المغامرة الثانية - نضال الصالح

دراسات في الرواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المغمورون

جذورنا ضاربة في هذه الأرض مثل جذور الأشجار العتيقة، هل سمعت بشجرة تلمّ جذورها وتضعها على أكتافها وتمشي لكلمات تسمعها؟‏

q- مدخل إلى أدب العجيلي:‏

مع أواخر تمّوز من العام الفائت 1998، أو من هذا العام 1999، أكمل، أو سيكون قد أكمل الأديب السوري الدكتور عبد السلام العجيلي عقده الثامن من العمر(1) . منجزاً، على مدار نصف قرن تقريباً، أكثر من خمسة وعشرين مؤلّفاً بين الشعر، والقصّة القصيرة، والرواية، وأدب الرحلات، والمقال. وهو كمٌّ يؤكدُ أصالة الموهبة التي أفصحت عن نفسها بقوّة منذ أوّل قصيدة له ولم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره.(2)

وخلال العقود الخمسة الماضية التي تمثّل أكثر مفاصل التاريخ العربي الحديث حرارة بالأحداث السياسية، والفكرية، والأدبية، وأكثرّها امتلاءً بالخيبات والهزائم والانكسارات، كان العجيلي ابناً بارّاً لمرحلته التاريخية- الجمالية. فقد تفتّح وعيه في وقت مبكّر من حياته على أحداث كبيرة كانت تهزّ النفس العربية، وتعصف بها، وتعمّق جراحاتها. كان من أسبابها: نكبة فلسطين، وعدم وعي الأنظمة السياسية العربية التي تسلّمت زمام السلطات في بلادها بعد الاستقلال مهامها الوطنية، والاجتماعية، والاقتصادية. وشَهِدَ ماكان يمور في قلب الحركة الثقافية العربية، آنذاك، من تيارات فكرية متصارعة، واتجاهات فنية متباينة. بعضها، أو بعض ممثليها على نحوٍ أدقّ متمسّك بإنجازات الأسلاف، عازفٌ عن إنجازات الآخر أو مثاقفته، وآخرون لاهثون وراء إنجازات هذا الآخر والتماهي به واستنبات أطروحاته في تربة لم تكن مهيّأة لذلك.‏

ولم يكن العجيلي بمنأى عن ذلك كلّه، بل إنّ سيرته الذاتية تؤكّد أنه كان أكثر أبناء جيله الأدبي التصاقاً به. فقد التحق، وهو نائب في البرلمان عن مدينته الرقة، بصفوف جيش الإنقاذ للدفاع عن فلسطين إبّان الإعلان عن قرار التقسيم في 15 أيار 1948، وتسلّم سنة 1962 منصب وزير لثلاثة من أهم وزارات الدولة: الثقافة، فالخارجية، فالإعلام. وعلى الرغم من أنه هجر السياسة منذ ذلك الوقت، كممارسة فعلية كما يقول: فإنه لم يهجرها كمراقب ومتتبع ومفكر وكاتب(3) ، مؤكداً ذلك من خلال نتاجه القصصي والروائي الذي جاء صدى غير مباشر لما هو سياسي، وتعبيراً عن الهزائم والخيبات التي لحقت بالوطن العربي وأبنائه في النصف الثاني من هذا القرن بخاصة.‏

وفي خضم التحوّلات الثقافية والصراعات الفكرية والجمالية، ظلّ يحفظ لنفسه وأدبه صوتهما الخاص، محاولاً "إنجاز استمرارية قصصية عربية لم تكن موجودة، أو على الأقلّ تدشين مثل هذه المحاولة في نوع أدبي هو، في الأساس، من إبداع الغرب الحديث".(4)

لقد كان نتاج العجيلي، الشعري والقصص والروائي، عربيّ الوجه واليد واللسان، لصيقاً بالشخصية القومية، ومعبّراً عن أسلوبية متجذرةٍ بتراثها ونابعةٍ منه ومجددةٍ له. إذْ لم يُعنَ، طوال حياته الأدبية بمحاكاة التجارب الحداثية، ولم ينبهر، كما انبهر الآخرون من أبناء جيله والأجيال التالية، بما صدَّرته الثقافة في الغرب من بنى فنية، وصياغات جمالية، وأساليب تعبير، إلى الثقافة العربية، بل حفظ لنتاجه انتماءه إلى التربة التي يصدر عنها ويتوجه إليها. لكنّه، في الوقت نفسه، لم يكن منبتً الصلة بتلك الإنجازات، بل اصطفى منها ما رآه معززاً لمقاصد الكتابة لديه، ومعززاً للتقاليد الحكائية العربية بآن.‏

مجموعة شعرية، ونحو عشر مجموعات قصصية، وخمسة أعمال روائية، وأكثر من عشر مؤلفات تنتمي نصوصها إلى فنّ المقال وأدب الرحلات والمذكرات، حصيلة العجيلي الأدبية حتى الآن، وهي حصيلة دالّة على العلاقة الحميمة التي تشدّه إلى الأدب، والتي لم تستطع أن تسلبه محبته لمهنة الطب التي اختار ممارستها في مدينته النائية عن الأضواء، الرقة، منذ السنوات الأولى لتخرجه في جامعة دمشق سنة 1945. كما هي دالّة في الوقت نفسه على تعدد اشتغالاته الإبداعية في أكثر من جنس أدبي لم يتأتَ لغيره من أبناء جيله أن جمع بينها وأن أبدع فيها كلّها.‏

وعلى الرغم ممّا لحق بأدب العجيلي من أذى بعض الدراسات النقدية التي رأى أصحابها أن العجيلي "ضد التقدم"(5) ، وأنه يقف "وعالمه القصصي في معسكر الإقطاع"(6) ، وأنه "لم يسهم في تحليل بنية الصراعات الاجتماعية وتصادم مصالح الطبقات. [ و ] إن نظرته السياسية رومانسية للغاية، ذات منحى أخلاقي ودعوة إلى تماسك الصف الوطني، واهتمام فرداني تنبؤي بالحياة"(7) ، فإن ذلك كلّه لم يثنه عن متابعة الكتابة، كتابة الأدب وليس إنتاج البيانات السياسية.‏

بدأ العجيلي شاعراً، وفي وقت مبكّر من حياته. إذ يشير في حوار معه إلى أنّه حين انقطع عن الدراسة، فيما بين العاشرة والرابعة عشرة تقريباً من العمر، بسبب مرضٍ ألّم به، كتب أوّل قصيدة له وأعطاها لأحد أصدقاء طفولته الذي كان يشارك عدداً من شباب الرقة آنذاك بتمثيل مسرحية ليلقيها كافتتاحية لها، فلقيت القصيدة استحسان الجمهور. ومهما يكن صحيحاً ما ذهب إليه العجيلي نفسه فيما بعد، أي في تقديمه لمجموعته الشعرية اليتيمة "الليالي والنجوم"1951، من أنه لا يطمع في أن يكون شاعراً كبيراً، ومن أن القصائد التي تضمنتها تلك المجموعة لا تكفي لتبني مجد شاعر حقّ، فإنها كما يصفها الشاعر شوقي بغدادي: "استطاعت أن تلبّي استجابة فنيّة متميزة لدى كاتب كبير وقصاص ملهم مثل عبد السلام العجيلي تؤكد أصالته كإنسان مبدع قادر على الإصغاء بصدق إلى صوته الداخلي، النقي، وأن يعكسه لنا بكل أمانة بعيداً عن التقليد الأعمى"(8) .‏

وما لبث العجيلي أن انصرف عن كتابة الشعر إلى كتابة القصة القصيرة التي كانت "نومان" باكورة إنتاجه في هذا المجال، والتي مالبثت أن تتابعت لتشكّل أول مجموعة له بعنوان "بنت الساحرة" التي أنجزها سنة 1945، لكنها لم ترَ النور إلا بعد ثلاث سنوات تقريباً.‏

والعجيلي، في كلّ ما كتب من أعمال قصصية، قاصٌ له صوته الخاص المميّز له من مجمل الأصوات التي كانت تصوغ تجارب جيله من جهة والأجيال التالية له من جهة ثانية. ولعلّ من أهمّ مايميزه في هذا المجال هو إنتاجه قصّاً من أهمّ سماته "التفرد في الرؤية بعيداً عن المذهبية السياسية والفنية مع اهتمام خاص بالقضية الفلسطينية، والعناية باللغة الفصحى وإدخال المفردات والمعلومات العلمية، والحرص على صفة الغرابة... مع سيطرة الخرافة والقدر.. وتأكيد انتصارهما على العلم...إلى) جانب البناء التقليدي... للقصة وخلفية التراث الأدبي والحكايات الشعبية القديمة"(9) ، و"جمال اللغة وبساطتها وبالحرص على عنصر المتعة"(10) ، ثم إنتاجه قصاً سابراً لأغوار النفس، قادراً على النفاذ إلى أعماقها واستكناه دواخلها، مطوّحاً بالحدود الزائفة بين الواقع والخيال، وعلى نحو يدفع قارئه إلى البحث عن مسوّغات وجوده "خارج أطر المرئيات المسطّحة أو ما وراء أنسجتها المباشرة"(11) . وبكفاءة حكائية نادرة دفعت كثيرين ممّن تناولوا أعماله القصصية على الرغم من تضادهم مع رؤاه إلى الواقع والفن إلى القول إنّ العجيلي "صوت خاص في القصة السورية القصيرة"(12) ، و"راوية من الطراز الأول"، أو "راوية مدهش"، و"فنّان أصيل... يسعى دائماً نحو الأفضل، ويتلمّس في سعيه الجدّة والابتكار"(13) .‏

***‏

- عالم العجيلي الروائي، سمات عامة:‏

قدّم العجيلي، إلى الآن، خمسة أعمال روائية: "باسمة بين الدموع" 1958، ورواية بالاشتراك مع أنور قصيباتي قلّما تشير إليها الدراسات التي تصدّت للحديث عن تجربته الأدبية، هي: "ألوان الحب الثلاثة"1973، ثم رواية "قلوب على الأسلاك"، 1974، فـ "أزاهير تشرين المدماة"، 1977، وأخيراً(14) "المغمورون" 1979.‏

وقد عنيت هذه الأعمال الروائية، في أغلّبها الأعمّ، برصد أكثر مفاصل التاريخ العربي الحديث حرارة على المستويين القومي والقطري، فروايته الأولى "باسمة بين الدموع"، تعاين فساد الحياة السياسية في سورية في النصف الثاني من الخمسينيات، وتتصدى "قلوب على الأسلاك"، للحديث عن تجربة الوحدة بين سورية ومصر 1958-1961، وتعاود "ألوان الحب الثلاثة" الحديث عن هذه التجربة ولكن من موقع آخر، وتمجّد "أزاهير تشرين المدماة" ما أبداه المقاتل السوري من استبسال في حرب تشرين 1973، وتتبنّى "المغمورون" قضية الفلاحين الذين تمّ تهجيرهم إلى مناطق بعيدة عن قراهم وأراضيهم إبان بناء سد الفرات في سورية. وبهذا المعنى فإن أعمال العجيلي الروائية أشدّ ما تكون التصاقاً بالواقع، وحفاوة به. لكن مقاربة الروائي لهذا الواقع تقول ماهو سياسي عن طريق ماهو اجتماعي، وعلى نحو يمكن القول معه إن هذا الاجتماعي في روايات العجيلي هو ذلك السياسي وقد أسفر عن وجهه من خلال العلاقات الاجتماعية التي تقوم بين أبطاله الروائيين الذين يتجلّون في رواياته نماذج أدبية لما ينتجه الواقع الاجتماعي نفسه من علاقات بين أفراده.‏

وقد استطاع أكثر هذه الأعمال تحقيق مستوى فني دالّ على وعي العجيلي بخصائص الجنس الروائي، ومعبّر عن تملّكه لأدواته. فعلى الرغم مما تحتشد به رواية "باسمة بين الدموع" من مناقشات فكرية وسياسية وعلمية ومقاطع وصفية، فإن العجيلي كان "يمتلك ميزاناً معيناً لجميع عناصر الرواية وينسج خيوطها بهدوء الخبير العارف بما سوف تؤدي إليه كل حركة"(15) . ومع أن رواية "قلوب على الأسلاك"، كانت تلحّ على هجاء التجربة السياسية التي حاولت التصدي لصياغتها فنياً، أي تجربة الوحدة، وتغصّ بما هو فائض على جسد النص الروائي بسبب ما يتردد فيها من حكايات وأشعار وأحاديث عن الفن، إلا أن المهارة الفنية لدى الروائي جنّبت الرواية التعبير الوعظي المباشر، ومكّنت مبدعها من تقديم "جملة من الشخصيات الروائية الناضجة التي جسّدت بعلاقاتها وصراعاتها ومواقفها جانباً هاماً من جوانب المرحلة التاريخية".(16) التي عنيت بها الرواية. وإذا كانت رواية "ألوان الحب الثلاثة"، قد عانت شيئاً من الضعف والتفكك في بنائها الفنّي، فإن مسوّغ ذلك صدورها عن كاتبين روائيين معاً يتجليان داخل النص على نحو ظاهر ومفارق تماماً. ومهما يكن من أمر دافع العجيلي إلى كتابة رواية "أزاهير تشرين المدماة"، أي استجابته لرغبة وزارة الثقافة في إنتاج شريط سينمائي يجسد بطولات حرب تشرين، الأمر الذي جعل الرواية أسيرة هاجس توثيقي أكثر منه إبداعياً، كما جعل شخصياتها "مسبقة الصنع، تامة الإنجاز"(17) ، نمطية، فقد تمكّن العجيلي بسبب تملكّه أدوات الكتابة الروائية على نحو حاذق من أسر قارئه منذ مفتتح الرواية إلى آخرها محققاً بذلك نغمتي المتعة والفائدة بآن اللتين تمثلان أحد أهم وظائف الأدب(18) .‏

ومهما يكن صحيحاً أنّ عالم العجيلي الروائي هو بعض الواقع، أو بعض قطاعاته الاجتماعية، وفي بعض تجلياته الاقتصادية والسياسية، فإنّ هذا الـ "بعض" يكنّي عن الـ "كل" الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بل يلتقط منه ما يمثّل أكثر جوانبه بروزاً وتعبيراً عن المرحلة التاريخية التي يتصدى للحديث عنها أو معاينتها أو استكناه تحولاتها وآثارها.‏

ومن اللافت للنظر، أن مجمل العلاقات العاطفية في روايات العجيلي تنتهي إلى الإخفاق، كما في علاقة باسمة وسليمان في روايته الأولى "باسمة بين الدموع"، وأن مجمل هذه العلاقات أيضاً يقوم بين شخصيتين متمايزتين طبقياً واجتماعياً، وأن الطرف الآخر الذي يمثله الرجل غالباً ما يعمل في حقل السياسة. فباسمة، في رواية "باسمة بين الدموع"، سليلة طبقة ارستقراطية من دمشق، بينما سليمان من أصول فلاحية من قرى حلب وحزبي بارز. والشخصيات النسوية، في روايته الثانية "قلوب على الأسلاك"، صفية ونهاد وماجدة، اللواتي يقمن علاقات مع طارق عمران القادم إلى دمشق من أقصى الشمال في الريف ينتمين إلى الطبقة نفسها التي تنتمي إليها باسمة ، والأمر نفسه سيتجلّى في رواية "المغمورون"، حيث ندى الدمشقية، البرجوازية، وعثمان الفلاح المنتمي إلى الحزب الذي يقود الدولة.‏

***‏

تطمح هذه الدراسة إلى قراءة جديدة لرواية "المغمورون"(19) على مستويين: مضموني وفنّي. وإلى مساجلة ما سبقها من دراسات عنيت بالرواية نفسها، وحاولت قراءتها بمناهج نقدية خارجية، لا تنطلق من النص الروائي نفسه، بل مما هو سابق عليه.‏

ومن المفيد، بداية، الإشارة إلى أن ثمّة أكثرَ من عمل روائي سوري تصدّى لما حاولته "المغمورون" عبر مادتها الحكائية الخام، أي لما لحق بمنطقة الفرات السورية من تغييرات اجتماعية-اقتصادية قبل بناء السدّ وخلاله وبعده: "التحول الكبير" 1978 لمحمد إبراهيم العلي، و"النهر" 1979 للصحفي لجان الكسان، ثم "آن له أن ينصاع" 1980، لفارس زرزور فيما بعد. و"المغمورون"، وحدها، من مجمل هذه الروايات نجت من الوقوع في شرك المباشرة وتمجيد ما أنجزه مشروع النهر من تحوّلات على المستوى الاجتماعي-الاقتصادي. بل إنها العمل الروائي الوحيد الذي تصدّى للحديث عمّا ألحقته قرارات السلطة من أذى بحق الفلاحين الذين طالهم مشروع الغمر في السنوات التالية لبناء السد. الأمر الذي يؤكّد ما تواتر في نتاج العجيلي الروائي من تتبّع الكاتب لمثالب التجارب التي تشكّل مفاصل واضحة في التاريخ العربي المعاصر على المستويين القطري والقومي، والتي تنتج قرارات بمعزلٍ عن إرادة الجماعة.‏

***‏

- أطروحات الخطاب في الرواية:‏

تنهض المادة الحكائية الخام في "المغمورون" على حاملين سرديين: يتجلّى الأول من خلال علاقة عثمان بندى اللذين يشكلان الشخصيتين المركزيتين في الرواية، ويتجلى الثاني من خلال علاقة أبناء منطقة الغمر بهاتين الشخصيتين من جهة، وبمشروع توطين الفلاحين الذين ستغمر مياه سدّ الفرات أراضيهم وبيوتهم من جهة ثانية. وعبر هذين الحاملين اللذين تتداخل مكوّنات كلٍ منهما بمكونات الآخر: بشراً، وعلاقاتٍ وأزمنةً، وأمكنةً، يتشكّل عالمٌ روائي يستمدُ مرجعيته الواقعية من تحوّلات المجتمع السوري في المرحلة التي رافقت مشروع بناء السدّ في النصف الأول من السبعينيات. والحاملان كلاهما يصوغان تلك التحوّلات بوصفها تجسيداً لقيم اجتماعية /معرفية/ سلطوية جديدة في هذا المجتمع، وتعبيراً ذا نزوع مثالي عن إمكان لقاء الطبقات الاجتماعية المتباينة على أكثر من مستوى.‏

ينهض الحامل الأول على ما تواتر في مجمل أعمال العجيلي الروائية على مستوى المادة الحكائية الخام، أي بناء هذه المادة على علاقة عاطفية، أو عقدة غرامية، تنتج فيما بعد أحداثاً تنأى عنها وترصد الواقع داخلها ومن خلالها. ففي "المغمورون" أيضاً ثمة علاقة حب تشكّل منطلق مادتها الحكائية الخام إلى ما يمور في قلب الواقع من أحداث اجتماعية وسياسية في مرحلة تاريخية محددة، هي مرحلة مابعد بناء سد الفرات بعامين. فالفتاة الدمشقية "ندى"، التي حصلت قسطاً وافراً من التعليم من جامعة بيروت والتي تعمل مهندسة في مشروع الغمر، تحب الفلاح "عثمان" الذي "لم يتعدّ في تعليمه مرحلة الدراسة الابتدائية وفي وظيفته أمانة تعاونية لجماعة من فلاحي مزرعة تجريبية"(19) . ويسوّغ الراوي هذه العلاقة التي تبدو غير معللة اجتماعية ومعرفياً بمجموعة من الصفات المميزة لندى منذ طفولتها التي شهدت بدايات ميلها إلى التفرّد، ومحاولات خروجها عن المألوف. وكان من بواكير ذلك "تجاوزها رغبة أهلها في أن تتابع تعليمها العالي في إحدى كليات جامعة دمشق لتتخرج منها مدّرسة... أو محامية، أو طبيبة، وإصرارُها على أن تدرس السكرتارية وإدارة الأعمال في إحدى جامعات بيروت"(17) ، ثمّ رفضُها، بعد تخرجها بدرجة الامتياز "العروض التي كانت متاحة لها للعمل في بيروت، وفي العواصم الأوروبية التي كانت لشركاتها فروع في العاصمة اللبنانية"(18) ، وإيثارُها العمل في بقعة نائية من بلادها، حيث "المشروع الجبار الذي قامت ورشاته على جانبي النهر الكبير وفي بواديه المغبرة الممتدة الأرجاء إلى أبعد الآفاق"(18) ، أي مشروع سدّ الفرات.‏

ولأنّ ثمّة إحساساً مضمراً كان ينتاب كليهما، ندى وعثمان، بأنّ علاقة الحب التي وحدتهما، والتي بادرت ندى إلى الإفصاح عنها، ليس لها ما يعللها على المستويين الاجتماعي والمعرفي، فقد حرصا معاً على أن تظلّ هذه العلاقة طيّ قلبيهما. من جانب ندى بخاصة، التي عبرت عن إحساسها ذاك على نحوٍ غير مباشر بقولها لعثمان وهي تشرع في الكشف عن حبّها له: "عندي سؤال لك، لا أستطيع أن أوجهه إليك إلا في الظلام"(82) ،والتي ما لبثت أن ثمنّت طلبه حين قال لها: "اسمعي ياندى. ماقلته أنتِ لي في هذا المساء، وما قلته أنا لك، لم يدر به إلاالليل وهذا السهل وحدائد اللاندروفر"(95) بقولها:"لن يعرف أحد بما دار بيننا"(96) . وقد ظلّت تلك العلاقة خفية عن الآخرين. وإنْ كانوا يبدون شيئاً من التغامز والهمس حول لقاءاتهما وحواراتهما، حتى وقت متأخر من بدايتها، إلى ما بعد استسلام ندى لقبلات "أنيس"، شقيق صديقتها اللبنانية "حورية"،"برضى وتلذذ"308) في حلب التي سافرا إليها زائرين بعد سفر عثمان إلى المنطقة الشرقية، حيث سارعت إلى إخبار والدي عثمان بعلاقتهما وعزمهما على الزواج. غير أن هذه العلاقة سرعان ما أصيبت بالذبول، وانتهت كما لو أنها لم تبدأ، حين أصرّ عثمان، بعد تردد، على اللحاق بجموع المغمورين إلى المحافظات الشرقية بعيداً عن أراضيهم ورغماً عنهم، رافضاً الإذعان لرغبة ندى بالسكن في قرية "الهدلانية" القريبة من المشروع، حيث كانا قد خططا لذلك أكثر من مرة!!..‏

ويقدّم الحامل الثاني علاقة أبناء منطقة الغمر بكل من عثمان وندى، عثمان بخاصة. ثم بمشروع توطينهم بعيداً عن قراهم قبل أن تغمر مياه السدّ أراضيهم وبيوتهم. كانت الحكومة قد بنت لهؤلاء قرى نموذجية ليست بعيدة عن المشروع، تقع على كتف فراش النهر في ضفة البحيرة، ليسكنوها ويمارسوا عملهم الزراعي من خلال تعاونيات فلاحية فيها، وكان عثمان، بوصفه أمينَ تعاونية لجماعةٍ من فلاحي مزرعة تجريبية، يحاول إقناعهم بالانتقال إلى منازل تلك القرى النموذجية للسكن فيها، بعد أن أبدى هؤلاء تشبثاً بأكواخهم الطينية وإصراراً على البقاء في أراضيهم ولو طالتهم مياه الغمر. كانوا يتساءلون: "كيف يتركون المساكن التي ولدوا فيها، والأرض التي فلحوها السنين الطوال بأيديهم ورووها بعرق جبينهم، إلى أرض جديدة لا تربطهم بها رابطة، ولو كانت مساكنهم الأولى على مرمى حجر؟!"، 111-112). وعلى نحو مباغت لعثمان ولمرافقيه الذين اجتمعوا بكبار المسؤولين في العاصمة يتمّ اتخاذ قرارات جديدة تقضي بأن لا يسكن هؤلاء الفلاحون في تلك القرى النموذجية، وبأن يتم ترحيلهم إلى أماكن بعيدة، "إلى المحافظات الشرقية، وإلى المحافظة الثالثة منها على الحصر، وإلى أقصى بقاع تلك المحافظة. على حدود البلد"150)، دون أن يقدّم أولئك المسؤولون تعليلاً لهذا القرارات. ولأنّ ثمّة لعنة، سبّة قديمة، كانت تلاحق عثمان بسبب كونه جالياً بعد أن قتل والده ابن عم له فقد كان عليه أن يواجه معارضات كثيرة من الفلاحين الذين كان يطوّف بقراهم لإقناعهم بالقرارات الجديدة، وكان هؤلاء يزدادون إصراراً على التمسك بأراضيهم. وعلى الرغم من التظاهرة التي قاموا بها أمام مبنى المديرية العامة للمشروع للتعبير عن متابعة رفضهم لتلك القرارات، فقد أذعنوا لها أخيراً. لجأوا إلى الدولة لتحميهم من ظلم الطبيعة والمجتمع فرمتهم بظلم أشد.‏

وعبر هذين الحاملين السرديين الرئيسيين تتناسل مجموعة من الحكايات الصغيرة التي تتضافر فيما بينها وتتداخل لتصب في المجرى العام للحكاية الأصل في الرواية، من أهمّها: حكاية جابر المبروك، والد عثمان، مع ابن عمّه خلف الذي قضى نحبه على يدي جابر لسببين كان أحدهما ذريعة للآخر. أعني تنازع جابر وابن عمّه على حب فتاة واحدة، هدلة، ثم تنازعهما على الدور في سقاية أغنامهما على البئر. وحكاية عثمان والفتاة التي أحبها وتقدّم لخطبتها لكن أهلها جابهوه بالرفض لأنه جالٍ: "لم ترفضني فتاتي التي رقتُ لها كما راقت لي، ولكن أهلها رفضوني. رفضني أولاد عمها الذي كان من حقهم أن تكون لواحد منهم، ورفضني أقاربها الأدنون والأبعدون لأني لستُ من العشيرة، عشيرتهم. أنا وأبي رجلان مفردان في هذه النواحي. نحن جماعة لا أصل لنا في هذه الديار. نحن جماعة جالون"(45) . ثم حكاية أنيس وندى وعلاقتهما المسروقة على غفلة من الزمن ومن عثمان الذي كان يتفقد الأماكن التي سيرحّل إليها المغمورون في المحافظات الشرقية.‏

***‏

- الدوال في الرواية أو المضمون السردي:‏

على الرغم من أن "المغمورون" تنتصر لعاطفة الحب، وتثمّن تجاوزها مواضعات الواقع الطبقية والمعرفية، فإنّها تنفي إمكان لقاء الطبقات ومصالحتها عبر هذه العاطفة وحدها فحسب. فهي تلحّ، في أكثر من موقع، على أن ثمّة فروقاً نفسية أكثر منها اجتماعية تعوّق هذا اللقاء، أو تحول دون اكتماله. وعلى نحوٍ غير مباشر تشي بأن زوال تلك الفروق مرهون بوعي حقيقي من جانب الطبقات الأكثر امتيازاً في المجتمع، وغير ذي صلة بتلبية انفعالات فردية خاصة.‏

الوعي المرتبط بالممارسة الحقة شرط الرواية لإنتاج مجتمع معافى طبقياً، ومن دون هذه الممارسة يظلّ الوعي أسير أوهامه، وذا تعبير عن نزوع مثالي ليس له ما يعززه على الصعيد العملي.‏

و"المغمورون" قبل ذلك، تمجّد ارتباط الفلاّح بأرضه، وترثي العلاقات الاجتماعية التقليدية الشائهة التي تضبط منظومة القيم في مجتمعه القبلي، وتهجو جور السلطات عليه واتخاذها قرارات غاشمة لا تلقي بالاً له. ولعلّ من أهمّ ما تتسم به، على مستوى الرؤيا، هو مساوقتها بين ظلم الطبيعة وظلم المجتمع من جهة وظلم الدولة من جهة ثانية.‏

كان الفلاّحون، قبل المشروع، يعانون وطأة الطبيعة وقسوتها، حين ينحبس عنهم ماء السماء تصبح حفنة الماء مساوية لحفنة الدم، وحين تفيضُ مياه النهر لا تبقي ولا تذر، وبدلاً من أن يوفّر المشروع لهم ما يقيهم تلك القسوة ويدفع عنهم غوائل الطبيعة، تسلبهم الحكومة انتماءهم، وتدفع بهم بعيداً عن أرضهم.‏

لقد أدت سطوة الطبيعة وقانونها المدمّر واحتباس الماء إلى أن يقتل جابر ابن عمّه خلف حينما نازعه دوره في سقاية الغنم على البئر. وقد أفصح جابر المبروك عن ذلك الظلم الفادح الذي كانت الطبيعة تمارسه بحق أولئك الفلاحين معللاً قتله لابن عمّه بقوله إنّ من قتله ليس هو، وإنما: "الشمس، والبئر، والعطش، والبادية"(29) .‏

والرواية نفسها لاتكتفي بمعاينة ذلك الجور الذي تمارسه الطبيعة بحق الفلاحين، بل تعاين كذلك القيم والأعراف الاجتماعية/ القبلية الغاشمة فيما بين الفلاحين أنفسهم أيضاً، إذ يرفض أهل الفتاة التي راقت لعثمان وراق لها، كما قال لندى، زواجهما، لأنه لم يكن من عشيرتهم، ولأنه جالٍ. وبهذا المعنى. فإن ثمّة أكثر من سلطة قامعة تتصدى الرواية لتعريتها: سلطة الطبيعة، وسلطة القيم الاجتماعية/ القبلية، اللتين تسلبان الفلاح حقّه في حياة كريمة، وسلطة الدولة التي استجار بها الفلاحون "لتنصفهم من الطبيعة، ومن المجتمع، فرفعت عنهم ظلمهما وأوقعتهم تحت ظلمها هي". 344). والرواية تردد، عبر أكثر من موقع في حركة السرد، انتصارها لهؤلاء الفلاحين وترصد في الوقت نفسه، وتهجو أيضاً آلية التفكير التي تحكم علاقة الدولة بهم، ويفصح عثمان عن ذلك بقوله لندى حين عاد من لقاء كبار المسؤولين في العاصمة، المعنيين بمشروع الغمر: "ما تقولينه صحيح. إلا أن الكبار لا يشعرون به. لهم قراراتهم التي لا يأخذوننا نحن في حساباتهم لها"123)، وبقوله لعدد من الفلاحين الذين كانوا يتحدثون عن قرار تهجيرهم الظالم:"مَنْ نكون نحن في هذه الماكينة الكبيرة التي يسمونها الدولة..؟، نحن حدائد صغيرة، براغي أوأسلاك أو مسامير دقيقة وغليظة... قطع من المعدن لا بد للماكينة منها، وفي نفس الوقت لا قيمة لها ولا نفع إلا في مكانها من الآلة"193).‏

كان عثمان يعلل نفسه، مبدياً حماسة فائقة في عمله، بأن يثأر مشروع النهر له ولأبيه من عدويهما: المجتمع والطبيعة. بمعنى أنه كان يدرك أن المشروع ليس فعلاً جيولوجياً يلجم جبروت النهر، بل فعلاً قيمياً قادراً على تعديل العلاقات الاجتماعية بين الفلاحين والانتقام لهم من الطبيعة التي ظلمتهم طوال حياتهم. كان ذلك هاجسه، ليس بسبب كونه جالياً، مخلوعاً وأسرته من القبيلة، بل بوصفه تجسيداً للقهر الذي تشيعه العلاقات القائمة في مجتمع الجزيرة السورية. ولم يكن عثمان وحده هو الذي يؤمّل نفسه بأن يطول التغيير كل شيء، بل إن ندى نفسها كانت تؤمل ذلك وكأنها كانت تريد أن تثبت لنفسها أن ما تؤمن به، وما ضحّت به من مغريات لفتاة ناجحة ومميزة مثلها، قابل للتحقق وليس محض أوهام مثالية أو يوتوبيا لا وجود لها على أرض الواقع.‏

تقف "المغمورون" إلى جانب الجماعة وتتبنى قضية نزوحها أو إرغامها على النزوح من أرضها إلى أماكن بعيدة عنها على الرغم من أن الخطاب الروائي فيها يبدو مهموماً بالحديث عن المفارقة الطبقية/ المعرفية بين شخصيتيها الرئيستين: عثمان، الفلاح، وندى المدينية. والرواية تفعل ذلك منذ صفحتها الأولى، أي منذ الإهداء الذي يتوجه به العجيلي "إلى الذين على رؤوسهم المغمورة بمياه السدّ بنيت أمجاد وازدهرت حظوط"، إذ يفصح هذا الإهداء عن هجاءٍ للقوى الانتهازية التي استثمرت ذلك المشروع لامتيازاتها الخاصة، غيرعابئة بحقوق الجماعة.‏

وبهذا المعنى، فإن "المغمورون" تدحض ماذهب إليه عدد من المشتغلين بنقد القصة القصيرة والرواية في سورية من أنّه ليس لدى العجيلي "التزام حقيقي لأنه ينظر إلى الأمور كافة من علٍ"(20) . فالرواية تعلي من شأن حركة التاريخ، وتحتفي بها، وتعبّر عنها كما تقضي بذلك دينامية التاريخ نفسه، وهي لا تفعل ذلك على نحوٍ يستدعي لنفسه ماهو خارج عليه، أي مما هو خارج على سياق هذه الحركة، بل على نحوٍ ينهض من داخل النص ذاته، بل من داخل البنية المعرفية/الطبقية لشخصياته.‏

ومهما يكن صحيحاً أنّ التاريخ في أدب العجيلي "تاريخ أفراد، وليس تاريخ جماهير أو طبقات"(21) ، فإن هذه الرواية تنجز تاريخ جماعة، بل تاريخ "جماهير أو طبقات" بتعبير أولئك، حيث تهجس مادتها الحكائية الخام بقطاع اجتماعي ريفي تعرّض أبناؤه جميعاً لاقتلاعهم من أرضهم، ولنفيهم بعيداً عنها، معبّرة من خلال شخصيتيها الرئيستين، ندى وعثمان، عن ذوبان الفروق الطبقية وتلاشيها وعجزها أمام ما تجمعه العلاقات الإنسانية ويوحده الحب، ويباسقه الإيمان بالعمل من أجل الجماعة. لقد كانت ندى سليلة طبقة اجتماعية/ مدينية/ معرفية مفارقة تماماً لطبقة عثمان الفلاحية /الريفية/ التي لم تحصّل من المعرفة سوى القليل، لكن هذه الفروق بينهما لم تكن لتقوى على وضعهما في مواجهة طبقية بالمعنى الذي تحتفي به تلك "الأيديولوجية" وتقول بـ "حتمية" التنافر بين الطرفين. كان إيمانهما بالجماعة كافياً للقاء الطبقتين، ثمّ لتثمين الروحي في مواجهة المادي. ومهما يكن صحيحاً أيضاً أن "إبراز المستوى الشخصي مقصود لذاته في الرواية)، لأن عملية التحوّل تتم... بشكل فردي لا جماعي".(22) ، فإنّ الأكثر صحة هو أن هذا الفردي هو ذلك الجماعي، وقد تمّت "نمذجته" أدبياً.‏

q- الشخصيات:‏

تقدّم "المغمورون" شخصيتين مركزيتين فاعلتين في الحدث الروائي بنسب متفاوتة وبرؤى متغايرة. وثمّة نوعان من الشخصيات الثانوية: نوع يتسم بكونه جزءاً من الحكاية كما في شخصية جابر المبروك والد عثمان، وشخصية أنيس شقيق حورية، وآخر بكونه استكمالاً لها كما يمثله ما تبقى من شخصيات في الرواية التي ما إنْ تطل برأسها في عملية الحكي الروائي حتى تختفي فجأة، كخلف ابن عم جابر المبروك. وفريال وجورجيت ونبيلة العاملات في مشروع قرى الغمر ورفيقات ندى في جناح العازبات، والمهندس سليم خطيب جورجيت، الذي يعمل في المشروع أيضاً، ووالدي ندى، وآخرين.‏

ويترجّح هذان النوعان بين شخصيات فاعلة نسبياً كما في شخصية أنيس الذي استطاع أن يصدّع حب ندى لعثمان وأن يجعلها تستسلم لقبلاته "برضى وتلذذ"، وأخرى ساكنة لا تمارس أي فعالية في الحدث الروائي وتظل محافظة على خصائصها الانفعالية منذ ظهورها في الحدث حتى غيابها عنه، كما في شخصية جابر المبروك وهدلة وحورية وآخرين.‏

تستأثر شخصيتا ندى وعثمان بمساحة وفيرة من حركة السرد، ليس بوصفهما الشخصيتين المركزيتين في الرواية فحسب، بل بوصفهما تجسيداً لفعالية الحكي الرواي وأطروحاته. وغالباً ما يتمّ تقديم هاتين الشخصيتين من خلال أقوال الراوي عنهما وليس من خلال أفعالهما(23) . وكثيراً ما يعنى هذا الراوي بتقديم صفاتهما المادية كما يفعل مع مجمل شخصيات الرواية الأخرى.‏

يمثّل عثمان شخصية الفلاح المثقّف الذي يربط بين النظرية والممارسة على الرغم من أنه لم يحصل من المعرفة ما يجاوز مرحلة الدراسة الابتدائية. كان دائب القراءة في كتب "تبحث في التعاونيات الزراعية والتحويل الاشتراكي والتنمية الاقتصادية"41-42)، بينما كان أقرانه "يتباهون بتأبط المجلات المصورة والجرائد، وأحياناً الكراسات الحزبية، يتصفحونها ويتظاهرون بقراءتها في المجتمعات" (42) ، وقد كان في وسعه استغلال ثقة رؤسائه به لمصلحته الشخصية ولكسب المال أو الحصول على الترقيات، كما فعل بعض رفاقه الذين تولوا في العاصمة وظائف تدرّ عليهم الربح وتوفر لهم الراحة. كان يقول: "أنا رفيق للفلاحين... الفلاحين الخشني الأيدي"(34) . وكان مؤمناً بأن المشروع الذي يعمل به سينتقم له ولأبيه من عدويهما وعدويّ الفلاحين الآخرين: المجتمع والطبيعة، وبأن ثمة تعديلات كثيرة ستطرأ على حياة هؤلاء الفلاحين. وعلى الرغم من أن أحلامه تلك سرعان ما ذوّبتها قرارات الكبار في العاصمة، وعلى الرغم أيضاً من حبه الكبير لندى واستسلامه له مرة، فقد آثر التضحية به والالتحاق بجموع الفلاحين الذين سيتم ترحيلهم إلىحدود البلاد، معبّراً عن ذلك بقوله لحورية صديقة ندى:"أنا من هؤلاء الناس... حين ينتقلون أنتقل معهم. إنهم أهلي"248).(24) وهو لم يكفّ، على امتداد علاقته بندى، عن التعبير بأن ثمّة جدراناً عالية تحول بينهما(25) ، لكن حبّه لها لم يقوَ على النيل من إيمانه بجدوى ما يعمل وما يتوق إلى تحقيقه لصالحه ولصالح الجماعة التي يتبنى قضاياها ويدافع عنها، وإن كان ينفذ إرادات السلطةوقراراتها. والحقّ أن العجيلي قدأتقن رسم ملامح هذه الشخصية على المستوى النفسي، كما تمكّن من "نمذجتها" أدبياً وصياغتها فنّياً، وإنْ طغى الوصف الخارجي لها، كما فعل بمعظم الشخصيات الأخرى، على العناية بخصائصها الانفعالية.‏

وتجسّد شخصية ندى نموذجاً جهيراً للوعي الناقص، والمدجج بأوهام ممثليه عن لا طبقية المجتمع، والذي يحمل في داخله تناقضات كثيرة ما تلبث أن تسفر عن أقنعتها حين ترتطم بالحقيقة، أو حين تجد نفسها في مواجهة الاختيار بين ما تقول وما تفعل. لقد كانت علاقتها بعثمان تعبيراً عملياً عن رغبتها في التحدي، في المغايرة فحسب، ولم تكن صادرة عن وعي بجدوى ما تفعل، بل عن ضيق بقيم الطبقة التي تنتمي إليها، ضيق غير مزوّد بمرجعيات فكرية واقعية.‏

إنّ كل ما كانت تقدم عليه إنما كان يصدرعن محاولةٍ لتثبيت عنادها الذي اتسمت به شخصيتها في مرحلة الطفولة، والذي اكتسب صفة الميل إلى التفرد في مرحلة الشباب، والرغبة في الخروج عن المألوف في مرحلة الدراسة الجامعية والعمل فيما بعد. ويؤكّد ذلك إفصاحها بنفسها لعثمان عن رغبتها في الزواج منه حين خُيّل لها أن حديثه عن الحدود بين آنسة مثلها وفلاح يلبس دشداشة ويضع على رأسه كوفية يضمر اتهاماً لها "بأنها غير مخلصة في جهدها الذي تبذله وغير صادقة في حبها لأولئك الناس"(65) ، أي للفلاحين. ولذلك سرعان ما دهمها حلم بأن جابر المبروك، والدَ عثمان، جاءها خاطباً لابنه، فأحست حين استيقظت: "أن عثمان كان مصيباً عندما قال بأن ندى لا يمكنها أن تتخطى حدود طبقتها فتتزوج من فلاح! أزعجها إصابة عثمان في هذا، مثلما أزعجها معرفة هذا من نفسها"(73) ، فسارعت لكي تثبت لنفسها مقدرتها على الإتيان بما لا يقوى عليه الآخرون، وبما يتضاد وأعراف المجتمع وتقاليده وقيمه في هذا المجال، إلى القول في اليوم التالي:"لماذا لا أتزوج منك أنت بالذات. أنت ياعثمان"(86) ، عارضة عليه خطبتها إليه بنفسها.‏

لقد تخلّت ندى عن كثير من المغريات التي كان من الممكن لها أن تنالها، فبعد حصولها على درجة الامتياز من الجامعة "رفضت العروض التي كانت متاحة لها للعمل في بيروت، وفي العواصم الأوربية التي كانت لشركاتها فروع في العاصمة اللبنانية، وهرولت إلى بقعة من بلادها نائية في الشمال، لتعمل في هذا المشروع الجبار الذي قامت ورشاته على جانبي النهر الكبير وفي بواديه المغبرة الممتدة الأرجاء إلى أبعد الآفاق"(18) . كانت تؤثر "العمل المنتج والمفيد للجماعة، ولو كان غريباً أو شاقاً على حياة الرفاه والترف الفردي"(18) ، ولم تتردد في صحبة فلاح ابن فلاحين لم يجاوز تعليمه الابتدائي، ولم يكن أكثر من أمين تعاونية في مزرعة تجريبية.‏

لكن ذلك كلّه، ومعه ارتباطها بعثمان، لم يكن سوى تعبيرعن برمها وضيقها بقيم طبقتها، ويبدو أن إفصاحها عن حبها لعثمان لم يكن قائماً على وعي حقيقي بما تفعل، بل تجسيداً لميلها إلى التفرّد، وإلى التمرّد على مواضعات الطبقة التي تنحدر منها، ولذلك لم تبدي أي نوع من التشبث بتلك العلاقة التي انتهت دون مسوغات موضوعية كما لوأنها كانت تنتظر ذريعة، مهما كانت صغيرة، لتفصم علاقتها بعثمان، ولتعود إلى طبقتها التي تنتمي إليها، ولتلقي حكمتها التي دونتها ذات يوم: "كلّ امرأة مستعدة لأن تعطي نفسها... متى وجدت الرجل المناسب، في الظرف المناسب، في المكان المناسب"237) وراء ظهرها.‏

والرواية تلحّ على تلك الفوارق التي تفصل بين الشخصيتين عبر أكثر من موقع من حركة السرد، من خلال ندى أحياناً، وعثمان أحياناً ثانية، ومن خلال الراوي أحياناً ثالثة. فقد كان عثمان منذ البداية لا يقوى على الجهر بميله إلى ندى، وكان ثمة إحساس ينتابه بأنها من "طينة غير طينته. من طبقة أخرى"(32) ، وعلى الرغم من مضي وقت على حب ندى له وحبّه لها، فإنه "لم يستطع التخلص من شعوره بأن هذه الفتاة تنتمي إلى عالمٍ شديد البعدِ عن عالمه"252)، وكثيراً ما كان يقول لها حين كانت تعبّر عن تعلقها به: "هل هذا صحيح؟ أحب أن أصدق كلماتك يا ندى"273).‏

وتعبّر ندى عن ذلك بما انتابها لحظة قال أنيس لها مبدياً خوفه من أن تنتهي الأمور بأخته حورية إلى ما انتهت ندى إليه في إقامتها بين الفلاحين، ومن أن تتزوج فلاحاً موشوم الصدغين من المنطقة: "تراجعت ندى.. كالمجفلة لما تلفظ به أنيس. من المؤكد أنه لم يسمع بعثمان ولا درى بعلاقتها به، إلا أن الوتر الحساس في نفسها أصيب مرة أخرى" 168). والراوي نفسه يشير إلى تلك الفوارق بالقول: "إن فروقاً كبيرة لا يمكن تجاهلها تجعل من قرانهما أمراً معقداً، صعوبةُ تحقيقه تفوق صعوبةَ تصديقه"101).‏

لقد كان مناقضاً لطبائع الأشياء ولمواضعات الواقع وللقيم الاجتماعية الموروثة اختيار ندى، سليلة المجتمع المديني في عاصمتين: دمشق وبيروت، إيثارُها العمل في منطقة نائية من بلادها وفي ظروف معيشية قاسية على العمل في بيروت أو في عواصم أوروبة. غير أن مالم يكن كذلك هو تخلّيها عن ذلك كلّه عند أول سانحة وضعتها وعثمان أمام إرادتين متناقضتين، إرادتها في البقاء في "الهدلانية" وإرادته في اللحاق بركب المغمورين إلى أقصى الشمال الشرقي في سورية، إذ لم تكن أطروحاتها سوى أفكار سرعان ما تهشمت حين تمسّك عثمان بضرورة ربط نظرياته بالممارسة، وآثر النزوح مع الجماعة على حبّه لها.‏

وباستثناء شخصية أنيس، فإن مجمل ما تبقّى من شخصيات في الرواية يبدو استكمالاً، كما قدّمنا، لمكوّنات العالم الروائي. وهذه الشخصيات جميعاً لا تؤدي أي دور في تطوّر الأحداث، وهي جميعاً مرسومة من الخارج، أي من خلال صفاتها المادية فحسب. ومسوّغ ذلك أن العجيلي لا يسند إليها أي مهمة داخل الرواية، ولذلك لم يكن ثمة ما يعنيه، كما يبدو، في بيان خصائصها الانفعالية والكشف عن آليات التفكير لديها، وإذا كان بعض منها يحوز شيئاً من ذلك داخل حركة السرد، كما لدى بعض الشخصيات الفلاحية التي تبدي ارتباطاً بالأرض وتمسكاً بالمكان، فإنه لايعدو أكثر من كونه تجسيداً لأفكار سابقة على النص وليست منطلقة منه، والتي يتم التعبير عنها من خلال الأقوال وليس من خلال الأفعال. ويمكن أن نمثّل لذلك بشخصية الكهل الذي يعبّر عن تشبثه بأرضه التي و لد فيها وقضى حياته فوق ترابها واكتوى بتقلبات نهرها بقوله: "أنا أوصيت أبنائي أن يحفروا قبري على شاطئ هذا النهر كي أقدر، حتى بعد الموت، أن أمد نظري من وراء التراب إلى مائه"135)، وبما يقوله المختار لعثمان حين أبدت الحكومة إصرارها على تهجير الفلاحين إلى مناطق بعيدة: "ياعثمان يابن أخي، لا تلم الرجال إذا تمسكوا بالأرض التي تراها وتعرفها. هل ترى بيتي ذاك؟ أخليته أنا منذ عشرة أيام. منذ جاءنا الخبر منكم بأن زيادة في النهر مقبلة، وأنها ترفع البحيرة. علا الماء حوله وضيّق الطريق اليابسة إليه، وأنا منذ عشرة أيام أرجع إليه عند كل مغيب، أدور في نواحيه. ولولا الحياء لمسحت وجهي على حيطانه وقبلت تلك الحيطان بشفتي"204-205).وإلى الحدّ الذي يمكن القول معه إن العجيلي يقدّم، في هذا المجال، ظلال شخصيات وليس شخصيات من لحم ودم، وشخصيات منجزة على نحوٍ سابق لفعالية الكتابة، ومعبرة عن حمولة فكرية أكثر منها تجسيداً لكيانات واقعية.‏

على حين تشغل شخصية اللبناني أنيس، أحد الشركاء في المؤسسة اللبنانية للتعهدات التي التزمت إنشاء الأقنية في إحدى مناطق الغمر، والذي قَدِمَ إلى المشروع لعقد صفقات تعهدات لصالح المؤسسة، بعضاً من اهتمام الروائي، حيث لا يكتفي بتقديم صفات أنيس الخارجية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى منظومة الوعي التي تحكم رؤيته للمشروع، والتي تتكشف في ردّه على ندى حين قالت له:"إذا كان هذا البلد لا يعجبك، فلماذا أنت فيه الآن؟... أجاب: سؤال وجيه. أنا فيه كي آخذ حصتي من المغانم التي توزع هنا. هنا بقرة تحلب، ومثل كثيرين غيري جئت حاملاً سطلي لأملأه من حليبها".169).‏

وكما يبدو دخول "هيام" في رواية العجيلي الأولى "باسمة بين الدموع" في حياة بطلها "سليمان" باعثاً على تقوية العنصر العاطفي في الرواية،(26) تؤدي شخصية أنيس الدور نفسه في رواية "المغمورون" أيضاً، حيث لا تظهر هذه الشخصية إلا مع الثلث الأخير من الرواية، أي مع المواجهة التي تضع "ندى" في اختبار حقيقي لمشاعرها نحو عثمان من جهة، ولأطروحاتها من جهة ثانية.‏

وما تبقى من شخصيات في الرواية، أمثال: فريال، وجورجيت، وسليم، يبدو فائضاً على جسدها، وينفي مايذهب إليه سمر روحي الفيصل من أن القارئ "لا يجد في الرواية جزئية واحدة لا تخدم سير الحدث في حاضره أومستقبله"(27) .‏

***‏

- بناء الرواية:‏

تمتد المادة الحكائية في "المغمورون" على تسعة وعشرين فصلاً، يرتبط بعضها ببعض أحياناً، ويمثّل كلّ من بعضها الآخر وحدة مستقلة بنفسه. والفصول الخمسة الأولى منها تشكّل مهاداً لخصائص الشخصيات، بل إنها تختزل هذه الخصائص إلى الجوهري منها وإلى ما سيضيء فيما بعد أفعالها وردود أفعالها حيال الأحداث التي ستترى في السرد الروائي حثيثة أحياناً وبطيئة أحياناً ثانية بسبب ما يتردد في بعض المواقع من الرواية من فيوضات سردية وحوارية زائدة على جسد النص وعلى المتن الحكائي فيه، كحديث جابر المبروك عن الوشم على سبيل المثال. وإذا سلّم المرء بالعمل الإحصائي الذي أجراه سمر روحي الفيصل لتوزّع الفصول بين شخصيتي عثمان وندى، أي حينما رأى أن خمسة من فصول الرواية تبدو خاصة بندى وأبناء طبقتها وما يتعلّق بذلك، وسبعة منها تبدو خاصة بعثمان وأبناء طبقته وما يتعلّق بذلك، وأن ثمانية تقوم بمهمة الصلة بين الطبقتين(28) ، فإن ذلك يضمر أن تسعة من فصول الرواية لا يؤدي أي مهمة بنائية في النص.‏

ما يذهب إليه الفيصل، في هذا المجال، لايبدو دقيقاً تماماً، فثمّة فصول ممّا لم يشر إلى دورها أو مكانتها في بناء الرواية تشكّل روابط بنائية بينها وبين ما سبقها من جهة، وبينها وبين ما سيليها من جهة ثانية. ويمكن أن نمثّل لذلك بالفصل الأول الذي ما إنْ ينتهي بتساؤل ندى ودهشتها من أن جابر المبروك قاتل حقاً حتى ترتدالأحداث في الثاني إلى طفولة ندى وشبابها وحتى ينتهي الفصل ذاته بذلك التساؤل والدهشة نفسيهما أيضاً، ليأتي الفصل الثالث إجابة وتعليلاً لفعل القتل.غير أن ذلك لا يعني أن فصول الرواية جميعها تقوم بهذه الوظيفة، أو أن ثمة روابط بينها كلّها، فبعض الفصول يشكّل كلّ منها وحدة حدثية /زمنية/ مكانية، يمكن أن تكوّن بنفسها نصاً قصصياً بالمعنى الدقيق للجنس القصصي. غير أنّ الفصول، في الأغلب الأعمّ، تخضع لمنطق السببية، حيث يكون الفصل السابق سبباً للاحق، ويكون اللاحق نتيجة لما سبقه.‏

وفي محاولة، كما نقدّر، من العجيلي لتثبيت أسلوبية روائية خاصة به، وعلى النحو الذي اتسمت به رواياته السابقة، "باسمة بين الدموع"، بخاصة، يضع قارئه منذ مفتتح رواية "المغمورون"، أمام الخصائص المادية والنفسية الأكثر وضوحاً لشخصيتيه المركزيتين: ندى، وعثمان، وكثيراً ما يبدي حفاوة واضحة وجهيرة بهذه الخصائص التي تتحدد، في الأكثر الأعم، بما هو خارجي فحسب كما سلف في موقع سابق من هذه الدراسة. كما في وصفه لكل من جابر المبروك وهدلة زوجته:"كان... رجلاً ربعه أقرب إلى الطول، غليظ البدن، مدّور الوجه، مناقضاً في تكوينه تكوين زوجته الدقيقة الأعضاء"(11) ، وكان له "جسمه الضخم، المستقيم على امتلائه، ووجهه المدور الذي ظل خلواً من التجاعيد، وعينان لنظرتهما تحت حاجبيه الكثين الأشيبين وميض الفولاذ"(21) . وكما في وصفه لندى "عندما كبرت.. أصبحت شابة عبلة القد، قوامها فوق القصير ودون الطويل، حنطية البشرة في تورد، ذات شفتين حسنتي الارتسام على دقتهما"(16) ، وفي وصفه لحورية صديقتها: "سمراء طويلة القامة، ذات شفتين رائعتي الاستدارة، عقصت شعرها الأسود الطويل وراء رأسها بشكل يبرز طول عنقها وحسن استدارته. وكانت تلبس صدراً مزهراً فوق تنورة كحلية مثناة، تنفرج ثناياها عند خطوطها فيبدو امتشاق قامتها ورشاقة تكوينها"227). وقليلاً ما يعنى الوصف في الرواية بالخصائص النفسية أو المعرفية للشخصيات، كما في وصف الروائي لعثمان: "كان فتى واسع المعرفة في كل الأمورالتي تتعلق بالعمل، كما أن قدرته على استيعاب الجديد من المعرفة في كل شيء كانت أوسع"(19) ، وفي وصفه لندى بأنها كانت "مع تحررها فتاة جادة لم يلحق بسمعتها شيء من اللغو"،(32) . غير أن صفات الشخصيات وخصائصها النفسية كثيراً ما تتجلى من خلال أقوال الراوي عنها، وليس من خلال أفعالها. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن تلك الخصائص والصفات لا يتم تقديمها دفعة واحدة، بل عبر أكثر من موقع في حركة السرد الروائي.‏

ومن اللافت للنظر أن بعض الخصائص المادية لبعض الشخصيات يتم تكرارها في أكثر من موقع في حركة السرد، كما في وصف الراوي لـ "بنطلون" ندى "الضيّق في أعلاه، الواسع فيما دون الركبتين"(11) . أو الذي "يلفّ جسدها دون الخصر إلى الركبتين، ويتسع دونهما فيغدو فضفاضاً"225).‏

وكما يبدي الروائي حفاوة بوصف الشخصيات أو بالسطوح الخارجية لها على نحو أدق، فإنه يحتفي أيضاً بوصف الفضاءات المكانية التي تتحرك فيها هذه الشخصيات، كوصفه لمنزل جابر المبروك:" المنعزل، القائم على مرتفع من الأرض، والمبنية جدرانه باللبن النيئ والمسقوف بصفائح خشبية تسندها أعمدة من جذوع الغرب الملتوية"(10) ، والذي يقوم على كتف مرتفع على سطح النهر، بعيداً بعض الشيء عن بيوت قرية المزيونة الأخرى انظر: ص20)، وهو منزل نظيف على تواضع بنائه وبساطة محتوياته من الآنية والأثاث‏

انظر: ص21).‏

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن "سيّارة اللاندروفر" تشكّل مكوّناً رئيسياً من مكوّنات العالم الروائي في "المغمورون". بل هي إحدى الشخصيات التي تمارس دوراً بارزاً في صياغة هذا العالم أو التمهيد له ومن ثمّ إنتاجه. ففيها تبدأ المواجهة الطبقية/ المعرفية بين ندى وعثمان، وفيها أيضاً تفصح ندى لعثمان عن حبّها له وعزمها على الزواج منه، وفيها أيضاً تتطوّر علاقتهما وتتنامى، متألقة أحياناً ومنكسرة أحياناً ثانية.‏

غير أن أهم ما تتسم به "المغمورون" على مستوى الوصف هو أنها تكاد تقدّم ثبتاً جغرافياً لمنطقة الغمر، فالروائي يبدي حفاوة واضحة بتعيين أسماء القرى التي تتحرك فيها شخصيات الروايةوأحداثها، كالمزيونة، والسيلة، والمويطر، وتلّ المرابغ، والسندانة.‏

***‏

- بنية الزمن:‏

لا تنتهك رواية "المغمورون" خطية الزمن بمعناه "الكرونولوجي"، فالزمن فيها زمن داخلي، حركته هي حركة الشخصيات والأحداث. بمعنى أنها رواية درامية حسب تصنيفات "أدوين موير" لأنواع الرواية في علاقتها بالزمن(29) ، على الرغم مما تنتجه تقنية "الاسترجاع" فيها من تفتيت للتراتبية الزمنية.‏

تنهض التقنية المشار إليها آنفاً في الرواية على ما يسمّى بالسرد الاستذكاري "récit analaptique" الذي يشكّل أحد أهم الحوامل الجمالية للمبنى الحكائي، والذي غالباً ما يتجلّى على شكل مقاطع استرجاعية تحيل إلى أحداث سابقة لحاضر السرد، ومعبّرة عن ماضي الشخصيات الروائية المركزية بخاصة، وبعض الشخصيات الثانوية بعامة.‏

وهذه المقاطع جميعها تنتمي إلى ما يسميه "جينيت": "مِثْلية القصّة"، أي الاسترجاعات التي تتناول خط العمل نفسه الذي تتناوله الحكاية"(30) ، إذْ تضيء هذه الاسترجاعات ما يعزز مقاصد السرد في الحديث عن سطوة الطبيعة والمجتمع والواقع.‏

وغالباً أيضاً ما تتكئ تقنية السرد الاستذكاري إلى السرد التلخيصي "récit sommaire"، أي الذي "يقوم فيه الكاتب باستعراض سريع لأحداث من المفروض أنها استغرقت مدة طويلة"(31) ، ثم إلى تقنية الحذف "ellipse" أي إلى ما يعبر عن ثغرات في التسلسل الزمني وما يتميز بإسقاطه مرحلة بكاملها من زمن القصّة(32) ، والتي يتم تأشيرها على نحو محدد، كما في قول الراوي:"عاد عثمان من دمشق بعد ثلاثة أيام..."، 113)، أو "انتهت أيام الجولة السابعة وعاد عثمان"141). وكثيراً ما يكون مدى المفارقة "La portée de l' anachronie" التي تنتجها السرود الاستذكارية في الرواية مترجحاً بين مسافات زمنية طويلة نسبياً وأخرى قصيرة، وبين قرائن محددة لـ "سعة" المفارقات الزمنية وأخرى غير محددة.‏

فالفصل الثاني من الرواية ينتج مفارقات زمنية ذات "مدى" طويل أحياناً، وقصير أحياناً أخرى، ثم "سعة" تتسم باختزالها الماضي إلى الجوهري منه تماماً، إذْ يرتد إلى ما انصرم من حياة ندى في منزل أسرتها في العاصمة، إلى طفولتها ثم شبابها، محدداً من خلال هاتين المرحلتين بعضاً من خصائصه النفسية، فقد عُرفت منذ طفولتها بعنادها "الذي تحوّل عندما شبّت إلى ميل إلى التفرد"(16) . كانت "صبية جميلة مرحة، حلوة الكلام ببديهة سريعة، فكانت هذه الصفات تضفي على ما تقوله وتفعله عذوبة تغفر لها تجاوزها ماهومعتاد من لداتها، وتظهرها بمظهر البنت المبرزة ذات الشخصية القوية"(16) ، ممّا كان يشفع لها "في النزوات التي كانت تخرج تصرفاتها، بين الحين والحين، عن مألوف تصرفات مثيلاتها في السنّ والثقافة والطبقة الاجتماعية"(17) ، ومن ذلك "تجاوزها رغبة أهلها في أن تتابع تعليمها العالي في إحدى كليات جامعة دمشق لتتخرج منها(33) مدرّسة... أومحامية، أو طبيبة، وإصرارها على أن تدرس في فرع للسكرتارية وإدارة الأعمال في إحدى جامعات بيروت"(17) . كما يرتد هذا الفصل إلى مرجعيات العلاقة المهنية التي جمعت بينها وبين عثمان، ثم مرجعيات العلاقة العاطفية التي ربطتهما معاً لفترة من الوقت.‏

وتحدث تقنية الاسترجاع تعطيلاً لحركة السرد، وتوقفها، وكثيراً ماتعود هذه الحركة إلى الحدث الذي انتهى إليه الأخير في موقع سابق منها، فما إن تعيّن هذه التقنية بعضاً من ماضي الشخصيات أو صفاتها، حتى تؤوب إلى النقطة التي تمّ تعطيل حركة السرد عندها، أوما إنْ يتم الكشف عن ذلك الماضي أو الصفات حتى ترتد حركة السرد إلى الحدث الذي انتهى إليه الفصل السابق من الرواية. ويمكن أن نمثّل لذلك بالفصول الثلاثة الأولى من الرواية، إذْ ما إن تبدي ندى دهشة لمعرفتها بأن جابراً، والد عثمان، جالٍ عن عشيرته بسبب ارتكابه جريمة قتل، مختتماً الروائي الفصل الأول بهذه الدهشة، وما إن تتم استعادة بعض من ماضي ندى وعثمان وخصائصهما المادية والنفسية عبر الفصل الثاني كلّه، حتى يبدأ الفصل الثالث من حيث انتهى إليه الأول، مرتدّاً إلى دهشة ندى، وباسطاً أمام القارئ مسوّغات القتل، ومن ثمّ الجلاء عن أرض العشيرة، وغالباً ما تنهض هذه التقنية على ما يصطلح عليه بـ "الاستراحة Pause" التي ينتجها الوصف عادة معطّلاً بذلك السيرورة الزمنية(34) ، والتي تتجلّى داخل رواية "المغمورون" بوصفها فعالية الراوي، وليس بوصفها فعالية السرد. ولا تتجلّى هذه التقنية في فصول مستقلة فحسب من الرواية، بل إنها تتجلّى داخل الفصول أيضاً، لكنها في الحالين معاً تعنى بماضي الشخصيات التي يضيئها كما يضيء الواقع الذي تنتمي إليه وتتحرك داخل شرطه الاجتماعي- التاريخي- القيمي. وما إنْ تنجز تقنية الاسترجاع وظائفها حتى تتابع الأحداث سيرها الخطّي الذي يبدو وفياً للمنطق الفيزيقي للزمن.‏

ولا يتم تعطيل حركة السرد الروائي من خلال تقنية الاسترجاع وتقنية الوصف فحسب، بل إن ما يحتشد في بنية النصّ من حوارات بين الشخصيات، أي تقنية "المشهد Scéne" حيث يتطابق زمن السرد مع زمن القصّة المروية، يوقف تلك الحركة عند حدث بعينه، بل يرهنّه في لحظة محددة، ثم مايلبث أن يعاود السرد حركته من جديد. ومن اللافت للنظر أن هذه التقنية تبدو طاغية على ما عداها من تقنيات سردية، وإلى الحد الذي يمكن وصف الرواية معه بأنها رواية حوارية أكثر منها رواية سردية.‏

وتمارس تقنيتا المونولوج والحلم، اللتان تعطّلان حركة الزمن أيضاً، نوعاً من الكشف عن دواخل الشخصية، ونوعاً من التعرية غير المباشرة لها، وغير الدالة على موقف منها. كما في التداعيات التي تتابعت في رأس ندى لدى محاولتها النوم بعد عودتها وعثمان وصديقاتها في جناح العازبات من عرس قرية السيلة، أي بعد أن أطلق عثمان مقولته:"كل شيء له حدود... الآنسة تبذل كل طاقتها في خدمة الفلاحين، هذا شيء... أما أن تتزوج فلاحاً، فهذا شيء آخر"(65) ، وكما في الحلم الذي أعقب أرقها، والذي رأت فيه: "أن الشيخ جابر جاءها خاطباً... جاء يخطبها لابنه عثمان أحست في المنام، بضيق يأخذ عليها منافسها وبمزيج من الفزع والنفور القريب من الاشمئزاز جعلاها تهرب من أمام الرجل العجوز في طريق تربة انتهت بها إلى قرية السيلة. وفجأة وجدت أمامها عثمان... تناهض ليأخذ بيدها وهو يبتسم. أما هي فمذ رأته صرخت فزعة وانطلقت هاربة"71-72). ولذلك كان عليها، وهي التي اعتادت تجاوز المألوف، أن تعرض على عثمان الزواج منه لكنها فعلت ذلك في الظلام.‏

***‏

- لغة الرواية:‏

تبدو اللغة في "المغمورون" وفية للمتواتر من تقاليد اللغة الأدبية من جهة، وللمتواتر في كتابات العجيلي نفسه من جهة ثانية، بمعنى أنها لاتنتهك قانون النثر ولا تكسر رتابته ولا تبدي انزياحاً عن المألوف فيه أو تمرداً عليه.‏

ولا تحدد لغة الحوار بين الشخصيات السويات المعرفية للأخيرة ووظائفها الاجتماعية، فمنطوق هذه الشخصيات هو لغة الروائي وليست لغات هذه الشخصيات، بمعنى أن القارئ لا يقف على تعدد لساني بالمعنى "الباختيني"، لذلك فليس ثمة تمايز بين لغة السرد ولغة الحوار اللتين ترتهنان إلى منظومة جمالية واحدة، هي لغة الراوي الذي يمارس حضوراً في مكوّنات الحكي الروائي وإنتاجاً لها وفق مشيئته، والذي لا "يموضع"، حسب تعبير "مارسيل بروست"، هذه اللغة في سياقاتها المعبّرة عن الشخصية الروائية والمجسّدة لها. ويمكن أن نمثّل لذلك بمنطوق جابر في حديثه لندى عن حياة الفلاحين قائلاً:"نحن أبناء بادية قفر، موحشة وجافة. حين كنت في عمرك كنت أسير الساعات في شمس القيظ المحرقة، على قدميّ، حتى أجد غديراً ماؤه كدر موحل، أو بئراً أنزل فيه عشرين باعاً حتى أفوز بجرعة ماء أبرّد بها لهاتي"(25) .‏

غير أن هذه اللغة تنتج، على استحياء ظاهر، تعالقات نصية ذات صلة بالمأثورات الشعبية، أو بالأمثال الشعبية على نحو أدق، وذات وظيفة ذرائعية تبدي طموحاً واضحاً لتحرير اللغة من قبضة الروائي وجعلها لصيقة بلغة الواقع. وغالباً ما تكون هذه التعالقات وقفاً على أكثر الشخصيات حضوراً في الرواية، كقول عثمان لندى بعد عودته من العاصمة واجتماعه بالمسؤولين عن مشروع الغمر فيها:"الطاسة ضايعة هناك. عندنا مثل يقول: "مَنْ يعرف فطيم بسوق الغزل؟"146)، وكقول المختار لعثمان الذي كان يحاول إقناع الفلاحين بالنزوح عن أراضيهم وقراهم:"ماذا عدا مما بدا حتى تحذفونا الآن مئات الكيلو مترات عن بيوتنا؟"196)، وقول أنيس لندى حينما عبرت عن ضيقها بما سيحلّ بالفلاحين من تهجير: "أنت تعملين من الحبّة قبّة"219). وغير خافٍ أن هذه التعالقات لا تشير إلى خصوصية لهجوية، بمعنى أنها لا تعبّر عن انتماء مستخدميها إلى المجتمع الفراتي الذي يستخدم أبناؤه لهجة تبدو خاصة بهم فحسب.‏

وتحقق لغة السرد وظيفتيها الإبلاغية والأدبية، غير أن الثانية تظلّ أسيرة مواضعات البلاغة التقليدية، كما في وصف الراوي لمنظر الغروب: "بساط من المياه متسع. يلتمع في القريب بلمعة فضية، ويزرّق لونه كلّما ابتعد عن العين، وفي مداه القصيّ تنعكس صفحته تحت أشعة الشمس الغاربة بوهج ذهبي يبهر البصر"202). واللغتان معاً، أي السرد والحوار، لا تنجوان من الوقوع في بعض الهنات الصرفية والنحوية، كعدم نصب اسم كأن، كما في قول حورية: "تتكلمين وكأن في الأمر سر"243).‏

***‏

- الرؤية السردية:‏

على الرغم من أن "التبئير"، في السرد بعامة، يتوزّع بين نوعين عادة: تبئير داخلي، يعني رواية الحكاية من خلال وعي شخصية ما، وآخر خارجي: يُقصَد به رواية هذه الحكاية من خلال ما تفعله الشخصيات وليس من خلال ما تفكّر فيه أو تراه(35) ، فإنه -أي التبئير- في "المغمورون" يترجّح بين النوعين معاً، مع هيمنة واضحة للنوع الأول. أعني تقديم الحكاية من خلال وعي عثمان بها على الرغم من أن العجيلي لا يقدّم قرائن مباشرة في هذا المجال، ثم من خلال ما تفعله بعض الشخصيات، ندى بخاصة والحكومة بعامة.‏

وتمثّل صيغة الغائب التي يعدّها "ميشال بوتور": "أبسط الصيغ الأساسية للرواية"(36) ، الحامل السردي الوحيد في الرواية، ويبسط الراوي العالم بكل شيء نفوذه الواضح على مجمل حركة السرد، ويستبد بها ويحدد مآل الشخصيات والأحداث بآن. وليس صحيحاً ما يذهب إليه أحدهم من أن العجيلي يتجنّب هذا النوع من الرواة، و"يترك للشخصية أن تتحدث عن نفسها من خلال حوارها مع الآخرين، أو من خلال سلوكها"(37) . فثمّة راوٍ واحد ينتج سرداً ولا ينتج أفعالاً، وهو يفصح عن حضوره على نحو جهير في أكثر من موقع، كما في قوله:" أعني أن الأفكار والأحاسيس، والأقوال والمشاهد، هي التي سببت الأرق لندى وأطارت من عينيها النعاس"(68) ، حين انتابت ندى هواجس مؤرّقة ممّا قاله عثمان عن لا معقولية ارتباطها بفلاّح. وغالباً ما يبدو هذا الراوي أكبر من الشخصية الحكائية، "الرؤية من خلف Vision par derriére" حسب تصنيف "تودوروف Todorov"، لأنواع الرواة أو زوايا رؤية الراوي(38) ، أو ما يسميه الشكلاني الروسي "توماتشفسكي Tomachevski": "السرد الموضوعي objectif"، لكنه في الوقت نفسه ليس بوصفه شخصية مساهمة في الأحداث، بل بوصفه شاهداً عليها، بمعنى أنه راوٍ خارج عن نطاق الحكي "Narrateur Heterodiegetique"، وهو في الحالات جميعها، راوٍ محايد، لا يفسّر الأحداث بل يصفها وصفاً موضوعياً تاركاً الحرية للقارئ لتفسير ما يروي له وليقوم بتأويله، لكنّه لا يبدو كذلك على امتداد حركة السرد، إذْ ينطق بعض الشخصيات بلسانه ووعيه.‏

***‏

- الخاتمة.‏

يتخلّى العجيلي في "المغمورون" عن بعض السمات التي طبعت نتاجه القصصي والروائي، منها تلك الحفاوة التي كان يبديها في هذا النتاج بالموروث الشعبي الخرافي، وبقضايا العلم وتضادها ومثيرات الواقع المناقضة له. لكنه يحتفظ لسرده هنا بالتحليل، والوصف، ورصانة العبارة، وجزالة الأسلوب(39) ، وإذا كان الروائي قد أبدى حفاوة واضحة أيضاً بمهنة الطب التي يمارسها، فجاء عدد غير قليل من شخصيات قصصه ورواياته الرئيسية يمتهن مهنته أيضاً، كما في روايته "باسمة بين الدموع"، فإن "المغمورون" لا تفعل ذلك. وهي تتابع ما تجنّبه هذا النتاج من تقديم شخصيات نسوية إيجابية.‏

وعلى الرغم من أن هذه الرواية تبدو شديدة الوفاء للأعراف الجمالية التقليدية للفنّ الروائي، فإن هذه الأعراف هي أعراف العجيلي الجمالية التي ميّزت أدبه بعامّة، ونتاجه القصصي والروائي بخاصّة.‏

***‏

(1) - يذكر العجيلي في حوار معه أنه من مواليد أواخر تموز سنة 1918 أو 1919.‏

- انظر مجموعة مؤلفين. "دراسات في أدب عبد السلام العجيلي".ص(11) .‏

(2) انظر: المرجع السابق، ص (12) .‏

(3) انظر: المرجع السابق، ص (15) .‏

(4) - مجلة "المعرفة" السورية. العدد 199، أيلول 1978. كلمة بدر الدين عرودكي في محاضرة العجيلي، "عرب اليوم والعودة إلى الينابيع"، في "الكوليج دي فرانس"، بباريس. ص (97) .‏

(5) - ياسين، بوعلي. سليمان، نبيل. "الأدب والأيديولوجيا في سورية". ص (34) .‏

(6) - الخطيب، محمد كامل."السهم والدائرة". ص(43) .‏

(7) - عصمت، رياض. "الصوت والصدى". ص (44) .‏

(8) - مجموعة مؤلفين."دراسات في أدب عبد السلام العجيلي".ص180).‏

(9) - أحمد محمد عطية. "فنّ الرجل الصغير في القصة العربية القصيرة".ص (58) .‏

(10) - المرجع السابق. ص(60) .‏

(11) - مجموعة من المؤلفين. "دراسات في أدب عبد السلام العجيلي".ص(44) .‏

(12) - أحمد محمد عطية. "فنّ الرجل الصغير في القصة العربية القصيرة".ص(57) .‏

(13) - مجموعة من مؤلفين. "دراسات في أدب عبد السلام العجيلي".ص: 46، 71، 89).‏

(14) - كُتبت هذه الدراسة قبل صدور رواية العجيلي الأخيرة:"أرض السيّاد"، ط1.دار رياض الرّيس، لندن 1998.‏

(15) - الخطيب، د.حسام. "روايات تحت المجهر". ص 192)، وانظر أيضاً: النساج، د.سيّد حامد."بانوراما الرواية العربية الحديثة".ص217).‏

(16) - سليمان، نبيل. "الرواية السورية".ص225).‏

(17) - الفيصل، سمر روحي. "ملامح في الرواية السورية".ص401).‏

(18) - انظر: ويليك، رينيه. وارين، أوستن. "نظرية الأدب". ص (31) .‏

(19) العجيلي، عبد السلام. "المغمورون". ط1. دار الشرق، بيروت 1979.‏

(20) عصمت، رياض. "الصوت والصدى". ص(43) ، ثم ما يلبث عصمت نفسه أن يقول بعد سطرين إن معالجة العجيلي "إنسانية وفكرية ملتزمة "!! ليعود إلى ترديد نغمته السابقة في صفحة تالية حين يرى أن العجيلي امتلك الصدق وافتقد الالتزام!!‏

(21) - ياسين، بوعلي. سليمان، نبيل. "الأدب والأيديولوجيا في سورية". ص(34) .‏

(22) - مجلة "المعرفة" السورية. العدد 224. دراسة سمر روحي الفيصل: "تجربة الشكل الفني في روايات الفرات".ص(75) .‏

(23) - بينما يذهب سمر روحي الفيصل إلى أن هاتين الشخصيتين مرسومتان من الداخل والخارج، ويرى أن ما عداهما من الشخصيات الأخرى جرى تصويرها من الخارج وحسب. انظر: المرجع السابق. ص (75) .‏

(24) وانظر أيضاً: ص 277) من الرواية، حيث يؤكّد عثمان من جديد قائلاً لندى:‏

"مادام جماعتي سيهجرون إلى هناك، فلابد أن أذهب معهم". كما يقول لها في موقع آخر حين تصر على زواجهما في قرية الهدلانية: "كم مرة تكلمنا في هذا؟ بين الناس والأرض، اخترت الناس... فضلت أن أكون مع الذين تركوا أرضهم، فألحق بهم إلى حيث يذهبون". ص289).‏

(25) - انظر الصفحات: 32-95-101-252-273) من الرواية.‏

(26) - انظر: السعافين، د.إبراهيم."تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام".ص327).‏

(27) - الفيصل، سمر روحي. "تجربة الشكل الفني في روايات الفرات". ص (73) .‏

(28) انظر: الفيصل، سمر روحي. "تجربة الرواية السورية".ص(67) .‏

(29) - بحراوي، حسن: "بنية الشكل الروائي. الفضاء ، الزمن، الشخصية". ص 108).‏

(30) - جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج".ص(62) .‏

(31) - بحراوي، حسن. "بنية الشكل الروائي. الفضاء، الزمن، الشخصية".ص120).‏

(32) - انظر: المرجع السابق. ص 120).‏

(33) كذا في الأصل، والصواب [فيها...].‏

(34) - انظر: لحمداني، د.حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي".ص(76) .‏

(35) - انظر: جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". ص (26) .‏

(36) - بوتور، ميشال. "بحوث في الرواية الجديدة".ص (63) .‏

(37) - الفيصل، سمر روحي. "تجربة الشكل الفني في روايات الفرات".ص(74) .‏

(38) - للتوسع، انظر: لحمداني، د.حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي". ص (47) ، ومابعد.‏

(39) - انظر: بن ذريل، عدنان: "أدب القصة في سورية".ص 212).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244