المغامرة الثانية - نضال الصالح

دراسات في الرواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سماء بلون الياقوت شعريّة السـّرد

باستثناء أعمال "عبقريّ الرّواية العربيّة": "الطيّب صالح" فإنّ المشهد الثقافي العربيّ يبدو على قطيعة معرفيّة تكاد تكون تامّة بالتجربة الروائية السودانية.‏

وإذا كانت هذه القطيعة تعبيراً عن بؤس الحركة الثقافية العربية الآيلة إلى السقوط في مستنقع التجزئة التي تفتك بالجسد العربيّ على أكثر من مستوى، فإنّ الخطاب النقدي العربيّ المعني بهذا الجنس الأدبيّ، الرواية، يبدو هو الآخر عاجزاً عن تطهير هذا الجسد من ثآليل القطرية التي تتسرطن في خلاياه، فهو أسير المواضعات السياسية التي تعزل الأقطار العربيّة بعضها عن بعض، وتكرّس حالات التقوقع والعزلة عن الآخر العربيّ من جهة، وأسير السياسات الإعلامية القطرية من جهة ثانية.‏

إنّ التجربة الروائية السودانية لا تقلّ أهمية عن مثيلاتها في الأقطار العربية الأخرى(1) ، وربّما استطاعت، في جزء منها، أن تقدّم إنجازات رهيفة على المستويين المضموني والفنيّ، إلى الحدّ الذي يكاد يفوق أحياناً ما يطالعه المتابع من كتابات في هذا الجنس الأدبيّ في أكثر من قطر عربيّ. وعلى الرغم من تلك المكانة الباسقة التي يتمتّع بها "عبقري الرواية العربية" ، بين أقرانه من‏

الروائيين العرب، وعلى الرغم أيضاً من تلك الإنجازات المهمّة التي قدّمها‏

في حقل الإبداع الروائي العربيّ، فثمّة أصوات روائية سودانية تبدو جديرة بالاهتمام، وهي أصوات لا تقلّ أهمية عن مواطنها الطيّب صالح، وربّما تتقدّم عليه فيما يتصل بتقنيات السرد وصياغاته الحداثية، لكنّها لم تنل حقّها من التقدير لأسباب كثيرة ينوء بها المقام.‏

قد تبدو هذه المقدّمة طويلة نسبياً لمقاربة صوتٍ روائي سوداني جديد، هو أمير تاج السرّ، الذي بدأ شاعراً، ثمّ انتهى إلى كتابة الرواية منذ أواخر الثمانينيات، والذي قدّم، إلى الآن، عملين روائيين، هما: "كرمكول، أو الحصانة القروية"(2) ، و"سماء بلون الياقوت"(3) ، اللذين يمتلكان أكثر من قرينة دالّة على وعي الروائي بأدوات الرواية المعاصرة، والمتحرّرة من قبضة التقاليد السردية التي ظلّت تطبع الخطاب الروائي العربي لفترة طويلة نسبياً من الزمن. وعلى الرغم من أنّ الرواية الأولى لا تحقق لنفسها ما يميزها كثيراً من الأعمال الروائية العربية الصادرة في عقد الثمانينات الأكثر بروزاً في ملامح التجريب الروائي العربي، فإنّ الرواية الثانية تبدو شهادة طيّبة على تطوّر تقنيات السرد الروائي ومكوّنات خطابه لدى أمير تاج السرّ، وعلى ما يؤهلها لحيازة مكانة لافتة للنظر بين النتاج الروائي العربي الصادر في عقد التسعينيات.‏

***‏

لا تُسلِمُ "سماء بلون الياقوت" مادّتها الحكائية للمتلقّي من القراءة الأولى، بل لعلّها لا تُسْلِم هذه المادّة قطّ لمتلق ذي سويّة معرفيّة قاصرة بأشكال السرد الحداثية، فالروائي يصوغ ما هو حكائي وفق منطق جمالي متمرّد على ما تواتر في الرواية العربيّة من سرود تقليدية شديدة الوفاء لما هو شفاهي. فليس في الرواية حكاية بالمعنى الذي تواضعت عليه الذائقة الجمعيّة العربيّة من تقاليد في هذا المجال، والبحث عن حكاية فيها يبدو نوعاً من المغامرة التي تلوي عنق النصّ وتخضعه لرؤية خاصّة بمستقبلِه فحسب، ويغيّب، عن سوء تقدير، تعدّد المستويات الدلالية التي تثيرها المفارقات المعرفيّة بين جمهور القرّاء.‏

تُعاين الرواية واقعاً اجتماعياً لقرية سودانية، تختلط الشخصيات النبيلة فيها بنقيضها، كما تختلط قيم الحقّ والخير والجمال بقيم السلب والانتهاك والأنانية. ومن اللافت للنظر أنّ الروائي لا يقدّم هذا الواقع على نحو مباشر، بل على نحوٍ يستدعي التأمّل في بنى الشخصيات وحركيّة الأحداث، ومن ثمّ إعادة صوغ ذلك وفق رؤية القارئ ومخزونه المعرفي. وبهذا المعنى، فإنّ استكناه هذا الواقع يتطلّب الغوص على كلّ مفردة في النصّ، والوعي بظلال الكلمات وليس بالكلمات نفسها، بسبب رهافة اللغة ومنظومة السرد المركّبة التي ينتجها الروائي ويحاول من خلالهما بناء متخيَّله السردي والفضاءات التي تتحرّك فيها الشخصيات والأحداث معاً.‏

في مجتمع الرواية عددٌ وفير من الشخصيات التي تلتقي أحياناً وتفترق أحياناً كثيرة. بعضها خانعٌ لإرادة الواقع حوله، وبعضها متمرّد عليه. وعلى الرغم من أنّ شخصيّة "سعد الأرباب" تستأثر بحركة السرد الروائي، وتستقطب إلى مركزها معظم الشخصيات الأخرى، فإنّها في الوقت نفسه لا تحجب ما تتمتّع به هذه الشخصيّات من سمات مميّزة لها، وربّما مغايرة ومفارقة لقيم الجماعة التي تلتقي على المكانة العالية التي اختصّها "سعد الأرباب" لنفسه.‏

ومن المهمّ الإشارة، في هذا المجال، إلى أنّ هذه الشخصية تمثّل، بشكلٍ ما، نموذجاً إنسانياً كثير الشيوع في المجتمع العربي، لكنّها تمتلك، في الوقت نفسه، نكهتها التخييلية الخاصّة: "كان أبا القرية وأمّها، أخاها وأختها، جدّها وجدّتها وأحفادها.. وجهه قديم كأنّه ورثه عن جدّه، عيناه كبيرتان كأنّهما ولدتا قبله بعدّة أعوام، طريقتهُ مميّزة في النقش على لحم القرية وخياطة جروحها.. حكمته تزدري لغة الطبّ والصيدلة، وجهود الأشعّة والمختبرات"(9) .‏

لقد كان سعد الأرباب موضع إعجاب أهل القرية وحفاوتهم الدائمة، وتقديرهم أيضاً. كانوا يعودون إليه في كلّ صغيرة وكبيرة، وكان قادراً على تلبية احتياجاتهم جميعاً، كما لو أنّه مزوّد بقوّة سحرية قادرة على اجتراح المعجزات، كانوا يرجونه أن يحدّد لهم المكان الذي يستطيعون أن يجدوا فيه ماء، فيحفرون المكان، فينبجس الماء. يصف لهم ما يدفع عنهم العلل والأمراض، فيشفون على يديه. يلجؤون إليه عندما يتعرّض أحدهم لضائقة، فيجدون الفرج لديه.‏

ومهما يكن صحيحاً ما يذهب إليه "ميخائيل باختين"، في معرض حديثه عن الشخصية الأدبيّة، أي فيما يتصل برؤيته للسمات الواجب توفرها في الشخصية الروائية التي تستلزم فعاليات التخييل الإبداعي تقديمها ليس كشخصية مكتملة وثابتة، وإنّما كشخصية قيد التطوّر وتربية الحياة(4) ، ومهما يكن صحيحاً أيضاً من أنّ أمير تاج السرّ قد صاغ شخصية سعد وفق الجزء الأوّل من أطروحة "باختين"، فإنّ هذه الشخصية تبدو نتاج الوعي العربي الذي يتصف بتقديسه للفرد، وطموحه الدائم إلى مثال إنساني يجسّد له طريق الخلاص من الانكسارات والهزائم التي تعصف به.‏

ولعلّ من أكثر السمات المميّزة لهذه الشخصية ولغيرها من شخصيات الرواية هو أننا نسمع وقع خطاها داخل النصّ، لكنّنا لا نتمكّن من الإمساك بأفعالها، فالروائي يبدو مولعاً كثيراً بوصف أفعال شخصياته بدلاً من تقديمه هذه الأفعال نفسها، وبدلاً من أن يكون هذا الوصف نتاجاً للمعنى، وليس سابقاً عليه. غير أنّ الروائي لا يقدّم صفات شخصياته دفعة واحدة، بل يقوم بالكشف عنها بين موقع وآخر من حركة السرد.‏

وثمة، في "سماء بلون الياقوت"، شخصيّات نسوية، تحوز مساحة وفيرة نسبياً من بنية السرد، وتمتلك حمولات دلالية لافتة للنظر، ودالّة على كونها نماذج إنسانية ممتلئة، فـ "فطّومة بنت الكرد" تجهر بحبّها لـ "سعد"، على الرغم من المحاولات الكثيرة التي أرادت ثنيها عن ذلك، ثمّ تقضي شهيدة الصمت الذي فتك بها بعد انصياعها لإرادة الجماعة المستلَبة والمغلولة إلى أعراف اجتماعية رثّة. كانت أوّل مَن "تجرّأ" على "أبوّة" سعد الأرباب: "اختلقت فتى أحلام فذّ(5) ، سقته بعشق متخيّل، حتّى عميت بصيرتها.. ورّطت قلبها الفقير في الخفقان"(10) . وتتجلّى السمة نفسها في شخصيّة "روضة بنت البدين"، التي ظلّت مخلصة لذكرى زوجها المتوفّى "خير السيّد ودّ شاطر"، والتي رفضت كلّ مَن تقدّم إليها: "وحدها كان حزنها فارعاً.. اضطرّت إلى الاستعانة بحنظل الجبال"(30) ، لكي تردّ المتدفّقين على بابها.‏

وإذا كان أمير تاج السرّ معنياً، في الأغلب الأعمّ، بإنتاج صفات لمكوّنات عالمه الروائي، فإنّ هذه السمة تبدو على قطيعة جمالية مع بنية الشكل الفنّي الذي ارتضاه لنصّه، أي الشكل الذي يدير ظهره لتقنيات السرد التقليدي، المثقلة، عادةً بالوصف السابق للمعنى، دون أن يعني ذلك انتقاصاً من جماليات الأداء اللغوي، التي تمثّل إضافة بحقٍّ إلى المشهد الروائي العربيّ، وإنْ كنّا نعثر على سوابق لها في نتاج السوري حيدر حيدر والمصري إدوار الخرّاط بخاصّة، إذ يبدع الروائي لغةً موّارة بالحركة، ممتلئة بما يعبّر عن وعيه بمعنى التخييل الذي يمنح النصّ "أدبيّته"، حيث تتجاوز اللغة دلالاتها المعجميّة، ويتمّ تخصيبها بصور فنّية تحيل إلى الكثير من خصائص الشعر. ولعلّ المقبوس التالي، الذي يصف الروائي فيه رعشة الحبّ التي أشعلت خير السيّد ودّ شاطر أمام الروضة بنت البدين، يقدّم مثالاً معبراً عن هذه السمة التي تطبع مجمل فعاليات التخييل اللغوي في الرواية: "في أحد الأيّام، كانت الرعشة المقيمة في دمه قد فقست.. ظلّت تنقر في دمه حتّى تثقّب.. في أوّل ليلة لزواجه منها، اكتشف أنّ الصباح ينبع من عينيها، والليل أيضاً، اكتشف أن شعرها لو مشّطته لغطّاها وحدها، ولو أطلقته لغطّاهما معاً"(27) .‏

إنّ اللغة، في "سماء بلون الياقوت"، تتجاوز المالوف، بل هي تحطّم قوانين الواقع الموضوعي، وتحيله إلى "عالَم ساحر.. تتحرّك فيه الشخوص والأشياء بوصفها رموزاً لما يجري في عالَم الواقع"(6) .‏

