|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
القسم الثاني حول
معاني حروف المعاني وأصول استعمالاتها
الفصل الأول- أحرف
النداء
ماذا عن حروف المعاني في المراجع
الصرفية- النحوية؟
باطلاعي
على العديد من هذه المراجع، لاحظت أن القدامى من أصحابها كانوا يأخذون عن بعضهم
بعض. وذلك كما هو الحال في كتاب (المقرَب) لابن عصفور، و (رصف المعاني في شروح
حروف المعاني) للمالقِّي، و (الجِنْي الداني) للمرادي، و(معاني الحروف) للغنزوي،
و(معاني الأدوات والحروف) لابن قيِّم الجوزيّة، و (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)
لابن هشام الأنصاري، ومن إليهم ولم يشذ المحدثون منهم عن القدامى في هذا الشأن،
كما في (جامع الدروس العربية) للغلاييني، -و(المحيط في الأصوات العربية) لمحمد
الأنطاكي، ومن إليهما. وهكذا
لما كانت العلاقة الفطرية بين معاني حروف المعاني وأصول استعمالاتها، وبين خصائص
ومعاني الحروف العربية التي تشارك في تراكيبها قد غابت عن الأوائل منذ (الفراهيدي)
وما بعده، فإنها قد غابت بفعل التقليد عن تراثنا اللغوي القديم والحديث على حد
سواء. ولكن ما علّة هذا الغياب؟ إن
معظم حروف المعاني والأسماء الموازية لها تشارك في تراكيبها الأحرف الهيجانية
(الهمزة، و-ي) والأحرف الإيمائية: (ل.م.ف.ث.ذ) كما سيأتي. ولما كان علماء العربية
وفقهاء (صرفها ونحوها) لم يكتشفوا الخصائص (الهيجانية والإيمائية) لهذه الأحرف،
فلقد كان من المحال عليهم أن يهتدوا إلى العلاقة الفطرية بين معاني حروف المعاني
والأسماء الموازية لها وبين خصائص الحروف التي تدخل في تراكيبها، كما أشرنا إلى
ذلك سابقاً. وهنا
لابد من الإشارة إلى أن دراستي هذه عن حروف المعاني قد اقتصرت بصورة عامة على
الكشف عن العلاقة الفطرية بين معانيها وأصول استعمالاتها كما وردت في كتب الصرف
والنحو، وبين الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) للحروف التي تشارك في
تراكيبها. فلم ابتكر لها معاني جديدة ولا وظائف غيرَ مستعملة، إلاّ في القليل النادر
كما سيأتي في حرفي (اللام والباء) بصورة خاصة. وإذن
فهذه الدراسة، إذ تكشف عن صحة العلاقة الفطرية بين معاني حروف المعاني وخصائص
حروفها، فإنها تكشف لنا: عن المميزات التالية: أولاً-
ملامح العبقرية العربية بمعرض استعمال حروف المعاني والأسماء الموازية لها بما
يتوافق مع خصائص ومعاني حروفها، على الرغم من كثرة تفرعات معانيها وتشعبات
استعمالاتها: رهافة في الأحاسيس وصدقاً في الحدس، وسلامة في النطق. ثانياً-
توقُّد ذكاء علماء العربية وفقهاء صرفها ونحوها الذين استخلصوا هذه المعاني –التراثية
الدقيقة مما تم نقله إليهم في عصر التدوين بما يتوافق مع أخفى خصائص الحروف التي
شاركت في تراكيبها من (هيجانية وإيمائية وإيحائية)، على الرغم من عدم اكتشافهم هذه
الخصائص. ثالثاً-
سلامة النهج الذي اتبعه علماء العربية في نقل تراثنا اللغوي من أفواه فصحائنا
(الأجلاف). من القبائل الرعوية حصراً في عصر التدوين،
فحافظوا بذلك على أصالة اللغة العربية عودة بها إلى أصولها البكر في (الطبيعة
والحس والنفس والمجتمع) بعيداً عن كل دخالة، وحفظوا لنا بذلك ثقافة الإنسان العربي
المتجلية في لغته من التشوه والضياع على مدى التاريخ. ولكن ماذا عن المراجع التي اعتمدتها
|
|
فإنْ كنتِ قد
أزمعتِ صِرمي فأْجمِلي |
|
((أفاطَم
مهلاً بعضَ هذا ا التدلُّلِ |
وللهمزة
المزيد من المعاني سنتحدث عنها في بحث خاص.
هي
في حقيقتها (همزة) يلفظ صوتها الانفجاري ممطوطاً حسب ((المعنى المقصود والغرض
المراد كما قال (ابن جني). فكان من الخصائص الفطرية ما للهمزة من إثارة الانتباه
فقط، ولكن لأبعد مما يستطيعه صوت (الهمزة) الانفجاري القصير، نحو: (آزيداً). فكانت
بذلك لنداء البعيد ولا معنى آخر لها ولا استعمال.
1- (الياء). يتشكل صوتها في جوف الفم مترافقاً مع
حركة الفك السفلي باتجاه الصدر مما يشير إلى تحت. وهي تنتمي إلى المرحلة الغابية
كما أسلفنا.
2- (الألف اللينة): يتشكل صوتها في جوف الفم مع حركة
الفك العُلوي إلى الأعلى، مما يشير إلى فوق، فيوحى بالعلوِّ والامتداد. وهي تنتمي
إلى المرحلة الغابية أيضاً.
ومحصلة المعاني
المتناقضة لهذين الحرفين تتوافق مع حركة ((الصعود من تحت إلى فوق)).
1- هي للنداء البعيد، بما يتوافق مع خروج الصوت من
حفرة عميقة على الطبيعة نحو: (يا زيد يا ناس…).
2- وهي للاستغاثة، بما يتوافق مع خروج الصوت من
هاوية نفسية عميقة، لمأزق أو ضائقة أو شِدَّة قد وقع فيها المستغيث نحو (يا ألله،
يا ربَّ السماء…).
وهذان الاستعمالان
فطريان أصيلان.
3- أما استعمالها للنداء القريب أو المتوسط أو
للتعجب، كما ورد لدى (ابن هشام والأنطاكي) فهي معان اصطلاحية قد تمت في مراحل
لغوية متطورة لاحقة. وقد ساعدها على أداء هذه المهام المتنوعة مرونة صوتي (الياء
والألف اللينة)، وسهولة التكيف في النطق بهما قِصراً أو مدّاً، أو بين بين، وفقاً
(للمعنى المقصود والغرض المراد). ولا يبعد أن تكون هذه المعاني الاصطلاحية من
مبتكرات الشعراء لمقتضيات معانيهم وأوزانهم الشعرية.
1- ((الهمزة) المكسورة تشير إلى تحت، بشيء من إثارة
الانتباه بحكم انفجارها الصوتي.
2- و(الياء) تشير إلى تحت أيضاً.
ومحصلة خصائصهما، حصر
الصوت في حفرة يصعب الخروج منها. ولمّا كان الانفجار الصوتي في (الهمزة) المكسورة
من (إي) قصيراً لا يكاد يلفت الانتباه، فقد استعملها العربي للنداء القريب.
1- هي للنداء القريب حصراً.
2- حرف جواب بمعنى (نعم)، ولا تستعمل إلا والقَسَم
بعدها، نحو: ((إي والله، إي وربَّك)).
ولما كان الجواب بها
بمعنى نعم، ولا سيما بعد القسم، فهي تفيد الاستكانة كمن استقر في حفرة بما يتوافق
مع الخصائص الفطرية لحرفيها. وذلك على العكس من الجواب نفياً بـ (لا) الذي يتضمن
الشموخ والإباء، بفعل خاصية (الألف) التي تشير إلى الأعلى.
(الهمزة)
انفجار صوتي يلفت الانتباه. (يا) للنداء البعيد. فكانت بذلك أبلغ تأثيراً من (يا)
فاستعملها العربي للبعيد البعيد، كقول الشاعرة ليلى بنت طرفة:.
|
كأنَّكَ لمْ
تجزعْ على ابنِ طريفِ))؟ |
|
((أيا شجرَ
الخابورِ مالك مُورِقاً |
وقد
غابت عنها معاني الاستغاثة، لأنه لايستغاث بالبعيد البعيد ، لعدم الجدوى من نجدته
1- (الهاء): تختلف خصائصها، أي موحياتها الصوتية
تبَعَاً لطريقة النطق بها. وإن ما يهمنا من معانيها العديدة هنا هو خاصية الاهتزاز
في صوتها مما يثير انتباه السامع، فكانت للتنبيه.
2- (الياء والألف) في (يا) للنداء البعيد، كما مر
معنا آنفاً.
فتكون محصلة المعاني
الموافقة لأحرفها، النداء للبعيد، كما في (أيا). ولكن بفارق أن (الهاء) في هيا أقل
إثارة للانتباه من (الهمزة) في (أيا)، فكانت هذه للبعيد البعيد وظلت (هيا) للبعيد
فقط.
هي
للنداء البعيد حصراً. ولم يستعملها العربي للاستغاثة، على الرغم من دخول (يا)
للاستغاثة في تركيبها.
وذلك
يعود فيما نرى إلى أنها مؤلفة من ثلاثة أحرف. ولما كانت الاستغاثة ردَّ فِعلٍ
غريزيٍّ فُجائي، فيجب أن تتمَّ بأبسط تعبير وأقلِّ زمن. وهذان الشرطان لا يتوافران
فيها ولا في (أيا) كما توافرا في (يا) فلم يستعملها العربي للاستغاثة، وما أرهف
حِسَّه وأصدق حِدسه.
1- (الواو) –يحصل صوتا إذا
أُشبع بتدافع النفَس في جوف الفم مع انضمام الشفتين على شكل حلقة ضيقة، مما يشير
إلى الفعاليّة والاستمراريّة.
2- (الألف اللينة)، هي هنا للامتداد.
هي
مختصة بنداء النّدبة، نحو (وازيداه). وذلك لأن تدافع النفَس في صوت (الواو) في
بداية (وا) يتوافق مع تدافع الشجون والأحزان في نفْس المفجوع من مشاعر الأسى
والحزن واللوعة بلا ترتيب على مثال ما تستعمل (الواو) للجمع العشوائي بلا ترتيب
كما سيأتي وشيكاً في أحرف العطف.
وهكذا،
بانتهائنا إلى هذه النتائج من توافق المعاني والاستعمالات التراثية لأحرف النداء
مع الخصائص الفطرية للأحرف العربية التي تشارك في تراكيبها، نكون قد أقمنا الدليل
الميداني على أن العربي ظل يستعمل معظم أحرف النداء لهذه المعاني بصورة عامة منذ
فجره اللغوي حتى يومنا هذا.
وبذلك
تكون اللغة العربية قد حافظت على فطرتها وبداءتها وأوصالها في هذا القطاع الخاص من
أحرف المعاني.
كما أن وعينا الجديد لهذه العلاقة بين المعاني
التراثية لأحرف النداء وبين الخصائص الفطرية للحروف العربية التي شاركت في
تراكيبها، تتوافر فيه شروط (الحداثة) في الحرف العربي، كما أشرنا إلى ذلك فيما
سبق، وكما سيأتي لاحقاً.