|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مواجهة الأوضاع الموروثة عن الاستعمار: إن مائة واثنتين وثلاثين سنة من الاستعمار الاستيطاني لاتمحي آثارها بكل سهولة ولا تمحي آثارها السلبية سوى ثورة مستمرة لاتتوقف حتى بعد وقف إطلاق النار لأن الأمر لم يكن يتعلق بتحرير الأرض ولكنه كان يعني الإنسان فوق كل شيء. فتحرير الإنسان أكثر أهمية ويتطلب مجهوداً ونفساً أطول. فالاستعمار الفرنسي، كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من الباب الأول، قد ركز، منذ العشرينات من هذا القرن خاصة، على تكوين إنسان متشبع بالثقافة الغربية ومجرد من كل عناصر الشخصية الوطنية. وتضاعف ذلك التركيز بعد أن وضعت الحرب الامبريالية الثانية أوزارها، وكذلك أثناء فترة الكفاح المسلح ليصل إلى أوج مايمكن أن يصل إليه عند وقف إطلاق النار. وصحب هذه العملية توسيع شبكة تعليم اللغة الفرنسية وتمكين متعلميها من التمتع بكثير من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية. ولا يخفى على أحد أن اللغة ليست مجرد ناقل محايد أو وسيلة تبليغ لاغير، لكنها وعاء حضاري وأيديولوجي من الطراز الأول. وعندما أعلن المجلس الوطني التأسيسي عن ميلاد الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في اليوم الخامس والعشرين من شهر سبتمبر سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف كان الوضع في الجزائر يتميز بخاصيات من أهمها مايلي: 1-نسبة مرتفعة من الأمية قدرت بأكثر من 80%(1) . أما الخمس الباقي فجله من انصاف المتعلمين الذين صنعهم الاستعمار على عجل ليكونوا امتداده الطبيعي الذي يعتمد عليه في مواصلة عملية المسخ والتشويه والتنزيف. 2-إسلام مشوه غلبت عليه الخرافة والدروشة(2) ولم يبق منه سوى جانب العبادات الذي تعرض بدوره إلى كثير من التحريف بحيث لم تعد الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، ولا شهادة تسمح بتوحيد الإله ولا الصوم قادر على أداء وظيفته الاجتماعية. أما الحج فحدث ولاحرج، وأقل مايقال عنه أنه أصبح وسيلة تجارية وسياحية في أحسن الحالات. 3-تقاليد وعادات ونمط وسلوكات يومية لاعلاقة لها بشخصيتنا الوطنية. 4-لغة وطنية مهملة، ممقوتة ومطاردة على الرغم من حيويتها وقدرتها على التكيف وتمكنها من استيعاب العلوم بأنواعها والتقنيات المختلفة. 5-علاقات اجتماعية مهلهلة أساسها الخوف والنفاق والمراوغة والمداهنة. 6-إدارة معظم إطاراتها فطموا على لبان الاستعمار الجديد الذي بدأ يستعد للمرحلة التالية من السيطرة، وتعلموا أن فنون التسيير التي قد تأتي من غير الوطن الأم لايمكن أن تكون في المستوى الحضاري الذي استولى على عقليتهم. أما الموظفون البسطاء والعمال، فإن سذاجتهم وانخفاض مستواهم التعليمي الذي لايتجاوز الأمية المركبة في غالب الأحيان قد يعتقدون أن الاستقلال عن فرنسا العظمى لايمكن أن يكون مصحوباً إلا بكافة أنواع التخلف والهمجية. وأما الإدارة التي كونتها جبهة التحرير الوطني خلال فترة الكفاح واستطاعت أن تقدم الدليل على نجاعتها في الميدان، فإنها استبعدت وفقاً لما نصت عليه اتفاقيات إيفيان. 7-اقتصاد تابع للاقتصاد في فرنسا. مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة التي كانت قبل الاحتلال، تنتج أجود أنواع الأرز وكميات هائلة من الحبوب التي كانت تصدر لبلدان كثيرة مثل أوروبا وأفريقيا والوطن العربي، وتحولت إلى مغارس كروم تعطي الخمور الممتازة التي يخصص جزء كبير منها لتحسين الخمور الفرنسية أو لتزويد السوق العالمية. وكانت الصناعة التقليدية فقط فروعاً مكملة لبعض المصانع المتناثرة في مختلف أنحاء فرنسا(3) لم تكن في الجزائر، غداة استرجاع السيادة الوطنية، هياكل اقتصادية ثابتة(4) ولم تكن فيها نواة صالحة للتنمية الدائمة التي تأخذ في الاعتبار تطور الزمان وتطور السكان. وزيادة على ذلك، فإن الامكانيات القليلة -وهي بالمقارنة مع حاجيات الكولون- قد تعرضت لتخريب مهول بسبب الغلاة عندما اقترب أجل الاستعمار. 8-تصاعد ديمغرافي مخيف زاد من حدته، عشية استرجاع السيادة الوطنية، رجوع حوالي مليون من الجزائريين الذين لجأوا إلى تونس والمغرب الأقصى أثناء فترة الكفاح المسلح، وكذلك تسريح حوالي مليونين من المواطنين الذين كانوا يقيمون بالمعسكرات والمحتشدات(5) . 9-انتشار البطالة الناتجة عن قلة التنظيم والإهمال الاقتصادي الذي فرض على الجزائريين بسبب الخوف وعمليات التخريب. 10-تزايد أعداد المغتربين في أوربا وفرنسا على وجه الخصوص. ولقد ازداد هذا المشكل خطورة عندما بدأت الأسر الجزائرية، لأسباب مختلفة ترحل للإقامة هناك(6) . هذا الوضع عشية استرجاع الاستقلال الوطني وغداته مباشرة هو الذي كان على أول حكومة جزائرية أتت تواجهه. وكان نجاح تلك المواجهة مرهوناً بمدى قدرة الرئيس الجديد على جمع كل الطاقات الحية في البلاد وعدم الانسياق للأحقاد الدفينة التي ظلت تتراكم منذ انعقاد مؤتمر وادي الصومام، وكان النجاح، أيضاً، يتوقف على مراجعة برنامج طرابلس بحيث يظهر من تشكل مواطن اختلاف من شأنها إضعاف المد الثوري وتعريضه للإنقسام والتصادم بين المعركة الوحيدة. المفاهيم والمصطلحات التي لا علاقة لها بالواقع الجزائري إن المكتب السياسي الذي استولى على مهام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بالطريقة التي أشرنا إليها أعلاه، لم يعرف كيف يحافظ على الوحدة الوطنية، بل إنه عندما وضع قوائم الانتخابات التشريعية التي جرت في اليوم العشرين من شهر سبتمبر قد ألغى كل من اشتم فيهم رائحة المعارضة لما يسمى بمجموعة تلمسان(7) . وبذلك أعطى الإشارة لبدء الصراع بجميع أنواعه في الوقت الذي كانت الثورة في أحوج ماتكون إلى تضافر الجهود وتوحيد الصفوف. وبالإضافة إلى كثير من القياديين الذين كانوا مازالوا قادرين على العطاء في مجالات التعبئة والتوجيه نظراً لما كانت لهم من سلطة أدبية في أوساط المناضلين والإطارات، فإن الحكومة الجديدة قد جاءت في تشكيلتها البشرية عبارة عن خليط من تيارات سياسية يستحيل توحيدها ولايمكن أن ينتظر منها تطبيق برنامج طرابلس الذي كان يتناقض تماماً مع المشارب الأيديولوجية لمعظم أعضائها. وإذا استثنينا الرئيس أحمد بن بلة، ووزير العمل السيد بومعزة، فإن حركة الانتصار للحريات الديمقراطية التي هي مصدر الثورة لم تكن ممثلة في تلك الحكومة بينما أعطيت للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري أربع وزارات ووزارة واحدة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ووزعت باقي الحقائب على إطارات شابة لم يسبق لها أن تشبعت بواحدة من الأيديولوجيات الوطنية(8) . لهذه الأسباب مجتمعة، فإن برنامج طرابلس قد وضع على الرف وراحت الحكومة تطبق سياسة ارتجالية تخضع في مجملها إلى تطور الأحداث وإلى تأثير المحيط وفي كثير من الأحيان إلى مزاج الرجل الأول في الدولة الذي لم يكن هو الأمين العام لجبهة التحرير الوطني ولكن فقط رئيس الحكومة أحمد بن بلة. إن برنامج طرابلس ينص بصريح العبارة أن جبهة التحرير الوطني ستظل هي مصدر السلطة الوحيد في البلاد لأنها كلفت من طرف المجلس الوطني للثورة الجزائرية بمواصلة مهمتها التاريخية(9) . لكن المكتب الذي تشكل في تلمسان لم يكن شرعياً، بل أتفقت جميع الأطراف على أن يكون هيئة سياسية وتنفيذية تقوم مقام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في توفير الشروط الموضوعية اللازمة لإجراء الانتخابات التشريعية وتحضير المؤتمر الوطني، وفي أثناء توزيع المهام أسندت الأمانة العامة لجبهة التحرير الوطني إلى السيد محمد خيضر في حين تكفل السيد محمد بوضياف بالعلاقة الخارجية والعقيد محمدي السعيد(10) بالتربية الوطنية والحاج بن علة بالجيش الوطني الشعبي ورابح بيطاط برئاسة الحزب وأحمد بن بلة بمراقبة الهيئة التنفيذية المؤقتة. أما السيد حسن آيت أحمد، فإنه رفض الالتحاق بالمكتب السياسي. وعلى الرغم من صعوبة العمل في هذه الظروف، فإنه تم تنصيب اتحادية لجبهة التحرير الوطني في كل واحدة من عمالات الوطن(11) كما تم تنصيب جميع الدوائر والقسمات في ظروف قصيرة جداً ودون أن يقع الحسم فيما يتعلق بالأولوية والسلطة هل تكونان للهيئات السياسية أم للهيئات التنفيذية، ولقد قاد الخلاف حول هذه المسألة إلى استقالة الأمين العام في شهر ماي سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف(12) . إن رئيس الحكومة لم يكن يجهل أهمية التنظيم السياسي بل إنه كان يدرك جيداً أن إقامة الدولة لن يكون متأنياً إلا بوجود حزب قوي بمناضليه المهيكلين والمتواجدين على رأس جميع المناصب الحساسة، وإيمانه بهذه الضرورة هو الذي جعله يقول ذات يوم لوزير الدفاع العقيد هواري بومدين: إنك لن تكون كل شيء بفضل الحزب، ولن تكون شيئاً بدونه(13) . لكن هذه الأداة التي يتوقف عليها مصير الحكم لايجب أن تكون بأيادي أخرى وعليه، فإن الرئيس بن بلة لم يتردد في صنع الظروف التي أدت، بالتدريج، إلى استقالة رئيس جبهة التحرير الوطني وأمينها العام وفي نفس الوقت أسندت مسؤولية المنظمات الوطنية إلى السيد الحاج بن عله الذي تم تعيينه وزيراً للدولة حتى يسهل ابتلاعه. إن الرغبة في جمع كل السلطات قد حجبت عن الرئيس أحمد بن بلة مخاطر ماكان يقوم به. لقد أدت قراراته الارتجالية إلى إبقاء المكتب السياسي محصوراً في شخصيتين اثنتين(14) لم يسبق لهما أن مارسا مسؤوليات سياسية ودفعت برفاق النضال والمعتقل إلى المعارضة التي سوف تتخذ أشكالاً متعددة، كما أنها همشت نظام الولايات الذي برهن على فعاليته أثناء المعركة(15) وجعلت من الإدارة منافساً قوياً رغم أن معظم إطاراتها كانوا من نتاج الترقيات الاستعمارية المختلفة وبالتالي فهم أقرب إلى مصالح الاستعمار منهم إلى المصلحة الوطنية. ففي مثل هذا الجو المكهرب شرع في تجنيد القواعد النضالية لمناقشة مشروع الدستور الذي أعدته الحكومة والذي يعطي لرئيس الجمهورية جميع السلطات بما في ذلك القيادة العليا للجيش. وكانت أربعة أيام كافية للاثراء ولإجراء جميع التعديلات ثم صادقت الإطارات السياسية على المشروع وقدم للتزكية إلى المجلس الوطني مما أثار سخط مجموعة من النواب وقاد إلى استقالة الرئيس فرحات عباس في مستهل شهر أوت(16) . وبعد أسبوع من الاستفتاء الذي جرى في اليوم الثامن من شهر سبتمبر، استدعى المواطنون من جديد لانتخاب المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية. هكذا، إذن، استطاع السيد أحمد بن بلة، في ظرف عام واحد، أن يقضي على كل خصومه وأن ينفرد للحكم، لكنه في نفس الوقت أحدث حوله فراغاً سياسياً وأيديولوجياً مهولاً وشتت الطاقات الحية في البلاد وأرغمها على اللجوء إلى تشكيل معارضات سياسية وأخرى مسلحة، وبذلك يكون قد تسبب من حيث لايدري في إيقاف قطار الثورة وأرسى قواعد الفوضى والاضطراب في الجزائر وفتح فيها الأبواب للانقلابات تتواصل متشابهة إلى أن وقع إجهاض الثورة في اليوم الخامس من شهر أكتوبر سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف. وكان الحزب الشيوعي الجزائري هو المستفيد الوحيد من كل هذه الأوضاع إذ تمكن، رغم عدم الانصهار في الثورة طيلة فترة الكفاح المسلح ورغم معارضته الشديدة لمنطلقاتها الأيديولوجية، أن يظل محتفظاً بوجوده طبقاً لتوجيهات لينين(17) . وأن يعود للنشاط العلني كقوة دافعة تقف إلى جانب الرئيس أحمد بن بلة. وحتى عندما منع في اليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف عن الظهور ولم تتعرض إطاراته لأية ملاحقة أو مكروه، وهو الأمر الذي جعل أمينه العام السيد العربي بوهالي يصرح بأنه لايوجد أي نص رسمي فيما يتعلق بحله أو بمنعه من مواصلة تحركاته السياسية. لقد كان الحزب الشيوعي الجزائري يدفع إلى التعفن في الجزائر كما صرح بذلك السيد آيت أحمد عندما لاحظ في شهر أكتوبر(18) أن مواقفه من المعارضة مزدوجة وغير واضحة، وبالفعل، فإنه كان يعلن عن مساندته لجبهة التحرير الوطني وفي نفس الوقت يَعِدْ، سراً، بالوقوف إلى جانب القوات المعارضة لها والعاملة على تغيير نظام الحكم. وكانت أهم القوات المعارضة وأخطرها متجمعة حول اثنين ويدعو إلى إقامة نظام ديمقراطي وثوري في الجزائر، وكلاهما، أيضاً، عين لعضوية المكتب السياسي. أما الرفيق الأول فهو السيد محمد بوضياف الذي كان من المفروض أن يشرف على العلاقات الخارجية ضمن تشكيلة المكتب السياسي لكنه لم يلبث أن قدم استقالته وأعلن غداة انتخاب المجلس التأسيسي عن ميلاد حزب الثورة الاشتراكية معللاً إقدامه على ذلك بانتشار الفوضى وانعدام الأمن وإفلاس جبهة التحرير الوطني التي لايمكن أن تكون حزباً ثورياً بسبب تركيبتها البشرية ونتيجة تحالفها مع الرأسمالية العالمية(19) . لقد ذكر مؤسسوا حزب يناضل من أجل القضاء على استغلال الإنسان ابن بلة مجانب للديمقراطية والشعبية والاشتراكية في آن واحد، ودعا إلى التنكر لاتفاقيات إيفيان باعتبارها مجهضة للثورة الجزائرية. وقد قابل رئيس الحكومة نشر هذا المشروع باعتقال السيد محمد بوضياف في اليوم السادس من شهر جوان 1963 ومعه مجموعة من الإطارات السياسية. وأما الرفيق الثاني فهو السيد آيت أحمد الذي رفض عضوية المكتب السياسي من البداية لكنه قبل المشاركة في أعمال المجلس التأسيسي، وفي إطار هذا الأخير أعرب عن استنكاره للاعتقال المذكور أعلاه وقرر الانسحاب إلى عين الحمام(20) مسقط رأسه استعداداً للمرحلة المقبلة التي استهلها في اليوم التاسع والعشرين من شهر أوت سنة 1963 بالإعلان عن ميلاد جبهة القوى الاشتراكية التي قررت حمل السلاح لإسقاط النظام القائم وبذلك اندلعت حرب أهلية فيما يسمى بمنطقة القبائل، ولم تتوقف إلا بعد إلقاء القبض على آيت أحمد في اليوم الثامن عشر من شهر أكتوبر. وعلى عكس هاتين التشكيلتين السياسيتين، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد أعلن عن وقوفه إلى جانب الحكومة لكنه ظل متمسكاً بآرائه واستقلاليته ومن الغريب في الأمر أن كل من هذه الأطراف الأربعة يدعي لنفسه الثورية هذه التشكيلات لم تكن سوى منابر مستعملة لأغراض شخصية وبقصد الوصول إلى الحكم أو المحافظة عليه. ولو لم تكن كذلك لاستطاعت أن تجد أرضية للتفاهم فيما بينها من أجل إقامة جبهة وطنية تتضافر جهودها لتجسيد ما يمكن من تحسين برنامج طرابلس على أرض الواقع في انتظار المؤتمر الوطني الذي من حقه التعديل والتغيير. ولأن الصراع لم يكن سياسياً ولا أيديولوجياً، فإن الشعب ظل ينظر إليه من بعيد، ووظفت الحكومة قوات الجيش الوطني الشعبي، فظهرت جبال القبائل من مراكز التمرد وقررت منع جميع الأحزاب من النشاط، معتمدة على قرارات طرابلس الأخيرة ولكون "الاشتراكية التي تعني انصهار جميع الفئات الاجتماعية في واحدة، تتطلب الحزب الواحد كأداة، وإذا كان هناك معارضون فيكون عليهم أن يتحركوا في إطار ذلك الحزب، والمطالبة بالتعددية الحزبية جزء من عقلية البرجوازية الليبرالية". الانزلاق نحو الحكم الفردي: إن القيادة الجماعية مبدأ في التسيير يحتل مكانة رئيسية في أيديولوجية الحركة الوطنية، ولقد أدى عدم احترامه والتهاون في تطبيقه إلى تمرد اللجنة المركزية لحركة الانتصار والحريات الديمقراطية على زعيم الحركة السيد مصالي الحاج وإلى انقسام جبهة التحرير الوطني. وإذا كانت جبهة التحرير الوطني قد أحرزت على مجموعة الانتصارات قادت بالتدريج إلى تحقيق الأهداف المسطورة في بيان أول نوفمبر، فلأن القيادة المختلفة قد وقعت في أزمة ووجدت نفسها مضطرة لأن تقدم تضحيات جساماً من أجل تجاوزها(21) . إن الزعماء الخمسة لم يستفيدوا من هذه التجربة، ربما لبقائهم مدة طويلة في المعتقل بعيداً عن ممارسة المسؤولية على أرض الواقع وتحت تأثير الإشهار الإعلامي الغربي الذي لم يتأخر عن استعمال شتى الوسائل لتغذية روح الانقسام بينهم. وفي تلك الصائفة من سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف، ضاعفت وسائل الإعلام المذكورة حملاتها المسمومة التي قادت شيئاً فشيئاً، إلى توسيع الهوة بين الأشقاء الذين أصبح كل واحد منهم يبحث عن أنصار يستعين بهم ضد الآخرين حتى ولو كان أولئك الأنصار من بين أعداء الأمس وطلقاء اليوم. فالتخلي عن مبدأ القيادة الجماعية هو الذي دفع ابن بلة إلى العمل من أجل الانفراد بالمكتب السياسي، وجعل محمد بوضياف يؤسس حزب الثورة الاشتراكية وآيت أحمد يتزعم واحداً من أخطر التمردات المسلحة في الجزائر، وحتم على فرحات عباس الاستقالة من رئاسة المجلس الوطني التأسيسي وأخطر من كل ذلك شتت أفضل الطاقات الحية في البلاد والمتمثلة في إطارات وجنود جيش التحرير الوطني الذين لم يغادروا ولاياتهم طيلة فترة الكفاح المسلح معبرين بذلك عن إخلاصهم للوطن وتفانيهم في الدفاع عنه. لأجل كل ذلك، فإن انتصار الحكومة برئاسة السيد بن بلة، كان في الواقع، هزيمة بالنسبة لجبهة التحرير الوطني وللجزائر بصفة عامة، وتتمثل هذه الهزيمة، بالإضافة إلى ماذكرنا أعلاه، في تمكين الإطارات المتشبعة بالفكر الماركسي والبعيدة كل البعد عن واقع الشعب، من اختراق الصفوف والارتقاء إلى مناصب الحل والربط في سائر قطاعات الدولة الجزائرية الفتية، ومع تمكن تلك الإطارات ظهرت قوات سياسية جديدة لاعلاقة لها بأيديولوجية الثورة وهي نفس القوات التي سوف تستولي بالتدريج على زمام السلطة في البلاد. وهناك وجه آخر للهزيمة التي منيت بها جبهة التحرير الوطني ويتمثل في فتح الأبواب واسعة للانقلابات العسكرية التي سوف تتواصل في جزائر مابعد إجهاض الثورة. وفي الحقيقة، فإن الإطاحة بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية لايوجد له اسم آخر غير الانقلاب العسكري، لأن القيادة العليا الشرعية التي هي المجلس الوطني للثورة الجزائرية لم يسمح لها بالاجتماع للنظر في شأنها قانونياً. هكذا، إذن، فإن الحكومة المنبثقة عن المجلس الوطني التأسيسي المنتخب في اليوم العشرين من شهر سبتمبر سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف، لايمكن أن نقول عنها أنها حكومة جبهة التحرير الوطني ولايمكن أن تحظى بتأييد المناضلين الحقيقيين الذين يرفضون الصراعات والانقسامات من أجل السلطة. ولأنها لم تكن حكومة جبهة التحرير الوطني، فإنها وضعت برنامج طرابلس على الرفوف وأدارت الظهر لنصوص الثورة الأساسية ثم راحت ترتجل البرامج المتناقضة وتقضي جل الوقت في سد الثغرات ومغازلة المشاكل العويصة التي تكمن حلولها في وحدة الصف وفي الالتزام بأيديولوجية أثبتت، على الميدان، نجاعتها وجدواها. ومن سوء حظ الجزائر أن هذه الحكومة هي التي استطاعت أن تستولي على السلطة بعد أن ألغت كل من حاول معارضة سياستها. ولم يكن الإلغاء مقصوراً على الشخصيات والتشكيلات السياسية، بل تعداها إلى المنظمات الوطنية التي صيغت، بمختلف الوسائل، من جميع العناصر التي أبدت بطريقة أو بأخرى، مناهضتها لسلوكيات ابن بلة وتصرفاته. ومن جديد، أقيمت المحتشدات في الجنوب الجزائري لاستقبال المخلصين من أبناء الشعب، وفتحت السجون أبوابها لإيواء المئات من المناضلات والمناضلين، وعادت عمليات القمع والتعذيب ضد الوطنيين بواسطة نفس الجلادين الذين كانوا يعملون في إطار الأجهزة الاستعمارية. ولم يكن ذلك غريباً، لأن الحكومة الجزائرية أسندت مهمة تكوين ضباط شرطتها لقيادة الشرطة الفرنسية كما أنها في اليوم السادس والعشرين من شهر سبتمبر، أي مباشرة بعد تشكيلها، طلبت من الجنرال الفرنسي قائد الجندرمة أن يسرح جميع الضباط وصف الضباط الجزائريين ليشكلوا النواة الأولى لسلك الدرك الوطني في الجزائر، ثم التمست منه اتخاذ الإجراءات اللازمة لتكوين أعداد كبيرة من الدرك الجزائريين. وإذا أضفنا إلى تنظيم الشرطة وتكوين ضباطها وإنشاء سلك الدرك الوطني من أوله إلى آخره، واستقدام مجموعة من الضباط السامين في الجيش الفرنسي لاستكمال تكوين ضباط الجيش الوطني الشعبي ومباركة الرئيس أحمد بن بلة لكل ذلك، أصبح جلياً أن الجزائر قد تخلت نهائياً عن خطها الثوري الذي يدعو إلى ضرورة قطع جميع العلاقات مع المستعمر السابق(22) ، وصارت تطبق سياسة الاستعمار الجديد التي ترمي إلى إسناد المناصب الأساسية في الدولة إلى إطارات كونتهم المدرسة الاستعمارية من أجل الحفاظ على مصلحة فرنسا. ففي هذه الأجواء المشحونة بالضغائن والأحقاد والمليئة بالتناقضات ومختلف أنواع اللامعقول، والمتميزة بالفوضى وانعدام الأمن والاستقرار، أعطت الإشارة الخضراء لتكوين اللجنة الوطنية لتحضير المؤتمر الأول لجهة التحرير الوطني، وأطلقت نفس الأيادي الماركسية تعبث من جديد بالنصوص الأساسية للثورة. ومرة أخرى تكونت لجنة صياغة مشروع المجتمع تحت إشراف أهم العناصر الماركسية التي كانت هي أساس الانحرافات الأيديولوجية الأولى. ورغم مقاومة العناصر الوطنية، صادق المؤتمر الذي أنهى أشغاله في اليوم الواحد والعشرين من شهر أبريل سنة أَربع وستين وتسعمائة وألف على ميثاق الجزائر الذي اعتبر تعميقاً لبرنامج طرابلس ومرجعاً أيديولوجياً وحيداً للثورة الجزائرية. إن المؤتمرين الذين دامت أشغالهم ستة أيام قد حللوا أوضاع البلاد التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ثم صادقوا على عدد من المقررات: تحويل جبهة التحرير الوطني إلى حزب طلائعي في الحكم يسير وفقاً لمبدأ المركزية الديمقراطية ويهدف إلى بناء الدولة الاشتراكية في الجزائر، وينتهج سياسة عدم الانحياز ويعمل على تدعيم القضايا العادلة ومساندة حركات الشعوب المناضلة في العالم أجمع. إن تحويل جبهة التحرير إلى حزب طلائعي في مثل هذه الظروف يُعّد انقلاباً سياسياً لامبرر له، خاصة وأن الحزب لايمكن أن يكون في الحكم بإدارة موروثة عن الاستعمار وإطارات مسيِّرين مكوِّنين وفقاً لبرامج استعمارية وبواسطة مكونين لاعلاقة لهم بالأيديولوجية الثورية، وحتى العناصر التي تكونت في صفوف جبهة التحرير الوطني فإنها، في معظمها كي لانقول في مجملها، ترفض بناء الدولة الاشتراكية لأنها لم تنته بعد من إقامة الدولة الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية التي حددها بيان أول نوفمبر كهدف رئيسي. فالحزب الطلائعي بدون إمكانيات بشرية يظل حبراً على ورق بل يتحول بالتدريج، إلى مجرد جهاز يوظف لخدمة الأغراض الشخصية ولمنع الشرائح الوطنية في المجتمع من التصدي بحزم وجد للقوات المناهضة للثورة. قراءة فاحصة لميثاق الجزائر: وعندما نعود، اليوم، إلى ميثاق الجزائر، نلاحظ بكل سهولة أنه مليء بالمغالطات التاريخية والتناقضات السياسية والطموحات اللامشروعة، غير أن كل ذلك لايعني أنه خال من بعض التحاليل الصحيحة والمقررات الموضوعية التي تأخذ في الاعتبار الإمكانيات الحقيقية من أجل تغيير الواقع. فالجزائر بلد إسلامي، هذه حقيقة تضمنتها كل الوثائق الأساسية لجميع الأيديولوجيات الوطنية. لكن الذي يشكل مغالطة تاريخية هو تأكيد ميثاق الجزائر على أن الجماهير الجزائرية كانت عميقة الإيمان وأنها "قاومت بصلابة لتخليص الإسلام من كل الشوائب والخرافات التي شوهته أو خنقته، كما أنها لم تناهض الدجالين الذين كانوا يريدون أن يجعلوا منه مذهباً للخشوع والتوكل، وتسعى لربطه بإرادتها في إنهاء استغلال الإنسان للإنسان"(23) والواقع، أن الذي قام بهذا الدور هم العلماء سواء كأفراد منذ أن وضعت الحرب الامبريالية الأولى أوزارها أو كتنظيم بعد أن تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في اليوم الخامس من شهر ماي سنة واحد وثلاثين وتسعمائة وألف. ولم يكن ذلك بالأمر الخفي على الذين صاغوا الميثاق، لكنهم كتبوا بعواطفهم فضيعوا على البلاد فرصة ثمينة كان يمكن أن تكون منطلقاً لتحقيق مصالحة وطنية جديدة تعيد الثقة إلى شريحة واسعة من المجتمع الجزائري في تلك الظروف التي كان أحوج ما يكون فيها إلى وحدة وتجاوز الحزازات السياسية. فالاعتراف بدور العلماء في تخليص الإسلام من الشوائب التي علقت به وفي تحرير الإنسان الجزائري من المعتقدات الفاسدة كان من شأنه أن يقود إلى تقييم الإصلاح الديني في الجزائر وهو إصلاح يختلف كلية عن الإصلاح الديني في المشرق العربي وفي العالم الإسلامي عامة، وبعد التقييم الموضوعي، كان لإيديولوجية جبهة التحرير الوطني أن تخصص مكانة مرموقة للجانب الروحي الذي يستحيل بدونه التوصل إلى تعبئة جماهير الشعب الجزائري. لكن ميثاق الجزائر تعمد عدم الاعتراف بأهمية ذلك الدور، وراح ينسبه، تعسفاً، لغير أصحابه حتى يهمش الإسلام ويمنع الفكر الإسلامي من الانتشار في جميع الأوساط المؤثرة في عمليات البناء والتشييد، وبذلك تعطى الغلبة للنظام الاشتراكي في بناء الدولة(24) . ولقد أخطأ ميثاق الجزائر في تقديره، لأن تحييد العلماء وتهميش دورهم في إطار منظم، قد جعلهم يجنحون، شيئاً فشيئاً، إلى العمل السري دفاعاً عن العقيدة وحماية لها من الاعتداءات التي تريد محاصرتها في المسجد وإبقائها مقصورة على العلاقة بين الإنسان وربه كما هو الأمر بالنسبة للديانات الأخرى، ووفاء لأرواح الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم من أجل إقامة الدولة الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية(25) . والمغالطة التاريخية الثانية تتمثل بأن الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية قد تغلغل في أوساط الجماهير الشعبية وحفز عملها وحدد سلوكها وآفاقها(26) . وفي الحقيقة، فإن اندلاع الثورة من نوفمبر إنما كان من أجل التحرير الوطني الذي يشمل تحرير الإنسان وهو أكثر قيمة من انتصار المبادئ الديمقراطية التي أراد ميثاق الجزائر أن يجعلها منطلقاً أساسياً لبناء الدولة الاشتراكية. إن جبهة التحرير الوطني لم تقرر الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية ولكنها أعلنت عن ميلاد حركة جهادية دعت إليها جماهير الشعب من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة، وعلى هذا الأساس يجب على الدارس أن يتوقف عند الملاحظات التالية: 1-إن جماهير الشعب التي وجه إليها النداء لم تتجاوب معه في اللحظات الأولى، بل كان لابد من مرور وقت يتفاوت من حيث الطول بين منطقة وأخرى وحسب وعي الفئات الاجتماعية المختلفة(27) . وهناك شرائح واسعة من الشعب الجزائري قد ظلت موالية للنظام الاستعماري وتتعامل معه بكل ثقة إلى أن تأكد من عجزه عن حمايتها ولاحظت أنه اعترف لجبهة التحرير الوطني بحق تقرير المصير على أساس الاستقلال الوطني. إن هذه الشرائح الواسعة جزء من الجماهير الشعبية ولايمكن أن نقول أن المبادئ الديمقراطية قد تغلغلت إلى أوساطها أثناء فترة الكفاح المسلح وإلا أصبح الاستعمار هو داعية الحرية والديمقراطية. 2-إن الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية لايكون إلا بعد استرجاع الاستقلال الوطني ولذلك فإن جبهة التحرير الوطني لم تجعله من أهدافها الرئيسية أثناء فترة الكفاح المسلح خاصة وأن متطلبات الحرب كثيراً ماتتناقض مع الممارسة الديمقراطية. 3-لقد كانت السيادة الوطنية المغتصبة مبنية على مجموعة من الثوابت أهمها الإسلام ولغة القرآن. وأن الكفاح من أجل استرجاعها يعني بالدرجة الأولى السعي بجميع الوسائل لإعادة تأهيل تلك الثوابت التي عملت السلطات الاستعمارية على تشويهها أو إلغائها تماماً كما كان الأمر للغة العربية، وبدلاً من أن يهتم ميثاق الجزائر بدين الجزائريين ولغتهم باعتبارهما أفضل وسيلة لتكوين الإنسان، فإنه انطلق من النظرة الماركسية للديانات السماوية وراح يخطط لتهميش الإسلام، ولعزل اللغة العربية عن ميادين الإدارة والعلم والتكنولوجيا. 4-إن ميثاق الجزائر لم يزد عن تقليد الحلول النظرية التي أوجدتها الثورة الروسية لمشاكل المجتمع السوفياتي. ولو أن المشرفين على الصياغة لم يكونوا متشبعين بالفكر الماركسي دون غيره، لانطلقوا، في تحليلاتهم، من الفكر السياسي الإسلامي ومن الواقع الجديد الذي أحدثته الثورة في الجزائر ثم أوجدوا نظاماً للحكم مستقلاً ومتطابقاً مع المنطلقات الأيديولوجية لجبهة التحرير الوطني. أما المغالطة التاريخية الثالثة فتتعلق بمجموعة من التفسيرات للمراحل التي قطعتها ثورة نوفمبر منذ اندلاعها. وهذه التفسيرات تبدأ من برنامج طرابلس الذي أشار إلى أن وعي الجماهير قد جعل الثورة تتحول من ديمقراطية اجتماعية إلى ديمقراطية شعبية وأن هذه الأخيرة عبارة عن تشييد واع للبلاد في إطار المبادئ الاشتراكية(28) . إن برنامج طرابلس، إذن جعل المبادئ الاشتراكية تحل محل المبادئ الإسلامية، ولقد فعل ذلك خلسة ولم يطلب رأي الجماهير الشعبية التي ما كانت لتوافق لو استشيرت. ثم جاء ميثاق الجزائر ليؤكد أن "الكفاح من أجل تدعيم الاستقلال والكفاح من أجل انتصار الخيار الاشتراكي لا انفصام بينهما، والفصل بينهما يعد تذويباً للدور القيادي لجماهير العمال والفلاحين(29) . فبهذه الكيفية تجاهل ميثاق الجزائر المكانة التي مافتئ الإسلام يحتلها في مسيرة الجزائر التاريخية، وكذلك الدور الحاسم الذي أداه في تشكيل الشخصية الوطنية أولاً، وصيانتها ضد محاولات المسخ والتشويه ثانياً، وتمكينها في نهاية المطاف من أن تتحرك من جديد لتقويض الأركان الاستعمارية وتؤكد الهوية الوطنية وتطلق العنان لثورة أصيلة إسلامية الروح عربية اللسان وإنسانية المسعى. إن الربط بين الكفاح من أجل تدعيم الاستقلال والكفاح من أجل انتصار التيار الاشتراكي عمل نظري ينطلق من دوغمائية عميقة ولا يأخذ في الاعتبار بعدين أساسيين لابد منهما لكل حركة تريد أن تصل إلى مداها دون انحراف ولاجمود، وهما بعد الاستمرارية وبعد التجديد والإبداع. وإذا كانت الاستمرارية تعني المحافظة على خيوط التواصل التي ظلت تنظم مسيرة الشعب الجزائري، فإن التجديد والإبداع يعطيان للمسؤول والمناضل قدرة التحلي بالمرونة اللازمة لتكييف عملية الانتقال من المجال النظري إلى دائرة الفعل حسب الظروف والإمكانيات التي تتحكم في تشكيل الواقع. ومغالطة تاريخية رابعة وتتمثل في اعتبار أن البؤس المدقع الذي كانت تعيش فيه الأغلبية الساحقة من الفلاحين والعمال كافة لجعل هذه الأخيرة "تناضل من أجل تحويل المجتمع تحويلاً جذرياً"(30) في اتجاه البناء الاشتراكي. ولو كان هذا الادعاء صحيحاً لما انتظرت الجزائر سنة أربع وخمسين لإشعال فتيل الثورة ولما لاقت في فترتها الأولى تلك الصعوبات الكبيرة في جعل جماهير الشعب تقبل فكرة التغيير وتساهم بأشكال مختلفة في الكفاح المسلح. ويزعم ميثاق الجزائر، أيضاً، أن التسيير الذاتي الذي لجأت إليه الثورة الجزائرية في العام الأول بعد استرجاع الاستقلال هو تعبير عن إرادة الفئات الكادحة في البلاد في الصعود إلى المسرح السياسي الاقتصادي وفي أن تتشكل كقوة قيادية. وهذا التعبير يدل، مرة أخرى، على أن الذين تولوا صياغة ميثاق الجزائر لم يكونوا يعرفون الواقع الجزائري، لأن التسيير الذاتي في الواقع لم يكن نتيجة تخطيط مدروس، ولكنه فرض على السلطات الجزائرية الفتية بسبب رحيل الجالية الأوربية التي كانت تمتلك وسائل الانتاج وفي مقدمتها المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة، ولكي لاتبقى تلك الوسائل مهملة، وحتى تتم عمليات الحرث والبذر في خريف تلك السنة والتي أعطيت الإشارة الخضراء إلى الفلاحين والعمال فانتظموا في لجان للتسيير الذاتي ثم جاءت قرارات مارس ثلاث وستين وتسعمائة وألف لتجعل من المبادرة إجراءات رسمية(31) . إن لجان التسيير الذاتي لم تكن، كما توهم المنظرون الماركسيون، استمرارية للثورة ولا واحدة من الخاصيات الرئيسية للانفتاح نحو الاشتراكية، لكنها كانت حتمية وكانت من البداية مبنية على أسس غير سليمة لأن تركيبتها البشرية لم تكن لتساعد على تحويله إلى أداة ثورية، ذلك أن أعضاء لجان التسيير لم يكونوا سوى نفس العمال والفلاحين الذي ظلوا في معظمهم أوفياء للكلون الذين كانوا يستغلون الجزائر، إذا كانت جبهة التحرير الوطني، لم تتمكن، طيلة سنوات الكفاح المسلح، من فصلهم نهائياً عن مستغليهم ومؤيدي السيطرة الأجنبية في بلادهم، فإن من المستحيل على قرارات مارس المرتجلة أن تحولهم إلى قوة قيادية. وإلى جانب هذه المغالطات التاريخية وغيرها هناك التناقضات السياسية التي لم تتفطن إليها لجنة صياغة ميثاق الجزائر والتي سوف تكون هي أساس جزء من الانحرافات التي وقعت فيه أيديولوجية جبهة التحرير الوطني والتي شكلت بالتدريج، واحداً من العراقيل الرئيسية التي منعت الثورة من التقدم في انتظار إجهاضها. ومن جملة هذه التناقضات مايلي: 1-إن ميثاق الجزائر، عندما يتحدث عن بنية المجتمع واتجاهه، يذكر أن "نواة برجوازية أكثر أهمية قد تشكلت في نهاية مائة وثلاثين سنة من الاستعمار، من كبار التجار وبالأخص من كبار ومتوسطي ملاك الأراضي، ولم تكن الفئات البرجوازية بمعناها الحقيقي تتجاوز 2.5% من عدد السكان العاملين(32) ويرى أن هذه البرجوازية كانت مؤثرة في الميدان الاقتصادي" وكان لها نفوذ أيديولوجي وثقافي وسياسي في أوساط العمال والفلاحين(33) . إن هذا الكلام يتناقض في جوهره مع ماورد في الباب الخاص بالأسس الإيديولوجية للثورة الجزائرية والذي جاء فيه "إن الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية قد تغلغل بين الجماهير وحفز عملها وحدد سلوكها وآفاقها ومن خلال المقاومة المسلحة ضد الامبريالية الفرنسية أصبحت الجماهير واعية بقوتها وقدرتها على حل مشاكلها بنفسها(34) . فإذا كان الأمر قد وصل فعلاً إلى هذا الحد، فإن تأثير البرجوازية غير ذي بال خاصة وأن التحليل يتعلق بفترة زمنية واحدة هي نهاية النظام الاستعماري. (1) الزبيري محمد العربي) الغزو الثقافي في الجزائر من سنة 1962 إلى سنة 1982، الطبعة الأولى المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر 1983، ص21. (2) الإبراهيمي محمد البشير) عيون البصائر، ص128، ومابعدها. (3) حزب جبهة التحرير الوطني، المسيرة، من مطبوعات قسم النشر والتوثيق، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر 1980، ص113، ومابعدها. (4) Abbas Ferhat) I'inedpendanc confisque Flammarion, Paris 1948? P.117 et suivantes. (5) المنظمة الوطنية للمجاهدين، المؤتمر الأول لكتابة التاريخ، ج2 ص175. (6) الزبيري محمد العربي) "أوضاع المغتربين الجزائريين" أشغال ملتقى الفكر الإسلامي المنعقد بيتيزي وزو سنة 1973، وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، الجزائر 1973 ج3، ص175. (7) عباس فرحات) الاستقلال، المصادر، ص86. (8) نفس المصدر، انظر قائمة أعضاء الحكومة في الصفحة 87. (9) النصوص، الأساسية لجبهة التحرير الوطني 1954-1962)، ص53. (10) حديث أجريته يوم 04/07/1984 مع العقيد محمدي السعيد في بيته بالقبة. (11) العمالة هي الترجمة العربية لكلمة D'epartement وقد أصبحت فيما بعد استرجاع الاستقلال تسمى الولاية. (12) خيضر محمد) الحديث المشار إليه سابقاً. (13) فرانكوس أنيا) وسيريني جب) جزائري يسمى بومدين، باريس 1976، ص154. (14) .هما العقيد محمدي العيد والسيد الحاج بن علة. (15) انظر الباب الثاني وخاصة منه الفصل الثاني (16) الاستقلال المصارد ص62 لقد نشر السيد فرحات عباس ابتداء من هذه الصفحة نص الرسالة التي ضمنها أسباب استقالته من رئاسة المجلس الوطني التأسيسي،وهي مؤرخة بيوم 12 آوت 1963. (17) بوي فرانسوا) الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، باريس 1965، ص47. (18) نفس المصدر، ص54. (19) Boudefa Mohamed) Ou val'Algerie? Librairie de I etoile, Paris 1964. P172. (20) مدينة صغيرة تقع على قمة جبل جرجرة على بعد 40 من مدينة تيزي وزو بدورها إلى بعدها 30 كلم شمال شرقي العاصمة. (21) إن عودة سريعة إلى سائر الأزمات التي عرفتها جبهة التحرير الوطني خلال فترة الكفاح المسلح تدل بما لا يدع المجال للشك على أن التخلي عن مبدأ القيادة الجماعية هو الأساس في جميع الخلافات مهما كان شأنها. (22) ليس هذا رأي الدكتور بوريلا أستاذ القانون بكلية حقوق الجزائر الذي شارك يوم 24/01/1963 في ملتقى تصنيع شمال أفريقيا وأكد على ضرورة تعامل البلد المستقل حديثاً مع البلد المستعمر سابقاً لأنه الوحيد الذي يفهمه جيداً انظر: الجمهورية الجزائرية الديمقراطيةأف الشعبية، ص79. (23) جبهة التحرير الوطني، اللجنة المركزية للتوجيه، ميثاق الجزائر، مجموع النصوص المصادق عليها من طرف المؤتمر الأول لحزب جبهة التحرير الوطني 16-21 أبريل 1964، الجزائر 1965، ص35. (24) عباس فرحات) الاستقلال المصادر، ص124، يقول السيد عباس: إنني، فيما يخصني، آمل أن تتخلى الجزائر عن النهج الاشتراكي حتى تتمكن من أن تستعيد شخصيتها وتبني من جديد وحدتها الروحية والاقتصادية والاجتماعية. وسوف يكون ذلك أفضل الحلول لأنه يتلاءم مع مفهومها للمغرب الواحد كما وضعت معالمه ندوتا طنجة وتونس سنة 1958. (25) انظر الملحق رقم 8. (26) جبهة التحرير الوطني، اللجنة المركزية للتوجيه، ميثاق الجزائر، ص36. (27) عباس فرحات) الاستقلال المصادر، ص31، ومابعدها. (28) النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني 1954-1962، ص71. (29) ميثاق الجزائر، ص36. (30) المصدر نفسه، ص40. (31) Benamrane Djillai) Agriculture et debeloppement en Algerie, SNED, Alger 1980-101 et suivantes. (32) نفس المصدر، ص38. (33) نفس المصدر، ص39. (34) نفس المصدر، ص36. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |