المغامرة الثانية - نضال الصالح

دراسات في الرواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قــــبل الرّحــــيل الســـــّيري والــــرّوائي

توفّر تجربة الكاتب الفلسطيني يوسف جاد الحقّ، على المستويين السيري والأدبي، ما يمكّن صاحبها، كما يبدو، من الانتقال إلى حقل الرواية، بل من إنجاز نصّ روائي فلسطيني بالمعنى المميّز تماماً للتجربة الروائية الفلسطينية.‏

فعلى المستوى الأوّل، يمتلك الكاتب جاد الحقّ مخزوناً معرفياً واقعياً بأكثر المفاصل التاريخية حرارةً وقسوةً في الصراع الفلسطيني -الصهيوني، حيث شهدت طفولته ووعيه المبكّر في قريته الفلسطينية "يبنا" ذروة ذلك الصراع في سنوات الأربعينيات، وهو، على المستوى الثاني، يمارس الكتابة في أكثر من جنس أدبي: القصّة القصيرة، والمسرحية، والشعر، منذ مطلع عقد الستينيات، أي منذ صدور مجموعته القصصية الأولى "أشرقت الشمس"1961.‏

وعلى الرغم من أن المستويين معاً لا يقنعان النقد بشرعية الممارسة الروائية، فإنهما في رواية الكاتب الأولى "قبل الرحيل"(1) يبدوان كافيين لإطلاق صفة الجنس الروائي على صنيع الكاتب في هذا المجال، وإنْ كان هذا الصنيع شديد الوفاء للأعراف الجمالية التقليدية للرواية العربية.‏

تمثّل الرواية المشار إليها آنفاً، على المستوى الحكائي، امتداداً لأعمال روائية فلسطينية سابقة، منها: "حفنة رمال" 1965 لناصر الدين النشاشيبي، والجزء الأول من ثلاثية فلسطين لنبيل خوري "حارة النصارى" 1969، ورواية هيام رمزي الدردنجي "إلى اللقاء في يافا" 1970، و"سنوات العذاب" 1970 لهارون هاشم رشيد، و"الدم والتراب" 1971 لعطية عبد اللّه عطية، و"أيّام الحبّ والموت" 1973 لرشاد أبو شاور..، التي يهجس جميعها برصد حركة الصراع الفلسطيني -الصهيوني في الفترة الواقعة ما بين بداية الانتداب البريطاني على فلسطين سنة 1920 والنكبة سنة 1948، ويُعنى، جميعها أيضاً، بتصوير وطأة الظروف المعيشية- الكفاحية التي عاناها الفلسطينيون في تلك الفترة وهم يواجهون المنظمات الصهيونية الإرهابية في سعيها المحموم لابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية، ودفع أبنائها إلى النّزوح عنها. وما تضيفه الرواية، في هذا المجال، يتمثّل في رصدها لذلك كلّه من موقع آخر في الجغرافية الفلسطينية. وعلى الرغم من أن هذا الموقع، قرية "يبنا"، يشكّل مركز الفضاء المكاني الذي تتحرك فيه أحداث الرواية وشخصياتها، فإنه يتجاوز نفسه إلى معظم تلك الجغرافية، وإلى الحدّ الذي يمكن القول معه إن الرواية تقدّم ثَبَتاً يكاد يكون جامعاً لأكثر الأرض الفلسطينية: قرىً، ومدناً، وشوارع، وأحياء، وطبيعة، قبل أن تنجز الحركة الصهيونية أهدافها في تغيير معالمها، وإبادة الكثير منها، وإطلاق أسماء عبرية -توراتية عليها بدلاً من أسمائها العربية، رغبة من الكاتب، كما نرى، في تثبيت الحقائق الجغرافية- التاريخية في الذاكرة العربية بعامة، والفلسطينية بخاصّة.‏

***‏

لا تُعنى هذه الدراسة بالمستوى المشار إليه آنفاً، أي بالمستوى الحكائي، بل تحاول استقراء أهمّ الخصائص المميزة لثلاث من مكوّنات الخطاب في الرواية: "الزمن"، أي تجليات تزمين القصّة، و"الصيغة"، أي أنماط السرد التي تصوغ المادة الحكائية الخام، وأخيراً "الرؤية السردية" التي تحدد موقع الراوي من عملية السرد بمعنى طموحها، أو طموح منتجها على نحوٍ أدقّ، إلى استكناه "أدبية La Littèraritè الرواية.‏

***‏

تجمع رواية "قبل الرحيل" بين شكلين للكتابة السردية: الكتابة السيرية، والكتابة التاريخية. تتجلّى الأولى من خلال الفضاء المكاني المركزي في الرواية، الذي ينتمي إليه الكاتب ويصدر عنه فيها، ثم من خلال تلك الجزئيات والتفاصيل التي يقدّمها له، والتي تؤكّد خبرته الواقعية به. غير أنّ ما هو سيري /ذاتي، هنا، سرعان ما يتحوّل ليصبح سيرياً/ جمعياً، يعني بشكلٍ ما سيرة فلسطين كلّها: بشراً، وأمكنة، ووقائع، بل سيرة الأربعينيات على المستويين الفلسطيني- البريطاني /الصهيوني/ العالمي. بمعنى أن السيرة تتجاوز "أنا" الراوي /الروائي لتندغم بـ "الآخر" -الـ "نحن" الفلسطيني من جهة، والـ "هو" البريطاني- الصهيوني من جهة ثانية.‏

وإذا كان ثمّة شكلان للكتابة السيرية: "الذكريات Souvenirs" التي يجهد الكاتب في مطابقتها للواقع عادةً، و"التذكارات Mèmoires" التي يعيد فيها صياغة تلك الذكريات، ويحققها، ويجادلها في آن، فإن السيرة في رواية "قبل الرحيل" تنتمي إلى الشكل الأول، إذْ تحتفظ لنفسها بواقعية ما جرى، وبما ظلّ عالقاً بذاكرة الكاتب من وقائع، وأحداث، وشخصيات، قبل النّزوح.‏

وتتجلّى الكتابة التاريخية من خلال تلك المؤشرات الزمنية الكثيرة التي تتدافع بغزارة بين تضاعيف السرد الروائي مشفوعة بالأرقام، والأسماء، والتواريخ على نحو يقوّض "أدبية" الرواية في أكثر من موقع، وهي مؤشرات لا تتجاوز كونها تثبيتاً للتاريخ بمعناه الرسمي. ويمكن أن نمثّل لذلك بالمقطعين التاليين، يعبّر كلاهما عن بعض وقائع الحرب العالمية الثانية بعامة، وعن الخسائر التي مُنيَ بها الألمان بخاصّة: "كان ذلك ابتهاجاً للنتائج التي أسفرت عنها معارك "ستالينغراد" وهي ساحقة للقوات الألمانية، وخسائر فادحة في صفوفها. فهذا الذي هُزم هو الجيش السادس الذي استسلم تسعون ألفاً من جنوده، من بينهم أربعة وعشرون جنرالاً" 173) "أمام زحف قوّات الحلفاء بقيادة الجنرال الأمريكي "أيزنهاور" والماريشال البريطاني "مونتغمري" تقول الجرائد والإذاعات.. إنّ الألمان خسروا مائة وعشرين ألف رجل، وستمائة طائرة، وسبعمائة دبابة"215).‏

-تجليات تزمين الزمن في الرواية:‏

تؤشّر رواية "قبل الرحيل" حدّي الزمن اللذين تتحرّك بينهما وخلالهما الأحداث على نحوٍ صريح ومؤكّد لتلك الحفاوة الواضحة التي يبديها الكاتب بالمؤشرات الزمنية الدالّة على حركة هذه الأحداث وتطوّرها وموقعها من تاريخ القضية الفلسطينية. يتمّ التعبير عن الأول من خلال إجابة الأستاذ عبد الخالق على أسئلة تلاميذه حول الانكليز والثورة بقوله: "الإنكليز احتلوا بلادنا منذ نيّف وعشرين سنة"(45) ، بمعنى أن أحداث الرواية تبدأ مع مطلع الأربعينيات، ويتمّ التعبير عن الحدّ الثاني من خلال قول الراوي في خاتمة الرواية: "أمّا وقد دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين في الموعد المضروب لدخولها، الخامس عشر من أيار، فقد اطمأنت القلوب الوجلة، وهجعت النفوس المضطربة" 302). وتأسيساً على هذين الحدّين، فإنّ زمن القصّة في الرواية يمتد على ثماني سنوات تقريباً، هي السنوات الأكثر بروزاً في تاريخ القضية، والأكثر قسوة وانكسارات وخيبات في الواقع الفلسطيني. غير أنّ زمن الخطاب يوغل فيما قبل الأربعينيات، يمتد إلى النصف الثاني من عشرينيات القرن المنصرم، وبخاصّة إلى وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني 1917، الذي أسفر عن أطماع الحركة الصهيونية بأرض فلسطين عبر حاضنتها الأولى بريطانية.‏

ومن خلال هذين الحدّين يتم تنضيد الأحداث على نحوٍ تراتبي يظلّ وفياً للمنطق الخطّي للزمن، متوسلاً الكاتب إلى ذلك بتقنية الفصول التي تشكّل في مجموعها تسعة وستين فصلاً، لا يشير كلٌ منها إلى وحدة حدثية /زمنية مستقلة بنفسها، أو ما يعبّر عن خصيصة بعينها. غير أن ثمة علاقة بين توزّع هذه الفصول وعمر الشخصية الرئيسية "أمين" من جهة، وبينهما وتطوّر الأحداث، وتراكمها، وتسارعها من جهة ثانية. فعلى حين تعاين الفصول التسعة عشرة الأولى ثلاث سنوات من عمر "أمين" يعاين خمسة وعشرون فصلاً 20-45 ثلاث سنوات أخرى، بينما يكتفي ثلاثة وعشرون فصلاً 46-69 برصد سنتين فحسب، الأمر الذي يعبّر على نحو مضمر عن كمّ الأحداث وحرارتها كلّما اقتربت من النكبة.‏

وغالباً ما يتمّ تزمين الخطاب من خلال تقنيتين: "الاسترجاع Retrospection"، و"الاستباق Anticipation" اللتين تحاولان انتهاك خطّية زمن القصّة وتراتبيته المهيمنة وكونه مادةً خاماً، لتنتجا زمن الرواية الخاص بها، وإذا كان من أهمّ وظائف الأولى إضاءة سوابق شخصية تمّ إدخالها حديثاً إلى السرد أو استعادة ماضي شخصية غابت عنه لوقت(2) ، فإن مجمل الاسترجاعات في "قبل الرحيل" يؤدي هذه الوظيفة، وهي، في مجملها أيضاً، استرجاعات داخلية يدعوها "جيرار جينيت G.Genette": "مِثْليّة القصّة"، أي: "التي تتناول خط العمل نفسه الذي تتناوله الحكاية"(3) . وكثيراً ما تنهض هذه الاسترجاعات على الصيغة التقليدية لاستعادة الماضي أو ترهينه، أي على صيغة الفعل "تذكّرَ" واشتقاقاته. ولعلّه من المفيد هنا الإشارة إلى أن لكل استرجاع "مدى Amplitude" طويلاً نسبياً من الناحية الزمنية، أي ما يحدد المسافة الفاصلة بين الحدث المستعاد أو ماضي الشخصية واللحظة الحاضرة، على حين تبدو "سعة protèe " الاسترجاع التي تستغرقها تلك المسافة نقيض ذلك. والسمتان كلتاهما، مدى الاسترجاع وسعته، يختزلان الكثير من خصائص الحدث أو الشخصية، كما في تذكّر "أمين" لما كان يسمعه من روايات عن الضابط البريطاني "الكولونيل وينجت"، وكما في استدعائه لماضي الوسيط اللبناني الذي كان يغري الناس ببيع أراضيهم ثمّ يدفع بها إلى موكّله اليهودي، والذي ما لبث أن لقي حتفه على أيدي ثلاثة من أبناء القرية.‏

وتتسم تقنية "الاستباق" باتكائها إلى تقنية أخرى، تقنية "الحلم"، الذي ينهض داخل السرد بمهمّة التمهيد لأحداث تالية، أو بمهمّة الإعلان عنها، وتجد هذه السمة أكمل تمثيل لها في أحلام الأم بخاصة، في الحلم الذي رأت فيه أبا صفية يتقدّم منها "بعينيه الحادتين.. يحاول أن يبتسم لها. لكن ابتسامته مخيفة. هذه أنياب ذئب. يقترب أكثر. يمسد شعرها براحة كفه الثقيلة فتصدمه.."178)، والذي سرعان ما تحوّل إلى حقيقة حينما أرغمت الظروف المعيشية الضاغطة هذه الأم على زواجها منه، ثمّ في الحلم الذي رأته قبل ليلةٍ من عودة ابنها سعيد، إذ لم يكن كيس الدقيق الذي بشّرها الطارق بأنه في الطريق إليها سوى سعيد الذي طرق الباب في عصر اليوم التالي.‏

وكما تنازع الأحلام تقنية "الاستباق" وظيفتها التنويرية في السرد، معبّرة عن حدس أو ما يشبه النبوءة لدى الأم، فإنها لدى الراوي تقوم بوظيفة تطهيرية، كاشفة عن رغبات مضمرة أحياناً، ومعرّية حقائق تم تشويهها أحياناً ثانية. ويمكن أن نمثّل للمستوى الأول بما رآه الراوي وهو يحاول وأخواه قذف الخال رمضان الذي كان يعزز رغبة الأب /الجدّ في تزويج الأم تجنّباً لألسنة الناس التي ستلوك سمعتها بعد وفاة زوجها وهي ما تزال صبية: "جدي يهيم في صحراء قاحلة.. في بيداء مترامية الأطراف خالية من البشر.. يبحث عن ولده الضائع رمضان.. أنا وأخواي نقذف برمضان في جب ذي قرار سحيق.. أناس كثيرون يهرولون نحو الجد، ونحن معهم.. ثم نسبقهم.. ننبئ جدي بأن ولده الأثير أكله الذئب ونحن عنه غافلون! يلوح جدي بكلتا يديه مستنكراً.. ألا إنكم لكاذبون.."107). وغير خافٍ ما يبديه هذا الحلم من استفادة واضحة من قصة يوسف والذئب، بمعنى أنه ينتج تعالقاً نصّياً معها دون أن يذكرها، لكنه في الوقت نفسه يبدي انزياحاً عنها، تفارق صورةً رمضان معه صورةَ يوسف كما قدّمها النصّ القرآني الكريم، أعني صورةَ يوسف وهو في غيابه الجبّ لذنب لم يقترفه، وصورةَ رمضان بوصفه قوّة سالبة ومدمّرة للأسرة.‏

ويتبدّى المستوى الثاني، أي ما يقوم به الحلم من دور تطهيري يعرّي الحقيقة التي تمّ تشويهها، من خلال ما رآه الراوي في حلمه وهو في مدينة الخليل، حيث تفضح مقولات الشيخ مزاعم اليهود وادعاءاتهم في "حقّ" تاريخي لهم في مقام إبراهيم، ويثمن الكفاح والمعرفة بوصفهما الطريق الوحيد لاستعادة الأرض، وليس الشيخ هذا سوى إبراهيم الخليل نفسه: "حفلت ليلتي بالرؤى والأحلام. شيخ وقور لا سبيل إلى وصفه. كأنما هو قادم من أعماق التاريخ، يحمل في يده مصباحاً يشع نوراً باهراً. يقول بلهجة استنكار: يزعمون انتماءهم لي وهم ليسوا كذلك. أنا مشرقيّ ومقامي هنا، منذ فجر التاريخ، وهم جاءوا بالأمس من بقاع في مغرب الشمس. سبقت أصل وجودهم بألف سنة فكيف يدّعون قرابتي. أنتم أبنائي والأرض لكم. يصمت الشيخ قبل أن يهديني المصباح، وهو يشير لي بيده صوب الشمال. ألتفت إلى حيث يشير، فأرى قبّة الصخرة ومآذن الأقصى تسربلها ظلمة حالكة. ولكن مصباح الشيخ، ومن هذا البعد السحيق ينشر الضياء عليها وعلى ما حولها. ثم يقول وهو يقدم لي المصباح بيد وسيفاً باليد الأخرى: هذا هو الطريق إليها!"154).‏

غير أنّ هذه المفارقات السردية "Anachronies Narratives" التي ينتجها تخطيب الزمن في الرواية، لا يخلّص الأخير من تراتيبته وخطّيته المهيمنة، لكنّه يعبّر بشكلٍ ما عن رغبة الكاتب بالتقاط أكثر الأحداث دلالة في تحوّلات الصراع الفلسطيني -الصهيوني وتطوّراته، وأكثر مفاصله حرارة في عقد الأربعينيات. ولا تتمّ تلك المفارقات من خلال تقنيتي الاسترجاع والاستباق فحسب، بل من خلال فعالية "الوصف" الذي يتدافع بكثرة في تضاعيف السرد معطّلاً حركة الزمن، وموقفاً نموّه، والذي يترجح بين وظيفتين: تزينية ودلائلية، حسب تمييز "جينيت"(4) ، ويحدد المعنى حسب تصنيف "ريكاردو Ricardou" للصلات التي تقوم بين الوصف والمعنى(5) وهو، في أغلبه الأعم، أداة لصياغة صورة المكان، حيث "يراوح الزمن في مكانه بانتظار فراغ الوصف من مهمته"(6) ، ويمكن أن نمثل لهذه السمات جميعا التي تميز فعالية "الوصف" بالفصل الأول الذي يمكن عدّه مهاداً للفضاء المكاني المركزي، والذي يستجمع لنفسه معظم خصائص الوصف في الرواية: "تقع قريتنا فوق رابية تتوسط سهلاً فسيح الأرجاء، يحيط بها من كل جانب، يكتظ بالكروم وبيارات البرتقال، كما تنتشر في بعض جنباته حقول القمح وبساتين الفاكهة من كل نوع ولون.. تشغل المباني، متباينة الأشكال، سفوح الرابية.. وعند القمّة يقوم مسجد القرية الأثري.. وتكتنف المسجد ساحة فسيحة.. تتشعب أزقة القرية الضيقة المتعرجة بين بيوت عتيقة.."(5) .‏

***‏

-الصيغة السردية:‏

يُقصَد بالصيغة السردية أنماط ممارسة السرد، أو الأساليب التي يتوسل بها الراوي لحكاية القصّة، أو أشكال تنضيد هذه الحكاية داخل النصّ. ولعلّ من أهمّ ما تتسم به رواية "قبل الرحيل"، في هذا المجال، هو انتماؤها إلى "الحكاية الخالصة"، أي الحكاية التي تطابق بين ذات الراوي وذات الروائي، ثمّ ترجّح هذه الصيغة بين أسلوبين: أسلوب "العرض Représentation" الذي يعني سرد الأحداث والأقوال، و"المشهد Scène" الذي تنتجه حواريات الشخصيات فيما بينها، اللذين يرتهنان، في الحالين معاً، إلى صوت الراوي الذي يوجّه الحكاية، ويصوغ الأحداث والأقوال ومنطوق الشخصيات وفق رؤياه ووعيه ومقاصد الكتابة لديه. ولئن كان قول اكثر ما يمكن بأقل ما يمكن واحداً من أهمّ وظائف العرض، فإنّ الأخير في "قبل الرحيل" يقول كلّ ما يمكن، الأمر الذي يعزز ما ذهبنا إليه في مطلع الدراسة من أن الكتابة السيرية تتكئ إلى منطق الذكريات، وليس إلى منطق التذكارات، الذي يعبر عن نفسه من خلال تلك الجزئيات والتفاصيل التي تتمدد باسطة حضورها اللافت للنظر في أكثر من موقع من الرواية، ومن خلال عددٍ من الشخصيات التي ما إنْ يتم الإعلان عن حضور الكثير منها حتى تختفي فجأة ولا يعود لها شأن فيما تبقى من حركة السرد، كشيخ الكتّاب عبد الكريم ومعاونه أسعد، وأم عدنان، وعدلة الشامية، وغيرهم.‏

ومجمل الأحداث في الرواية يتم تقديمها من خلال "العرض" الذي يكتفي، في أغلبه الأعم، بإنتاج سرد محددٍ لخصائص المسرود وزاهدٍ في تخصيب فعالية التلقي أو تعددية المعنى، وقليلاً ما تتمّ الإشارة إلى بعض هذه الأحداث من خلال المشاهد الحوارية، ومعظم ما تتم الإشارة إليه من أحداث في هذه المشاهد يتعلّق بما هو سابق على لحظة الحوار، المفارق دائماً لما يسميه "بروست": "اللغة الموضّعة"، أي ما يمنح الشخصيات استقلالها اللغوي(7) ، حيث يبسط وعي الراوي بالأحداث نفوذه، على وعي غيره من الشخصيات بعضها مع بعض وكأنه صادر عن شخصية واحدة، كما في حوار الجارات حين سمعن أصوات رصاص الإنكليز وصياح صبية يتراكضون عبر الأزقة: "خُمنت إحداهن قائلة: ربما كان ذلك بسبب نسف الثوار للخط الحديدي بالأمس على مقربة من القرية. عقبت أخرى بسخرية: ومتى كان هؤلاء ينتظرون سبباً يبرر ارتكاب الجريمة التي يريدون.. تدخلت ثالثة: إذا كان الأمر كذلك.. فلسوف تأتي اليوم الانذارات بالعقوبات الجماعية التي ابتكروها. سيفرضون علينا عقوبات فادحة.."(12) .‏

والنمطان معاً، العرض والمشهد، يحكيان أكثر ممّا يؤولان، بمعنى أنهما يشكّلان مكوّنين من مكوّنات الفعل السردي الذي يتبدى من خلالهما لصيقاً بالحكاية ومطابقاً لها، حيث تنجز الأحداث نفسها بوصفها ماضياً تمّ وانتهى، عبر أقوال الراوي عنها، وليس عبر أفعال الشخصيات التي تظل محافظة على خصائصها الانفعالية منذ مفتتح النص إلى منتهاه، على الرغم من أنّ الأحداث التي تمور حولها وفيها شديدة الوطأة عليها، ويبدو بعضها كافياً لتعديل هذه الخصائص فيها. ولكي لا يظل هذا التفكيك للنمطين معلّقاً في الفراغ، فإننا نمثّل له بشخصية الراوي/ البطل التي يتم تقديمها من خلال حاضر الكتابة وليس من خلال الشرطين النفسي والمعرفي للشخصية الرّوائية، وقرينة ذلك علاقة الأخيرة بالفتاتين اليهودتين "ريبا" و"سارة" في "معسكر قطرة" التي تشي بالممايزة بين اليهود الغربيين ويهود المشرق، أي "الاشكنازيون" و"السفارديون"، ثم علاقتُها ووعيُها الساكنان بالأحداث حولها على امتداد الراوية، بمعنى صدورهما، العلاقة والوعي، عن خصيصة استقبالية لهذه الأحداث، وليس عن خصيصة فاعلة فيها. ومسوّغ ذلك، كما نرى، إلحاح الكاتب على هذه الأحداث أكثر من اهتمامه بتطوّر الشخصيات، ونموّها ومحاولة استكناه دواخلها.‏

وبعامة، فإنّ "العرض"، في الرواية، يبدو معنياً بتتبع كيفيات ردود أفعال الشخصيات حيال الحدث الذي يعنيها على المستوى الخاص من جهة، وقضية الصراع مع العدو على المستوى العام من جهة ثانية. ومن المهم التنويه، هنا، بحرص الروائي على تقديم مختلف قطاعات المجتمع في المرحلة التي ترصدها الرواية، أي بما يعبّر عن أشكال تعامل هذه القطاعات مع تلك القضية، ثم أشكال تجلّي الشخصية اليهودية وأنماطها ووظائفها فيما يخصّ القضية نفسها. على النحو الذي تمثّله شخصية محمد الشريف /شلومو بن مزراحي الذي أدى الدور المنوط به على أكمل وجه، يحقق للمنظمات الصهيونية التي تنتمي إليها تنفيذ مخططاتها في الاستيلاء على مزيد من الأرض الفلسطينية، وفي إقامة دولة يهودية عليها. فكما تقدّم الرواية فلسطينيين مهمومين بهذا الصراع، ومكتوين بأواره، على النحو الذي يتمثّل في شخصية الأستاذ عبد الخالق، والعم عبد الغني، وإسماعيل العطّار، والشيخ محمد أبو العينين، فثمة فلسطينيون يبدون بمعزل عن الأحداث كآل الجمل بعامة.‏

***‏

-الرؤية السردية/ وجهة النظر:‏

تتم عملية السرد في "قبل الرحيل" من خلال ما يسمّى "التبئير الداخلي"، أي تبئير الحكاية من خلال وعي شخصية محددة هي شخصية البطل /السارد(8) . وتأسيساً على ما تنتجه هذه العملية من راو مشارك في الحكاية ويقوم بالحكي أيضاً، فإن المستوى السردي ينتمي إلى السرد الذاتي، وينتمي الراوي إلى "المتماثل حكائياً" بتعبير "جينيت" أو "جواني الحكي" بتعبير "لينفلت"، أي الراوي القابع داخل السرد، الذي يبدي كفاءة عالية في الوصول إلى كل شيء، وفي إدراك ما يدور في دواخل الشخصيات الأخرى.‏

وإذا كانت مهمّة الروائي إيهام قارئه بابتعاده عن روايته، وإذا كان النقد قد عدّ هذا الإيهام معياراً للحكم على الجودة الفنية للرواية(9) ، فإن ما تنتجه الرؤية السردية في الرواية من مطابقة بين ذات الروائي وذات الراوي، أي ممّا سمّاه "واين بوث W.Booth": "الأنا الثانية للكاتب أو الكاتب الضمني"(10) ، أو ما أطلق عليه عبد الله إبراهيم اسم "الكاتب المصاحب"(11) ، الذي يحلّ في ذات الشخصية الرئيسية "أمين"، الذي يقوم بإنتاج سرد ذاتي خالص، بمعنى أنه "يموقع" بناء النص من خلال رؤياه ووعيه فحسب، يجعل الرواية، على مستوى التبئير، أسيرة صوت واحد ذي خصيصة "أوتوقراطية" إذا جاز التعبير حيث يبدي الكاتب سيطرة مطلقة على كائنات عالمه الروائي، ولا ينتج نصّاً مستقلاً عنه، ولا شخصيات يمتلك كلّ منها رؤياه للأحداث ولغيره من الشخصيات، فهو يرصد حركة شخصياته في المكان، كما يرصد حركتها في الزمان منذ الصفحات الأولى للرواية حتى نهايتها، ولا يكتفي بذلك، بل يروح يلاحق أفكارها، وأحلامها، وتاريخها، وعلاقاتها، دون أن يدع شيئاً يفلت من قبضتيه مهما كان صغيراً"(12) .‏

وبتتبع بناء الرؤية السردية أو المنظور الروائي في الرواية، يبدو المنظور الأيديولوجي، أي "منظومة القيم العامة لرؤية العالم ذهنياً" بتعريف "أوسبنسكي"(13) مهيمناً على ما عداه من المنظورات الأخرى: النفسية والتعبيرية، حيث يعلّق الراوي على الأحداث والشخصيات مصنّفاً إياها في طبقات، ويخضعها في الوقت نفسه لوجهة نظره، ومن غير أن يمنحها فرصة وجودها المستقل أو التعبير عن خصائصها الانفعالية ورؤياها للعالم بنفسها.‏

ويتسم خطاب الرواية بأنه خطاب مغلق، حيث لا تناقض بين بنية الحكي الروائي وبنية خطابه، تثميناً لهاجس الكاتب وإلحاحه على إنتاج نص يطابق بين مكوّنات الحكي ومغزاه، أي حفاوته بمقاصد الكتابة التي تتحدّد هنا، بتصوير ما تعرّضت له الأرض الفلسطينية من استعمار استيطاني مدجج بمزاعم دينية وتاريخية لا تمتلك قرينة ما تعززها على المستويين بآن، وما تعرّض له أصحاب هذه الأرض من إبادة، ونفي، وتشريد، وما كانوا يبدونه من مقاومة للتشبّث بها والدفاع عنها.‏

***‏

"قبل الرحيل" رواية فلسطينية بالمعنى التام للمصطلح، وهي تحدد هوّيتها وانتماءها إلى التجربة الروائية الفلسطينية، ثم إلى تقاليد الرواية العربية وأعرافها الجمالية الكلاسيكية بامتياز، وعلى النحو الذي يؤدي غاياتها دونما تجريب أو اتكاء إلى تقنيات الرواية الحداثية، دون أن يسلبها ذلك شيئاً من خصائص الجنس الروائي الذي تنتمي إليه، فالتجريب ليس خصيصة إيجابية دائماً، كما أن التقليد ليس مثلبة دائماً.‏

***‏

(1) جاد الحقّ، يوسف. "قبل الرحيل" ط1. اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1997.‏

(2) انظر: جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج" ص(61)

(3) المرجع السابق. ص(62)

(4) انظر: بارت، رولان "النقد البنيوي للحكاية" ص111)‏

(5) انظر: ريكاردو، جان "قضايا الرواية الحديثة" ص165) وما بعد.‏

(6) بحراوي، حسن. "بنية الشكل الروائي. الفضاء، الزمن، الشخصية" ص165)‏

(7) جينيت جيرار: "خطاب الحكاية، بحث في المنهج" ص195)‏

(8) انظر: المرجع السابق، ص(26)

(9) انظر: الفيصل. د. سمر روحي "بناء الرواية السورية" ص(28)

(10) مجموعة مؤلفين. "نظريات السرد من وجهة النظر إلى التبئير" ص(41)

(11) إبراهيم، عبد الله "المتخيّل السردي، مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة" ص119).‏

(12) انظر: الفيصل د. سمر روحي. "بناء الرواية السورية" ص(44)

(13) قاسم، د. سيزا أحمد. "بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ". ص 134).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244