المغامرة الثانية - نضال الصالح

دراسات في الرواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مجاز العشق أسئلة المقدّس والمدنس

يرى بو علي ياسين، في كتابه: "الثالوث المحرّم، دراسة في الدين والجنس والصراع الطبقي"، أنّ ثمّة محرّميْن في مجتمعنا: "لا يجوز التحدّث عنهما نقدياً إلا مع الأصحاب وبشكل مزاح، ولا تجوز دراستهما علمياً تحت طائلة عدم النشر أو المصادرة أو الملاحقة القضائية.. المحرّمان هما: الدين والجنس"(1) ، وأنّ ثمّة ثلاث سلطات تعارض مثل هذا النوع من الدراسات: سلطة المجتمع، وسلطة الدولة، وسلطة رجال الدين.‏

وفيما بعد تتبّعه لنشأة الدين، ثمّ تصنيفه الأديان بحسب تسلسلها التاريخي الحضاري إلى أديان بدائية أو شبه أديان، وأديان أثنية أقوامية)، وأديان إقليمية إمبراطورية)، وأديان كونية سماوية)، يخلص إلى القول:‏

"ليس من مصلحة الطبقات الحاكمة المالكة دراسة الدين موضوعياً. ليس من مصلحتها تنوير.. الناس"(2) . ولدى تصديره للحديث عن المحرّم الجنسي، يرى أنّ مجتمع الطبقات والمؤسسات التسلّطية تسخّر الدين لإنتاج تعاليم قسرية يكون الاغتراب الجنسي أحد أهمّ مصادرها لتلبية حاجات تلك الطبقات والمؤسسات، ولتمكينها من اعتلاء القوى المحرّكة للواقع، والفاعلة فيه(3) .‏

***‏

مهما يكن نصيب أطروحات ياسين السابقة من الخطأ أو الصواب، فإنّها تشير إلى وجود ثلاث سلطات تتعاضد فيما بينها للحفاظ على امتيازاتها الخاصّة في المجتمع: سياسية/ استبدادية، ودينية/ سكونية، واجتماعية/ طبقية. وهي سلطات ليست خاصّة بالمجتمعات العربية، بل إنّها تمتدّ لتشمل عدداً غير قليل من المجتمعات، عبر عصور التاريخ المختلفة، وعلى المستويات الثلاثة التي تنبثق تلك السلطات من خلالها: السياسي، والديني، والاجتماعي.‏

ويمكن تلمّس بعض مظاهر هذا الشمول في أطروحات النظرية الخلقية، التي بدأت بالظهور منذ أيام الإغريق على يدي أفلاطون، والتي توجب على الأدب "أن يخضع لسيطرة خارجية: من الدين أو القانون أو الحسّ الخلقي للجماعة"(4) ، فالأدب "قدوة.. يزوّدنا بأمثلة عن الفضائل يجب أن نضارعها، وأمثلة عن الرذائل يجب أن نجانبها"(5) .‏

والسمة نفسها تتجلّى لدى البحث عن علاقة الأدب بالمقدّس السياسي، إذ يقدم تاريخ عددٍ من المجتمعات أكثر من مثال على أنّ "تأثير الطغيان السياسي في خنق الفنّ حادثٌ بيّن عبر حقب التاريخ.. بل إنّ أكثر القادة) إخلاصاً للفنّ لم يقاوم رغبة تقييد هذا الفنّ فور أن يظهر له [أنّه] يسعى إلى مسّ امتيازاته مسّاً رفيقاً"(6) .‏

بالمعنى الذي سبق، فإنّ المقدسات الثلاثة، الاستبدادي، والسكوني، والطبقي منها، أيديولوجية قمعيّة تسلب الآخر حقّه في الاختلاف، والمغايرة، والتأويل. والتي تريد أن تكون، في المجتمعات التي تسعى إلى فرض هيمنتها عليها، بمثابة "العقل المكوِّن La raison constituante "، باستعمال مغاير لمّا قدمه لالاند "Laland لهذا المصطلح(7) ، كما تسعى إلى أن يكون "العقل المكوَّن "La raison constituèe من منتوجاتها، فلا يصدر عنه شيء إلا ويكون مطابقاً للعقل المكوَّن. وتأسيساً على ذلك، فإنَّ أيّ خروج على أعراف "العقل المكوِّن" يُعدّ انتهاكاً لهذه الأعراف، وتطاولاً عليها، ومحاولة لخلخلة القيم التي يسعى إلى تثبيتها، والتي تحفظ للسلطات الممثلة له امتيازاتها الخاصة.‏

***‏

تستهدف هذه الدراسة إثارة الأسئلة حول علاقة الرواية العربية بالمقدَّسات الثلاثة، وأشكال انتهاك هذه الرواية لكلّ منها، وآليات التعبير عن نقيضها، أي: المدنّس. وكيفيات تجلّي الأخير داخل النصوص الروائية، ثم موقعه من شواغل هذه الرواية، وهواجسها، وأشكال مقاربتها للراهن حولها. وسنمثّل لذلك برواية الروائي السوري نبيل سليمان الصادرة مؤخّراً: "مجاز العشق"(8) . ومن المهمّ أن نشير إلى أنّ المقدّس، في الأدب بعامةً، لا يتحدّد بما هو سياسي، وديني، واجتماعي. بل يتجاوز هذا كلّه إلى المقدّس الفنّي، أو إلى الأعراف الجمالية التقليدية التي تمّ التواضع عليها طويلاً، والتي يرى كثير من ممثليها والمتعصبين لها أنّ أي تمرّد عليها يعني عقوقاً بإنجازات الأسلاف، وتحللاً من الإرث المميز للشخصية القومية، وقطيعة مع الهوية، وانقضاضاً عليها، وتغريباً لها.‏

***‏

في المشهد الروائي العربي الحديث نصوص روائية كثيرة تبدي تمرّداً على المقدّسات الثلاثة، ومن نماذج ذلك: روايتا "التفكك"، و "معركة الزقاق" للجزائري رشيد بوجدرة، ورواية "تلك الرائحة" للمصري صنع اللَّه إبراهيم، و "هابيل" للجزائري محمّد ديب، وروايتا الجزائري أيضاً واسيني الأعرج: "ما تبقى من سيرة لخضر حمروش"، و "مصرع أحلام مريم الوديعة"، ورواية "الخبز الحافي" للمغربي محمّد شكري، والجزء الثاني من رواية السوري خيري الذهبي "التحوّلات"، وأكثر من نصّ للفلسطيني غالب هلسا: "الضحك"، و "الخماسين"، و "ثلاثة وجوه لبغداد"، و "السؤال" ورواية "حبل السرّة" للعراقية سميرة المانع، ورواية "الخلعاء" لخليل النعيمي، وغير ذلك كثير.‏

وعلى الرغم من أنّ هذه النصوص جميعها، وغيرها، ممّا لم يبد انصياعاً للمقدّسات الثلاثة، تشكل ظاهرة بالمعنى الدقيق للمصطلح، وعلى الرغم من المغامرات الكثيرة التي أبداها الجنس الروائي العربي في اطّراحه للمقدّس وكتابته للمدنّس، وفي حفره في طبقات التاريخ الديني والاجتماعي والسياسي، فإنّ ثمّة رقيباً، على المستويين الداخلي والخارجي، ما يزال يحول بين كثير من الروائيين العرب وتلك المقدّسات. ولعلّ ذلك ما دفع صنع اللَّه إبراهيم، في شهادة له، إلى القول: "لقد قامت الكتابة العربية بمغامرات شتى، وقدّمت لنا عدداً غير قليل من الإبداعات المتميزة. لكن من الإنصاف أن نعترف بأنّ دروباً كثيرة لم تُطرق بعد. وأنّ طائر الخيال ما زال عاجزاً عن التحليق عالياً في مواجهة الأسوار التي تحصنّت خلفها السلطة الدينية والسياسية، وما زالت التجربة الجنسية، أكثر التجارب حميمية وتفردّاً وتعقيداً، بمنأى عن التناول"(9) .‏

