|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مدخل إلى الرّواية القطريّة ينفرد المشهد الثقافي القطريّ بسمةٍ يكاد يبدو، من خلالها، نسيج وحده في الحركة الثقافية العربيّة المعاصرة، وهي أنّ معظم النتاج القصصي، الصادر في هذا الجزء من الجغرافية العربية، ينتمي إلى ما يُصطلح عليه بالأدب النسويّ(1) . وتتجلّى هذه السمة على نحو أشدّ وضوحاً في حقل الكتابة الروائية، فباستثناء ما قدّمته الشقيقتان: دلال وشعاع خليفة، من نتاج إبداعيّ في هذا المجال، فإنّ الحركة الثقافية القطرية لم تشهد، إلى الآن على الأقلّ، صدور نصّ روائي لسواهما من الكتّاب القطريين. تعدّ رواية دلال خليفة "أسطورة الإنسان والبحيرة"، الصادرة سنة 1993، أوّل عمل روائي في قطر(2) وقد تبع هذه الرواية، بعد شهر تقريباً، صدور عملين روائيين بآن لشقيقتها شعاع خليفة: "أحلام البحر القديمة" 1993، و"العبور إلى الحقيقة" 1993، تبعهما عمل ثالث لشعاع نفسها بعنوان "في انتظار الصافرة 1994، وما لبثت أن أصدرت دلال روايتين جديديتين، هما: "أشجار البراري البعيدة" 1994، و"مِنَ البحّار القديم إليك" 1995. ومن اللافت للنظر أنّ هذه الأعمال الروائية الستة لا تشكّل إرهاصات لتجربة روائية وليدة، بقدر ما تبدو نصوصاً ذات صلة وثيقة بالجنس الروائي المتحرّر من أعباء المحاولات الروائية الأولى عادة. وبهذا المعنى، فإنّ المقولة التي ترى أنّ ظهور الأدب أو تطوّره في مجتمعٍ ما يرتبطان بحركة المجتمع نفسه، أي أنّ العطالة الثقافية أو نقيضها يمثّلان صورة الواقع الذي ينتجهما لا تبدو مقولة صحيحة دائماً، فثمّة نتاج ثقافي ممّيز صادر عن مجتمعات ما تزال توصف بفتوّتها الثقافيّة، وربّما بضمورها الثقافي أحياناً. ومن اللافت للنظر أكثر أنّ ريادة الشقيقتين دلال وشعاع تبدو كما لو أنّها قفزة في الفراغ، ذلك أنّ إبداعهما الروائي لم يكن مسبوقاً برصيد أدبيّ يخصّهما، أو بمحاولات أدبيّة تتّصل بالجنس الروائي أو تقترب منه، وإنْ تكن ثمّة محاولات، لدى دلال بخاصّة، في الشعر، والمسرح، والفنّ التشكيلي. تطمح هذه الدراسة إلى مقاربة أكثر الخصائص المضمونية والفنيّة بروزاً في الأعمال الروائية الثلاثة الأولى في قطر: "أسطورة الإنسان والبحيرة"، و"أحلام البحر القديمة"، و"العبور إلى الحقيقة". ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ ما سيلي من إشارات إلى المحكي في الرواية الأولى لا يعني تلخيصاً لها، بل محاولة للكشف عمّا تنتجه الرواية من علاقات تفاعل نصّي مع الموروث السردي الشفاهي في الثقافة العربيّة، الذي أرهصت به مجموعة من الأعمال الروائية العربيّة منذ النصف الثاني من ستينيات هذا القرن، أي فيما تمخضّت الهزيمة الحزيرانية عنه من تحوّلات مثيرة على أكثر من مستوى، كان الإبداع، بأشكاله وأجناسه كافّة، الأكثر اكتواء بها، والأكثر تمثّلاً لها وتعبيراً عنها. *** -أسطورة الإنسان والبحيرة: تنطلق المادّة الحكائيّة الخام، في الرواية المشار إليها آنفاً، من موقع جغرافي متخيّل تسمّيه الكاتبة: "مدينة السديمة"، تقع بالقرب منها بحيرة تشيع حولها أسطورة تقول: "إنّ من ينظر إلى البحيرة لا يرى صورته وإنّما صورة الحيوان الذي يشبهه في طبعه وصفاته"(15) . وعلى الرغم من أنّ "مختار"، الشخصيّة الرئيسية في الرّواية، كان يعدّ تلك الشائعة "أسخف من أن تصدّق"، ولذلك لم يفكّر يوماً، طوال السنوات السبع التي مضت على قدومه من قريته إلى المدينة، في الوقوف أمام البحيرة والاكتفاء بالنظر إليها واستنشاق الهواء الطلق حولها. على الرغم من ذلك، فقد وجد نفسه مدفوعاً، ذات يوم، وقد تعالى بكاء طفلة قربها لأنّها، كما روت له، رأت نفسها في صفحة الماء دجاجة، إلى العودة معها إلى البحيرة ليثبت لها خطأ ما رأته، لكنّه ما كاد ينظر إلى الماء حتى بوغت برؤية وجهه منعكساً على سطح البحيرة في هيئة أسد "بكل سماته.. بكلّ عظمته.. ينظر إلى الأعلى بشموخ وفخر"(15) ، فلم يكن منه إلاّ أن أخبر سلمى التي تحبّه، والتي كان قد صدّ عنها لأشهر، كما أخبر أصدقاءه: عمرو، وآدم، وهيثم، ودريد. ومع أنّ هؤلاء الأصدقاء حاولوا ثنيه عن الاهتمام بما رأى، إلا أنّه كان قد عزم على أمر، على أن يكون هو ملك البلاد "اشترى سرّاً كتباً في التاريخ وأخذ يقرأها في الليل.. يطلّع فيها على سير الملوك ويتعلّم منهم تنظيم شؤون البلاد وقيادة الرعيّة"(20) ، محاولاً بذلك تعزيز الصورة التي رآها لنفسه في البحيرة، وسرعان ما انفرد بآدم "وأطلعه على سرّه الكبير الذي بات يؤرّقه ويهمّه في الليل والنهار"(21) ، وحين وافقه آدم على مساندته، مهما كانت الظروف، أسند إليه "مهمّة التلويح بهذا الأمر لدريد وهيثم ليستشفّ منهما موقفهما.. وحذّره من مفاتحة عمرو"(21) . وما لبث الأربعة، مختار وآدم وهيثم ودريد، أن أعدّوا خطّة للإطاحة بالملك، ولمّا أبى عمرو مشاركتهم، فيما هم عازمون عليه، سَجَنَه مختار في مكان مهجور إلى أن يُتمّ تنفيذ الخطّة، واتصل آدم بسفيان، مستشار الملك سابقاً، الذي تمّ إقصاؤه عن السلطة لسبب لم يفصح لأحد عنه، وما إنّ انقضت شهور ستة على بدء المؤامرة حتى سقط الملك قتيلاً بسيف مختار، وقضى دريد نحبه في المعركة التي نشبت مع حرّاس القصر، وأصبح مختار "ملكاً فجأة بعد أن غافل الناس والزمن وزحف إلى العرش من شقّ من شقوق بوّابة القصر الملكي الخلفيّة، ثمّ غافل أواصر الصداقة التي تربط بينه وبين عمرو فوضعه في السجن"(69) . وعلى الرغم من مضي سنواتٍ ستٍ على سلب مختار للسلطة دون أن تتعرّض الأخيرة لهزّة ما، وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة التي أبداها للاستفادة من أخطاء الملك المقتول، التي دفعت بعض الجند إلى مشاركته الانقضاض على الملك، على الرغم من ذلك كلّه، فقد وجد مختار نفسه أخيراً في مواجهة "انقلاب" قادته مجموعة من الشباب الثائرين على ممارسات الملك الجديدة، وباشتراك سفيان، مستشاره الجديد. غير أنّ مختاراً تمكّن من البطش بالانقلابيين، لكنّه لم يتمكّن من البطش بما أخذ يستعر في نفسه من قلق، وحين ضاقت به الأحوال من جديد اقترحت عليه سلمى، زوجته، أن يعاود النظر في البحيرة علّ صورته تمدّه بقوّة جديدة تهيّئ له الإمساك بزمام السلطة وإحكام قبضته عليها. ولمّا فعل "رأى انعكاسه على سطح البحيرة على هيئة حيّة"119)، ثمّ عاود النظر بعد سنتين تقريباً، فهاله أن رأى هرّاً، فعزم على ردم البحيرة، التي "لم يجرؤ أحد على أن يفكّر في ردمها قبل ذلك"211)، بوصفها رمزاً لتراث المدينة، كما عبّر عمرو السجين عن ذلك، وعلى الرغم من أنّ مختاراً نفّذ إرادته وأنّ البحيرة قد تحوّلت إلى تراب، فإنّها "لم تختف من أذهان الناس لأنّ الملك مختار لم يأمر بردم صورتها وذكراها في عقول الناس، لذلك فقد بقيت في مخيّلة كثير منهم توهم من توهم وتغري مَن تغري مصوّرة لهم أنفسهم بأشكال غريبة تجعلهم يفعلون أشياء أغرب، حتى يُغضب ما يفعلونه أناساً آخرين فيقاومونهم بشراسة. ومنذ ذلك اليوم والوهم يتناوب مع الغضب نداءَ الناس فيجدان دائماً مَن يلبّي النداء إلى يومنا هذا"213). *** تُعنى "أسطورة الإنسان والبحيرة" كما هو واضح، بتعرية بعض الأنظمة السياسية العربيّة التي تستبدُ بحركة الراهن العربي، وتلهث وراء امتيازاتها الخاصّة بها فحسب. وتستجلي، في الوقت نفسه، مكوّنات الوعي الشعبي الذي أفرز تلك الأنظمة، وصفّد الواقع العربي بأغلال الخنوع لإرادة الحاكم الفرد، ونأى به عمّا يصطخب في المجتمعات الليبرالية من حراك اجتماعي وسياسي وثقافي. ومع أنّ ثمّة جزئيات في تضاعيف السرد الروائي تقدّم عدداً من القرائن الدالّة، غير المباشرة على أنّ الأحداث والشخصيّات في الرواية تحيل إلى جغرافية عربية تكاد تكون محدّدة(3) إلا أنّ الكاتبة سرعان ما تقوّض أي محاولة يمكن أن يبديها القارئ لتحديد تلك الجغرافية، رغبة منها، كما يبدو، في تعميم "الصورة الكاريكاتورية" السوداء لعالَمها الروائي على معظم الأنظمة السياسية العربيّة، وعلى أكثر من مرحلة تاريخيّة، لكأنّ مدينة "السديمة"، التي اختارتها الكاتبة مسرحاً تتحرّك فيه وعليه أحداث الرواية وشخصيّاتها يمكن أن تكون أيّة مدينة عربيّة، كما يمكن للمرحلة التاريخية التي تحدّد الإطار الزماني لتلك الأحداث أن تكون أيّة مرحلة من التاريخ العربيّ. وبالمعنى نفسه، فإنّ مجتمع الرواية يمكن أن يكون أيّ مجتمع عربي محكوم عليه بالإذعان لإرادة فرد فقط. وإذا كان التعميم في أيّ عمل فنّي يفقد هذا العمل خصيصة الانتماء إلى بيئة بعينها، أو إلى مرحلة بعينها أيضاً، أي ما يجعل منه أدباً، مفتقداً للخصوصية والأصالة، فإنّه في هذه الرواية يبدو قناعاً مكّن الكاتبة من القول إنّ حالة العطب المدمّر، التي يعانيها الناس في مجتمعها الروائي، هي بعض ذلك العطب الذي يتمدّد في أجزاء كثيرة من الجغرافية العربية. *** تحتفظ "أسطورة الإنسان والبحيرة" لنفسها، على مستوى البنية الروائية، بتقاليد الحكاية الشعبية والسرود الشفاهية، بل بتقاليد الحكاية الخرافية بتعبير "فلاديمير بروب V.Propp"، حيث يتكوّن المحكي في الرواية من مجموعة من الثوابت/ الوظائف التي يمكن حصرها فيما يلي: "المعتدي أو الشرّير Agresseur ou méchant، كما يتجلّى في شخصيّة مختار، و"الواهب Donateur"، كما تمثّله البحيرة، و"المساعد Auxiliaire"، كما يتجلّى في شخصيات آدم وهيثم ودريد، و"الباعث Mandateur"، كما تعبّر