"سماء بلون الياقوت" رواية سودانية بامتياز، إذْ تتناسل فيها مفردات المجتمع والبيئة السودانيين تناسلاً دالاً على رغبة ظاهرة لدى أمير تاج السرّ بكتابة نصّ روائي معبّر عن انتمائه إلى فضاء جغرافي /اجتماعي محدّد. ولا يتجلّى ذلك من خلال ما يتردّد في تضاعيف الرواية من حوارات ذات صلة واضحة بالمنطوق الشعبيّ في السودان فحسب، بل من خلال ما يتردّد من مفردات تكاد تبدو خاصّة تماماً بالفضاء المشار إليه آنفاً، من مثل: النمتي، شلوخها، الطلس، الدفيق، التركين.. غير أنّ كثيراً من تلك المفردات يعوّق عمليّات التلقّي لدى القارئ العربيّ، الذي يقف عاجزاً عن وعي ما تحيل إليه، وبخاصّة بسبب ورود الكثير منها في سياقات سردية غير ذات دلالة.‏

إنّ حفاوة الروائي بما يعبّر عن روح البيئة التي تتحرّك فيها أحداث عالَمه الروائي وشخصياته تذكّر بإنجازات الرواية الإفريقية بعامّة، والرواية الأمريكية اللاتينية بخاصّة، اللتين اكتسبتا مكانة مهمة في المشهد الروائي العالمي، واللتين عزّزتا القول إنّ المحلّية طريق إلى العالمية، وإنّ تصوير الواقع، بل الغوص على هويته المميّزة له، ومن ثمّ امتلاكه معرفيّاً وجماليّاً، يمنح ذلك كلّه ما يجعل من النصّ وثيقة تاريخية /اجتماعية تتجاوز ما هو رسميّ إلى ما هو شعبيّ. ومن المفيد الإشارة، هنا، إلى ذلك الدور المهمّ الذي تؤدّيه الأهازيج والأغاني الشعبيّة المتناثرة بين أكثر من موقع في الرواية، والتي نرجّح أن تكون من صنيع الروائي نفسه، والتي تشبه، إلى حدّ كبير ما تقوم به الجوقة في الملاحم الإغريقية، وإلى دورها في اختزال الأحداث والمواقف التي تصوغ ردود أفعال الشخصيّات أمام ما يكبح جموحها للامتلاء بالحياة وممارسة وجودها وشرطها الإنسانيين إلى أشدّ دلالاتها كثافة.‏

وعلى الرغم من أنّ الرواية لا تسلم من الوقوع في شرك الأخطاء اللغوية، فإنّها تبدو جديرة بعدّها إضافة مهمّة إلى تجربة كاتبها من جهة، وإلى التجربة الروائية السودانية والعربيّة من جهة ثانية، وإذا كان ثمّة ما يمكن أن يُقال أخيراً، فهو أنّ المشهد الروائي العربيّ يكسب، من خلال هذه الرواية، صوتاً إبداعياً جديداً قادراً على الدخول بقوّة إلى قائمة الروائيين العرب الذين يصنعون مجد الرواية العربية المعاصرة.‏

***‏

(1) يورد الدكتور سيّد حامد النسّاج في كتابه "بانوراما الرواية العربية"، عدداً من الأسماء والتجارب الروائية في المشهد الثقافي السوداني منذ نهاية الأربعينيات، أي منذ الرواية السودانية البكْر "تاجوج" لعثمان محمّد هاشم، الصادرة سنة 1948. وباستثناء هذا الجهد الثقافي، فيما نعلم، فإنّ الرواية السودانية لم تلق حظّها من التقويم والمتابعة، وما تزال، في أغلبها الأعمّ، رهينة المراجعات النقدية المتناثرة في الصحف والدوريّات العربية.‏

(2) منشورات دار الغد، القاهرة 1988.‏

(3) منشورات دار ازمنة، عمّان 1996.‏

(4) للتوسّع، انظر: باختين، ميخائيل. "الملحمة والرواية". ص(28) .‏

(5) كذا في الأصل، والصواب: "فذاً" بوصفها نعتاً للفتى.‏

(6) إبراهيم، د. نبيلة "نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية" ص20‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244