***‏

تُعدّ أعمال الروائي السوري نبيل سليمان أحد أكثر الأعمال الروائية العربية مناوشة للمقدّسات الثلاثة، الأمر الذي عرّض عدداً من تلك الأعمال للمنع من التداول، وعدداً آخر لامتناع الرقيب عن الموافقة على طباعته، وثالثاً للمصادرة. ومن ذلك ما أشار إليه سليمان في مداخلة له بعنوان: "الأدب والحرام"، في ندوة "المركز والهامش في الثقافة العربية" التي عُقدت في كلّية الآداب، صفاقس/ تونس، نيسان 1993، من أنّه تلقى خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 1993، هاتفاً بمنع روايته "مدارات الشرق" ، بجزأيها: الأشرعة، والتيجان، من البيع، وأنّ الجزأين نفسيهما كانا قد مُنعا في معرض الكويت الدولي للكتاب قبل شهرين من ذلك التاريخ، وأنّ الرقيبة في معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي عُقد قبل شهر من معرض الكويت، أمرت بنزع عشر صفحات من رواية "بنات نعش"، الجزء الثاني من "مدارات الشرق"، وكان سبب ذلك كلّه: "البذاءة"(10) .‏

***‏

يرتدّ صراع نبيل سليمان مع الرقيب: السياسي، والديني، والاجتماعي، كما يشير إلى ذلك في أكثر من حوار معه وشهادة له، إلى روايته البكر "ينداح الطوفان" 1970 التي أزاحت قشرة الوهم عن المقدّسين السياسي والاجتماعي، والتي أرغمه ما بدا من مطابقة بين شخصيتين فيها، رجل وامرأة، من قريته على التواري عن القرية لعدّة أعوام، ثمّ مع روايته الثانية "السجن" 1972 التي رفضت الرقابة الموافقة على طباعتها، ممّا دفعه إلى نشرها في بيروت، ثمّ إلى تجنّب الحديث عن النسوية في المقررات الدينية في كتابه "النسوية في الكتاب المدرسي السوري" 1978. وبسبب تعرية روايتيه: "جرماتي، أو ملفّ البلاد التي سوف تعيش بعد الحرب" 1977، و "المسلّة" 1980، لـ "العسكرتاريا" اضطرّ إلى نشرهما في القاهرة. ولم تكن روايته "أطياف العرش" 1995، التي سبقت روايته الأخيرة "مجاز العشق" أقلّ "حظّاً" في هذا المجال.‏

***‏

يتابع نبيل سليمان في روايته الأخيرة "مجاز العشق" ما تواضعت عليه تجربته الروائية من تمردّ على المحرّمات واختراقها، محققاً بذلك تأكيداً جديداً على احتقانه تجاه المحرّمات العربية، ورغبته في نكئها، وعدم انصياعه لضغط ما هو خارج نصّي، كما يقول في شهادة له(11) ، ومتابعاً حفاوته بالمسكوت عنه، ومثبّتاً، في الوقت نفسه، ما أشار إليه "إرفينغ بوخن" بقوله: ليس للرواية "موضوع أقدس أو أدنس من أن تعالجه"(12) . ثم من مناوئة هذه التجربة للمقدّس الفنّي، وبحث منتجها عن أساليب تعبير وتقنيات جديدة.‏

- مدخل إلى الرواية:‏

على الرغم من أنّ ثمّة خطاباً مركزياً في "مجاز العشق"، هو ما يستبدّ بالتسعينيات من صراعات أرهصت بها رباعيته "مدارات الشرق" حول مصادر المياه، ومظانّ هذا الصراع، وما قد يتمخّض المستقبل عنه بشأنها، فإنّ ثمّة خطابات تعضّد هذا الخطاب المركزي، وتدفع به إلى الواجهة، وتعبّر عن حركته. منها: النضال الوطني الفلسطيني الذي انتهى إلى اتفاق أوسلو، وحربا الخليج الأولى والثانية، والمعارضة العراقية في الشتات، وقصف الآمنين العراقيين في الملاجئ، والرأسمالية الجديدة التي أنتجها قانون الاستثمار، والفساد الإداري، وإرادة السلام ومعناه، ومفهوم التطبيع مع الإسرائيليين. وعبر ذلك كلّه، ومن خلاله، معنى المقدّس والمدنّس وذهنية التحريم في الواقع العربي.‏

تقدّم الرواية أربع شخصيات مركزية: فؤاد صالح، وفاتن طرّوف، وصبا العارف، وشهاب الوزير. يقوم فيما بينها جميعاً علاقات لقاء وتنافر، اتفاق واختلاف، وعلى الرغم من أنّ لكلّ منها هواجسه على المستويين الشخصي والجمعي، فإنّها جميعاً تلتقي في عدم انصياعها لأعراف الواقع وقوانينه، وتبدي تمرّداً عليها، وتنتج أعرافها وقوانينها الخاصّة.‏

*- المقدّس الديني/ الاجتماعي:‏

المقدّس الاجتماعي مجموعة من الفعاليات والقيم التي تحصّن المجتمع ضد موروثه الأخلاقي، وغالباً ما يكون هذا المقدّس مرتبطاً بالمقدّس الديني وبالامتيازات الطبقية التي لا تكفّ عن استخدام القيم الدينية غطاء أيديولوجياً لأطروحاتها، وقوانينها، وأعرافها الوضعية.‏

ولعلّ الشاعر نزار قباني من أوائل الأدباء العرب الذين أرهصوا بكتابة مناوئة لهذا النوع من المقدّسات، ولعلّ من أكثر أطروحاته إثارة للانتباه في هذا المجال هو مطابقته بين الثورة بمعنييها السياسي والاجتماعي.‏

فالجنس، في رأيه: "واحدٌ من همومنا الكبيرة، بل هو أكبر همومنا على الإطلاق، ولن يكون هناك تعبير حقيقي إذا بقي الورم الجنسي ينبش حياتنا وجماجمنا"(13) .‏

وقد تنّبه د. عبد المحسن طه بدر، في معرض مقاربته لأطروحة قبّاني السابقة، إلى أنّ ليس كلّ إنتاج أدبي يناوئ ذلك المقدّس فعالية ثورية، فالأدب الذي يُعنى بتصوير المدنّس الاجتماعي، بل أدب الأحلام الجنسية والمغامرات بتعبيره، يزيّف الواقع، ويتملّق القيم الحبيسة لبعض الفئات الاجتماعية، وأنّه لا يقلّ سوءاً عن الأدب الدعائي(14) ، أي: الأدب الذي يتملّق السلطان السياسي.‏

تتابع "مجاز العشق" ما دأب عليه نتاج نبيل سليمان الروائي فيما يتصل بتقويض بعض شخصيات هذا النتاج للقارّ من القيم الدينية/ الاجتماعية. وغالباً ما تتجلّى هذه الفعالية في الرواية من خلال مستويين: مستوى العلاقات التي تقوم بين أكثر شخصياتها المركزية، أي فيما يعبّر عن المحرّم الجنسي. ثمّ مستوى التعبير اللغوي الذي يقدّم عدداً من المفردات الخادشة للحياء.‏

يتشكّل المحرّم الجنسي، في الرواية، بين كلّ من الفلسطينية فاتن طرّوف والفلسطيني غسّان الوهبة، ثمّ بين فاتن طروف نفسها والسوري فؤاد صالح، فبين السورية صبا العارف وأبو كريم العراقي، ثمّ بين صبا نفسها وفؤاد صالح. بمعنى أنّ كلاً من الشخصيتين النسويتين المركزيتين في الرواية ينجز محرّماً جنسياً مع شخصيتين ذكوريتين. وإذا كانت الرواية تقدّم مسوّغات لهذا المحرّم بين كلّ من فؤاد وفاتن وصبا، أي مسوّغات الهزائم التي مُنَي بها جميعهم، فإنّها لا تقدّم تعليلاً له بين صبا وغسان.‏

غير أنّ هذه الشخصيات التي تنتهك المقدّسين: الديني والاجتماعي، لا تمارس ذلك بوصفه مدنّساً، بل بوصفه جزءاً من منظومة الوعي التي تصدر عنها هذه الشخصيات. ولذلك فلم يكن ثمة ما يضير فاتن حين علمت بالعلاقة الجسدية بين فؤاد وصبا، بعد عودتها من قبرص وكانت قبل سفرها إليها على علاقة به، إذ قالت له: "أنت حرّ بجسدك وأنا حرّة بجسدي"130). وقد كشف فؤاد عن تلك المنظومة بقوله متسائلاً، ثمّ مقرراً: "الملكية في كلّ شيء؟ اتركوا الجسد في حاله"130)، وبقوله أيضاً: "ما دام الرضا والقبول حاصلاً فلا ضرر ولا ضرار"(15) 130). ويعزّز ذلك تسمية فؤاد للمحرّم الجنسي الذي تمّ بينه وبين صبا في الزبداني "عرساً". لكنّ هذه الشخصيات، في الوقت نفسه، تقرّ، في أعماقها، أنّ ما يقوم بينها من علاقات جسدية مدنّس يستوجب التستّر عليه. إذ ما إن يدخل الصغير يمان، ابن فاتن، قادماً من منزل أم فادي، بينما كانت أمّه بين ذراعي فؤاد، حتى يُهرع الأخير إلى المطبخ ليختفي فيه، وما إنْ يستسلم يمان للنوم حتى تأمر فاتن فؤاداً قائلة: "اظهر وبانْ عليك الأمان"(52) .‏

وينتاب صبا هلع حينما يُقرع باب غرفتها وفؤاد عارٍ على السرير في الفندق الذي جمعهما خلال ندوة عمّان. ومن اللافت للنظر أنّ العلاقات الجنسية بين كلّ من فؤاد وفاتن، وفؤاد وصبا، والتي تنضوي تحت المحرّمين:‏

الديني والاجتماعي، لا تقوم على ممهدات عاطفية، بقدر ما تبدو نتاجاً لإحساس الثلاثة بهزائمهم كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، لكأنّ الجنسَ جسرُ خلاص من ذلك الإحساس الفادح بوطأة الواقع، ورطانته، وجحيم أسئلته، أو لكأنّه محاولة لتخصيب الذات بقوّة تمكنّها من احتمال تلك الإنكسارات والهزائم التي تعانيها على أكثر من مستوى، والتي تبدأ من الذات نفسها وتنتهي بما هو جمعي.‏

ومن المهمّ، هنا، الإشارة إلى أنّه مهما يبلغ شأو المدنّس في هذه الرواية، وفي هذا المجال، فإنّه لا يبدو مقدّساً، بمعنى أنّه يكتفي باختراقه الأخير، وبانتهاكه، لكنّه لا يزعم مشروعية وجوده وحده، ولا يدّعي كونه بديلاً له. ومن المهمّ، أيضاً، الإشارة إلى أنّ هذا المدنّس في الرواية هو نتاج شخصياتها المركزية، وطبائعهم، ورؤاهم للواقع حولهم، وليس بوصفه خطاباً فيها.‏

يمثل فؤاد صالح أكثر الشخصيات المركزية الأربعة في الرواية تعبيراً عن انتهاك هذه الشخصيات للمقدّسين معاً: الديني، والاجتماعي. فعلى الرغم من مؤرّقاته الكثيرة والكبيرة، فقد كان ثمّة هاجس يستبدّ به، ويلاحقه، هو حرية الجسد، والرغبة في ممارسة هذه الحرية دون قيود، والتعبير عنها دون تردد، فما إنْ تهجره نوال الشيخ لاكتشافها أنّها كذبة، ووهمٌ، وغلطة في حياته، كرسالتيه في الرشوة والبكارة، وكلّ ما كتب وترجم، كما قالت له، حتى ينصرف إلى فاتن. معبّراً، في أوّل لقاء بينهما، عن هاجسه ذاك بقوله: "كنتُ أعطّر صدرَ نوال وأتشمّم: بصراحة؟ ما مِنْ رابية ولا وهدة لم أعطّرها ولم أتشممها: اسألي نوال: ولا قلّك؟ بكرة بتشوفي" (35) . وما إنْ يلتقي صبا العارف، أوّل مرّة أيضاً، ولم يكن قد مرّ وقت على مضاجعته لفاتن، ولم يزل على علاقة معها، حتى يتشّهى صبا مفكرّاً في تكوينها الجسدي فحسب: "تجرّأتُ على النظر إلى ظهرها: نحيلة: انزمّتْ شفتاي وتجرأتُ على النظر إلى عجيزتها: ضامرة بسّ حلوة: ابتسمتُ وتفحّصتُ ساقيها: حمشاوان: قرّرتُ أن أتفحص صدرها عندما تعود"(59) . وجلّ ما كان يفكّر فيه، حينما عزم على زيارتها في مكتب القدس للخدمة الثقافية، هو أن يحمل إليها كتاب "مباريات الحريري بين فضل وعيب البكر والثيّب"(62) . وقبل أن يطلع فجر اليوم التالي الذي سيشهد سفر فاتن كان وصبا معاً في الفراش. ولم يكن ثمّة ما يثير اهتمامه، في خضمّ ندوة عمّان. سوى استراق النظر إلى سمراء كانت تجلس مقابلة له، وسوى طلبه إلى صبا قائلاً: "فوتي بدّلي ثيابك واطلبي من الاستقبال ما حدا يتصل بغرفتك: وبعدين شرّفي"182). وحين تحدّثه، أي صبا، عن الحلم الذي رأت فيه أنها تمسك قلماً وتنفضه لتكتب به على دفتر بحجم الكفّ، يفسّر الحلم دونما تردد بقوله: "القلم في الحلم هو الذكر والمداد نطفته وما يُكتب فيه منكوحه"183). ثمّ، وفي حمأة الحوار الذي يدور بينه وبين نمرود وملكا الإسرائيليين حول السلام في ختام ندوة عمّان، وفيما تبدي روضة رغبتها في إنهاء الحوار قائلة: "- ما خلصنا أستاذ فؤاد؟- ولا عمرنا راح نخلص يا مدام: قال وعيناه تتملّيان ساقي ملكا وتهمّان بالصعود: لكنّ صبا ضبطتهما فلكزته مؤنّبة: -استحي يا بتاع السلام: وتابعت سيرها أمامه فحجبت ملكا: وراحت عيناه تغيمان في إيقاع هذه الألية وتلك الألية اللتين تتقدّمانه" 200). وعندما تخلّصت صبا من بذرة الخطيئة، وقررت النأي، بل التنائي عنه، لم يكن ثمّة ما يرعبه سوى "أن ينتهي الجنس بيننا وتبقى صداقة"221). ولم يكن قد مضى وقت على تنائي صبا عنه، حتى عبّر عن تشهيه لساقي مها اللتين شغلتاه عن معرض الفنّان الفرنسي الذي كان يزوره برفقتها.‏

تلك هي أكثر هواجس فؤاد صالح بروزاً في الرواية، حتى إنّها لتضارع هواجسه في كتابة رواية حداثية تتضمّن تاريخ الخليقة. وهي هواجس دالّة على برمه ونفوره من المحرّم الديني/ الاجتماعي، حتى في لغته اليومية التي تنّبهت إليها فاتن حين وصفته لصبا بقولها: "كلمة من الشرق وكلمة من الغرب: المهمّ تكون كلمة وسخة"(97) .‏

أمّا فاتن طرّوف، الفلسطينية التي "وهبت للسياسة ولفلسطين عشرين سنة"(34) من حياتها، وهي تقود المظاهرات وتوزّع المنشورات عندما كانت طالبة في جامعة القاهرة، ثمّ وهي تشارك في النضال الوطني الفلسطيني في بيروت، والتي تزوّجت أنيس أسعد أحد قياديي الجبهة التي انضمّت إليها، وأنجبت منه طفلهما الوحيد يمان، فإنّها هي الأخرى، كفؤاد، تطلق جسدها على هواه، وتعتقه من أسر المحرّميْن، وتؤمن، كفؤاد أيضاً، بأنّ له، أي: الجسد، حرّيته التي لا يحقّ لصاحبه أو لغيره المصادرة عليه، ولم يكن قولها لفؤاد حين علمت بعلاقته الجسدية بصبا: "أنت حرّ بجسدك وأنا حرّة بجسدي"130) سوى غيض من فيض ممارساتها لتلك الحرية. ففي بيروت، وخلال عملها في صفوف المقاومة الفلسطينية، كانت توزّع جسدها بين رفيقيها في النضال: زوجها أنيس أسعد، وغسّان الوهبة: القائد العسكري للجبهة. وبعد أن قبضت حصّتها من تركة الجبهة، واختارت الإقامة في دمشق، بينما اختار أنيس وغسان اللحاق بركب ياسر عرفات إلى غزّة، وافتتحت بتلك التركة "بوتيك" وشغّلت شباب المخيّم في التهريب، منحته لفؤاد صالح، قائلة له بينما كانا يمارسان المحرّم الجنسي وفؤاد لا يتجاوز حدوداً بعينها من جسدها: "أنا أقسمُ لك أي: جسدها) ولغسّان الوهبة وأنيس أسعد ولغيره وغيره: انزل"(51) . وكانت لا تني تردّد: "إذا كُثرَ الزنا كثر المطر"(51) .‏

ولم تكن صديقتها السورية صبا العارف، التي تعرّفت إليها "حين كانت منظمة التحرير تصول وتجول في بيروت"(42) ، أقلّ منها شأنا في هذا المجال. لقد أحبّت صبا، ابنة الرقّة، قبل أن تكمل دراستها الثانوية، مازناً، وتزوجته، ثمّ انتقلت معه إلى بيروت، حيث استشهد خلال الاجتياح الإسرائيلي، فقام "الختيار" بنفسه بتعزيتها. ترمّلت قبل أن تتمّ الثلاثين، فانتقلت للإقامة في دمشق في بيت أهلها الذين ضيّقوا عليها، إذ لم تكن تستطيع إطالة سهرها خارج البيت دون أن تستأذن: من أبيها أولاً، فأمّها، فأحد شقيقيها: نزار أو سالم.‏

بعد استشهاد مازن، باعت البيت الذي ورثته عنه، وقبضت تعويضاً زهيداً عن سنوات خدمتها في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بعد استقرارها في دمشق، ورفضت خلال ذلك الإغراءات الكثيرة التي قُدّمت لها لكي تطوي ملفّ شهاب الوزير المثخن بالتجاوزات. ثمّ شاركت، بما قبضته من ثمن البيت وتعويضها في الهيئة، فاتناً في افتتاح مكتب القدس للخدمة الثقافية، وما لبثت أن تعرّفت، في منزل فاتن، إلى فؤاد صالح، وسرعان ما دخلت علاقتهما في إطار المحرّم الجنسي، بعد أن كان المعارض العراقي أبو كريم يحاول ذلك، وسرعان ما حملت من فؤاد سفاحاً.‏

وكذا كان شهاب الوزير، صديق فؤاد صالح وغريم صبا العارف، الذي لم يكن يعنيه خلال لقاءاته بفؤاد سوى الحديث عن المرأة، المرأة التي تملأ الحضن، كما قال لفؤاد وهو يصف له فاتن طروف: "هذه هي فاتن طروف: يا أخي امرأة مثقّفة وتملأ الحضن"(21) . وعلى الرغم من لهاثه وراء الصفقات التجارية، في أيّ موقعٍ كان، وبأي وسيلة كانت، فقد كان الأهمّ، في رأيه، وهو يحدّث فؤاداً عن زيارته للحسكة والقامشلي اللتين سافر إليهما لعقد صفقة مشروع جديد لحسابه، ليس فنادقهما التي ذكّرته بفنادق المرجة قبل ثلاثين سنة فحسب: بل: "أين تختفي النساء في تلك الديرة؟"(77) . وحين همّ بالسفر إلى موسكو لعقد صفقة جديدة كان أقصى ما يفكّر فيه، بالنسبة إلى فؤاد، هو أن يعرض عليه إحضار عشر عذراوات، وعندما عاد من موسكو، كان كلّ ما قاله لفؤاد هو: "راحت عليك هدية موسكو: بنت باكر بتاخد العقل: يا دوب ستعشر سنة، ومعها أختها"152).‏

وتتجلّى السمة نفسها في بعض الشخصيات الفائضة على جسد الرواية، كوحيدة ومعين اللذين لا يتبدّيان داخل السرد الروائي إلا عبر الوصفين التاليين: "شهقة تفلت الضحكة: من تكون سوى وحيدة ومعين يغرس أصابعه في إليتها" (47) ، "الدرج يتعثّر بخطى وحيدة مثل إليتها التي تتعثّر بأصابع معين"129).‏

***‏

لا يُقدم المحرّم الجنسي، في الرواية، عبر أوصاف غرافية Graphie. وبهذا المعنى، فإنّ مجاز العشق بعيدة عن الإثارة، إذ تصوّر علاقة توحّد لا علاقة عهر. وبهذا المعنى أيضاً، فإنّ ما يشخّص ذلك المحرّم على المستوى اللغوي أقصى ما يكون عن "البورنوغرافية "Pornographie ، أي: الكتابة المتعهرة، وألصق ما يكون بالـ "إيروغرافية "Erographie ، أي: الكتابة الممجدة للجسد. وإذا جازت المقارنة بين نصّ روائي وآخر، فإنّ المحرّم الجنسي في "مجاز العشق" يطابق مثيله في رواية المصري إدوار الخراط "رامة والتنين"، حيث ثمّة "محاولة لإعلاء المواجهات.. الجسدية إلى مستوى الشعر، وإلى مستوى التصوّف، وإلى مستوى الفلسفة"(16) . ولعلّ المقبوسين التاليين الذين يصوّران على التتابع اللقاء الجسدي بين فؤاد صالح وفاتن طروف، ثمّ بينه وبين صبا العارف، يؤكّدان ذلك:‏

"كانت الشهوة تتأثّم والنبيذ يدفن فؤاد في الحضن الرؤوم والوجه الطفولي يلثمه ويلحسه ويتشممه: الآن تلتهمه شفتان مكتنزتان وقاسيتان وهو ينشال من كرسي أو كنبة إلى السجّادة أو السرير.. الساقان العبلتان الناعمتان تلتفّان على عنق تتمعّج: فؤاد يساقط على الحلمتين الناشبتين: فاتن تترقرق"(51) .‏

"بابٌ يحكم انغلاقه: بابٌ يشرع على بياض يتشرّب بزهوة جسد: ضوء نشوان مثل السرير والعيون المتعانقة: صدر فؤاد يجلو لمّة من الشعر الكثّ وسرّة كبيرة وكتفين حائرين: ثمّ تنحني قبلة على زاوية لشفتيها..‏

تلاعبَ الضبابُ بالضوء الذي تلاعب بالغيمة التي تلاعبت بالسرير الذي نضا عن صبا قميص النوم الرافل بالبياض ونضا عن فؤاد ورقة التوت: تهجّى الجسدان لغة جديدة.. هما الآن آهةٌ ومواءٌ وفحيحٌ وعواءٌ وزقزقةٌ وحفيف أوراق: مرضعة جاهلة ورضيع جاهل: وجعٌ وعراكٌ وفضولٌ وحبور: حقائقُ وأخيلةٌ مثل وحشٍ وإنسانٍ وزلزلة وخلود وشهقة تتفجّر ماء" 155).‏

*- المقدّس السياسي:‏

تمارس نصوص نبيل سليمان الروائية، في أغلبها الأعمّ، نوعاً من المباينة بين خطاب الأنظمة السياسية العربية وخطاباتها، كما في رواياته: "السجن"، و "جرماتي"، و "المسلّة" على سبيل المثال، وعلى الرغم من تصدّي "مجاز العشق" لمفصل حساس من التاريخ العربي المعاصر، استطاع أن يبدي سوءات كثير من الأنظمة والقوى السياسية العربية، أعني ما أنتجته اتفاقات السلام، منذ أوسلو، إلى وادي عربة، إلى التمثيل التجاري، إلى العلاقات الدبلوماسية، إلى اللقاءات الثقافية، فإنّ الرواية لا تبدي انتهاكاً للمقدّس السياسي، لأنّ ما يتردّد فيها من خطابات في هذا المجال لا يجاوز خطاب الأنظمة السياسية التي أبدت معارضتها لتلك الاتفاقات والعلاقات، ومنها النظام السياسي للبلد الذي ينتمي إليه فؤاد صالح. وما يقوله شهاب الوزير لفؤاد عندما يعرّي الأخير انتهاكه للقوانين: "تريدون أن تطبّقوا قوانين السلطة التي تعارضونها"166)، ملمّحاً بذلك إلى مدنّس سياسي لدى فؤاد ليس له ما يعزّزه، بل ليس ثمّة ما يشير إليه، من بداية الرواية إلى خاتمتها. حتى ليمكن القول إنّ مجمل ما يتردّد في تضاعيف السرد من اشتغالات فؤاد بمستقبل الصراع حول مصادر المياه لا يقدّم أي قرينة دالّة على أيّة مفارقة بين خطاب فؤاد وخطاب النظام السياسي لذلك البلد في هذا المجال. وما امتعاضه من قول الإسرائيلي نمرود(17) للدكتور خليل على هامش ندوة عمّان وهو يبدي خشيته من أن يكون ضيفاه: فؤاد وصبا، يكرهان اليهود، وردّه: "متى تكفّون عن التلويح بهذه الفزّاعة؟ قبل قليل كنتُ أحدّث صبا عن صديقة يهودية في باريس"193)، سوى تثبيت لخطاب ذلك النظام الذي يردّد أنّ الصراع مع إسرائيل ليس دينياً، الأمر الذي أكدته صبا في قولها: "اطمئن أستاذ نمرود: لا أحد منّا يكره اليهودي لأنه يهودي"193)، ثمّ عززته برفضها التطبيع مع وجود الاحتلال، وبتعبيرها عن مفهومها للسلام بالقول: "أن يرتفع عن إسرائيل غطاء المال والسلاح: أمريكي أو غير أمريكي.. أن يعود.. الجولان ويتحرّر جنوب لبنان.. أن يعود ملايين الفلسطينيين من الشتات إلى ما كان لهم"197). وعلى الرغم من أنّ فؤاداً يبدي تطوّراً في مفهومه للسلام بقوله: "السلام يعني لي الآن أقلَّ قدر ممكن من العدل: دولة إسرائيل ودولة فلسطين" 199)، فإنّ ذلك لا يعني انتقالاً لديه من المقدّس السياسي إلى نقيضه المدنّس.‏

*- المقدّس الفنّي:‏

لا تقلّ سلطة النقد، بل بعض ممارسات النقدية، استبداداً عن السلطات الثلاث المشار إليها آنفاً، بل إنّها تمثّل ذروة القمع التي تدفع الإبداع معه إلى أن يستقيل، ويكفّ عن التجريب، والبحث، والابتكار.‏

وبمعزلٍ عن أطروحات نبيل سليمان في حقل النقد، فإنّ تطبيقاته الإبداعية التي تأبى الانصياع للمحرّمات الثلاثة، تأبى الانصياع للساكن، والقارّ، والمتواتر من الأعراف الجمالية أيضاً. ومسوّغ ذلك كلّه ولعه، منذ أوّل عمل روائي له، بالمغايرة التي عبّر عنها في أكثر حواراته وشهاداته، والتي يتمّ التعبير عنها في "مجاز العشق" على لسان فؤاد صالح من خلال الصيغ التالية: "ليس لرواية أن تماثل رواية"(15) ، و "ما مِنْ حُبيبة تماثل حبيبة"(17) ، و "ليس لكتابة أن تماثل كتابة"(17) ، و "ما مِنْ ندفة مثل ندفة"(45) ، و "ما مِنْ رملة تشبه رملة"(69) ،‏

و "ليس من جزيء يشبه جزيئاً"123).‏

***‏

- معنى "المجاز" في الرواية:‏

دأبت المؤلفات كافّة، بأشكالها الأدبية، والفكرية، والسياسية، و.. على تسمية ما تتضمنّه بإحدى العناوين التالية: فهرس، أو محتوى، أو مسرد، أو..، وقلّما يعثر المرء على ما ارتضى سليمان تسميته "دليل". ولعلّ أوّل مظاهر المجاز في الرواية، ليس على مستوى المتن الحكائي فحسب، بل على مستوى المبنى أيضاً، إلصاق كاف التشبيه بأقسام هذا الدليل الثلاثة: كالمقدّمات، وكالمتون، وكالخواتيم. لكأنّ هذه الأقسام الثلاثة تثمينٌ لفعل المشابهة بين العشق ومجازه، فالمقدّمات مجاز مقدّمات، والمتون مجاز متون، والخواتيم مجاز خواتيم، بمعنى أنّها محاكيات لوقائع، وليست وقائع، لأنّ الأصول التي تصدر عنها ليست سوى ظلال للحقيقة المسرفة في نأيها عن الإنساني الذي يتفتت تحت معاول الواقع، الأمر الذي تؤكدّه أقوال فؤاد صالح في خاتمة الرواية بقوله لصبا: "ما بقي يا صبا غير أشلاء رواية"226)، كما تؤكّده صبا بقولها: "ما بقي يا فؤاد غير أشلاء عشق"226). وتأسيساً على ذلك، فإنّ الرواية لا تصوغ محاكاة المحاكاة فحسب، بل تدفع بها إلى الواجهة من الفعل الإبداعي، دون أن يعني ذلك تشويهاً للأصل، بل تثبيتاً له، ومحاولة لتعريته، والجهر به.‏

وتقدّم "كالخواتيم"، التي تكتفي بعنوانها فحسب دونما متنٍ ما، أكثر من قرينة دالة على وعي الروائي بإنجازات النقد الحداثية باتجاهاتها ومدارسها كافّة، أي بما أنتجته في حقل نظرية القارئ وفعّاليات التلقّي.فسليمان لا يقدّم خواتيم لمادته الحكائية في الرواية، بل يدع قارئه ينجز بنفسه الخواتيم التي تتسق وآليات استقباله لهذه المادة، وكيفيات وعيه بمقاصد الرسالة فيها، مثمناً بذلك ما تذهب إليه "كامينسكي" من أنّ الكاتب "الذي ينظر إلى الحياة على أنّها فوضى وبلا ترتيب، فإنّ الشكل المفتوح في الرواية أنسب له"(18) .‏

في الاستهلال الأوّل، "عابرة"، تصبح الرواية جلجامش العصر، وسيّدة الحكمة القادرة على، أو الراغبة في، النفاذ إلى الأسرار، والكاشفة عن المضمر، أو عمّا يبدو وقفاً على الآلهة الجدد الذين يصوغون الراهن، بل يعيدون "تكوينـ"ــه، و "خلقـ"ـه كما يحلو لهم، ووفق إراداتهم. مبدياً الاستهلال، في الوقت نفسه، انزياحاً أسلوبياً عن ملحمة جلجامش، ومساوقاً بين المرأة والرجل بوصفهما باصرتين لا تتمّ الرؤية والرؤيا بأحدهما دون الآخر: "خذ/ خذي.. اتلُ/ اتلي"(11) ، ومؤسساً لفعل روائي يبدو شاهداً على الراهن وشهيده في آن، بل قربانه الفادي والمخلّص ممّا يتمدّد في هذا الراهن من خراب، وممّا يدمّره، وما يبقي طاغوت الطوفان قائماً فيه. وهذا الاستهلال يستردّ للعصر الأمومي معنى الجليل فيه، إذْ تبدو الأنثى /الرواية/ المؤهلة وحدها لترميم ما صدّعه الطوفان. فالرواية هي، في الوقت نفسه، فاتن طروف وصبا العارف اللتان رأتا كلّ شيء، واكتوتا بكلّ شيء. أمّا الاستهلال الثاني. "عابر"، فهو فؤاد صالح، الأقنوم الآخر الذي يكتمل به، وبالجنس، الأقنوم الثالث، معنى الحياة.‏

ومن المهمّ الإشارة، هنا، إلى تلك المفارقة بين صيغتي فعل الرؤية في كلّ من الاستهلالين، وتقديم استهلال عابرة على استهلال عابر. إذْ يرتهن الفعل في الأول إلى صيغة المضارع: "هي التي ترى"، بينما يرتهن الثاني إلى صيغة الماضي: "هو الذي رأى" بمعنى صدور الأول عن الحاضر، عن جنون التسعينيات كما تقول الرواية، وصدور الثاني عن ماضٍ تمّ وانتهى، لكأنّ الروائي، ربّما دون قصد، يثمّن كفاءة الأنثى في معاينة الراهن، أي أنّه يسترد للأنوثة عصرها الذهبي/ الأمومي. ومن المهمّ، أيضاً، الإشارة إلى ما تتّسم به بنية الشكل الروائي من انفتاح نهاية النصّ على بدايته، حيث تنتهي الرواية بما يسميّه سليمان "عابران"، لكأنّما الأشياء: بشراً، وقيماً، وعلاقاتٍ، تدور في حلقة مفرغة.‏

تتعاضد عناوين "كالمتون" مع متونها تعاضداً لافتاً للنظر، كما في "صخرة"، التي يبدو الكومبيوتر فيها كائناً صلداً، كائناً متصخراً، لا يسلم قياده لفؤاد وهو في خضمّ حمأته لكتابة الرواية، ومفارقاً في الوقت نفسه لصخرة القدس التي يفتتها الوحش الإسرائيلي، بتعبير فؤاد على لسان سليمان بن داود، لبناء المزيد من المستوطنات.‏

***‏

- علاقات التفاعل النصيّ:‏

تستدعي "مجاز العشق" إلى محرقها السردي عدداً من خصائص نصوص سابقة عليها، بمعنى أنّها تنتج تعالقات نصيّة معها: تداولية، ومعرفية، وسوسيو- ثقافية، وتاريخية بآن. ويمكن تمييز نوعين من هذه التعالقات: تعالقات نصية خارجية، عامّة بتعبير "لوسيان ديلنباخ"(19) ، ينتجها حضور نصوص سابقة ليست للروائي في الرواية، وأخرى داخلية، مقيّدة بتعبير "ديلنباخ" أيضاً، تعيد إنتاج نصوص سابقة للروائي.‏

تتجلّى الأولى من خلال النصوص القرآنية، والنبوية، والإخباريات، والوثائق التاريخية، والأساطير، والملاحم، والأمثال الشعبية، والأغاني، التي تتبدّى داخل النصّ، في أغلبها الأعمّ، بوصفها "مُناصّات" Partextualite بسبب احتفاظها بأصولها النصيّة. وتتحقّق الثانية من خلال حضور أكثر مؤرّقات الكتابة التي ميزت معظم نتاج سليمان الروائي، أعني تمرّد معظم هذا النتاج على المنجز الفنّي، إذ تنتج معمارية النصّ قطيعة جمالية مع تقاليد الجنس الروائي، وتنتهك أعرافه الجمالية الكلاسيكية، وتنتمي إلى ما يصطلح إدوار الخراط على تسميته بـ "الكتابة عبر النوعية"(20) ، حيث تمحّي تلك الحدود الزائفة بين الأنواع الأدبية، وحيث يقوم النصّ بالربط "بين عناصر شديدة في اختلافها، شديدة في تنافرها، بعيدة في تماثلها، بعيدة في تجانسها، مفاجئة في وجودها فيه، مفاجئة في ركونها إليه"(21) .‏

تتشكّل المناصات، في الرواية، من: الأساطير، والملاحم، والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ونصوص من العهدين القديم والجديد، والإخباريات، والوثائق التاريخية، والأمثال الشعبية، والأغاني، وبعض الشعر التي تشغل، في مجموعها، أكثر من نصف الرواية تقريباً، كما تشكّل حاملاً أساسياً من حوامل خطابها. ولولا الكفاءة الواضحة، والمعبّرة عن وعي سليمان بإمكانات الجنس الروائي، لبدت نافرة في تضاعيف السرد، إذ يتمّ توظيفها لتثمير مقاصد الخطاب، ووضعها في سياقها السردي المناسب، وتنضيدها داخله على نحوٍ دالّ، منجزاً بذلك بحقّ ما يسميّه "كتابة الفسيفساء"(22) ، ويعلّل، بحق أيضاً، ما يذهب إليه فؤاد صالح من أنّ الرواية: "أسطورة وبحث"(91) ، كما يعلل ما يتدافع في الرواية، على نحوٍ مثير للانتباه، من إشارات إلى ثقل المخزون المعرفي الذي يتمتّع به الراوي/ الروائي، والذي يتجلّى من خلال ذلك الحشد الهائل من أسماء بعض المؤلفات الأدبية والنقدية، وأسماء روائيين، وثوريين، ونقّاد، ونباتات، وعطور، وإكسسوارات نساء، وأمكنة، ومطربين، لا يقلّ حضورها داخل الرواية عن حضور تلك المناصات، وإنْ لم يخلُ ذلك من حسّ تهكميّ أحياناً، كما في قول الراوي وهو يصف إحساس فؤاد عندما أرغمه المطر الغزير على البقاء في غرفته: "أغرق المطرُ المدينة طوال النهار وحبس فؤاد صالح أمام الكومبيوتر: يخاتل لذّة الكتابة مشنّعاً على رولان بارت وينشد حبّاً تحت المطر مشنّعاً على نجيب محفوظ"(17) ، وكما في قوله حينما أرغمه الثلج على ذلك أيضاً: "البحر الميت نفسه يكاد يغدو صحراء من الملح: ادعُ عبد الرحمن منيف حتى يتحفنا بخمسة مجلدات جديدة"(46) .‏

وأكثر المناصات، الأساطيرية بخاصة، يؤدّي وظيفتين في آن: تنويرية وتطهيرية. تتمّ الأولى عبر مستويين: معرفي، يعكس اشتغال فؤاد صالح على مادته التي يعدّها عن حرب/ حروب المياه القادمة، ومستوى تاريخي، يعكس تطور العلاقة بين الماء والوجود وحركة الكون والحياة. وتتجلّى الثانية، أي الوظيفة التطهيرية، من خلال معاضدة تلك المناصات للمادة الحكائية الخام التي تهجس، كما قدّمنا، بمعاينة تحولاّت التسعينيات بوصفها معادلاً موضوعياً لمعادل موضوعي آخر هو حال العماء الذي أنتجته اتفاقات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي انتهى بعدد من رموز المقاومة، كما في شخصية فاتن طروف بخاصة، إلى ذلك التيه: "شلعة مع ياسر عرفات وشلعة ضدّه: شلعة مع أمثولات الطالبة في جامعة القاهرة وشلعة مع الواقع المهلوس من أقاصي الأرض إلى أقاصي السماء"(41) . ويمكن أن نمثّل للوظيفة التطهيرية بما تستحضره الرواية من روايات حول بدء الخليقة: رواية السنّة، ثمّ رواية الشيعة، فروايات الإخباريين، فأساطير التكوين البابلية والسومرية والآكادية والتوراتية، فرواية القرآن الكريم لقصة الطوفان: "لّما كذّبوا الرسل أغرقناهم جميعاً وجعلناهم للناس آية وأعددنا للظالمين عذاباً أليماً"، لتنطلق حشرجة فاتن وفؤاد وصبا مثخنة بالقهر، والألم، والمرارة: "صاحت فاتن وذراعاها تشقّان ثوبها والفضاء: أنا لم أكذّب رسولاً وما ظلمتُ أحداً: فؤاد: أنتَ لم تفعل: صبا: أنتِ لم تفعلي: يا نوح: يا ربّ: أنا فلسطينية: هل هذا هو ذنبي؟: توحدت صيحة فاتن بصيحة صبا وصيحة فؤاد: يا نوح: يا ربّ: نحن عرب: هل هذا هو ذنبنا؟"122).‏

***‏

- بعض مظاهر التجريب:‏

لا يتحدّد التجريب الذي تقوم به "مجاز العشق" بما أشرنا إليه آنفاً فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إهمال الروائي لعلامات الترقيم، وحفاوته بالنقطتين المتعامدتين :) أيضاً، اللتين تمّ التواضع على القول بأنّهما تُستخدمان للتنبيه عمّا سيُقال من الكلام، كالقول، والشرح، والتفصيل، واللتين تثمّنان تلك المواضعة بما ينتجه النصّ من سرد حارٌ، لاهث، مثير للاهتمام بما سيلي من أحداث أكثر من إثارته لما سبقه. وكما يجهر الراوي/ الروائي بهاجس المغايرة فيما يتصلّ بشأن التمايز بين الأشياء جميعها:‏

الروايات، والحُبيبات، والكتابات، والنُّدف، والرمال، والجزئيات. فإنّه يجهر كذلك بشأن هذه العلامة، وبوظيفتها، وبصنيع من سبقه. يقول لصبا: "لا تتركيني وحدي: حتى النقطة تشغلني يا صبا فكيف بالمستقبل؟ انظري إلى هاتين‏

النقطتين :) أبواب مفتوحة: اسألي غوتيسيلو يا عزيزتي وانظري إلى هذا السعي المحموم كي تتقوّض الذاكرة"125).‏

***‏

- أشكال تخطيب الزمن:‏

يتمّ تنضيد الأحداث في "مجاز العشق" على نحو غير مرتّب كرونولوجياً، وكذا بقية عناصر مضمون الحكي التي غالباً ما تبدو مصفّاة من خلال زوايا الرؤية أو التبئير التي تنتجها تحوّلات ضمائر الخطاب بين أكثر من موقع: الغائب، والمتكلّم، والمخاطب، والتي تسلب زمن القصّة خطّيته وكونه مادة خاماً، وتحوّل التجربة الواقعية لفعل الحكي من كونها تعبيراً عن ذات الراوي إلى كونها تعبيراً عمّا هو جمّعي.‏

وبملاحظة مكوّنات تقنية اللعب بالزمن، أي: المفارقات السردية التي ينجزها فعل التخييل في الرواية، وأشكال تجلّيها في المتن الروائي، يخلص المرء إلى تثبيت ما أشرنا إليه آنفاً من انفتاح النصّ على ما هو خارج نصّي، أي على ما يستبدل بالنصّ المتصلّ نصّاً متوجهاً، وعلى ما يحوّل هذا النصّ من الذات إلى الموضوع، حسب "بول ريكور"(23) حتى، ليمكن القول إنّ الحمولة الدلالية لما هو خارج نصيّ تبدو أكثر من مثيلتها لما هو في النصّ نفسه.‏

يتمّ تخطيب الزمن في الرواية من خلال تقنيتين رئيستين: الاسترجاع غالباً، والاستباق أحياناً، وإذا كانت وظيفة الاسترجاع في الروايات التقليدية ملء الفجوات في حياة الشخصيات المحورية "ووظيفتها إخبارية وليست أساسية إلا بدرجة ثانوية في السياقات التي تأتي فيها"(24) ، فإنّ ما تؤديه هذه التقنية في "مجاز العشق" من دور في الكشف عن مسوّغات القهر الذي يعانيه كل من: فؤاد صالح، وفاتن طروف، وصبا العارف، ثمّ مرجعيات الفعل الذي تنتجه هذه الشخصيات في الراهن، يجعل من الرواية نصّاً حداثياً بامتياز.‏

***‏

- تجليّات اللغة:‏

تحقّق لغة السرد في "مجاز العشق" الوظائف الثلاث للغة الإبداع كما قدّم "هاليداي" تصوّراً لها في كتابيه: "الانسجام"، و "اللغة كسيموطيقا اجتماعية". الوظيفة التجريبية Ideational ، أي: تمثيل التجربة التي يعيشها المتكلّم في سياق ثقافي واجتماعي معيّن. والتواصلية Interpersonal ، أي: تحديد زاوية المتكلّم ووضعه وأحكامه وتشفيره لدور علاقته في المقام وحوافز قوله لشيء ما في علاقته مع مخاطبه. والنصيّة Textuual، أي: الأصول التي تتركّب منها لغة الإبداع(25) . لكنّ الرواية، في الوقت نفسه، لا تنجز هذه الوظائف الثلاث بقدرٍ متساوٍ، إذ تطغى الأولى، التجريبية، مؤكّدة ما نذهب إليه من أنّ ثمة مماهاة بين ذات الراوي وذات الروائي.‏

اللغة، في "مجاز العشق" لغات. تتصادى، وتتجادل. تتكاثف. وتتشتت، منتهكة نحو اللغة قليلاً، وفصاحتها كثيراً، ومديرةً ظهرها لأعراف المكتوب، ومعبّرة عن حفاوة شديدة بالمنطوق. وإذا سلّم المرء بأنّ هذا المنطوق يجادل الواقع، ويحاول محاكاته، ويطمح إلى تثبيته أدبياً، فإنّ ذلك كلّه لا يبدو معللاً جمالياً داخل النصّ، ذلك أن تعددية الأصوات، أي ما يشي بانتماء مجاز العشق إلى الرواية البولفونية La Roman Polyphonique ، توهم بـ "دمقرطة" المكتوب، لكنّها لا تحققه. فصوت الراوي لا يغاير أصوات الشخصيات الأخرى، بل إنّه يمركز هذه الأصوات في صيغه الأسلوبية دائماً.‏

وإذا كان التغيير في اللغة، في أي نوع أدبي، ينطوي "على تغيير في الإدراك والقيم كليهما، وبالتالي، تغيير في أشكال التخييل"(26) . فإنّ هذا التغيير، بل التحوّل من الفصيح إلى المنطوق، ومن الثاني إلى الأول، في الرواية، لا يمتلك مسوّغاته. بل إنّ ما يبدعه الفصيح من انزياحات لغوية، وانتهاكات خلاقة للمنجز البلاغي، حيث تنفجّر اللغة، وتمور، وتشير إلى ذاتها فحسب، وتنفيها في الوقت نفسه، يبدو على قطيعة تامة مع المتداول من لغة الحوار اليومي التي تتناسل داخل الرواية على نحوٍ لافت للنظر، وتقاسم الفصيح حضوره في منطوق الشخصية الواحدة.‏

وتنتج لغة السرد، أحياناً، ما يُسمّى بـ "تقنية المحارفة أو الإصاتة أي استخدام الحرف بشكل متكرّر"(27) ، التي أرهصت بها تجربة القاصّ والروائي المصري إدوار الخراط في مجموعته القصصية "حيطان عالية"، وعمّقتها روايته "رامة والتنين". ويمكن أن نمثّل لذلك بالمقبوس التالي الذي يتكرّر فيه حرف الميم مع إبدال للهمزة وتنويع في صيغ: العدد، والجنس، والنسبة، في مفردة "الماء"، منتجة: التكرار والإبدال والتنويع، إيقاعاً دالاً على بلوغ فؤاد صالح ذروة ظمئه إلى الأنثى: "ماء بل ماه بل ماءة: أمواه بل أمواء بل مياه: مائي وماويّ وما هيّ: ميّهةً كنتِ يا صبا وماويةً والموهةَ وأنا أذوب: امرأة روايةً وأنا سأكتب"(99) .‏

***‏

- تركيب:‏

تثير "مجاز العشق" أسئلة كثيرة حول علاقة الراوي بالروائي، وعلاقة الأخير بشخصياته. بمعنى: هل فؤاد صالح هو نبيل سليمان أو أشتات منه؟ ثمّ ما حجم السيري في الرواية؟ وما حجم التخييل في هذا السيري؟. لقد سبق لسليمان أن زجّ بنفسه ككاتب بين شخصياته الروائية في أكثر من نصّ روائي له، في "ثلج الصيف"، و "المسلّة"، كما أشار إلى ذلك بنفسه في مداخلة له‏

بعنوان "الرواية والذات"(28) . وفي "مجاز العشق" أكثر من قرينة في المتن الحكائي تؤكّد ذلك، وتنقضه في آن، على الرغم من أنّ الراوي فيها لا يحمل اسمه، كما في روايته "المسلّة"، ولعلّ مصطلح "السيروي" ألصق بالرواية، وأكثر اتساقاً مع هذا المتن، ذلك أنّ حجم التخييل يبدو أكبر من حجم السيرة، ومنزاحاً عنها، وملتقطاً منها ما يعني إيهامها بالواقع.‏

وثمّة عدد غير قليل من الشخصيات يبدو فائضاً على جسد الرواية، ونافلاً في عملية السرد، كوحيدة ومعين، ومحمّد، وغادة وباسل، إذ ما إنْ تطلّ هذه الشخصيات برأسها في موقعٍ ما من الرواية حتى تختفي تماماً. والسمة نفسها تتجلّى في عدد من أقسام "كالمتون" كما في: "يمان" الذي لا يؤدي دوراً في حركة الأحداث وتطوّرها، ولا يقدّم أي إضافة لمكوّنات الحكي الروائي. وعلى الرغم من مرافقة غادة وباسل لفؤاد وصبا إلى ندوة عمّان، فإنّهما لا يظهران قطّ في الأجزاء الثلاثة التي تقارب الأحداث الواقعة منذ وصول الجميع إلى عمّان حتى عودتهم إلى دمشق: "بالعبري"، و "زيطة وزمبليطة"، و "أمّ قيس".‏

وباستثناء شخصية شهاب الوزير، فإنّ الشخصيات المركزية الأخرى في الرواية شخصيات مهزومة، وهي تحتفظ بخصائصها الانفعالية من بداية الرواية إلى نهايتها. وبهذا المعنى، فإنّ الرواية نموذج جهير لعطالة المثقّف العربي الذي يكتفي بالتعبير عن برمه وضيقه بالواقع حوله دون أن يسهم، أو يحاول الإسهام، في تعريته، والكشف عن مكوّنات قصوره، وضعفه، وتخلّفه. إننا نتعرّف في الرواية إلى ظلال شخصيات مثقّفة وليس إلى مثقفين، ظلال مثقفين تهجس بمثيرات الراهن حولها، وتنصاع له، ولا تبدي تمرّداً عليه.‏

"مجاز العشق" نصّ منفتح على المستويين الكتابي والدلالي، يقدّم أكثر من قرينة دالّة على كونه علامة فارقة، ومهمّة، في تجربة نبيل سليمان من جهة، وفي المشهد الروائي العربي من جهة ثانية، لكنّه في حمأة بحثه عن إجابات لما تثيره تحوّلات التسعينيات من أسئلة جارحة، وفي خضمّ قراءته ونقده لهذه التحوّلات، يقدّم رؤية شديدة القتام للراهن العربي، بل رؤية فجائعية إن جاز التعبير، فكلّ شيء، ليس فؤاد صالح ورسالتيه وفي كلّ ما كتب وما ترجم فحسب، أكاذيب، وأوهام، وغلطات، كلّ شيء مثخن بالسواد، طريد إرادات غاشمة، وحبيس انكسارات وهزائم باطشة، ومحاصر بالرعب ممّا يتربّص بالمستقبل من دمار.‏

***‏

(1) ياسين، بو علي. "الثالوث المحرّم، دراسة في الدين والجنس والصراع الطبقي". ص (16) .‏

(2) المرجع السابق. ص (45) .‏

(3) انظر: المرجع السابق. ص (48) .‏

(4) هو، غراهام. "مقالة في النقد". ص (18) .‏

(5) المرجع السابق، ص (48) .‏

(6) لالو، شارل. "الفن والحياة الاجتماعية". ص 210-211).‏

(7) انظر: الجابري، د. محمد عابد. "تكوين العقل العربي". ص (15) .‏

(8) سليمان، نبيل، "مجاز العشق" ط1. دار الحوار، اللاذقية 1998.‏

(9) مجموعة روائيين. "ملتقى الروائيين العرب الأول" . ص (20) .‏

(10) انظر: سليمان، نبيل. "فتنة السرد والنقد". ص (12) وما بعد.‏

(11) انظر: سليمان نبيل. "بمثابة البيان الروائي". ص 101). ص 105).‏

(12) هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرواية، مقالات جديدة". ص 147).‏

(13) نقلاً عن: د. عبد المحسن طه بدر. "حول الأدب والواقع". من محاضرة ألقاها الشاعر في الجامعة الأميركية ببيروت أواخر الستينيات. ص 124).‏

(14) المرجع السابق، ص (37) .‏

(15) غير خافٍ هنا ما ينتجه قول فؤاد من انزياح عن القاعدة الفقهية المعروفة، والمتعلّقة بآداب المعاملات والسلوك.‏

(16) مجموعة مؤلفين. "الأدب العربي، تعبيره عن الوحدة والتنوّع". ص 186).‏

(17) يهودي إسرائيلي من أصل سوري، من حلب، كما يقول لفؤاد صالح. انظر: ص195) من الرواية.‏

(18) هالبرين، جون. "نظرية الرواية، مقالات جديدة". ص 327).‏

(19) للتوسّع، انظر: يقطين، سعيد. "انفتاح النصّ الروائي، النص. السياق". ص (94) وما بعد.‏

(20) الخرّاط، إدوار، "الكتابة عبر النوعية". ص (18) .‏

(21) عيّاشي، منذر. "الكتابة الثانية وفاتحة المتعة". ص (18) .‏

(22) انظر: سليمان نبيل. "بمثابة البيان الروائي". ص 109).‏

(23) للتوسّع، انظر: يقطين، سعيد. "انفتاح النصّ الروائي". ص (45) .‏

(24) المرجع السابق: ص (93) .‏

(25) انظر: المرجع السابق، ص (17) .‏

(26) هالبرين، جون. "نظرية الرواية، مقالات جديدة". ص 346).‏

(27) الخرّاط، إدوار. "الحساسية الجديدة، مقالات في الظاهرة القصصية". ص (30) .‏

(28) سليمان، نبيل، "بمثابة البيان الروائي". ص (100) .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244