عنه صورة مختار في البحيرة، و"البطل Héros"، كما في شخصيات الشباب المتمرّدين على سلطة مختار، وعلى الرغم من أنّ الكاتبة تبدي حفاوة بصفات شخصياتها وخصائصهم الذاتية أحياناً، فإنّ ما يصوغ هذه الشخصيات داخل الرواية هو أفعالها ونوعيّة هذه الأفعال، وليس تلك الصفات والخصائص. لقد حاولت دلال خليفة تعرية آليات الوعي لدى عدد من الأنظمة الاستبدادية في الراهن العربيّ، تلك التي وصلت إلى سدّة السلطة عبر بحر من الدّماء، أو عبر بحر من الأوهام، واختارت للتعبير عن ذلك شكلاً فنّياً موازياً للشكل الشفوي في موروثنا السردي العربي، الذي يتجلّى على نحو أمثل في السير الشعبية وقصص ألف ليلة وليلة، ووصفته، في مقدّمتها للرواية، بأنّه إعادة إنتاج لأشكال قديمة في الأدب، كانت، كما ترى، "توظّف الخيال بشكل أكبر وتستعين بالخوارق في التعبير عن الفكرة الأدبيّة"(3) . ومع أنّ بنية الشكل الفنّي تبدو وثيقة الصلة بتعريف "بروب" للحكاية الخرافيّة، إلا أنّها تفارقها من جهة انتهاء الحكاية إلى حلّ، حيث تشرع الرواية نهايتها على احتمالات متعددة، وإنْ بدا أنّ ثمّة محاولات لتحرير البنية السردية من أغلال الحكاية ولتقريبها من حقل الكتابة الروائية. وغالباً ما يتمّ صوغ ذلك من خلال راو مفارق لمرويّه، أي راو يروي حكاية لا تنتسب إليه، شأن معظم المرويّات السردية الشفاهية العربية التي يطغى عليها الراوي الخارج عن نطاق الحكي. ولعلّ ذلك ما يفسّر ضمور تقنية الوصف، كما يفسّر اكتفاء الكاتبة بمعاينة السطوح الخارجية لشخصياتها الروائية التي تتّسم، في أغلبها الأعمّ، بثباتها الانفعالي من بداية الرواية إلى نهايتها، والتي لا يتمّ التعبير عن خصائصها النفسية دفعة واحدة، بل عبر مواقع متعدّدة من حركة السرد. وإذا كانت شخصية مختار تشكّل محور العملية السردية، وتستقطب إلى مركزها مجمل فعاليات التخييل الروائي، فإنّ معظم الشخصيات الرئيسية الأخرى يبدو استكمالاً للحكاية وليس جزءاً منها. وتتّصف حركة السرد برتابة إيقاعها، وبامتلائها بفيوضات حكائية زائدة على النصّ، ولا تؤدّي دوراً في صيرورة الأحداث والشخصيّات. *** لا تلتفت دلال خليفة إلى تقنيات الكتابة الروائية المعاصرة كثيراً، ولا تُعنى بإعادة تنضيد الحكاية على نحوٍ مفارق لقوانين السرد التراتبي، إذ ترتهن حركة السرد برّمتها إلى تقنية بنائية تقليدية محكومة بمنطق السببية، وإلى منظومة لغوية تطغى عليها السمة الإبلاغية، ويضمر فيها التخييل ضموراً واضحاً. غير أنّه من المهمّ الإشارة إلى ما تتّسم به أسماء بعض مكوّنات العالَم الروائي من حمولة دلالية، كالسديمة ومختار بخاصّة، أي بما يشير إلى أنّ المكان الجغرافي الذي تتحرّك فيه الشخصيات والأحداث فضاء عائم، لا يمكن القبض عليه في الواقع الموضوعي، وإلى أنّ إرادة مختار في التغيير هي إرادة ميتا واقعيّة، على النحو الذي جسدته له صورته في البحيرة. *** -أحلام البحر القديمة: إذا كانت الرواية السابقة قد عاينت الواقع من وجهة نظر ذهنية، فإنّ رواية شعاع خليفة "أحلام البحر القديمة" تعاين هذا الواقع من وجهة نظر نقيضة هي الواقع نفسه، وهذا الأخير هو تاريخ قطر الحديث الممتدّ ما بين بداية الستينيات والسنة الأولى من التسعينيات. وقد أشارت الكاتبة إلى هذه السمة الواقعية التي ينطلق منها متخيّلها الروائي في معرض تصديرها للرواية بالقول إنّ "أحلام البحر القديمة" تعطي "صورة عن الحياة القديمة بما فيها من معاناة وأخرى عن الحياة الحديثة بما فيها من أمن واستقرار ورفاهية"(4) ، وحدّدت في الوقت نفسه الفضاء الجغرافي لهذا المتخيّل الروائي بمدينتي: "الخور"، التي تستأثر بالنصف الأوّل من المتن الحكائي، و"الدوحة" التي تغطّي نصفه الآخر. ومع أنّ الكاتبة نبّهت، في التصدير نفسه، إلى أنّ شخصيات الرواية والمشاريع التي قاموا بها وهميّة، إلا أنّ هذين المكوّنين الأساسيين من مكوّنات المادة الحكائية، الشخصيّات والأحداث، يحيلان إلى فضاء واقعيّ، هو تلك التحوّلات الاقتصادية المتسارعة التي شهدتها منطقة الخليج العربي بعامّة خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي كان لها دورها المؤثّر والبارز في تحوّلات البنية الاجتماعية، والوعي الاجتماعي، الخليجيين. ولا تتحدّد الواقعيّة، هنا، بمرجعيّة الأمكنة والأزمنة والشخصيّات إلى الراهن حقاً في التاريخ القطري الحديث فحسب، بل بالمعطى الدلالي لهذا كلّه خلال المرحلة الممتدّة ممّا قبل اكتشاف النفط بسنوات قليلة وخلاله وبعده. ولعلّ من أهمّ ما يلفت الانتباه في هذا المجال هو تلك الحفاوة الفائقة التي تبديها الكاتبة بالمفاصل الكبرى من تاريخ المنطقة، وعلى نحو أدقّ بالوثائق الرسمية عن هذا التاريخ(4) التي كانت تطلّ بين موقع وآخر من حركة السرد مشفوعة بلغة الأرقام، حتى لينحرف النصّ، أحياناً، عن حقل الكتابة الروائية، ويدخل في حقل الكتابة التاريخية. غير أنّه من الإنصاف القول إن ثمّة ما يستحق الإشادة به في هذا المجال، أعني ما يقوم به النصّ من توثيق لحياة القطريين، وعملهم بحرفة الغوص بخاصّة في المرحلة السابقة لاكتشاف النفط واستثماره، أي قبل أن ترفل منطقة الخليج العربي بما أطلقت عليه الكاتبة في مقدّمة الرواية أمناً واستقراراً ورفاهية. فالقارئ يتعرّف، في الرواية، إلى أسماء السفن التي كان البحّارة الخليجيون يستخدمونها في رحلاتهم البحرية للغوص على اللؤلؤ، من مثل: "البتيل"، و"البوم"، و"الشوعي"، وإلى وظائف هؤلاء البحّارة في مهنة الغوص، كـ "النوخذة"، و"التبّاب"، و"النّهام"، و"الغيص"، و... ثمّ إلى أسماء الأسماك وأماكن توافرها وأوقات صيدها، وقبل ذلك كلّه إلى الكثير من طقوس الحياة الاجتماعية القطرية التي تحتفي الرواية بتوثيقها، والتي تكاد تندثر ويطويها عصر النفط في لجّة النسيان. *** يرتهن الشكل الفنّي، في "أحلام البحر القديمة"، إلى تقاليد الجنس الروائي، فحركة السرد تبدو بطيئة لاهثة، ومتقطّعة أحياناً، ومع أنّها ما تلبث أن تتسارع في النصف الثاني من الرواية، أي مع هجرة الشخصيتين الرئيسيتين: شيخة ونورة، من الخور إلى الدوحة، إلا أنّها تظلّ أسيرة المنطق الجمالي الذي ارتضته الكاتبة لنصّها في نصفه الأوّل، الأمر الذي قد يعلّل استبداد صوت الرّاوي الكلّي المعرفة، بدواخل الشخصيّات وبردود أفعالها المتوقّعة حيال ما كانت ترتطم به من أحداث، والكاتبة تقدّم منذ الصفحات الأولى للرواية السمات المميّزة لهذه الشخصيّات على نحو يكاد يكون جامعاً مانعاً لخصائصها النفسيّة، ودالاً على ملازمتها لحالة انفعالية واحدة على امتداد الرواية مهما كان الشرط الحياتي الذي يحيط بها، أو الذي يحول دون تحقيق ما تطمح إليه، ومع أنّ بعضاً منها يبدي انزياحاً عن مؤرّقاته الأولى، كالأب الذي يتخلّى عن مقتنياته البحرية العزيزة عليه، إلا أنّ ذلك لا يعني تحوّلاً في الوعي لديها، بقدر ما يبدو خضوعاً لتحوّلات الواقع. على أنّ ما يسم الرواية بانتمائها إلى تقاليد الجنس الروائي لا يعني انتماء مكوّنات النصّ جميعها إلى هذه التقاليد، فإذا كانت الرواية التقليدية توصف ببلاغتها الإنشائية عادة، فإنّ المعجم اللغوي في "أحلام البحر القديمة" يدير ظهره لتلك البلاغة، وينجز لغة شديدة الصلة بلغة وسائل الإعلام الثقافي العامّة، دون أن يعدم المتلقّي بعض التخييل الاستعاري في مواقع بعينها من الرواية، وبخاصّة فيما تصوّره الكاتبة من طقوس الغوص على اللؤلؤ ومشاعر البحّارة وذويهم خلال تلك الرحلات القاسية والطويلة التي كان هؤلاء البحّارة يقضونها في عرض البحر. ومن اللافت للنظر، بل من المثير، ما تعانيه اللغة من أورام على المستوى النحوي، الذي لا يبدو خاصّاً بها فحسب، بل يمتدّ ليشمل معظم النثر الفنّي في المشهد الثقافي القطري(5) . على أنّ ذلك لا يعني سلباً لقيمة الرواية التي تعدُ، بحقّ، خطوة في الطريق الشاقّ الذي بدأته الكاتبة مع شقيقتها للتأسيس لحركة روائية تطمح إلى حيازة المكانة اللائقة بها من مثيلاتها في الجغرافية الثقافية العربية. *** -العبور إلى الحقيقة: تتخلّى شعاع خليفة في روايتها الثانية "العبور إلى الحقيقة" عن الكتابة الواقعيّة التي اتّسمت بها روايتها البكر "أحلام البحر القديمة"، لتختار الكتابة في حقل الرواية الوعظية. وعلى الرّغم من أنّ الكاتبة تمتح مادة هذه الرواية من الواقع القطري في المرحلة التالية لاكتشاف النفط، فإنّها سرعان ما تنحرف بهذا الواقع إلى البحث في قيمة اعتقادية تتّصل بما هو إيمانيّ، وتدعو في تضاعيفها إلى الانصراف عن مباهج الدنيا الخادعة والطارئة إلى ما يعد بحياة آخرة مطمئنة. وبهذا المعنى، فإنّ "الحقيقة" ليست سوى الذات الإلهية التي يتحقّق الكشف بالاقتراب منها، وتعمى الذات الإنسانية بالنأي عنها. وإذا كان ثمّة من صلة للرواية بالواقع، فإنّها لا تعدو كونها حاضناً سردياً لتقديم وجبة من المواعظ التي تجعل الرواية برمّتها نصّاً تأمليّاً في معنى الحياة والوجود. إنّ عاهة العمى التي عاناها بطل الرواية ليست، حسب الكاتبة، سوى اختبار من السماء التي جحدها هذا البطل، الذي كان قد حقّق تفوّقاً علمّياً خلال دراسته للطبّ في إحدى الجامعات الأمريكية، لكنّه ما لبث أن وجد نفسه غائصاً حتى ذروة رأسه في مباهج الغرب الزائفة التي حملها معه إلى مجتمعه القطري، والتي انتهت به إلى تلك الأطروحة القائلة إنّ الحياة عرَض زائل، وإنّ الآخرة خيرٌ وأبقى. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الكاتبة تدعو إلى الزهد في الحياة، بقدر ما تبدو معنيّة بتعرية القيم التي أنتجتها المرحلة التالية لاكتشاف النفط في بلادها، وبهذا المعنى، فإنّ أسئلة الشخصية الرئيسية في الرواية ليست سوى أسئلة الواقع الذي تنتمي إليه، والذي أدّت التحوّلات المتسارعة فيه إلى الانحراف عن قيم الحقّ والخير والجمال، وهي الأسئلة التي أرّقت العقل البشري منذ وعى الإنسان نفسه، وما تزال. إنّ طغيان التأمّلي على الواقعي في الرواية جعل الأخيرة تحتشد بالكثير من الاستطالات الزائدة على جسد النصّ، وأصابها بالترهّل في مواقع بعينها من حركة السرد الروائي، وإلى الحدّ الذي يمكن القول معه إنّ ما هو تأمّلي في الرواية، الذي يبدو سابقاً على عملية التخييل، كان له وقعه السلبيّ في بناء الرواية على المستوى الفنّي، المتأخّر بوضوح تامّ عمّا اتّسم به هذا المستوى في رواية الكاتبة الأولى من اشتغالات دالّة على تملّك الكاتبة لتقنيات الجنس الروائي، وإنْ بمعناها التقليدي. وكما تغصّ الرواية الأولى بالأخطاء اللغوية المثيرة، فإنّ هذه الرواية "تقترف" الإثم نفسه، وتعبّر عن استعجال واضح في دفعها إلى النشر. *** (1) لتعليل الظاهرة: انظر كتابنا "تحوّلات الرّمل، الحكائي والجمالي في القصّة القصيرة في قطر" ط1. دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 1999 (2) يذكر د. محمّد عبد الحكم عبد الباقي، في كتابه: "القصّة القصيرة في قطر. نشأتها، أعلامها، ملامحها الفنّية" ص(30) ، أنّ الكاتب القطري يوسف عبد الله النعمة ذكر له أنّه أصدر رواية بعنوان "بقايا حبّي" سنة 1965 في بيروت. غير أنّ الرواية المشار إليها لا نسخة منها في مكتبة النعمة الخاصّة، ولا نسخة منها في أيّ مؤسسة ثقافية قطرية، ولم تشر إليها أيّة دراسة تتناول الأدب في قطر. وإذا صحّ ما نقله عبد الباقي عن النعمة، فإنّنا نرجّح أن يكون النصّ المذكور محاولة متواضعة في الكتابة الروائية، شأن مجمل نتاج النعمة القصصي، وليس رواية بالمعنى الفنيّ للمصطلح. (3) في حوار أجريته مع الروائية، في الدّوحة، أفصحت لي عن مرجعيّة المادّة الحكائية الخامّ لنصّها الروائي، أي عن الفضاء الجغرافي له، الذي ينتمي إلى منطقة المغرب العربي، لكنّها آثرت الا أشير إليها في دراستي للرواية، وأن يحاول القرّاء تعرّفها من خلال النصّ نفسه، أو إسقاطها على ما يرونه مطابقاً في الجغرافية السياسية العربيّة. (4) انظر، على سبيل المثال، الصفحات التالية من الرواية: في ص(28) حول أثر نقص المياه في قطر إبّان الحرب العالمية الثانية، إذ تورد الكاتبة أعداداً من الذين طالهم هذا الأثر وما يتصل بنتائجه على نحو إخباري. وفي ص(85) عن اكتشاف النفط في قطر. وفي ص103) عن أثر العائدات النفطية في الحياة الاقتصادية القطرية. وفي ص 108) عن استقلال قطر. وفي ص179) عن الغزو العراقي للكويت، ثمّ عن التحرير وقوّات التحالف، وغير ذلك. (5) للتوسّع، انظر: "تحوّلات الرّمل، الحكائي والجمالي في القصّة القصيرة في قطر". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |