|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:25 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصــل الــرابع الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في إطار العفو الشامل، الذي قررته الإدارة الاستعمارية، تم الإفراج عن السيد فرحات عباس يوم 16/3/1946 وقد كانت الفترة التي قضاها بالسجن والتي دامت واحداً وأربعين أسبوعاً كافية ليعيد النظر في تجربة حركة أحباب البيان والحرية وليتوقف، ملياً، عند مقررات مؤتمره الأول والوحيد. وإذا كان الاعتقال التعسفي قد ساهم في حد الانطلاقة الثورية لدى ذلك الزعيم الذي ارتبط اسمه ببيان الشعب الجزائري، فإنه، بالمقابل، قد رسخ قناعته بضرورة بعث الجمهورية الجزائرية المستقلة استقلالاً داخلياً في إطار الاتحاد الفرنسي. وبمجرد خروجه من السجن راح يكثف الاتصالات بالإطارات القريبة منه سياسياً يطرح أمامهم أفكاره الجديدة ويسترشدهم من أجل ضبط الخطوط العريضة لكيفية إنشاء حزب جديد ووضع برنامجه السياسي الذي يجب أن يكون قادراً على تعبئة جزء كبير من الطاقات الحية في أوساط المجموعتين الفرنسية والإسلامية على حد سواء. ولكي يعطي لنشاطه إطاراً قانونياً، رحل إلى فرنسا يطلب رأي ذائع الصيت Achille Mestre مدرس الحقوق بكليتي تولوز وباريس (1) حول موقف دستور الجمهورية الرابعة من إمكانية تحويل ولايات الجزائر إلى دولة تحتفظ فيها فرنسا بشؤون السيادة. وعلى الرغم من قناعات الأستاذ أشيل اليمينية، فإنه اعترف، بعد فحص دقيق لنصوص الدستور الجديد، بعدم مخالفة الفكرة لروح النص. وكان ذلك أيضاً هو رأي السيد Charlier، أستاذ القانون العام بجامعة الجزائر(2). هكذا، إذن، أخذ السيد فرحات عباس جميع الاحتياطات السياسية والفنية قبل أن يقوم بصياغة ذلك النداء الذي وجهه إلى الشبان المسلمين والفرنسيين بمناسبة عيد الطبقة الشغيلة في فاتح مايو سنة 1946 أي بعد خروجه من السجن بستة أسابيع فقط. لقد كان النداء، في مقدمته، تدليلاً على براءة عباس وسعدان مما وقع في شهر مايو 1945 حيث أن الرجلين لم يطلعا على حقيقة ماحدث في شهر سبتمبر بعد أن قضيا كل ذلك الوقت في عزلة مطلقة. وتوسعا في المقدمة، قدم صاحب النداء لمحة سريعة وموجزة عن حياته السياسية التي يقول حولها: "إنه خصصها لتجسيد روح التعاون الفرنسي الإسلامي ولنشر الثقافة العصرية باعتبارها القاعدة الأساسية لذلك؛ ثم يؤكد عدم تمييزه بين المسلمين واليهود والمسيحيين لأن عقيدته السياسية كانت تأمره بذلك وتدعوه إلى النضال المتواصل في سبيل الوحدة ضمن الديمقراطية والأخوة في إطار العدالة. إن هذه العقيدة السياسية نفسها التي ظلت تقود خطاه منذ ثلاثينات هذا القرن. ويرى أنه استطاع، بفضل صدقه في العمل وإخلاصه للمبادئ والمثل العليا، أن يحقق الكثير في مجال تقريب وجهات النظر وميادين الترقية الاجتماعية وتهدئة الخواطر وتوحيد معظم ذوي الإرادة الخيرة في البلاد، لكن الإدارة الاستعمارية بتآمرها مع الرجعية والامبريالية حالت دون تواصل المسعى واتخذت من مايو 1945 وسيلة لتوسيع الهوة بين المجموعتين الإسلامية والفرنسية، وذريعة للقضاء على حركة أحباب البيان والحرية التي أجمع قضاة التحقيق على أنها بالإضافة إلى كونها لم تنظم أية مظاهرة، قد اكتفت بالدعوة إلى الهدوء والانضباط في إطار الشرعية الجمهورية"(3). ولئن كانت سياسة التوحيد قد انهارت ومعها جهود المصالحة الوطنية، ووقع حل حركة أحباب البيان والحرية، فإن روح البيان، يقول عباس، لم تمت وبفضلها اتضحت الرؤية وأصبحنا قادرين على التمييز بين ما كان عليه من حالة القبول الإمعي المعمي ومايجب أن نرقى إليه وصولاً إلى الوطن الجزائري الذي تتوفر فيه شروط المساواة والحرية للجميع(4). والوصول إلى الوطن الجزائري يستلزم سياسة ترتكز على برنامج جعل في مقدمته: لا للاندماج، لا لسادة جدد ولا للانفصال، وعلى الرغم من أن هذه اللاءات لا تتضمن الشحنة الثورية اللازمة لاسترجاع الاستقلال الوطني، إلا أن تبنيها، في ذلك الوقت، من طرف السيد فرحات عباس كان يعتبر انتصاراً كبيراً بالنسبة للحركة الوطنية خاصة وأن حزب الشعب الجزائري كان عند تأسيسه، قد رفع نفس الشعار من أجل استمالة من كانوا يسمون بالمعتدلين، علماً بأن ذلك اعتبر في وقته، انحرافاً وقاد إلى استقالة السيد عمار عيمش الذي كان مساعداً للسيد الحاج مصالي(5). أما تبني السيد عباس لذات الشعار، فإن المقصود منه لم يكن سوى مراعاة الرأي العام الفرنسي، كان مناهضاً لفكرة الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لتقويض أركان الاستعمار. ومن جهة أخرى تضمن البرنامج المذكور مجموعة من المحاور ارتأى عباس أنها ضرورية لتشييد الجزائر "على أسس واقعية وتاريخية تكون كفيلة بأن تعبد لها طريق الديمقراطية العالمية"(6). ومن أهم تلك المحاور مايلي: 1-المساواة المطلقة: ويكون ذلك بواسطة القضاء على الاختلافات العرقية وعلى الأحقاد التي تنخر في جسم المجتمع، وعلى واقع التحقير الذي كان مسلطاً على الجزائريين. والمقصود من واقع التحقير تلك القوانين والمراسيم والإجراءات العسفية التي كانت تحمل أسماء متعددة لكنها ترمي في مجملها إلى تهميش الشعب الجزائري وإبقائه في حالة التبعية الدائمة. 2-التربية التي تستهدف الإنسان من أجل تكوين مواطن حر يكون متشبعاً بالواجب الاجتماعي ومدركاً لمهمته الحضارية. وفي هذا المجال يكون التركيز على تعميم الفكرة القائلة: "إن أبناء الوطن الواحد لايكونون بالضرورة على دين واحد"(7). 3-العلم والتكنولوجيا اللذان لايمكن، بدونهما، أن ترقى الجزائر إلى مصاف الأمم المتقدمة، لأجل ذلك، فإن أبوابهما يجب أن تفتح واسعة لجميع أبناء الجزائريين بدون أي تمييز عرقي أو ديني كما ينبغي أن يعاد للغة العربية اعتبارها كلغة وطنية ورسمية في البلاد. ويرى السيد فرحات عباس أن تجسيد برنامجه السياسي على أرض الواقع ممكن تحقيقه بدون عوائق تذكر شريطة أن يكون منطلق النشاط هو بيان الشعب الجزائري وأن توظف التجارب التي خاضتها حركة أحباب البيان والحرية. ولقد كان السيد فرحات عباس، قبل نشر النداء وتوزيعه، في سائر أنحاء البلاد قد تمكن من أن يجمع حوله كوكبة من الإطارات المؤمنة بأفكاره والمستعدة للنضال في سبيلها(8)، واتفق معهم على بعث حزب جديد أسماه "الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري" وقدم قانونه الأساسي إلى المصالح المختصة في النصف الثاني من شهر أبريل قصد الاعتماد والحصول على الترخيص القانوني. ومباشرة بعد الاعتماد قررت قيادة الحزب المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية التي تحدد إجراؤها يوم 2/6/1946 لتعيين المجلس التأسيسي الثاني الذي خصص فيه للجزائريين ثلاثة عشر مقعداً. في نفس تلك الفترة، كان حزب الشعب الجزائري الذي ينشط في السرية التامة، قد أصدر أوامره إلى القواعد المناضلة كي تتحرك في اتجاه مقاطعة الانتخابات(9). حول هذه الفترة من تاريخ الحركة الوطنية نشرت بعض المعلومات المتناقضة في أساسها لكنها وجدت مكانها في كتابات المعاصرين الفرنسيين والجزائريين على حد سواء. فالسيد محفوظ قداش ينقل على سبيل المثال أن تأسيس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري إنما جاء نتيجة تخطيط الإدارة الاستعمارية التي "أعدت عشية العفو الشامل عملية واسعة لتقسيم حركة أحباب البيان والحرية إلى كتلتين متعارضتين الأمر الذي جعل حزب الشعب الجزائري يكلف فرقة خاصة يرأسها السيد حسين عسله(10) من أجل خرق مصالح الولاية العامة والتصدي لمناورة الإدارة الفرنسية. غير أن هذه الفرقة لم تتمكن من تغيير وجهة نظر عباس ورفاقه"(11). فمثل هذا الادعاء باطل في أساسه ولايمكن إخضاعه لأي معيار علمي خاصة في الصيغة التي ورد بها، ذلك أن حركة أحباب البيان والحرية قد وقع حلها رسمياً بموجب قرار حكومي يحمل تاريخ 14/5/1945 وإلى جانب قرار الحل حجبت Egalite وتم حجز سائر أملاك الحركة وسحب الاعتماد من "مدينة الأطفال" التي كانت قد أنشئت لتسوية مشاكل الطفولة المشردة والمتسكعة في شوارع المدن الكبرى خاصة، بعد كل هذا، كيف يمكن الحديث عن تآمر الإدارة الاستعمارية لتقسيم قيادة حركة ليس لها وجود رسمي ولا فعلي لأن المنتخبين ومن كانوا يسمون بالإطارات المعتدلة قد انسحبوا، تلقائياً، على إثر ما اصطلحنا على تسميته بحركة مايو الثورية. ومهما يكن من أمر، فإن عباس ورفاقه قد حصلوا على اعتماد الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وتحت عنوانه وضعوا قوائم المرشحين لانتخابات المجلس التأسيسي الثاني في التاريخ المشار إليه أعلاه. عن مشروع الدستور الجزائري: لقد تعود المؤرخون، عند الكتابة عن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، أن يقولوا عن السيد فرحات عباس وأتباعه أنهم يمثلون التيار البورجوازي الإصلاحي في الجزائر(21). ونحن نعتقد في ذلك خلطاً وتمويهاً يتطلبان وقفة جدية فاحصة؛ ذلك أن البورجوازية بمفهومها التاريخي، لم تكن موجودة في الوسط الجزائري بجميع ميولاته السياسية والثقافية، لأن الحديث عنها لايكون إلا في إطار المجتمع الفرنسي الذي يعيش الجزائريون على هامشه في أحسن الحالات. وعلى فرض أن جل الأعضاء القياديين وجزءاً كبيراً من المناضلين يمارسون مهناً حرة أوهم من المتعلمين الذين يشتغلون خاصة بسلك التدريس، فإن ذلك لايعني أنهم اندمجوا في شرائح المجتمع الفرنسي الذي ظل، في أغلبيته الساحقة، ينظر إليهم نظرته إلى سائر أبناء المستعمرات؛ ولو كانوا بورجوازيين بالفعل، لوجدوا مكانتهم في صفوف الطبقة البورجوازية الفرنسية التي كانت أسسها ثابتة في أوساط المجتمع الفرنسي(13). إن المتتبع لمختلف المراحل التي مر بها الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري خلال عشر سنوات من الوجود الفعلي يكتشف بكل سهولة، أن أعضاءه لم يكونوا سوى جزء لايتجزأ من أولئك الذين كانوا يسمون بالأهالي الذين تتحكم فيهم فقط إرادة الكولون والحاكم العام؛ ولأنهم أدركوا ذلك، وعز عليهم أن تتواصل حالة الاضطهاد والتهميش والتبعية، فإنهم سلكوا طريق النضال في سبيل التصدي للهيمنة الاستعمارية ومحاربة النظام الاجتماعي وقوانين العسف والاستبداد المفروضة على الشعب الجزائري بأكمله ومن أجل إقامة جمهورية جزائرية متحدة مع فرنسا بمحض إرادتها، لها ألوانها الوطنية وتسيرها حكومة مستقلة. وهذا الطريق المعبر عنه بكل وضوح خاصة في مشروع الدستور الذي قدم للمجلس التأسيسي الثاني بتاريخ 9/8/1946 لم يتم الوصول إليه هكذا صدفة، بل تطلب الأمر أكثر من عشر سنوات قضاها السيد فرحات عباس في خبرة سائر توجهات الحركة الوطنية وفي محاولة إيجاد ثغرة تمكنه من الوصول إلى إقناع السلطات الاستعمارية بضرورة الاهتمام بمصائر أبناء الشعب الجزائري الذين أثقلت كواهلهم إجراءات الاستغلال والتهميش. وعندما يجرأ الدارس، اليوم، على العودة إلى تلك الفترة والتأمل بموضوعية في مختلف القناعات التي مر بها زعيم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإنه يلحظ أهمية الجهد المبذول ويعترف بأن الطرح الجديد الذي اهتدى إليه عباس وأتباعه إنما هو انتصار كبير بالنسبة للحركة الوطنية وذلك رغم كل ماتضمنه من هنات ومواطن ضعف ورغم مايبدو للمحلل، اليوم، من أنه كان من دون مستوى التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري من خلال سلسلة المقاومات التي لم تتوقف أبداً. وكان دخول الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري معركة الانتخابات التشريعية قراراً وجد معارضة لاجدال فيها من طرف حزب الشعب الجزائري ومناضليه الذين رفعوا شعار: من انتخب كفر، ثم راحوا ينعتون كل من خالفهم الرأي بالغدر والخيانة؛ وسوف يشكل ذلك عقبة كأداة في طريق السيد الحاج مصالي عندما يخرج من السجن ويقرر لأسباب متعددة، المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي التي كان قد تحدد إجراؤها بتاريخ 10/11/1946. وإذا كان تأثير حزب الشعب الجزائري قد بلغ أقصى مايمكن أن يبلغه تأثير حزب محظور وملاحق، إذ امتنع عن التصويت حوالي نصف عدد الناخبين من المجموعة الثانية، فإن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد فاز بحصة الأسد بالأصوات المعبر عنها إذ نال أحد عشر مقعداً من جملة ثلاثة عشر كانت هي نصيب الشعب الجزائري بأكمله. ومن ثمة نستطيع القول: إن هاتين التشكيلتين السياسيتين تمثلان، بالفعل، الرأي العام الجزائري حتى ولو أن الإحصائيات تدل على أن الحركة المصالية هي الأكثر تجذراً في أوساط الشعب وأن أعداداً كبيرة من مناضليها لم يلتزموا بأوامر قياداتهم وصوتوا إلى جانب مرشحي الاتحاد. وسواء كان الاختلاف أو الاتفاق بين تلك التشكيلتين الوطنيتين، فإن السيد فرحات عباس ورفاقه النواب قد أحدثوا المفاجأة الكبرى بمشروع الدستور الآنف الذكر(14) خاصة وأن الرأي العام الفرنسي قد تعود على سماع "المعتدلين الجزائريين" يدعون إلى تحقيق المساواة وبعض الحقوق الاجتماعية والسياسية. فالمادة الأولى من مشروع القانون تنص على أن فرنسا تعترف بالجمهورية الجزائرية وحكومتها وألوانها الوطنية، وذلك على الرغم من أن المادة الثانية تجعل السياسة الخارجية والدفاع مشتركين مع فرنسا. أما المادتان الثالثة والرابعة فتنصان على أن للجمهورية الجزائرية كامل السيادة على ترابها الوطني وأن هذه السيادة يمارسها النواب الذين تنتخبهم الأمة الجزائرية بواسطة الاقتراع العام والذين يشكلون البرلمان الجزائري. إن مجرد تقديم مثل هذه الوثيقة إلى مكتب المجلس التأسيسي الفرنسي يعتبر انتصاراً ثانياً بالنسبة للحركة الوطنية الجزائرية. وتعد انتصاراً كذلك، استماتة منتخبي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في الدفاع عن مشروعهم الذي استبعد، في النهاية، لفائدة مايسمى بالقانون الأساسي الذي تمت المصادقة عليه من طرف البرلمان الفرنسي يوم 20/9/1947 والذي سنعود إليه فيما بعد. -الاتحاد والعمل الميداني: إن هذه الوقفة الخاطفة مع مشروع الدستور الجزائري لم تكن لتنسينا الحديث عن بدايات الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي شرع منذ تأسيسه ينشط على ثلاث جبهات متكاملة هي على التوالي: 1-جبهة التنظيم الحزبي حيث شرعت القيادة مباشرة إثر الحصول على الاعتماد، في تنصيب الخلايا والقسمات والاتحادات مستثمرة رصيد حركة أحباب البيان والحرية ومستغلة حالة السرية التي كان يمر بها حزب الشعب الجزائري. وفي يوم 13 أكتوبر سنة 1946 عقد الاتحاد مؤتمراً تحضيرياً(15) قيم فيه سير الانتخابات ونتائجها ثم حدد استراتيجية المستقبل على ضوء الأفكار الأساسية الواردة في مشروع الدستور، وعين لجنة مديرة مكونة من السادة: عباس، فرانسيس، طالب، بويجر، وابن خداش. 2-الجبهة الأيديولوجية قصد ضبط منظومة الأفكار التي كانت تشكل مشروع المجتمع الجزائري كما كان يتصوره قادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وفي مقدمتهم السيد فرحات عباس. لقد استفاد السيد فرحات عباس من تجربته النضالية الخاصة واقتنع، بعد لأي، أن فكرة دمج الشعب الجزائري في الشعب الفرنسي غير قابلة للتنفيذ لأنها لم تأخذ في الاعتبار واقع الشعبين ولأن الكولون يرفضونها دفاعاً عن مصالحهم الخاصة، ويحاربها الوطنيون الجزائريون لأنها تتنافى مع مقومات الأمة وثوابتها. واستفاد، أيضاً، من تجربة العلماء والمصاليين في مجالي الفكر والنضال، واستطاع، بذكاء فائق، أن يحوصل ناتج التجربتين مركزاً على محاور أساسية هي: أ-تحرير الجزائر من النظام القديم للسيطرة الاستعمارية أي كان نوعها، مع احترام مبدأ الجنسيات، وبتعبير آخر، بناء مستقبل البلاد على أسس الواقع والتاريخ(16). ب-إقامة جمهورية جزائرية مستقلة استقلالاً ذاتياً ومتوحدة مع الجمهورية الفرنسية المتجددة، والمناهضة للاستعمار وللامبريالية. وكان يرى السيد فرحات عباس أن ذلك يأتي نتيجة منطقية لتطور التاريخ إذ يقول: "لقد استعمرت الجزائر وهذه حقيقة وفي أوساطنا زرع الاستعمار مليون أوروبي مسيحي وهذه حقيقة ثانية. وتعايش المسلمون والمسيحيون مدة أكثر من قرن وهي حقيقة ثالثة وكل هذه المعطيات هي التي أسست الجمهورية الجزائرية التي فرضت وتفرض نفسها على جميع الملاحظين"(17). ج-الدولة الجزائرية يجب أن تكون متعددة المجموعات لأن السيد فرحات عباس لايرى لزاماً على جميع أبناء الوطن الواحد أن يكونوا على دين واحد، وأن الجزائري المسيحي أو اليهودي يجب أن يكون أخاً للجزائري المسلم بعيداً عن كل عمليات الاستغلال والإقصاء والاستعباد (18). د-التعليم الإجباري والمجاني بالنسبة لجميع أطفال الجزائر، والنضال من أجل ترقية اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية ولأنها بالنسبة للإسلام "مثل الكنيسة بالنسبة للمسيحية فالمسجد، يقول السيد فرحات عباس، لايعني شيئاً عندنا ولكن تلاوة القرآن هي كل شيء"(19) لأجل ذلك، يرى الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري أن الاهتمام باللغة العربية أساسي لأنه يشكل قاعدة الإيمان. هـ-تخليص الإسلام من الواقع الذي آل إليه بفعل اعتداءات الإدارة الاستعمارية عليه، وهو واقع يصفه السيد Lechatelier مدير مجلة العالم الإسلامي بقوله: "لقد أوجدنا، في الجزائر، إسلاماً وحيداً من نوعه: الأوقاف منعدمة والمساجد خاضعة للإدارة بواسطة أئمة مأجورين، والقضاة موظفون والحج بإذن والقانون عبارة عن نتاج هجين لالتقاء الشريعة الإسلامية بالعرف الفرنسي"(20). و-إلغاء الملكية الإقطاعية والتركيز على إصلاح زراعي واسع لفائدة الخماسين المعدمين من سكان الريف ومما لاريب فيه أن هذه الفكرة مقتبسة مباشرة من البرنامج السياسي الذي كان نجم شمال أفريقيا قد صادق عليه سنة 1933، هذا في الظاهر لكن الواقع غير ذلك لأن نصوص الاتحاد الرسمية تؤكد بما لايدع أي مجال للشك أن "الحكومة الجزائرية تضمن الملكية العقارية الإسلامية والفرنسية على حد سواء، ولايمكن أن يلجأ إلى التأميم إلا إذا كان للصالح العام في إطار القانون وبعد تعويض عادل"(21). 1-الجمهورية الجزائرية علمانية، وعلى هذا الأساس فإن موقفها حيادي من جميع الأديان، وهي إذ تضمن حرية العبادة لكل مواطنيها، فإنها تخضع النظر في منازعاتهم إلى المحاكم المدنية التي تطبق القانون الفرنسي. إن هذه النقطة تتناقض مع موقف الاتحاد من الإسلام لكننا نعتقد أنها مستمدة من الرغبة في الالتزام بما جاء في النقطة الثالثة. 2-نبذ العنف كوسيلة لتقويض أركان الاستعمار، وحمل فرنسا على تلبية مطلب الشعب الجزائري كما هو مسطور في نصوص الاتحاد، والاكتفاء، فقط، بالنضال السياسي في إطار ما يسمح به القانون الفرنسي. في هذا الإطار كتب السيد فرحات عباس يوم أول مايو 1946: "على الرغم من جرائم الاستعمار وعلى الرغم من تجافي بعض النفوس الكريمة والتي ماتزال مكدورة، وعلى الرغم من الانتفاضات الأخيرة لنظام يحتضر، فإن الجزائر الجديدة، المتحدة بحرية مع فرنسا الجديدة، سوف ترى النور بفضل تضافر جهود الديمقراطيين الفرنسيين والمسلمين"(22). 3-جبهة النشاط السياسي وتتميز خاصة بعمل القيادة الحثيث على إعادة الربط مع الشركاء في حركة أحباب البيان والحرية من جهة، وعلى محاولة إقناع الرأي العام الفرنسي بسلامة توجه الحزب الجديد من جهة ثانية. وإذا كانت قيادة الاتحاد لم تجد أدنى صعوبة لاستمالة جمعية العلماء المسلمي ن الجزائريين خاصة بعد أن تبنت أهم مطالبها وثبتت عدداً من أهدافها في النصوص الأساسية للحزب(23)، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للعلاقة مع حزب الشعب الجزائري وسيلته الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية. وعلى الرغم من أن السيد الحاج مصالي بادر، أثناء أول مهرجان شعبي حضره في باريس مباشرة بعد إطلاق سراحه يوم 11/8/1946 إلى الدعوة للاتحاد حول حزب الشعب الجزائري، فإنه لم يقدم أي اقتراح ملموس للسيدين سعدان وبومنجل اللذين قصداه في نفس المناسبة ملتمسين توضيح الفكرة(24). وكان إحجام السيد مصالي مدفوعاً برغبته في عدم تجاوز موقف القيادة المؤقتة التي كانت تشرف على أجهزة الحزب أثناء غيابه والتي سبق لها أن عابت على السيد فرحات عباس وجماعته عدم التزامهم بمحتوى بيان الشعب الجزائري وبروح النشرة التي صادق عليها مؤتمر مارس سنة 1945. لكن الاتحاد لم يقف مكتوف الأيدي أمام ذلك التردد، واغتنم السيد فرحات عباس فرصة انعقاد المؤتمر التأسيسي في نفس اليوم الذي وصل فيه السيد مصالي إلى الجزائر فجعل المؤتمرين يصادقون على نشرة يدعون فيها إلى الاتحاد مع حزب الشعب الجزائري وأخرى يرحبون فيها بعودة الزعيم إلى أرض الوطن ويطالبون بتمكين حزبه من العودة إلى الحياة العلنية في إطار النضال الشرعي(25). وكان من الممكن أن يساعد ذلك المسعى على تقريب وجهات النظر وفتح طريق التعاون من جديد بين الجناحين الرئيسيين في الحركة الوطنية الجزائرية، لكن الاستقبالات الشعبية التي لاقاها السيد الحاج مصالي حالت دون ذلك بطريقة غير مباشرة إذ جعلت الزعيم يعتقد أن حزبه هو الأقوى وأنه، والحال هذه، ليس في حاجة إلى الاتحاد مع أية قوة سياسية أخرى لربح معركة الانتخابات التشريعية التي كان قد تقرر إجراؤها بتاريخ 10/11/1946. وعندما يعود الدارس اليوم إلى الحجج الذي تذرع بها حزب الشعب في ذلك الوقت ليفرض عرض الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإنه لا يجد لها أساساً سليماً لأن الاختلاف الإيديولوجي الذي قيل، يومها، إنه يحول دون اتحاد التشكيلتين السياسيتين لم يكن مطروحاً بفعل قبول الطرفين المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي. ومعلوم أن مجرد المشاركة في تلك الانتخابات تعتبر اعترافاً بالسيادة الفرنسية على الجزائر. وعلى الرغم من أننا لا نريد مناقشة هذا الموقف ولانرغب في التوقف عند الذرائع التي يستظهر بها كل جانب لتبرير إقدامه على المشاركة في الانتخابات، فإننا لا نرى بداً من التأكيد على أن رفض مصالي عرض عباس لم يكن بدافع إيديولوجي. ولم يكتفِ الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بتسجيل ذلك الرفض، بل إنه قرر الامتناع عن المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي ليس لتوجه إيديولوجي ولكن، فقط، ليترك المجال فسيحاً أمام الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وحتى يتجنب الصراع بين قوتين سياسيتين هدفهما الأساسي هو تحرير الشعب الجزائري. في هذا الصدد كتبت "Egalité" تحت عنوان: "لن يكون هناك تنافس بين مصالي وعباس". إن مصالي ورفاقه قد أبدوا رغبتهم في خوض المعركة دون الاشتراك مع أي حزب سياسي آخر. وقد رأينا أنه ليس من حقنا الاعتراض على هذه التجربة أو الإنقاص منها خاصة وأنها شرعية تماماً ومليئة بالعبر للجميع".(26). أما فيما يتعلق بمحاولة إقناع الرأي العام الفرنسي بسلامة توجه الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإن السيد فرحات عباس قد جند لها وسيلتين كانتا، يومها، في منتهى الأهمية وهما: الصحافة ومنبر كل من المجلس التأسيسي ومجلس الجمهورية. ولقد كانت المهمة شاقة وتحتاج إلى كثير من المهارة السياسية والثقافية الواسعة والإيمان الراسخ بالقضية العادلة. وعلى الرغم من ذلك، فإن ممثلي الاتحاد لم يهنوا واستطاعوا، في مناسبات عديدة، أن يقوموا بأكثر مما كان ينتظر منهم. فعلى مستوى الصحافة، وظفت أعمدة اللسان المركزي للحزب من أجل التعريف بمشروع الدستور الجزائري والدفاع عنه والعمل على تعميمه، فكرة وهدفاً، في أوساط الجماهير الشعبية ولدى الرأي العام الفرنسي بجميع مكوناته، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن الأعضاء القياديين كانوا يلجأون إلى علاقاتهم الشخصية قصد النفاذ إلى ميادين الإعلام الفرنسي. وفيما يخص منبر المجلس التأسيسي، فإن الصراع كان مريراً بسبب نشاط غلاة الكولون الذين تمكنوا، بفضل إمكانياتهم المادية، من تعبئة جميع الأوساط السياسية الفرنسية كي تغلق جميع الأبواب في وجه نواب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وأن إطلالة سريعة على فحوى المداولات المنشورة على أعمدة الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية خلال السداسي الأخير من سنة 1946 والسداسي الأول من عام 1947، تكفي وحدها للتدليل على ماكان يلقاه عباس ورفاقه من معاناة للتعبير عن آرائهم المجسدة لفكرة الجمهورية الجزائرية المستقلة. فعلى سبيل المثال، فقط، نذكر أن الدكتور سعدان، في جلسة المجلس التأسيسي الثاني المنعقدة بتاريخ 22/08/1946، قد حاول الحديث مطولاً عن الظاهرة الوطنية في الجزائر لكنه منع من ذلك بواسطة المقاطعات ووسائل الإزعاج المختلفة. وفي اليوم الموالي تدخل رئيس الجمهورية المؤقتة السيد جورج بيدو (27) Georges Bidault وختم مداخلته قائلاً: "إن فرنسا ستبقى في الجزائر، لأنها فرنسا ولأنها إنسانية"(28). وبعد انتخابات المجلس الوطني الفرنسي وما تخللها من عمليات التزييف والتحليل في تفسير القوانين ابتكرت الإدارة الاستعمارية أسلوباً جديداً في التعامل مع الحركة الوطنية التي أصبحت، بالفعل، تحظى بتأييد أغلبية الشعب الجزائري، وقد تميز ذلك الأسلوب بقرار اتخذته وزارة الداخلية يلغي انتخاب أعضاء مجلس الجمهورية بواسطة الاقتراع العام، ويسند تلك المهمة الخطيرة إلى المستشارين في البلديات كاملة الصلاحيات ورؤساء الجماعات في البلديات المختلطة الذين كانوا قد انتخبوا في شهري يوليو وأغسطس(تموز/يوليو/آب/)، سنة 1945(29). وبما أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية كانت تعرف أن أولئك المنتخبين موالون، في أغلبهم للإدارة الاستعمارية، فإنها فضلت عدم تقديم مرشحين عنها للمجلس الجمهوري، الأمر الذي فسح المجال للسيد فرحات عباس فبادر إلى دخول المعركة وخرج منها منتصراً حيث انتزع حزبه أربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الثانية.(30). ومن الجدير بالذكر أن ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لدى مجلس الجمهورية هم الذين تولوا إثراء مشروع الدستور الذي كان قد عرض على المجلس التأسيسي الثاني بتاريخ 09/08/1946 ثم صاغوه في شكل مشروع قانون لم يحظ إلا بأصوات أصحابه. موقف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري من قانون الجزائر التنظيمي: لقد كان لتحركات ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في المجلس التأسيسي الثاني وفي مجلس الجمهورية تأثير بالغ الأهمية على منتخبي المجموعة الثانية الذين استطاعوا بدورهم أن يتخلوا عن فكرة الاندماج والمساواة والمطالبة بالحقوق الاجتماعية، بل إن بعضهم مثل السيد ابن شنوف الذي صرح أمام نواب المجلس الوطني الفرنسي قائلاً: "أعترف أن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، من بين جميع الأحزاب، هو الوحيد الذي أجاد عرض الطرح الاتحادي.. وأعترف أيضاً، أن برنامجه هو الذي قدمته للمواطنين أثناء الحملة الانتخابية إذ لم يكن لمجموعتي أفضل من تبني مقترحاته مع تعديلات طفيفة. إن هذا المشروع المتعلق ببعث الجمهورية الجزائرية هو الذي سوف أدافع عنه في إطار لجنة الشؤون الداخلية وفي سائر أشغال المجلس الوطني. وبكل راحة ضمير، أعتبر أن الجزائر قادرة، ابتداءً من اليوم، على الارتقاء إلى وضع الدولة المشاركة (المتحدة مع فرنسا). فكل مؤسسات هذه الدولة قائمة ولم يبق سوى العمل على تسييرها.(31). لكن نشاط ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لم يحرك همم المنتخبين الجزائريين فقط، بل إنه زرع الرعب في أوساط الكولون الذين راحوا يلتفون حول غلاتهم لتهديد الحكومة الفرنسية بالتمرد على قراراتها التي قد لا تكون لصالح الجزائر الفرنسية.(32). ففي هذا الإطار، مثلاً، نشرت جريدة "Démocratie" في عددها الصادر بتاريخ 09/08/1947 مقالاً بعنوان: "Un brelan de trait M. Depreux, Chataigneàu Aldhuy" جاء فيه على الخصوص: "ليس ثمة قوة بشرية ولا غيرها باستثناء كفن الموتى تستطيع حماية هذا الثالوث الخائن من عدالة الشعب الجزائري"، أما السيد Boyer Bance المدير السابق بالولاية العامة والكولون المسيطر على أغلبية أراضي ناحية بابا علي، فإنه وجه رسالة إلى وزير الخارجية الفرنسي جاء فيها:"إذا كانت فرنسا، بالتخلي عنا، سوف تتسربل بالعار، فإننا فيما يخصنا سنكون مضطرين لمطالبة الأمم المتحدة بحقنا كشعب تخلت عنه فرنسا، ويومها سيكون عليكم أنتم وزير الشؤون الخارجية واجب تقديم الأسباب التي قد تكون دفعت فرنسا لخيانتنا".(33). وفي نفس هذا السياق التمردي، نشر رئيس مجلس العموم لعمالة الجزائر رسالة موجهة إلى باريس وعليها توقيع ثلاثة وعشرين من رفاقه جاء فيها على الخصوص:"لوأن المجلس الوطني يزود الجزائر بقانون لا يخدم مصالح الاستعمار، فإن ممثلي الأقلية الأوربية لن يترددوا في التوجه إلى غير الميتروبول"(34). وفي رحاب المجلس الوطني الفرنسي تعرض النائب جاك شوفالي Jacques Chevalier إلى مشروع القانون الذي تقدم به ممثلوا الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وتوقف طويلاً عند إجبارية تعليم اللغة العربية حيث قال: "إن جعل تعلم اللغة العربية إجباري يعني دفع المسلمين(35) أكثر فأكثر إلى الإسلام، ويعني ذلك، نشر الإسلام وتمتين العلاقة مع الجامعة العربية وكل الذين يريدون استقلال الجزائر. وأخيراً، فإن ذلك يعني إدخال البربر تحت سلطة الإسلام عن طريق اللغة العربية"(36). ومما لاشك فيه أن تهديدات الكولون قد أثمرت لأن الحكومة الفرنسية جندت كل طاقاتها لاستبعاد مشروع قانون الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وجعل المجلس الوطني الفرنسي يهتم فقط بالمشروع المقدم من قبلها وهو عبارة عن وثيقة مستمدة في أساسها من مشروع كانت حكومة Bidault قد أعدته في شهر سبتمبر 1946 بواسطة الأستاذ Viard(37) ثم لم تقدمه للمناقشة. لقد عرف المشروع الحكومي المذكور باسم La statut de L'algérie ونحن نعربه بعبارة: قانون الجزائر التنظيمي. أما عند غيرنا فله تسميات متعددة منها: دستور الجزائر، والقانون الأساسي أو قانون الجزائر... الخ ومهما كانت التسمية فإنه يبقى وثيقة لا يمكن القول عنها إنها جاءت بجديد للخروج من الأزمة السياسية أو لامتصاص غضب النواب الجزائريين الممثلين للمجموعتين الانتخابيتين على حد سواء، بل إن القانون جاء جامعاً وملخصاً لمحتويات المراسيم والقوانين والأمريات الاستعمارية التي فرضت على الجزائر منذ السنوات الأولى من الغزو. وللمتمتعين في ذلك القانون الذي وقع عليه الرئيس فانسان أوريول(38)، يرى أنه يشتمل على ثمانية أبواب وستين مادة، وأنه يهدف، بالدرجة الأولى، إلى فصل من يسمون بالنخبة التي تتمتع بحق المواطنة عن الجماهير الشعبية التي ترغب سلطات الاستعمار في إبقائها في حالة التبعية الدائمة. لأجل ذلك فإنه لاقى معارضة مطلقة من جميع المنتخبين الجزائريين على اختلاف مشاربهم السياسية، وعلى الرغم من أنه لم يغير شيئاً من وضع المسلمين المزري، فإن ممثلي المجموعة الانتخابية الأوربية قد حاربوه بكل ما أوتوا من قوة، وعلى غرار النواب الوطنيين فإنهم رفضوا التصويت عليه. إن إقرار القانون التنظيمي والمصادقة عليه في غياب ممثلي الشعب الجزائري قد أحدثا رد فعل عنيف لدى الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي أمر مستشاريه بالاستقالة من مجلس الجمهورية وقد تم ذلك بواسطة رسالة(39) تحمل تاريخ 31/08/1947 نورد نصها فيما يلي نظراً لأهميتها وعمّق ماجاء فيها من أفكار."، السيد رئيس مجلس الجمهورية، باريس". "مع كل الاحترام يشرفنا أن نحتج ضد قانون الجزائر التنظيمي الذي فرضه البرلمان الفرنسي على أغلبية السكان الجزائريين، وعلى هذا الأساس نوجه لكم استقالتنا من عضوية مجلس الجمهورية". "وبدون الإلحاح كثيراً على المساومات التي قامت بها الأحزاب الميتروبولوليتانية في غيابنا حول هذا القانون، فإننا نلحظ عليه العيوب الثلاثة التالية: 1 - لقد صوت عليه في غياب المنتخبين المسلمين ودون أن تؤخذ في الاعتبار طموحات شعب الجزائر الشرعية. فتآمر غلاة المعمرين من جهة وتأثير رئيس حكومة سابق (40) خارج البرلمان من جهة أخرى، قد حالا دون حرية سير المؤسسات الجمهورية. لقد وقع تحالف فعلي ضد الجزائريين المسلمين، وواجبنا هو التنديد بذلك. 2 - إن إلغاء قانون الخامس أكتوبر 1946 المجدد للقانون الصادر سنة 1940 فيما يخص مرسوم Crémieux يخرق الدستور الذي تنص مادته 82 في فقرتها الثانية على أن الأحوال الشخصية، "لا يمكن بحال من الأحوال، أن تشكل سبباً لرفض الحقوق والحريات اللصيقة بصفة المواطنة الفرنسية، أو الحد منها". والحال أن حقوقاً مكتسبة قد سحبت من المسلمين الحاصلين على الشهادة الابتدائية لسبب حالتهم الشخصية. إنه لخرق يجب التراجع عنه خاصة إذا علمنا أن عدداً كبيراً من المنتخبات والمنتخبين الأوربيين لا يقرأون ولا يكتبون. لقد حاول السيد رئيس مجلس الوزراء أن يعطي التفسير التالي لهذا الخرق الذي تعرض له الدستور. أن هؤلاء المنتخبين المسلمين قد يكونون قد سجلوا أنفسهم في قوائم المجموعات الانتخابية الأولى فقط للمشاركة في الانتخابات التشريعية". وإنها لمفارقة أن يرى المرء في إطار الجمهورية الفرنسية الواحدة التي لا تتجزأ تقسيماً للمنتخبين إلى مجموعتين وفقاً لجنسهم وعقائدهم الدينية. لكن وبعد وضع هذه القوائم، إذا نقل المنتخب من قائمة إلى أخرى حسب نوع الاستشارة الانتخابية، فإن ذلك يخرج من إطار القانون ليسقط في دائرة النزوات والعسف الكولونيالي. 3 - إن الحكومة وبعض البرلمانيين قد استندوا إلى وجود ممثلين عن الجزائريين المسلمين في البرلمان الفرنسي لتجريد الجمعية الجزائرية من كل سلطة تشريعية. إن منتخبي البيان، سواء في المجلس التأسيسي الثاني أو في مجلس الجمهورية، لم يتوقفوا، أبداً، عن التأكيد على الطابع المؤقت لذلك التمثيل. لقد شاركنا ومازلنا نشارك في البرلمان الفرنسي، ليس للمساهمة في ممارسة السيادة الفرنسية ولكن للمشاركة في إنشاء وإقامة الهيئات الاتحادية يعني البرلمانات المحلية والحكومة الفدرالية ومجلس الاتحاد. ولم يخطر في بالنا أن نعتبر نهائية عهدة البرلمان الفرنسي الممنوحة للجزائريين على سبيل الأهلية. إن دورنا ليس هو أن نشرَع للميتروبول، وبالنسبة للبيان فإن كل ذلك يعتبر مبدأً مقدساً. فالجزائري يجب أن يمارس سيادته في الجزائر وفي مجلس الاتحاد. وباستقالتنا، فإننا نذكر بذلك المبدأ كما أننا نذكر بالطابع المؤقت للتمثيل الجزائري في البرلمان الفرنسي، وهو تمثيل يجب أن ينتهي بمجرد أن تكتسب الجمعية الجزائرية سيادتها الداخلية كاملة"(40). وقبل هذه الاستقالة، كان الدكتور سعدان قد تحدث في مجلس الجمهورية عن القانون التنظيمي فوصفه باللعب الصبياني الذي لا يمكن أن يكون إطاراً لحل معضلتي الحرية والديمقراطية اللتين يعاني منهما شعب الجزائر. وبعد أن أكد أن القانون المذكور مؤسس فقط على الكذب والغموض وهو من وضع رجال لم يتخلصوا، بعد، من التعصب الكولونيالي، والتقاليد الامبريالية التي تنمي في نفوسهم غريزة السيطرة على الآخر وتجعلهم لا يترددون في استعمال القوة والعنف للاحتفاظ بمتاع الغير، ختم يقول: "إن المأساة، في هذه القضية، تتمثل في كوننا وفرنسا لا نتكلم لغة واحدة. فالحكومة الفرنسية والمجلس الوطني يشرعان لبلدنا الذي يعتبرانه مزرعة متجاهلين أنه وطن وأننا لم نعد خدماً ولا أقناناً"(42). وحول نفس القانون التنظيمي استقبل السيد فرحات عباس من طرف رئيس الحكومة الفرنسية السيد Paul Ramadier الذي كان يعتقد أن في استطاعته تغيير موقف زعيم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري. خاصة بعد أن أطلعته مصالح المخابرات على محتوى المكالمات الهاتفية التي كان يجريها مع الجزائريين الممثلين للإدارة الاستعمارية في البرلمان الفرنسي والتي دلت في مجملها على أنه تمكن من التأثير عليهم وجعلهم، الواحد تلو الآخر، يتخلون عن قناعاتهم الأولى ويتبنون، عملياً، فكرة النضال من أجل إقامة الجمهورية الجزائرية المتحدة بمحض إرادتها مع فرنسا. ويذكر السيد عمار نارون أن المقابلة بين عباس ورمادي لم تطل كثيراً نظراً لتمسك كل منهما بموقفه وبسبب الكراهية التي كان رئيس الحكومة يضمرها لمؤسس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري. ولقد احتفظ التاريخ، من ذلك اللقاء القصير، بحوار ممتع يدل دلالة قاطعة على ماكان للرجلين من ثقافة واسعة وقدرة فائقة على التعبير قال عباس: إن جسم الجزائر محصور في اللباس المفروض عليه. أنه في حاجة إلى التنفس. حاولوا، إذن، أن تخيطوا له لباساً عصرياً". وبدون تردد أجاب رمادي: "أجل، سيد عباس إننا سنخيط لكم لباساً جديداً لكن تفصيله سيكون دقيقاً على الطريقة الفرنسية"(43). هكذا، إذن، ناضل ممثلوا الجزائريين على اختلاف مشاربهم ضد القانون التنظيمي لكنهم فشلوا في كل ماقاموا به من مساعي ولم يستطيعوا منع البرلمان الفرنسي من تأبيد حالة الاستبداد على الشعب الجزائري، وكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى يأس قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري: غير أن السيد عباس ظل وفياً لمقولة رينان التي تؤكد: "أن العالم لا يعرف فتور الهمم، بل إنه يعيد العمل المجهض إلى مالا نهاية: فكل فشل يتركه شابا نشطا ومفعماً بالانبهارات"، والتي ضمنها بيانه الموجه إلى الشبيبة الجزائرية بمناسبة الفاتح مايو 1946(44). لأجل ذلك فإن الاتحاد لم ير في الاستقالة من مجلس الجمهورية هزيمة كما أنّه لم يعتبر عدم التواجد في البرلمان الفرنسي خسارة، وراح ينفق طاقته في مجالات أخرى مثل الربط مع الجماهير الشعبية والاستعداد لخوض المعارك الانتخابية، والعمل على إيجاد الظروف الموضوعية الملائمة لتوحيد سائر أجنحة الحركة الوطنية وفق تصوره للمجتمع الجزائري الجديد. العمل الميداني والمعارك الانتخابية مباشرة بعد المصادقة على القانون التنظيمي شرعت الإدارة الفرنسية في تطبيقه على الطريقة الاستعمارية: انتخابات بلدية في أكتوبر 1947 وانتخابات الجمعية الجزائرية في أفريل 1948 دائماً في إطار المجموعتين ووفقاً لما تتطلبه الحرية والمساواة كما يفهمها غلاة الكولون. رغم ذلك، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية والاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد قررا خوض تلك المعارك كل حسب ايديولوجيته. فالاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري رأى أن الانتخابات البلدية التي تقرر إجراؤها يومي 19 و26 أكتوبر 1947 يجب أن يكون الإعداد لها تحت شعار الترقية الاجتماعية للشعب الجزائري ومن ثمة ينبغي إقناع المنتخبين بأن اختيارهم لممثليه يعني الدعم المطلق للنضال ضد الجهل والأمية والأمراض بجميع أنواعها وللقضاء على الأكواخ والأحياء القصديرية، ومن أجل تنمية أفضل لمجالات الحياة اليومية مع التركيز على التعليم والتربية والتكوين المهني وتوفير مختلف حاجات الغذاء. وكانت هذه الرؤية في تناقض كلي مع تلك التي جاءت بها الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، والتي رأى هذه الحركة، كانت ترى أن الحملة الانتخابية المذكورة يجب أن تتحول إلى تظاهرة سياسية وأيديولوجية يتم من خلالها. تجذير العداء للقانون التنظيمي الآنف الذكر إلى جانب تعميم فكرة اللجوء إلى جميع الوسائل من أجل استرجاع السيادة الجزائرية التي اغتصبتها الامبريالية الفرنسية والتي لم يتوقف الشعب الجزائري عن المقاومة بكل أنواعها في سبيل استعادتها.(45). إن هذا التباين في الموقف من الانتخابات البلدية هو الذي حال دون تحقيق: "الوحدة الوطنية والديمقراطية للدفاع عن مصالح الجزائريين"، التي نادى بها الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري مدعوماً بالحزب الشيوعي الذي كان يرى أن التركيز ينبغي أن يكون فقط على المطالب ذات الصبغة البلدية. ومما لاشك فيه أن تجاوب الجماهير الشعبية مع الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وما نتج عن ذلك من انتصار قوائمها رغم كل العوائق والتكتلات، وقد دفع عباس وجماعته للتأمل،مرةأخرى، في الواقع الاستعماري والتأكد من أن جماهير الشعب الجزائري لم تعد قادرة على تعبئتها سوى البرامج الداعية إلى التخلص النهائي من السيطرة الأجنبية. هذه النتيجة قد توصل إليها الحزب الشيوعي الذي لم يتردد في الاعتراف بها صراحة ضمن افتتاحية Alger Républicain الصادرة في عدد يوم 24/10/1947. حيث كتب السيد Rouzé: "لقد حققت قوائم الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية نجاحاً في عدد من النواحي: فالجماهير الشعبية التي خيبت آمالها فيما كانت تطمح إليه من حرية قد عبرت عن استيائها بتلك الطريقة... وبديهي أن التفاعل مع برنامج الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية إنما يدل دلالة قاطعة على عمق التغيير الذي طرأ إيجابياً على فكرة الوعي الوطني في أوساط الجماهير الشعبية". وعلى الرغم من تسجيل الهزيمة أمام منافسة الأول، فإن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد حاول، منذ الإعلان عن النتائج الأولى، التظاهر بروح رياضية حيث نشر على أعمدة لسانه المركزي مقالات متعددة فيها تأكيد على أن اختيار الجماهير الشعبية يعد ترسيخاً وتثبيتاً لفكرة الوطن الجزائري التي يتطلب انتصارها النهائي تضافر جهود كل الطاقات الحية في البلاد(46).. وإذا كانت الخطوة الأولى في طريق توحيد الطاقات الوطنية قد بدرت عن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، فإن قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لم تتردد في تقديم العربون على استعدادها لتحقيق الوحدة الجدية والدائمة. أما خطوة الحركة فتمثلت في كتاب وجهه السيد الحاج مصالي في اليوم الثامن من نوفمبر إلى اللجنة المركزية للاتحاد يدعوها فيه إلى الحوار قصد إيجاد السبيل الأمثل لإخراج البلاد من دائرة السيطرة الاستعمارية، وأما عربون الاستعداد الذي قدمه الاتحاد فقد جاء في شكل نشرة صادق عليه المكتب السياسي في اليوم التاسع من نفس الشهر وضمنها عزمه كقيادة عليا على: "العمل من أجل جمهورية جزائرية ديمقراطية واجتماعية بحكومتها وبرلمانها وألوانها الوطنية"(47). كانت تلك نشرة اللائحة إيذاناً ببدء الحوار بين الطرفين، ودليلاً واضحاً على أن تقارباً إيديولوجياً كبيراً قد وقع بين التشكيلتين السياسيتين اللتين أصبحتا بالفعل قادرتين على إبرام الاتفاق من أجل توحيد العمل في سبيل تقويض أركان الاستعمار وبعث الدولة الجزائرية من جديد. وبالفعل، فإن المحادثات بين مندوبي التشكيلتين، قد جرت في جو يسوده كثير من الوئام والتفاهم وتوجت بتصريح مشترك مذيل ببرنامج عمل من ثلاث نقاط أساسية هي: أ - وحدة العمل من أجل التوحيد الإيديولوجي والتنظيمي للحركة في كفاحها ضد الامبريالية. ب - إلغاء كل أنواع الاستعمار. ج - دستور دولة جزائرية ذات سيادة مطلقة. أما التصريح فقد تضمن اتفاق الطرفين على ضرورة استرجاع السيادة الوطنية التي اغتصبتها الامبريالية الفرنسية، وفي نفس السياق رفض الاتحاد الفرنسي الذي يتناقض في أساسه مع ميثاق الأمم المتحدة الذي يقر لجميع الشعوب حقها في تقرير مصيرها بنفسها. من جهة أخرى فإن الطرفين قد اتفقا على تشكيل لجنة للتنسيق تتولى متابعة تطبيق برنامج العمل وتنشط، باسم التشكيلتين، من أجل توسيع الاتحاد إلى تنظيمات أخرى تكون مستعدة للمساهمة في الحركة الواسعة الرامية إلى إقامة الجمهورية الحرة الديمقراطية والاجتماعية. إن الذي يطلع على كل هذه النتائج الإيجابية، في واقع الأمر، لا يسعه سوى الإقرار بأن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد اهتدى، عن وعي، إلى الطريق المؤدية إلى تحرير الوطن لكن ذلك لم يطل إذ أن اللجنة المركزية للاتحاد أعلنت أنها تخضع استمرار العمل الوحدوي إلى مجموعة من الشروط في مقدمتها عدم رفض التمثيل البرلماني وعدم إدانة الاتحادالفرنسي والتخلي عن دستور الدولة الجزائرية ذات السيادة المطلقة وهو ما رفضته الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وجعل السيد الحاج مصالي يصف "الجمهورية الفدرالية" التي رفع شعارها السيد فرحات عباس بالمولود الامبريالي لأنها تترك الدفاع الوطني والشؤون الخارجية بين أيدي الامبريالية الفرنسية وتسوي مليون أوربي بعشرة ملايين من الجزائريين.(48). وفي نفس الوقت الذي كانت فيه قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري تدعو إلى الالتزام بالشروط المذكورة أعلاه كشرط أساسي لوحدة الصف الوطني، فإن السيد فرحات عباس كان يوظف أعمدة الجمهورية الجزائرية la République Algerinne" للتنديد بالحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية التي لم تأمر نوابها بالانسحاب من البرلمان الفرنسي، ولكتابة أشياء غير معقولة مثل: "أن سياسة الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية تشبه العنصرية التي لا تطاق والدكتاتورية الأكثر دناءة والفاشية الجديدة ذات الحظ الصاعد"(49). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |