا إذا سلمنا بالتفسيرات الغيبية لكينونة الإنسان!)، بل هي عناصر روحية تكونت وتراكمت تاريخياً في مجرى التطور الإنساني الطويل. وهي، من ناحية أخرى، ليست حقائق نهائية ثابتة، وإنما هي ملامح تاريخية خاضعة لتغيّر الأزمنة وأنماط العيش وعلاقات الإنتاج الاجتماعية. وعليه فالكاتب لا يخون الإنسان عندما يتناوله في إطار العصر والبيئة ومن خلال المشاكل الآنية المطروحة -كما يزعم الأستاذ مقار -بل يخونه إن فعل خلاف ذلك، لسبب بسيط هو أن الإنسان لا يوجد خارج هذا الإطار، ولا يمكن فهمه إلا من خلال علاقته الديالكتيكية مع البيئة الخارجية. ولكي يكون الأستاذ مقار منسجماً مع نظريته حول الجوهر الإنساني الثابت وبطلان الفن الذي يحصر اهتمامه في بعض مشكلات العصر والبيئة، فقد افترض أن بريشت لم يبلغ في الأم شجاعة ما بلغه من توفيق إلا لأنه انسحب تماماً من اللحظة الراهنة ولم يكتبها وهو مستوعب حتى قمة الرأس في اهتمامات ومصائب العصر والبيئة. وهذا افتراض يثير الاستغراب حقاً حين تتعلق المسألة بمسرحية كتبت في عشية الحرب العالمية الثانية (1938-1939) لتندد بالحروب وتكشف عن دوافعها الحقيقية وتبرز وحشيتها ولا أخلاقيتها. وأحسب أننا سنكون أدنى إلى الحقيقة لو عكسنا رأي الأستاذ المترجم فقلنا أن بريشت كتب هذه المسرحية وهو في صميم اللحظة الراهنة، وأنه أراد، على وجه التحديد، أن يكشف عن الارتباط الوثيق بين الرأسمالية والحرب، وأن يفضح ديماغوجية الشعارات الضخمة التي اتخذتها الحرب على الدوام قناعاً لستر جرائمها، وأن يسخر من أولئك الذين يتخذون من الحرب سوقاً للاتجار والكسب دون أن يفطنوا إلى ما ستجره عليهم من ويلات. وإذا كان بريشت قد انطلق من مشكلات اللحظة الراهنة، وشرع في كتابة مسرحيته تحت سماء ملبدة بغيوم الحرب الوشيكة الاندلاع، فإنه استطاع -شأن أي فنان عظيم- أن يصل إلى تعميمات شعرية رفيعة، وأن ينفذ إلى جوهر الحرب وسماتها الأساسية في كل العصور. فالحرب باقية ما بقيت أنظمة الاستعباد والتضليل الديماغوجي، وأصدقاؤها الحقيقيون هم الأباطرة والملوك والبابوات الذين يمكن للحرب أن تركن إليهم إذا ألمت بها ضائقة. وطالما كان هناك واحد منهم فليس للحرب أن تقلق على مصيرها، إذ يمكنها أن تنظر بتفاؤل إلى الأمام وأن تتوقع مستقبلاً باهراً!!. وفي الحرب تنقلب الفضائل الإنسانية كالشجاعة والأمانة والإيثار إلى جرائر تقود أصحابها إلى الهلاك، كما حدث لأبناء الأم شجاعة الثلاثة، بينما يتفاقم الجشع والأنانية والنوازع الخسيسة، كما في حالة الأم شجاعة التي تمتنع عن إعطاء بعض القمصان لتتخذ ضمادات توقف نزف الدماء وتنقذ حياة الآخرين. وفي المسرحية سخرية لاذعة من البطولات العسكرية المزعومة، فالجنرال تيللي يلقى حتفه لا لأنه استبسل في المعركة، وإنما لأنه تاه في الضباب فوصل إلى ساحة القتال عن غير قصد! على أن أروع ما في الأم شجاعة هي تلك الأغاني التي تؤلف على الدوام جزءاً من مسرح بريشت الملحمي، فهنا تبلغ عبقريته الشعرية ذراها، وهنا نعثر على المفاتيح الأساسية لفهم مرامي هذا العمل الملحمي الضخم. وبعد فهذه ليست إلا خواطر سريعة عن عمل فني باهر يتطلب تحليلاً دقيقاً مسهباً. ولقد اضطلع الأستاذ شفيق مقار بجهد يستحق عليه الثناء. وحبذا لو وجد المخرج المسرحي الكفء الذي يستطيع أن يجسد لنا هذه المسرحية الفريدة على خشبة المسرح. دمشق 1973 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |