المغامرة الثانية - نضال الصالح

دراسات في الرواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

جسر بنات يعقوب آليّات التشكيل السّردي

يمتلك نتاج القاصّ والروائي الفلسطيني حسن حميد، المتتابع منذ مطلع الثمانينيات إلى الآن، أكثر من دلالة على دأب حقيقي، وموهبة إبداعية راسخة، وإيمان واضح بجدوى الكلمة في عصر يدير ظهره لكلّ ما هو بهيّ، وناصع، وإنسانيّ.‏

ولئن كانت هذه السمات كلّها: الدأب، والإيمان، والموهبة، أكّدت عبر عقدين تقريباً أصالة الهاجس الثقافي لديه، وعزّزت مكانته في المشهد الثقافي العربي، ليس بوصفه أحد أكثر أبناء جيله الأدبي، الثمانينيات، حضوراً فحسب، بل بوصفه أكثرهم متابعة وتطويراً لأدواته الفنّية، فإنّ روايته الأخيرة "جسر بنات يعقوب"(1) تضيف إلى تلك القائمة من السمات المميّزة لتجربته سمة جديدة، هي ذلك القلق الجمالي المعبّر عن طموحه لكتابة إبداعية تقول مؤرّقاتها المضمونية عبر صيغ فنّية حداثية.‏

تحاول هذه المقاربة تفكيك بنية الشكل الفنّي في الرواية المشار إليها آنفاً، ثم إعادة تركيبها من جديد لتتبيّن آليات اشتغال هذا الشكل على المتن الحكائي فيها، وكيفيات أدائه الجمالي له. كما تحاول موضعتها من مثيلاتها في المشهد الروائي العربي المعاصر، الفلسطيني بخاصّة، بسبب طبيعة خطابها من جهة، وانتماء كاتبها من جهة ثانية. ومهما يكن صحيحاً ما يذهب إليه "بيرسي لوبوك Percy Lubbok" من "أنّ أيّ محاولة لتفكيك عناصر الرواية تؤدّي إلى إتلاف الحياة فيها"(2) ، فإنّ هذه المقاربة، التي تنطلق من الاقتراحات التي قدّمتها السرديات لتحليل الخطاب الروائي، تفكك مكوّنات هذا الخطاب في الرواية لتعيد تنضيدها من جديد، أو لتعيد "بَنْيَنَة" هذا الخطاب، بغية اكتشاف مقاصده الظاهرة والمضمرة بآن.‏

***‏

- أطروحات الخطاب ودلالاته:‏

يُعنى الخطاب المركزي في رواية "جسر بنات يعقوب" بتقويض الرواية التوراتية لعلاقة اليهود بأرض فلسطين، وعبر هذا الخطاب المركزي، ومن خلاله، تتشكّل خطابات ثانوية تقوم بتعرية الأساليب التي مارستها طلائع الهجرات اليهودية الاستيطانية من أجل تثبيت مزاعم الحقّ الديني/ التاريخي على أرض الواقع. والرواية تفعل ذلك منذ استهلالها، أي منذ "إشارة لا بدّ منها"، حيث يجهر الروائي بأن المحكي في الرواية يُعنى برصد "تاريخ حياة المهاجر يعقوب وبناته وأخبارهم". غير أنّ ما هو تاريخي في الرواية لا يعدو كونه تخييلاً أكثر منه تاريخاً، لأنّ المادة الحكائية لا تُقدَّم بوصفها كتابة في التاريخ، بل بوصفها نصّاً إبداعياً يستجمع لنفسه مقوّمات الجنس الروائي وخصائصه الجمالية. وبهذا المعنى، فإنّ الرواية تتوسل الفنّ لتصويب أكاذيب الرواية التوراتية وأضاليلها، وتقول ما هو تاريخي حقّاً، حيث تدفع بتلك الرواية، أي الرواية التوراتية، إلى الوقوف على قدميها بدلاً من وقوفها على رأسها.‏

ولعلّ مِن أهمْ ما تطمح الرواية إلى تثبيته في الذاكرة هو تلك السمات المميّزة للشخصية اليهودية عبر التاريخ، وفضح الأساليب التي لجأت إليها هذه الشخصية، وما تزال، في تحويل أوهامها عن أرض الميعاد من فضاء الأكذوبة إلى فضاء الحقيقة، على النحو الذي يتبدّى في شخصيتي: يعقوب، الشخصية الرئيسية، وسليمان عطّارة الذي سبق الأوّل إلى الاستيطان في قرية الشماصنة، الفضاء الجغرافي الذي يتحرّك فيه معظم أحداث الرواية. فقد زعم يعقوب، حين سأله شاهين، إنْ "كان ضيفاً، أو مهاجراً، أو رحّالة، أو مطروداً، أو طالب علم" 102)، أنّه "حارس الجسر وضامنه.. بموجب صكّ الحراسة والضمانة الممنوح له من السلطان" 102)،. وكان، قبل محاولة الاستيطان في القرية التي جاءها غازياً، لا يكفّ عن دفع زوجته "راحيل" إلى الرجال "من أجل أن تأخذ منهم القليل القليل من المال ليسدّد.. ديونه" 142)، ثمّ عن دفع إحدى بناته الثلاث إلى سليمان عطّارة، كي يكون له نصيب في أملاكه، وقبل ذلك عن دفع ابنته البكر "نانا" إلى ذلك الرجل الغني الذي هربت معه، وكان يعقوب يتردّد عليها يومياً "ليأخذ ما تصل إليه يداها من أشياء ثمينة، وأموال ظاهرة. كانت نانا بالنسبة ليعقوب منجماً"238).‏

ولم يكن سليمان عطّارة، سلفه في محاولة الاستيطان، أقلّ منه شأناً فيما يمكّنه من الاستيلاء على أملاك الآخرين وحيازتها لنفسه، إذْ أخفى عن أهل القرية دينه، وكان ينصرف إليه حين يعتزلهم ويخلو لنفسه. عمل حمّالاً في مواسم الزيتون لدى عبّاس الشهواني، صاحب معصرة الزيت في القرية، وتمكّن من خلال أجرته التي تراكمت في عنق عبّاس أن يناصف الأخير في ملكية المعصرة، كما تمكّن، فيما بعد، من شراء أرض مجاورة لها، ثمّ من شراء المعصرة كلّها، وكانت "وردة"، ابنته، سبيله إلى كلّ ما حقّقه، ولذلك فقد بكاها كثيراً حين اختفت من القرية: "لأنّها لم تستطع فتح جميع القرى وأخذ مفاتيحها وتسليمها له" 200)، ويعاتب يعقوب، حين عبّر الأخير عن إحساسه بالغربة في القرية، قائلاً: "فكيسك حين يمتلئ سيهابك الناس.. كيسك، يا يعقوب، هو الذي سيجوز بك الجدار العالي" 236).‏

بالمعنى الذي تقدّم، فإنّ الكذب، والجنس، والمال، هي الأثافيّ الثلاثة التي تشكّل حوامل منظومة الوعي لدى الشخصية اليهودية، كما تقدّمها الرواية وكما يقولها مجمل أنواع الخطابات الراصدة لطبائع هذه الشخصية وحراكها: السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي. والرواية لا تخفي، في هذا المجال، رؤيتها لطبيعة الاستيطان وموقفها منه، فعبر أكثر من موقع من حركة السرد الروائي تتمّ الإشارة إلى حقيقة هذا الاستيطان وكونه طارئاً على الجغرافية الفلسطينية، وليس جزءاً من تاريخها، حيث تلتهم مزاعم يعقوب نفسها بنفسها حين تسأله ابنته الكبرى، جوديت، عن "أسماء بعض الأشجار والنباتات، والتلال، والينابيع. ورجوم الحجارة، والصخور التي مرّوا بها، وعن أسماء بعض القرى البعيدة البادية لهما، ويعقوب لا يجيب. يتمتم ويبتلع ماء أنفه، ثمّ يهمهم، وكأنّه يهدئ نفسه ويريّثها، وابنته لا تسمع منه إلا قوله المتواصل: سنعرف كلّ شيء مع الأيّام يا ابنتي. انتظري، ولا ترهقي والدك بالأسئلة. وبدل أن تهدأ ابنته وتكفّ عن الأسئلة، تطارده بقولها الذي كاد يفلقه: وكيف لا تعرف أسماء الأمكنة والنباتات والأشجار يا أبي، وهي لنا؟" 160- 161)، الأمر الذي يدفع الأرض، التي تتشكّل من تلك المفردات المجهولة، إلى لفظها يعقوب وأبناء جلدته من المهاجرين مهما طال بهم المقام: "لاحظ يعقوب أنّ قدميه لا تتركان أثراً في الدرب، كما أنّ قدميّ سليمان عطّارة لا تتركان أثراً أيضاً، في حين تظهر أقدام أناس آخرين سبق وأن مرّوا في الدرب" 234- 235). غير أنّ الرواية، في الوقت نفسه، لا تسقط في شرك تمجيد الأنا، ولا تعلي من شأنها رغبة في تقزيم الآخر وفضح انتهاكاته لقيم الحقّ، والخير، والجمال. بمعنى أنّها لا تنفي عن هذه الأنا انتماءها إلى الطبيعة الإنسانية المختلطة قيمياً والمعبّرة عن اختلاطات الواقع نفسه بما فيه من ثنائيات الخير والشرّ، والحبّ والبغضاء، والصدق، والكذب، و.. فأبناء "الشماصنة" لا يبدون، في الرواية، أنقياء، وملائكة، وقدّيسين، بل مطلقي الصلة بتلك الطبيعة، فـ "ماريّا" تمنح جسدها لدعّاس، وتحمل منه سفاحاً، وعاشت مرجانة "حياتها بالطول والعرض.. عرفت المتع كلّها، والبيوت كلّها"(80) ، وكان "رحمون" يوزّع ذكورته على عددٍ من نساء القرية والقرى المجاورة.‏

ولئن كانت "أيديولوجية الخطاب الروائي أيديولوجية محايثة باطنية نابعة من بنيته الداخلية"(3) ، فإنّ ما تتّسم به "جسر بنات يعقوب"، في هذا المجال، هو جهارتها، في موقعين على الأقلّ، بالأطروحة المتواترة كثيراً في أدبيّات الخطاب الفلسطيني المعني بالقضية الفلسطينية، والقائلة إنّ ما آلت ملكيته من الأرض الفلسطينية للمستوطنين اليهود كان عن طريق غير الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون، آنذاك، في فلسطين، فالمعصرة، والأرض المجاورة لها، اللتان اشتراهما اليهودي سليمان عطّارة، باعهما له عبّاس الشهواني، الذي "مضى.. تاركاً القرية نهائياً إلى أهله في لبنان"190)، والطاحونة التي اشتراها سليمان أيضاً، باعها له أحد أكراد الشام، ورحمون الذي عاضد يعقوب في بيع الأوهام لأهل القرية، لم يكن من أبناء القرية أيضاً، إذ "ما مِنْ أحدٍ يعرف من أين جاء رحمون! ومَن الذي سمّاه رحمون" 116).‏

***‏

- أشكال التعالق النصّي:‏

تنتج رواية "جسر بنات يعقوب" تناصّات متعدّدة، تُدَاخِلُ ما بين النصّ المبدَع وبنيات نصّية سابقة عليه، إذْ يتكئ الكثير من جزئيات المحكي في الرواية إلى الكثير من جزئيات المحكي في التوراة، في سفر التكوين بخاصّة. ومن تلك الجزئيات ما فعله يعقوب وبناته لدى وصولهم إلى الجسر القريب من قرية الشماصنة، على النحو الذي يذكّر بصنيع أبرام، إبراهيم فيما بعد، حين لبّى دعوة الربّ، فانتقل من "حاران" إلى أرض كنعان، كما يذكر الإصحاح الثاني عشر من "سفر التكوين"، في "العهد القديم". ومنها رغبة يعقوب في تقديم إحدى بناته الثلاث أضحية للربّ، كما أراد أبرام/ إبراهيم التضحية بابنه اسحق. ومنها أيضاً ما زعمه يعقوب من أنّ زوجته هي أخته أمام الحلاق الأرمني، على النحو الذي زعمه إبراهيم بزوجته ساراي/ سارة، عندما دخل مصر، حيث قال لها: "قولي إنّك أختي ليكون لي خيرٌ بسببك"، وعندما انتقل إلى أرض الجنوب أيضاً، كما يذكر الإصحاح نفسه، وغير ذلك.‏

ولا تتحدّد التناصات، في الرواية، بما أشرنا إليه آنفاً، بل تتجاوزها إلى إنتاجات نصيّة لغوية تبدو لصيقة بأساليب السرد في العهد القديم، كما في تلك الوريقات الصفراء التي أخرجها يعقوب من صدره وأخذ يقرأ فيها بصوت عال: "يصادفك في حياتك صخور، وأشواك، ودروب ملتوية، وتمضي بلا أخ أو أب، لكنّ الربّ سيساعدك، وقد وصلت النفس إلى هجيرها ويأسها. فلا تقنط، فمن بطون الأشواك يخرج لك طعاماً طيباً، والدروب الملتوية تصل بك إلى ما تودّ وتشتهي، ومن الناس يسخر لك أخوة وآباء، ومن صلبك يعطيك المعونة والإنس، وعلى الصخور تقف لتبدو، وقد فاقت قامتك قامات الناس، فلا تقنط. وحين تضيق بك الجهات هزّ الجبل الذي يربطك بالربّ يستجب لك، فيمسح دمعك وجرحك، ويشدّ جناحك وخطوك، وينجدك بما تودّ وتشتهي!!"101).‏

وإذا كانت الرواية في مجملها تبدي تناصّاً منزاحاً مع سفر التكوين في العهد القديم، فإنّها في الوقت نفسه تنتج تناصات مع العهد الجديد، على مستويين بآن: حكائي، وتعبيري. يتجلّى الأوّل في اتكّاء الروائي إلى قصّة ميلاد السيّد المسيح في تخييله لميلاد الراهب حنّا، ويتجلّى الثاني في استدعائه لبعض نصوص العهد الجديد، أي فيما يسمّيه "كريزنسكي": "المصاحبات الأدبية Paralittératures"، أو "التضمين" بتعبير سيزا قاسم، كما في قول الراهب القصير الذي قدّم حنا للراهبات الثلاث: "خالطوا الناس، ففي الناس المسرّة، وعلى الأرض السلام"(19) ، ثمّ مع أكثر من محكي في التراث السردي العربي، كقصّة "حي بن يقظان" لابن طفيل، كما في إرضاع الغزالة لحنّا.‏

***‏

- ثنائية الواقعي والميتا واقعي:‏

بقدر ما تبدو "جسر بنات يعقوب" مشدودة إلى قوانين الواقع الموضوعي، بقدر ما تبدو بمنأى عنها، منتجة، وفي أكثر من موقع من حركة السرد، عوالم ما فوق واقعيّة: أسطورية أحياناً، وعجائبية أحياناً ثانية، وغرائبية أحياناً ثالثة. فحنّا يولَد لأبوين عجوزين، تقرّبا إلى بعضهما بعضاً مرّات ومرّات لكي يمنّ الله عليهما بمن يقوم على شيخوختهما في قادم الأيّام، وبعد أن ظلت محاولاتهما "محاولات، والرجاءات ظلّت عالقة، والطفل قرّة العين لم يأتِ"(22) ، وكاد الحلم ينطفئ، استيقظا ذات صباح مبكّر على بكاء طفل صغير: "كانت فرحة المرأة العجوز لا تصدّق، وكان رجلها العجوز مذهولاً، يسألها بإلحاح، ويهزّها بفرح: أهو.. لكِ)!! ولا تجيب المرأة العجوز، بل ترفع لحافها المبلول، عن فراشها المبلول.. وترتعش شفتا الرجل، وتضطرب يداه، ويهيج وقد أخذته نشوة الحلم، فبدلاً من أن يساعد زوجته على الخلاص من سوائلها.. يقف ويشرع في رقص جنوني.. وبينما هما كذلك، دُفعَ بابهما الخشبيّ، فصرّ صريراً قصيراً ثمّ أُغلِقَ مرّة ثانية، ثمّ اندفع مرّة أخرى وصرّ، ثمّ انغلق، وحين تقدّم الرجل العجوز منه، وفتحه راعه ما وجد، فقد كانت غزالة بيضاء تميل إلى الشقرة واقفة في الباب، وقد تدلّت أثداؤها وامتلأت، وما إنْ واجهها حتى ركعت الغزالة على الأرض، ومالت بجسدها فوق أثدائها، فسالَ الحليب وجرى فوق الأرض. ورأى قربها عدّة دجاجات، وبضعة خراف، وفرساً بيضاء، وعربة، وعدّة أكياس"‏

25- 27).‏

وتتجلّى السمة نفسها في نهاية بديعة وزوجها في قاع الغدير: " لم يدر أيّ منهما مَن قاد الآخر نحو الغدير، ومَن ارتمى أولاً في حضن الماء.. ومَن منهما بدأ يشدّ الآخر نحو قاع الغدير، نحو الأسفل، نحو الوداع. كما لم يدر أيّ منهما مَن ابتلع الماء أوّلاً، أو مَن غرق أوّلاً، فقد طفا الاثنان بعد وقت قصير فوق وجه الماء بلا أنفاس، وقد تعانقا ذراعاً بذراع، داخل سرير الماء اللدن المسيّج بالخضرة الوارفة"(40) .‏

على أنّ أكثر تجلّيات العجيب في الرواية ما تنتجه الرواية نفسها من تجسيد لشخصية العجوز التي برزت، أوّل مرّة، ليعقوب وابنته الكبرى جوديت من منتصف منعطف تظلله الأشجار، وعتابها له لتضحيته بحماره للربّ، بدلاً من أن يفعل ذلك بعضوٍ من أعضائه: "وقعا حين صرخت بهما امرأة عجوز، طويلة القامة، نحيلة كعود الخيزران، تتوكأ على عصا أطول منها، ثيابها سوداء، ووجهها طويل ناشف، وشعرها الأبيض منفوش كجزة صوف.. استدارا نحوها منكمشين كأنّهما ينظران إلى نبت شيطاني خرج إلى الدنيا في التوّ والحال" 163- 164)، ثمّ تبدّيها في هيئات، وصور، وأساليب مفارقة لقوانين الواقع الموضوعي.‏

***‏

- بنية الشكل الروائي:‏

يتكوّن المتن الحكائي في الرواية من قسمين رئيسيين: ملحق، ومتن. يبدوان متضادين على المستوى الحكائي، بمعنى أنّ كلاً منهما يشكّل نصّاً روائياً مستقلاً بنفسه، لكنّهما متعاضدان على مستوى الأطروحة المركزية في الرواية، أو هاجس الخطاب فيها. ويتكوّن الملحق، بدوره، من ثلاثة أجزاء: الدير والرهبان، وحنّا.. المُحرَم المرّ، والراهبات، ويتضمّن الجزء الثالث ثلاثة أجزاء فرعية، يحيل كل منها إلى واحدة من الرهبان/ الراهبات الثلاث: ماريّا، وصفيّة، ومرجانة. وينتهي كلّ جزء من هذه الأجزاء الفرعية بأكثر من اعتراف، وبأكثر من تذييل: ثلاثة اعترافات، وثلاثة تذييلات في الجزءين الأول والثاني، واعترافين وتذييلين في الثالث. وينتهي الملحق كلّه بثلاثة هوامش.‏

ينصرف الجزء الأوّل، الدير والرهبان، إلى التعريف بالوسط الجغرافي الذي ينهض الدير فيه، وبمكّوناته على مستويي البناء والمحتويات، ثمّ التعريف بالبشر الذين يعيشون داخله: الوكيل/ الراهب، والراهبات الثلاث، وبوظائف الوكيل، وبكيفية مقدمه إلى الدير ولقائه بهؤلاء الراهبات. ويعرّف الجزء الثاني، حنّا.. المُحرَم المرّ، بماضي ذلك الوكيل، منذ ولادته الأسطورية لأبوين عجوزين، إلى حبّه المنكسر لبديعة، إلى اختياره الترهّب والخدمة في الدير بعد الغياب، الأسطوري أيضاً، لبديعة وزوجها، في الغدير. ويستكمل الجزء الثالث سيرة حياة الراهبات الثلاث، مسترجعاً ماضي كل منهن، وقصص إخفاقاتهن: ماريّا مع دعّاس، وصفية بعد وفاة العجوز، ومرجانة مع برهومة، التي دفعتهن، كالوكيل، إلى اللجوء إلى الدير. وتقدّم الهوامش الثلاثة التي ينتهي بها الملحق، والتي كتبها الجدّ، ما تداوله أهل القرية حول يعقوب وبناته، معزّزة بذلك ما سبق في "إشارة لابدّ منها"، من أنّ الملحق "تمهيد لأحداث ستأتي، ومفاجآت ستحدث، وأحلام ورغبات يساهرها الناس، لكي تصير واقعاً"(8) .‏

ويتكوّن القسم الثاني، الذي يشكّل متن الرواية، من ثلاثة عشر كتاباً: الأضحية الأولى، والأضحية الثانية، والعافية، والقريب، والحمّام، والجدار، والمناحة، والموافقة، ويوم الرضا والوقيدة، والحكيم يعقوب، وموت يعقوب، والأجنّة. يتضمّن كلٌّ منها حاشية واحدة. وباستثناء الكتاب الثاني عشر، فإنّ كلاً من الكتب الباقية يتضمّن تفصيلاً صغيراً. ووحده الكتاب الثاني، الأضحية الثانية، يتضمّن تفصيلاً صغيراً جداً، وتعليقاً صغيراً أيضاً، وتذييلاً ختامياً. ووحده أيضاً يتضمّن الكتاب الرابع، القريب، هامشاً، ويتضمّن أحد عشر كتاباً تفصيلاً آخر أو أخيراً، وثمة عشرة كتب، يتضمّن كلٌ منهما تذييلاً أو أكثر، وتحت مسمّيات مختلفة: تذييل، وتذييل ختامي، وتذييل أخير، وتذييل أوّل.‏

وبمعاينة الخطاطة التي تشخّص بنية الملحق، يخلص المرء إلى طموح هذه البنية لتحطيم خطّية الحكي، أي رغبتها في تجاوز أنماط السرد التقليدية، وعبر أكثر من صيغة سردية تتقاطع فيما بينها أحياناً، ويستقلّ كلٌ منها بنفسه أحياناً ثانية. وتتجلّى السمة نفسها في بنية الشكل الروائي فيما يمثّل متن الرواية أيضاً، أي في الكتب الثلاثة عشرة التي يمتدّ عليها هذا المتن، وإنْ تقنّعت ملحقات كلّ كتاب بأسماء جديدة: حاشية، أو تفصيل، أو تذييل، أو تعليق، أو هامش.‏

وبالمعنى الذي تشير إليه مكوّنات كلّ من القسمين، فإنّ بنية الشكل الروائي في "جسر بنات يعقوب" أشبه ما تكون بمنمنمات تتضافر معاً لإعادة صوغ المادّة الحكائية الخام، دون أن تنصاع هذه البنية إلى منظومة فنّية واحدة، إذ ما إنْ تجد نفسها في مواجهة صيغة جمالية مهيمنة، حتى تبدي محاولة للتحرّر منها. غير أنّ هذه المحاولة لا تعلّل نفسها على نحوٍ كافٍ دائماً، فثمة تذييلات ختامية أو أخيرة دون أن تكون مسبوقة بتذييلات أولى من جهة، وثمّة تسميات، كتعليق صغير، وهامش، لا تخرج على كونها تفصيلات، أو تذييلات، تقنّعت بأسماء مغايرة من جهة ثانية.‏

ومن المفيد الإشارة، هنا، إلى ما يمارسه الرقم ثلاثة من نفوذ واضح في بنية الشكل الروائي، وفي القسمين معاً: الملحق، والمتن. وغير خافٍ أنّ ثمّة صلة بين هذا الرقم والأقانيم الثلاثة في الديانة المسيحية، وقيامة المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث و"ثلاثاء الرفاع" أو الاعتراف، وبين الأخير وما تقدّمه كل من ماريّا ومرجانة في الملحق/ التمهيد من ثلاثة اعترافات، ثمّ بين العدد ثلاثة عشر وما وقرَ في الذاكرة الجمعية من دلالة له على الشؤم والتطيّر.‏

- لواحق النصّ:‏

تتّسم "جسر بنات يعقوب" بإنتاجها لواحق بالمتن الحكائي فيها، في الملحق وفي الكتب الثلاثة عشر بآن. اعترافات وتذييلات وهوامش في الملحق، وتفصيلات: صغير، وصغير جداً، وآخر، وأخير، وتعليق صغير، وتذييلات: أوّل، وأخير، وختامي، وهامش. وإذا كان ثمّة ما يوحّد بين وظائف هذه اللواحق جميعها، أي قيامها باستكمال المتن الحكائي، فإنّ ثمّة، أيضاً، ما يجعل لكلّ منها سماته وخصائصه المميزة، وما يمنحه بعض الوظائف الإضافية للوظيفة الأصل.‏

فالاعترافات، في الملحق، تقوم بسدّ فجوات في الحكاية، بمعنى أنّها تقوم باسترجاع ما مضى من حيوات الشخصيات قبل استقرارها في الدير أحياناً، وما مضى من حياتها بعد استقرارها فيه أحياناً ثانية، أي فيما ينأى بلحظة السرد إلى سوابق زمنية عليها. غير أنّ ما يصوغ بعض الاعترافات ليس الشخصيات نفسها التي تضيء هذه الاعترافات ماضيها، بل غيرها من الشخصيات، كما في "اعتراف أوّلي" في حكاية "ماريّا"، وهي بهذا المعنى لا تدخل في إطار الاعتراف، لأنّ من أهمّ خصائص الأخير أن تؤدّيه الشخصية نفسها.‏

وإذا كان ما يصوغ بعض الاعترافات ليس الشخصيات نفسها، فإنّ مجمل التذييلات تتم صياغته من لدن الراوي، الذي يقوم بترميم المسكوت عنه في الحكايا الأصل وفي الاعترافات. غير أنّ التذييلات لا تُعنى بسيرة الشخصية نفسها فحسب، بل تمتدّ إلى غيرها من الشخصيات الأخرى، كما في "تذييل 3" من "ماريّا"، الذي يضيء بعضاً من سلوك الراهب حنّا في الدير، على الرغم من أنّ التذييل يبدو معنياً بماريّا. وكما تقوم التذييلات بعمليات استرجاع لما مضى من حيوات الشخصيات، فإنّها، في الوقت نفسه، تقوم بعمليات استباق لبعضها الآخر، بل إنّها ترهص ببعض خصائص هذه الشخصيات، كما في "تذييل 3" أيضاً، من "ماريّا"، الذي يقدّم اختزالاً دالاً على ما دفع الراهبتين: صفيّة ومرجانة، إلى الدير: "واحدة تنظر إليه بشهوة لم تتوارَ بعد، وأخرى تنظر إليه لتنسى، وثالثة تنظر إليه لتتذكر ما حرمت نفسها منه طواعية"(63) . على أنّ تقسيم الروائي لأكثر من اعتراف في الجزء الواحد من أجزاء الملحق لا يبدو معللاً جمالياً على نحوٍ كافٍ، فاعتراف آخر في حكاية صفية يبدو استكمالاً لاعتراف أوّل وامتداداً له، بمعنى أنّه لا يشكّل وحدة حدثية مستقلّة بنفسها، ومميزة من سابقتها، والسمة نفسها تتجلّى في بعض التذييلات أيضاً، كما في التذييل الثاني من حكاية صفية، وكما في مثيله في حكاية مرجانة.‏

ومن أهمّ ما تّتسم به "الهوامش" هو جهارتها بالوظيفة التي تؤدّيها: "هذه تعليقات بقلم جدّي، على ما حدث في الدير، وعلاقته بيعقوب وبناته"(89) ، واستقلال كلّ منها بحدثٍ بعينه، وجهارتها، أيضاً، بأكثر السمات بروزاً في الشخصية اليهودية عبر التاريخ، كما في الهامش الأوّل الذي يقرّر على نحوٍ سابق للمتن "أن رأس مال يعقوب وكرامته هما بناته"(90) ، وكما في الهامش الثاني الذي يصف يعقوب بالقول إنه "لا يحبّ الارتباط بالأمكنة مهما طال فيها، فيعقوب وأمثاله، وما إن يُخلَق الواحد منهم حتى تُخلَق معه جرثومة حبّ التنقّل من مكان إلى آخر، وحبّ العزلة والانطواء، لأنّ الآخرين مثل الضوء يكشفون أعماقه ودواخله، وغاياته الرخيصة"(91) . وبهذا المعنى، فإنّ الرواية تُسْلِمُ مقاصدها للقارئ قبل أن تبدأ الحكاية.‏

ومجمل الحواشي والتفصيلات والتذييلات في الكتب الثلاثة عشر معاً. وهامش الكتاب الرابع، ينهض بمهمّة أداء ثلاث وظائف أساسية: التعريف بالشخصيات التي كان، أو سيكون، لها دورٌ في الأحداث، وإضاءة الحذوف السردية، واسترجاع أحداث سابقة على لحظة السرد. ويمكن أن نمثّل للوظيفة الأولى بالحاشية الأولى التي تعرّف بـ "رحمون"، الذي سيكون له دورٌ مهمْ في حياة بنات يعقوب اللاحقة، وللوظيفة الثانية بالحاشية الثانية التي تسدّ ثغرة واضحة في سيرورة الأحداث، أي فيما تضيئه من حياة زوجة يعقوب المتوفاة والمسكوت عنها فيما سبق من السرد، وللثالثة بالحاشية الثالثة التي ترتدُّ إلى لقاء يعقوب وابنته جوديت بالعجوز في طريقهما من القرية إلى البيت. ومن المهمّ الإشارة، هنا، إلى أنّ عدداً من الحواشي لا يستقل بوظيفة بعينها من مفتتح الحاشية إلى خاتمتها، فثمّة حواشٍ تستجمع لنفسها الوظائف الثلاث معاً، كما في الحاشية السادسة التي تعرّف بنانا، ابنة سليمان عطّارة، وتملأ فجوات في منطق القصّة، وتقوم بعملية استرجاع لأحداث سابقة، أي لعلاقة نانا بأيوب وكيل أعمال زوجها.‏

غير أنّ عدداً غير قليل من التفصيلات، والتذييلات، لا يقدّم المسوّغات الجمالية الكافية دلالياً على كونه أجزاء منفصلة عن المتون، فالكثير من تلك التفصيلات والتذييلات يبدو، كبعض الاعترافات في الملحق، استكمالاً للمتون السابقة عليه، وامتداداً لها. إنّه يتابع ما انقطع من الحكاية، ولا يشكّل بنفسه وحدة حكائية مستقلّة بنفسها، ومميّزة من الحكاية الأصل.‏

ويمكن أن نمثّل لذلك بـ"تفصيل صغير جدّاً"، و"تفصيل صغير أيضاً"، من الكتاب الثاني، الأضحية2، اللذين يتابعان حكاية بنات يعقوب مع رحمون، وكيفية بذلهن أجسادهن، على التتابع، له في النهر، واللذين يتمّمان المحكي في الحاشية السابقة عليهما.‏

- الشخصيات:‏

تقدّم رواية "جسر بنات يعقوب" أكثر من تقسيم ثنائي للشخصيات الحكائية فيها: مضمرة وظاهرة، ورئيسية وثانوية، وفاعلة وساكنة. تنتمي شخصيتا الجدّ وحفيده إلى الطرف الأول من الثنائية الأولى، وينتمي مجمل شخصيات الرواية، في الملحق والمتن معاً، إلى طرفها الثاني. شخصية الجدّ التي تكفلت بتدوين سيرة يعقوب وبناته، أو التي حفظت تلك السيرة من الضياع. وشخصية الحفيد التي تكفّلت بإيقاظ تلك السيرة من سباتها الطويل. وتتجلّى سمة الإضمار في هاتين الشخصيتين في أنّه على الرغم من اختفائهما من النصّ فيما بعد "إشارة لابدّ منها"، بسبب كونهما شخصيتين خارجتين عن نطاق الحكي، أي ليستا جزءاً منه، فإنّ كليهما يبدو حاضراً على امتداد النصّ. ليس من خلال صوغ الجدّ لمجمل الحكاية وتعليقاته عليها في كلّ من "هوامش" الملحق وفي "حواشي" المتن، وليس من خلال إيهام الحفيد بعدم تصرّفه في السيرة التي دوّنها جدّه فحسب، بل من خلال توجيههما الحكاية من وراء ستار.‏

ومجمل الشخصيات في الرواية هي مجموع صفاتها في النصّ فحسب، بمعنى أنّها لا تتيح للقارئ الإسهام برصيده المعرفي وتصوّراته القبلية لإنجاز صور مغايرة عمّا ينتجه النصّ من هذه الصفات. أي أنّها لا تمكنه من إعادة تركيبها من جديد، بسبب الحفاوة الشديدة التي يبديها الراوي بخصائصها المادّية والمعنوية على نحوٍ جامعٍ مانع. وإذا سلّم المرء بما تراه البنيويات من أنّ الشخصية، في الحكي بعامّة، بمثابة "دليل Signe" له وجهان: أحدهما "دالّ signifiant"، والآخر "مدلول signifié". دالّ من حيث إنّها تتخذ عدّة أسماء أو صفات تلخّص هوّيتها، ومدلول من حيث مجموع ما يقال عنها بوساطة جُمَل متفرقة في النص أو بوساطة تصريحاتها، وأقوالها، وسلوكها(4) ، فإنّ معظم الشخصيات في "جسر بنات يعقوب"، من حيث كونها مدلولاً، يتمّ تقديم صفاتها، أو صفات أكثرها في الأغلب الأعمّ، بوساطة ما يُقال عنها، وليس بوساطة أفعالها. بمعنى أنّ القارئ يتعرّف إلى هذه الشخصيات من خلال حكاية الأقوال عنها وليس من خلال حكاية الأحداث.‏

وثمّة إيقاع بنائي ينتظم معظم فعاليات التخييل المجّسدة لمعظم الشخصيات في الرواية، أعني خضوع هذه الفعاليات لتقنية بنائية تكاد تكون مهيمنة، وحاضنة لمجمل كيفيات صوغ الشخصية الروائية لغوياً، ويتجلّى هذا الإيقاع من خلال منظورات سردية عدّة، من أهمّها تقديم الصفات المادية والخصائص النفسية لكلّ شخصية، ومن خلال عيني الراوي، الذي يتكفّل، في كثير من الأحيان، بمهمّة الوصف، وعبر أكثر من موقعٍ من حركة السرد، ومختزلاً، أحياناً، بعض الشخصيات إلى صفة فيها فحسب، بمعنى أنّه لا يسمّيها، كالراهب القصير، والأخت الكبرى، والأمّ القصيرة. ومقدّماً، في الأغلب الأعمّ، ما هو مادّي على ما هو نفسي، ومؤخّراً اسم الشخصية إلى مرحلة متأخرة نسبياً من بداية الوصف، أي إلى ما بعد فراغه من تقديم الكثير من الصفات، التي قد تتكرّر أحياناً بين موقع وآخر من الرواية.‏

وثمة الكثير ممّا يوحّد بين شخصيات الملحق، وممّا يجعلها رهينة سماتٍ وخصائص واحدة، حيث تضنّ السماء على والدي حنّا العجوزين، والديه الافتراضيين، بالولد، وكذا تفعل ببديعة التي أحبّها حنّا وهام بها، وبزوجها. وكما تهيم ماريّا حبّاً بدعّاس، وتمنحه جسدها، وتنتقل بين أكثر من دير حتى تستقرّ أخيراً في الدير الذي جمعها بصفية ومرجانة، فإنّ مرجانة، أيضاً، تهيم حبّاً ببرهومة، وتمنحه جسدها وتنتقل بين أكثر من دير حتّى تستقرّ أخيراً في الدير الذي جمعها بماريّا وصفيّة، وكما كانت صفيّة مولعة بالرسم، فإنّ مرجانة كان لها ولعها هي الأخرى بالنباتات وصناعة دمى للحيوانات. وبهذا المعنى، فإنّ عدداً من شخصيات الملحق يبدو موحّد الأصول، كما يبدو موحّد المصائر أيضاً. وإذا كان كلّ من "ماريّا" و"مرجانة" يشترك في لهاثه وراء شهوة الجسد، وفي انتظاره المرير والطويل لمن أحبّ، فإنّ "دعّاس" و"برهومة" يشتركان في خصيصة عدم الوفاء، إذْ ما إنْ يحقّق كلّ منهما وطره من الفتاة التي أحبّته، حتى يفرّ هارباً عنها، مخلّفاً إيّاها نهباً لانتظار زائف.‏

ومن اللافت للنظر أنّ مجمل شخصيات الدير: حنّا، وماريّا، ومرجانة، منبتّ الصلة بالواقع الخارجيّ، بمعنى أنّه ليس ثمّة امتداد له خارج الدير، فـ "حنا" ابن لإرادة ميتا واقعيّة، لا أبّ ولا أمّ له، يفقد أبويه المختارين من لدن تلك الإرادة ليكون ولدهما قبل إقامته في الدير، و"ماريّا" ابنة وحيدة لامرأة عجوز سرعان ما غادرت الحياة، وسرعان أيضاً ما فقدت ماريّا نفسها ابنها الذي حملته سفاحاً من دعّاس لدى سقوطه في قدر من الحليب المغلي، وتفقد "صفيّة" وهي طفلة والديها في رحلة بحرية نجت منها وحدها، ثمّ تفقد ذلك الرجل العجوز الذي تبنّى رعايتها، والذي ما لبث أن فارق الحياة ولم تكن قد تجاوزت الرابعة والخامسة من العمر.‏

وإذا كان ثمّة ما يوحّد بين هذه الشخصيات على المستوى المشار إليه آنفاً، فإنّ ثمة ما يوحّدها على المستوى العاطفي أيضاً، فهي صرعى علاقات عاطفية باطشة، دفعتها إلى استكمال حيواتها في الدير. بمعنى أنّ لجوءها إليه لم يكن بدافع إيمانيّ، بل بدافع هروبي، الأمر الذي قد يقوّض قناعة المتلقّي في كونها الصورة النقيضة/ المواجهة والفاضحة لممارسات يعقوب وبناته، أي فيما يشير إليه الهامش الثالث من الملحق من تعليم الراهبات الثلاث في الدير للأطفال، ونشاط مرجانة في الكشف عن فوائد الأعشاب ودورها في شفاء الكثير من الأمراض، ومن اجتماعهن، أي الراهبات، بالنساء اللواتي كنّ يترددن على يعقوب من أجل أن يباري أرحامهن بضروب من الوهم، والسحر، والشعوذة، وفضحهن طلاسم الأوراق التي كان يكتبها لهن.‏

ولا تتحدّد هذه السمة في كثير من شخصيات الملحق، بل تمتدّ لتشمل عدداً من شخصيات المتن أيضاً، كـ "رحمون" الذي أحبّ "غزالة" فهجرته، وذهبت مع أحد الصيادين الذين مرّوا بالقرية، وعبّاس الشهواني الذي جعله حبّه لوردة يركع أمام مطالب أبيها المحمومة للسطو على ما يملكه كلّه، والذي دفعه، في النهاية، إلى العودة إلى موطنه لبنان، وكـ"نانا"، ابنة يعقوب، التي هربت مع رجل غنّي، ثمّ بذلت جسدها لوكيل أعماله، أيّوب، فكانت نهايتها القتل، وأيّوب، بين أكوام القشّ، حيث كانا يمارسان اللذّة المحرّمة.‏

إنّ مجمل العلاقات الجسدية بين كثير من شخصيات الرواية، ليس اليهودية فحسب، علاقات آثمة، وخارجة عن الأعراف، فماريّا تمنح جسدها لدعّاس دون رباط شرعي، وكذا تفعل مرجانة مع برهومة، وزوجة يعقوب مع الحلاق ومع غيره من الرجال، ونانا، ابنته، مع أيّوب، وكيل أعمال زوجها، ثمّ بناته الثلاث: جوديت، وميمونة، ودينة، مع رحمون، في النهر أولاً، وفيما أطلقن عليه "حمّام بنات يعقوب" ثانياً، وأخيراً وردة، ابنة سليمان عطّارة، مع عبّاس الشهواني.‏

ومن اللافت للنظر أيضاً أنّ الشخصيات الفاعلة في المتن، يعقوب وبناته، تؤدّي أدوارها ووظائفها، وتحقّق أهدافها، بمعزل تامّ عن الوسط الذي غزته، أي عن قرية الشماصنة، بمعنى أنّ المتلقّي لا يقف، في النصّ كلّه، على شخصيات معوّقة، وجل ما يبديه أهل القرية هو استسلامهم لشعوذات يعقوب وأكاذيبه. إنّ الرواية تصوّر هؤلاء سذجاً، ولا يعنيهم من يعقوب سوى ما يبيعهم من أوهام.‏

***‏

- المنظور الروائي:‏

يصوغ المرويّ، في "جسر بنات يعقوب"، راو خارج عن نطاق الحكي Narrateur Hétérodiégétique، أي راو مفارق لمرويّه بتعبير عبد اللّه إبراهيم، فهو ليس شخصية من شخصيات القصّة التي يرويها، ولم يكن شاهداً عليها. وهو راو عالم بكلّ شيء، أي أنّه ينتمي إلى ما يسميه بويون: "الرؤية من خلف Vision par derrière" أو الراوي أكبر من الشخصية باصطلاح "تودوروف"، حيث يعلم الراوي "أكثر من الشخصية، بل يقول أكثر ممّا تعلمه أي شخصية من الشخصيات"(5) ، وحيث ينتمي المنظور الروائي إلى ما يصطلح "جينيت" على تسميته بـ "التبئير الخارجي"(6) ، بمعنى أنه يتمّ تبئير الحكاية على شخصيةما وليس من خلالها، أي على شخصية يعقوب، التي تستقطب إلى محرقها السردي مجمل فعاليات التخييل في الرواية، وعبر مستويين سرديين: ما تفعله هذه الشخصية، وما تفكر فيه.‏

ويمكن التمييز، في هذا المجال، بين راويين أساسيين: الراوي/ الروائي، الذي يوهم منذ مفتتح الرواية بأنّ لا فضيلة له في صوغ مرويّه سوى نقله من حال الغياب إلى حال الحضور، فالمروي "كتاب، فيه مجموعة كتب" وصله بالتوارث عن ثلاثة عشر جد من أجداده. غير أنّ هذا الإيهام لا يخفي في الوقت نفسه مقاصد ذلك المرويّ والغاية من إنتاجه، بل إعادة إنتاجه، إذ يكشف في "إشارة لابدّ منها" عن أنّ الكتاب يتضمّن "تاريخ حياة المهاجر يعقوب وبناته وأخبارهم، وقد عاشوا بجوار الجسر العتيق المبني على نهر الأردن، والذي عُرف فيما بعد بجسر بنات يعقوب"(7) ، والذي سرعان ما يختفي ليفسح المجال لظهور راو آخر يتكفّل بصوغ القصّة بأكملها، منتجاً داخل حركة السرد في الملحق فحسب، رواة ثانويين: راهب الدير، وماريّا، وصفيّة، ومرجانة، هم شخصيات داخلة في نطاق المحكي، أي رواة متماهون بمرويّهم، بتعبير عبد الله إبراهيم أيضاً، يقومون بعملية ترميم للمسكوت عنه في المحكي، أو بعملية سدّ الثغرات الحكائية فيه، ممّا يشي بانتماء الرواية إلى الرواية البولفونية roman potyphonique، أي الرواية المتعددة الأصوات، وممّا يعني أنّ كيفيات الأداء الجمالي لذلك المحكي تحدث قطيعة مع أساليب السرد في الزمن الذي تمّ إنتاج هذا المحكي فيه، وهو ما يؤشّر إليه الراوي/ الروائي بقوله: " هذا كتاب، فيه مجموعة كتب، وصل إليّ بالتوارث عن ثلاثة عشر جدَّاً من أجدادي، وقد عثروا عليه في خزانة كتب جدّنا الرابع عشر العلامة المقدسي المعروف إلياس الشمنذوري، الذي عاش في مدينة القدس في بداية القرن الثالث عشر ميلادي أيام المماليك"(7) . وبهذا المعنى، فإنّ الروائي يحاول "عصرنة" مرويّه، فيحدث بذلك تلك القطيعة ما بين تقنية المنظور الروائي زمن إنتاج المحكي وتقنية، بل تقنيات، المنظور الروائي المعاصرة.‏

ومهما يكن صحيحاً أنّ في تراثنا السردي العربي ما يشير إلى حمولة فنيّة شبيهة بما تنتجه "جسر بنات يعقوب"، في هذا المجال، أي فيما يتصل بتقنية تعدّد الأصوات، فإنّ الرواية لا تصوغ هذه التقنية وفق المنطق الجمالي لذلك التراث، بل وفق إنجازات السرد الحداثية، المغايرة لمنظورات الرؤية التراثية.‏

***‏

- الإيقاع الزمني:‏

يرتدّ زمن إنتاج المحكي في الرواية إلى ما قبل الألف الثالثة للميلاد، ويتمّ تأشير هذا الحدّ الزمني على نحوٍ ظاهر في مقدّمة الرواية، غير أنّ الأخيرة لا تؤشّر زمن المحكي، أي الزمن الذي تستغرقه حكاية يعقوب وبناته نفسها.‏

ويشكّل الاسترجاع أحد أهمّ التقنيات التي تصوغ الإيقاع الزمني في الرواية، وأحد أهمّ ما تنتجه المفارقات السردية من انتهاكات لخطّية الزمن وتراتبيته في الواقع الموضوعي، أي للمعنى "الكرونولوجي chronologie" للزمن، وهي تشغل مساحة وفيرة من حركة السرد الروائي، بل إنّها تبدو أحياناً المنظومة الفنّية المهيمنة على تقنية الإيقاع الزمني، ليس بسبب إعادة صوغ النصّ لحكاية بعيدة نسبياً في الزمن فحسب، بل بسبب ترهين هذه الحكاية من خلال صيغة الماضي دائماً، واتكائها، في الأغلب الأعمّ إلى أكثر الصيغ شيوعاً، أي صيغة الفعل "كان" بصيغه المختلفة. وإذا كانت الرواية كلّها استرجاعاً لأحداث ماضية على لحظة السرد، أو على اللحظة التي تمّ فيها إنتاج المحكي، أو تدوينه من لدن الجدّ إلياس الشمنذوري أولاً، ثمّ من لدن الحفيد ثانياً، فإنّ ثمّة استرجاعين أساسيين: استرجاع يقوم به الجد، الراوي الأساس ومدوّن الحكاية، واسترجاع يقوم به الحفيد، ناقل المدوّنة من حال السكون إلى حال التحقّق. ولعلّ المدونة بكاملها، في الحالين معاً، رمز للتاريخ الفلسطيني المستغرق في هجعته طويلاً أمام طيش الرواية التوراتية التي تمّ تسييسها فيما بعد.‏

وأكثر ما تتجلّى هذه التقنية في الملحق بخاصّة، وقليلاً ما تتجلّى في المتن، حيث تتوقّف حركة السرد عند نقطة بعينها، لترتدّ إلى الماضي، محاولة سبر ما انصرم من حيوات سكّان الدير قبل استقرارهم فيه، وعبر قسمي الملحق: الثاني والثالث، "حنّا.. المُحرَم المرّ" و"الراهبات"، اللذين يؤدّيان وظيفة أساسية، هي الكشف عمّا انصرم من حيوات كلّ من حنّا، وماريّا، وصفيّة، ومرجانة، قبل اختيارهم الإقامة في الدير. ومن المفيد الإشارة، في هذا المجال، إلى أنّ كلّ استرجاع، في القسمين معاً، يتضمّن داخله استرجاعات ثانوية، تؤدّيها الاعترافات والتذييلات، التي تسدّ فجوات المحكي في الاسترجاع الأصل، كما في "اعتراف أوّلي"، في الجزء المعني بـ "ماريّا"، الذي يكشف عن حمل ماريّا سفاحاً لطفل من دعّاس "ولدته بالسرّ، وأعطته بعد عامين من رضاعته لامرأة عجوز في إحدى القرى لتربيّه.. لكنّ العجوز لم تهتمّ كثيراً.. فوقع الطفل في قدر للحليب.. ومات"(52) . وبالمعنى الذي تقدّم، فإنّ تقنية الاسترجاع في "جسر بنات يعقوب" تتمّ عبر أكثر من صيغة سردية، عبر المتون أحياناً، وعبر الاعترافات أحياناً ثانية، وعبر التذييلات أحياناً ثالثة.‏

ولعلّ من أهمّ ما تتّسم به تقنية الاسترجاع هو إنتاجها "أمداء Portées"(7) واسعة، تمتد من بداية طفولة كلّ من هؤلاء، إلى إخفاقاتهم في الحبّ والحياة، إلى ما بعد استقرارهم في الدير. ويمكن أن نمثّل لذلك بالجزء الثاني من الملحق، حنّا.. المُحرَم المرّ، الذي تستعيد فيه تقنية الاسترجاع الولادة الأسطورية لحنّا، وإرضاع الغزالة له، وحبّه لبديعة المتزوّجة، ثمّ اختياره الإقامة في الدير، وإلى أنّ وظيفة معظم الاسترجاعات في الرواية أساسية في النصّ، وليست إخبارية فحسب، بمعنى أنّها لا تكتفي بسدّ الفجوات الحكائية، بل تتجاوزها إلى ما يمكّن الروائي من الغوص على دواخل شخصياته، والكشف عن منظومة الوعي لديها. ومن المفيد الإشارة في هذا المجال، إلى أنّ ثمّة وظيفة واحدة للاسترجاعات جميعها، تتحدّد بالكشف عن الظروف الحياتية والعاطفية التي انتهت بهذه الشخصيات إلى الدير.‏

وما ينهض بهذه التقنية، وما يعبّر عنها، في الكتب الثلاثة عشر، هو مجمل فعاليات العملية السردية، أي فيما يشكّل متون الكتب ولواحقها بآن، والتي تتبدّى، في الاثنين معاً، استرجاعات داخلية، ومِثْليّة القصة أحياناً، وغيريتها أحياناً ثانية، وتكميلية أحياناً، وتكرارية أحياناً ثانية، فهي تتناول خطّ الحكاية الأصل، وغالباً ما يكون حقلها الزمني متضمّناً في حقل هذه في الحكاية، وهي تقوم بعملية سدّ للثغرات الحكاية مرّاتٍ، وتعيد الحكاية على أعقابها مرّاتٍ أخرى. ويمكن أن نمثل لذلك بالكتاب الرابع، القريب، الذي تتمّ في متنه عملية استرجاع ما مضى من حياة سليمان عطّارة في القرية، أي الأساليب التي مكّنته من الاستيلاء على المعصرة التي بدأ فيها حمّالاً، ثمّ على أجزاء من الأرض القريبة منها، كما تتمّ في حاشيته عملية استرجاع لما مضى من حياة وردة، ابنة سليمان، التي كانت أداته إلى عبّاس الشهواني، صاحب المعصرة، وعلى النحو الذي تؤدّيه لواحق الكتاب الأخرى، أي: تفصيل صغير، وهامش، وتذييل أخير.‏

***‏

- الوصف:‏

يستأثر الوصف بمساحة وفيرة من حركة السرد في رواية "جسر بنات يعقوب"، وهو لا يبدو وقفاً على الأمكنة التي تتحرك فيها الشخصيات، في الملحق والمتن معاً، بل يمتّد ليشمل مجمل مكوّنات العالم الروائي: شخصياتٍ، وجماداتٍ، وحيواناتٍ، الموصوفة باستفاضة ظاهرة، وعلى نحوٍ تبدو الرواية معه مجموعة من الوحدات الوصفية، التي تتجاور تجاوراً بيّناً، إذ ما إنْ ينتهي وصف حتى يبدأ ثان، وما إنْ ينتهي الثاني، حتى يبدأ ثالث، وهكذا..‏

ما مِنْ شيء في "جسر بنات يعقوب" يفلت من إسار الوصف، أو من قبضة الروائي الذي يبدي ولعاً واضحاً بتقديم مكوّنات عالمه الروائي على نحو يكاد يكون جامعاً مانعاً، ومعبّراً عن رغبة واضحة في استثمار فعاليات التخييل الإبداعي جميعها لتقديم ما يشبه ببليوغرافيا جغرافية /مشهدية/ حركية/ تشخيصية لتلك المكوّنات، كما لو أنّ النصّ قد صيغ ليكون عملاً درامياً، يختزل مهمّات غير الروائي، ويحدّد آليات تشكيله الدرامي كما ينجزها هذا الروائي، وعلى نحوٍ لصيق بصنيع "مارسيل بروست" في روايته الذائعة "البحث عن الزمن الضائع"، معطّلاً بذلك حركة السرد، وموقفاً نموّها عند نقطة بعينها.‏

وغالباً ما يتقدّم الوصف مجمل فعاليات الحكي، ويتصدّرها، ويرهص بها، ويتردّد بسماته نفسها في أكثر من موقع من الرواية. ومن أهمّ ما يميّز وصف الشخصيات تقديم الصفات المادية لهذه الشخصيات على صفاتها النفسية، وتوزيعها بين أكثر من موقع في النصّ، وتكرار بعضها، كما في وصف حنّا بأنّه "كان.. شاباً جميلاً وسيماً. قوّته كبيرة" (14) ، وفي أنّه كان "جميلاً، قويّاً، ساحر الهيئة"(18) .‏

وكثيراً ما ينتمي الوصف في الرواية، إلى ما يسمّيه الشكلاني الروسي "توماشفسكي Tomacheveski": "الحوافز القارّة"، أو "الحوافز الثانوية"(8) ، التي لا تغيّر شيئاً في وضعيّة الحكي، إنّما يقتصر دورها على التمهيد لتغيير هذه الوضعيّة.‏

ولعله من المهمّ الإشارة، هنا، إلى تلك الحفاوة التي يبديها الروائي فيما يتعلّق بأسماء مئات من الأشجار، والحشائش، والزهور، حتّى لتتحوّل الرواية في مواقع بعينها منها، إلى معجم للطبيعة، لكأنّما ثمّة رغبة لدى الروائي في توثيق مفردات الجغرافية الفلسطينية التي تكاد تمّحي من الذاكرة بسبب ممارسات الاحتلال المحمومة لتغيير معالمها وإطلاق أسماء عبرية أو توراتية عليها.‏

***‏

- الفضاء الحكائي(9) :‏

1- الفضاء الجغرافي Léspace géographique:‏

يتشكّل الفضاء الجغرافي في رواية "جسر بنات يعقوب" من مجموعة من الثنائيات الضدّية، أو التقاطبات، أو "الأزواج المتقابلة Les Dichotomies" بتعبير "شتراوس"، يُنتج كلّ منها بنفسه علاقات تعارض ومغايرة، تعزّز على نحو غير مباشر، الخطاب المركزي في الرواية، أي شاغلها الأساس في تعرية مزاعم الحق التاريخي/ التوراتي لحركة الاستيطان الصهيوني في أرض فلسطين. فثمة مكانان رئيسيان: دير الراهبات، وخان يعقوب، متعارضان على مستويين: مادّي ومعنوي. يتمثّل الأوّل في التضاد بين انتماء الدير إلى الجغرافية والتاريخ الفلسطينيين، أي أصالته من جهة، وموقعه في أعالي جبل تحيط به طبيعة عذراء كأنّها طالعة لتوّها من بدء الخليقة من جهة ثانية، وما يعبّر عنه الخان من تضاد مع تلك السمتين المميزتين للدير، أي زيف انتمائه إلى الجغرافية والتاريخ الفلسطينيين من جهة، وامتلائه بالحيوانات، والخيول، والبغال، والأسنان الخربة، و.. من جهة ثانية. ويتمثّل الثاني، أي التضاد بين المكانين على المستوى المعنوي، في كون الدير مكاناً لحيازة "رضا اللّه، ومحبّة الناس ومساعدتهم دونما غاية، أو شهوة، أو مآرب"(44) ، وفي كون الخان، نقيضه، مكاناً للشعوذة، والرقى، والبغاء.‏

بالمعنى الذي تقدّم، فإن الفضاء الجغرافي يشكّل أحد أهمّ الحوامل التي يقوم بها وعليها خطاب الرواية، كما يمثّل أحد أهمّ العناصر الفاعلة في مغامرة السرد، ومكوّناً أساسياً من مكونات هذه المغامرة. ولعلّ من أهمّ ما يميّز هذه المغامرة في هذا المجال هو الحفاوة التي يبديها الروائي بتقديم صفات المكان، بمعنى أنّه يتكفّل بقول كلّ ما يريد، لكنّ هذه الصفات، في الوقت نفسه، تسهم في تكوين المعنى داخل الرواية، وتجادل خطابها، وتعززه، وتسعى إلى تثبيته. ويؤكّد ذلك ما يحوزه خان يعقوب من مساحة وفيرة من حركة السرد، تثميناً لذلك الخطاب، ورغبة من الروائي في بسط جزئيات الأكذوبة التي نهض الخان على أساسها. ومن المهمّ الإشارة، هنا، إلى أنّ ثمّة منظومة جمالية مهيمنة في عملية صوغ الفضاءات الجغرافية في الرواية، إذ يتصدّر وصف هذه الفضاءات معظم الأجزاء المكوّنة للرواية، وكلّما انتقل الراوي إلى مكان جديد قدّم معلومات جديدة عنه، على النحو الذي يذكّر بصنيع الروائيين الفرنسيين: بلزاك Balzac، وفلوبير flaubert، في الكثير من أعمالهما الروائية. وعلى الرغم من أنّ هذه السمة تميز معظم الروايات الواقعية عادةً، فإنّ "جسر بنات يعقوب" توهم بواقعيتها، وتبتكر واقعها الروائي، فتتحرّر من سطوة قوانين الواقع الموضوعية، وتنتج قوانينها، دون أن تنفي صلتها، أو صلاتها، بالواقع.‏

2- الفضاء النصّي: espace textuel‏

أي: "الحيّز الذي تشغله الكتابة ذاتها.. ويشمل ذلك طريقة تصميم الغلاف، ووضع المطالع، وتنظيم الفصول، وتغيّرات الكتابة المطبعية،.. وغيرها"(10) . ولعلّ من أهمّ ما تتّسم به رواية "جسر بنات يعقوب"، بل ما تتميز به من كثير من الأعمال الروائية العربية، هو عنايتها بهذا الفضاء. فالرواية، في هذا المجال، تنتج بياضات كثيرة، دالّة على سقوط أجزاء من المتن الروائي، وضياعه، بفعل عوامل متعدّدة تتمّ الإشارة إليها في أكثر من موقع من الرواية. وعلى الرغم من أنّ هذا النوع من الفضاءات يمثّل فعالية زخرفية في كثير من الأعمال الإبداعية، فإنّه في هذه الرواية يندغم بمنطق الحكاية في النصّ، أي بمنطق كون المرويّ مخطوطاً قديماً تمّ توارثه عبر أجيال متعدّدة، ولم يسلم من أذى الطبيعة وصروف الدهر، التي أتت على أجزاء منه، وضيّعت كثيراً من متونه، والتهمت حاشية وذيولاً وتفصيلات برمّتها من كتابه الثاني عشر. وأكثر تجلّيات الفضاء النصّي في الرواية ظهوراً، وأكثرها لفتاً للنظر، تقنية الكتابة العمودية التي تشغل الجانب الأيسر من الصفحة، والتي تفسح المجال لبروز فراغات بيضاء، دالّة بشكلٍ ما على حذوف من الأصل، لكأنّما كلّ ما تبقّى من هذا الأصل هو ما تتضمنه تلك الكتابة العمودية فحسب.‏

***‏

- اللغة:‏

تمور لغة السرد، في رواية "جسر بنات يعقوب"، باستعارات ومجازات ذات صلة واضحة بلغة الشعر الحديث، وأبنيته، وتراكيبه، وفعاليات التخييل فيه، وتتابع ما تواتر في نتاج حسن حميد، القصصي والروائي، من حفاوة واضحة بإيقاع الجملة السردية، القصيرة، والمكثّفة، واللاهثة، التي استطاعت أن تشكّل معجمها الخاصّ عبر مجموعاته القصصية التسع، وروايتيه السابقتين، والتي تتجلّى، هنا بوصفها امتداداً لهذا المعجم، واستكمالاً لمشروع منتجه في هذا المجال، الذي يشير، عبر كثير من القرائن الدالّة، على مستوى بناء الجملة السردية، وصياغاتها الجمالية، وأساليب تشكيلها: البنائية، والصرفية، والاستعارية، إلى خصوصية أسلوبية مميّزة، ومعبّرة عن صوت خاصّ، مغاير لتجارب جيل الثمانينيات الذي ينتمي إليه الروائي من جهة، وللمتواتر في الحركة الثقافية العربية المعاصرة من جهة ثانية.‏

ولعلّ من أكثر خصائص هذا المعجم بروزاً إيثار الروائي لاشتقاقات صرفية بعينها، تبدو كثيرة الحضور في مواقع متعددة من الرواية، كإلحاق ألف المشاركة، المعلّلة أحياناً وغير المعللة أحياناً ثانية، بكثير من الأفعال:‏

يتخافت، يواقف، يرامق، يتراجف..، ولمفردة بعينها، تبسط نفوذاً واضحاً على مجمل فعاليات الوصف في الرواية، أعني مفردة "بادٍ"، باشتقاقاتها المختلفة أيضاً.‏

غير أنّ اللغة، في الحالات جميعاً، تغلّ نفسها إلى منظومة فنّية واحدة من مفتتح النصّ إلى منتهاه، بمعنى ارتهانها لتشكيل جمالي واحد، عبر أصوات الرواة جميعهم، وعبر حركتي السرد والحوار معاً، فليس ثمّة مباينة بين لغة الراوي الأساسي ولغات الرواة الثانويين من جهة، وبين لغتي السرد والحوار من جهة ثانية، وهي، قبل ذلك كلّه، لا تقنع المتلقّي بصدورها عن بيئة ثقافية كالتي يحيل عليها زمن إنتاج المحكي، أي زمن تدوين السيرة، ذلك أنّها تبدو نتاج بيئة ثقافية معاصرة، ومنقطعة تماماً عن أساليب التشكيل اللغوي قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وبخاصّة إذا سلّم المرء بما يذهب إليه الروائي، في "إشارة لابدّ منها"، من أنّه لم يحذف حرفاً واحداً من السيرة، كما لم يضف إليها حرفاً واحداً أيضاً، بمعنى أنّه اكتفى بنقلها كما وردت في الكتاب، أو الكتب، التي تضمّنتها، الأمر الذي يعزّز ما أشرنا إليه آنفاً فيما يتصل بتقنية تعدّد الأصوات، المفارقة لهيمنة الراوي الواحد، كما تقدّمه مدوّنات تلك المرحلة التي تمّ إنتاج المحكي فيها.‏

ومن اللافت للنظر أن الرواية لا تسلم من أذى الأخطاء اللغوية على المستويات: الأسلوبية، والصرفية، والنحوية، والطباعية(11) ، المثيرة لكثير من الأسئلة، منها: صدور هذه الأخطاء عن مختصّ في اللغة، وكاتب له تجربته الأدبية الطويلة نسبياً، ومنها أيضاً مسوّغات دفع الرواية إلى النشر دونما تدقيق في شكلها النهائي، وعدم اهتمام الدراسات التي تناولتها بالإشارة إليها.‏

***‏

- تركيب:‏

"جسر بنات يعقوب" منعطف إبداعي واضح في تجربة حسن حميد الأدبية، وهي منعطف واضح أيضاً في التجربة الروائية الفلسطينية، ولعلّها أوّل رواية فلسطينية "تؤرّخ" للاستيطان اليهودي في أرض فلسطين منذ طلائعه الأولى، بمعنى أنّها أوّل رواية تتوغّل عميقاً في تاريخ القضية الفلسطينية، وترصد إرهاصات ذلك الاستيطان، وأوهامه التوراتية، وأضاليله، وأساليب ممارسات المستوطنين الأوائل في الاستيلاء على أرض فلسطين، وتمكنهم من إطلاق أسماء بديلة لحقائق التاريخ والجغرافية الفلسطينيْين، رغبةً في تثبيت أكاذيب الرواية التوراتية المقلوبة التي تقرّ بغربة أولئك المستوطنين عن تلك الأرض منذ أيّام إبراهيم: "أعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كلّ أرض كنعان ملكاً أبدياً".‏

وعلى الرغم ممّا يتّسم به الشكل الفنّي فيها من قصديات بنائية، فإنّ هذا الشكل يؤكد كفاءة الجنس الروائي في استيعاب مختلف أشكال التجريب، الذي يبدو في "جسر بنات يعقوب" محاولة واضحة للبحث عن صياغات سردية مغايرة للسائد والقارّ في التجربة الروائية العربية. ومهما يكن حظّها من النجاح في هذا المجال، فيكفيها، بل يكفي مبدعها، هذه المحاولة وحدها فحسب.‏

***‏

(1) حميد، حسن. "جسر بنات يعقوب". ط1 اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1996.‏

(2) لوبوك، بيرسي. "صنعة الرواية". ص(31) .‏

(3) العالم، محمود أمين. سليمان، نبيل. العيد، يمنى. "الرواية العربية بين الواقع والإيديولوجيا". ص(16) .‏

(4) انظر لحمداني، د. حميد "بنية النصّ السردي من منظور النقد الأدبي". ص(51) .‏

(5) جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". ص201).‏

(6) المرجع السابق. ص(26) .‏

(7) جمع: مدى، ويعني المسافة الزمنية الفاصلة بين نقطة انقطاع السرد وبداية الأحداث المسترجعة أو المتوقّعة.‏

(8) يميّز توماشفسكي بين أربعة أنواع من الحوافز Les motifs في عملية السرد. للتوسع، انظر: محموعة مؤلّفين. "نظرية المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس". ص 179) وما بعد.‏

(9) يقترح الناقد د. عبد الملك مرتاض، في كتابه: "في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد"، تعريب مصطلح "Léspace" بـ "الحيّز" بدلاً من "الفضاء"، دون أن يعلّل ذلك. انظر: ص 141).‏

(10) لحمداني، د. حميد "بنية النصّ السردي من منظور النقد الأدبي". ص(55) .‏

(11) من أمثلة ذلك، على المستوى الأسلوبيّ، استخدام الروائي تركيب "ليس إلا" 104)، وصوابها: ليس غير. وقوله: "كان القلق والخوف من المستقبل هما من يؤرّق حياتها"(47) ، والصواب "هما من يؤرّقان"، وقوله: "فاضطرت أن " (82) .. والصواب: "اضطرت إلى أن"، وقوله: "واستحثهن على الانتهاء سريعاً لأنهم لم ينتهوا"(99) ، والصواب: "لأنهن لم ينتهين". ومن أمثلته على المستوى الصرفي، "كاسات" 12 مكرر)، وصوابها: أكؤوس، أو كؤوس. و"طيلة" 54، 183، 283، 292، 334، 338، 343، 359 مكرر)، والصواب: "طوال"، و"الأيام القابلة" (100) ، والصواب: "المقبلة". و"أعاقت" 300)، والصواب: عوّقت. وعلى المستوى النحوي، يمكن أن نشير إلى الأخطاء التالية: "فيه حنّا جمرة للخطايا، ووكراً للثعابين" (62) ، والصواب: "وكرٌ"، و"كانت صفية في مشاوير يوم الأحد، جذلى، ضحوك" 65، 66)، والصواب "ضحوكاً"، و"بدا الجسدان.. كأنّهما جسداً بشرياً واحداً، شيئاً له بكورته" 150)، والصواب: "كأنهما جسدٌ بشري واحدٌ، شيءٌ.." و"يعقوب خلفه فرحاً" 172)، والصواب "فرحٌ"، و"حيث الدرب.. ملكاً للسلطان" 207)، والصواب "ملكٌ"، و"لم يحدث شيئاً" 242)، والصواب "شيء"، و"بأنّ الصفحتين متباعدتين" 333)، والصواب: "متباعدتان". وعلى مستوى الأخطاء الطباعية، تمكن الإشارة إلى "نبت"(15) ، وصوابها: "نبتت"، و"لم يكتب انفعاله" 160)، والصواب "يكبت"، و"مازالت لا آكلُ" 184)، والصواب "مازلتُ"، و"لهم جاهم" 188)، والصواب "جاههم".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244