المغامرة الثانية - نضال الصالح

دراسات في الرواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

البــــَدَد مرثيــــّة روائيــــة فلســــــطينيّــة

"جنون.. جنون. موت ودمّ وعهر.. رهانات وقمار، كوكائين ومسامير الحشيش في السجائر.. دروعٌ تشطر المخيّم.. والناس بعسل الكلام والأخضر الأمريكي نائمون.‏

الأخ عدوّ أخيه، والأم لا تسأل عن غياب ابنها الذي قد يطول شهوراً، ما دام الأخضر يهلّ في يدها أوّل كل شهر.‏

الكلّ يتلمّس فرو الثعالب، يتبارك به، كما يتبارك بجبّة أبي جاد الله.. لكأنّ الربّ أطلق لعنته على المخيّم، فاحترق سكّانه، وذبلت الكرمة. صار الفرح مرّاً، وانتفى الأمان.‏

شرخٌ في الروح، وشرخٌ في البحر، وشرخٌ في الحليب، وتصير المنافي الجديدة الملاذ.. والبحر الذي لا ظلّ له يعجز عن إطفاء جحيم المخيّم".‏

يكثّف المقطع السابق، الطويل نسبياً، من رواية "البَدَد"(1) ، أكثر شواغل المحكي وهواجسه في النصّ الروائي البكر للكاتبة الفلسطينية نعمة خالد.. ويفصح، أو يكاد، عن بعضٍ من القتام الذي يبسط ظلاله الداكنة على أكثر مكوّنات العالم الروائي، وإلى حدّ تبدو الرواية معه أشبه ما تكون بمرثيّة دامية لفلسطين، فيما قبل اتفاقات السلام، وخلالها، وبعدها.‏

وعلى الرّغم من أنّ الرواية تبدو معنية بهجاء ما انتهت إليه المقاومة من السقوط بين قبضتيّ قيادات رعناء، سلبت لنفسها ما يمكّنها، وحدها، من صياغة مستقبل فلسطين على أشلاء أبنائها، وفي مرحلةٍ بعينها من التاريخ الفلسطينيّ الحديث، فإنّها، في الوقت نفسه، تبدو معنيّة برصد هزائم المثقف الفلسطيني، وانكساراته، وارتطاماته المريرة والسالبة لإرادته في المقاومة والانتماء، وعبر نماذج إنسانية ونضالية مختلطة ومتباينة على المستويين القيَميّ والوطنيّ، وفي جغرافية تمثّل تعبيراً جارحاً عن أكثر فضاءات الشتات الفلسطيني استلاباً، وأكثرها قسوة، أي فضاء المخيّم.‏

***‏

تتوزّع أحداث الرواية بين ثلاثة فضاءات مكانية رئيسية: موسكو، حيث ثمّة مجموعة من الشباب الفلسطينيّ الذين يتلّقون تعليمهم الجامعيّ: سراب، وخليل الحطّيني، ومحمود الرمحي، وسلوى الهانئ، وإياد، ومريم. ثمّ مخيّم عين الحلوة في لبنان، حيث هؤلاء الشباب أنفسهم بعد عودتهم من موسكو، والحاج أبو نزيهة، المقاول والقيادي، وأبو عارف عمّ سراب، زوج أمّها، وأم سعد، أمّها، وسعد، أخوها، وعصام اللوح، أحد قياديي المقاومة، والأفندي، ذروة الهرم السلطوي فيها، وغيرهم. وأخيراً السفينة، حيث يلتقي خليل الحطّيني سراباً مصادفة.‏

ومع أنّ الرواية تقدّم نماذج إنسانية مختلطة قيمياً ووطنياً، إلا أنّها تقسم شخصياتها الرئيسية إلى معسكرين متضادين: معسكر المنتمين إلى قضيّتهم الوطنية، والقابضين بنواجذهم عليها: سراب، وإياد، ونعيم، ومريم. ثمّ معسكر الأدعياء، المنصرفين إلى تثمير امتيازاتهم القيادية، أو الخاصّة، والأبواق الناطقة بلسان حال قيادات مهمومة بمصالحها الفرديّة: الحاج أبو نزيهة، وعصام اللوح، والأفندي، وسلوى الهانئ، وسعد. وبين هذين المعسكرين يترجّح كلّ من شخصيتيّ: محمود الرمحي، وخليل الحطّيني.‏

ومن اللافت للنظر تلك القصديّات الواضحة في تشكيل بعض هذه الشخصيات وفق إرادة ناجزة، وربّما بدت سابقة على عمليّة الكتابة، كما في صوغ الروائية للشخصيات القيادية، جميعها، وللشخصيات الدينية، جميعها أيضاً، التي تبدو، معاً ودائماً، من مفتتح النصّ إلى منتهاه، شخصيات مثخنة بالمباءات، ومدجّجة بانتهاكها لقيم الثورة، وظلامية.‏

ففصائل المقاومة، جميعها، في الرواية "لا شغل لها إلا خلافاتها فيما بينها"(43) ، يغصّ قياديّوها، حتّى ذرا رؤوسهم بالنقائص والمخازي. جميعهم "بصمجيّة وحملة أختام"، ومقاولون، وسفّاحون. فالحاج أبو نزيهة يجمع بين عمل المقاولات والبناء والسياسة. له حراسات حوله كيفما تحرّك، و "شبح" تسبق الريح، وتهفهف من عباءته روائح باريسية نفّاذة، ومن لا يتمكّن من شرائه "تنهار عليه عضاضة أو يقع على رأسه كيس إسمنت"(51) . يشيد أبنية آيلة للسقوط بالضرورة، و "يصفّي" منظّمي حلقات التثقيف ومكافحة المخدّرات في المخيّمات، والمغرّدين خارج سربه، ثمّ يشتري المهندس خليل الحطّيني زوجاً لابنته الوحيدة، وصائناً لممارساته مقابل حفنة من المال. كان يضيره محاضرات التوعية الصحيّة والاجتماعية التي كانت تقوم بها سراب بين أبناء المخيّمات، ورغبتها في أن تكون ثمّة بُعْد قومي للانتفاضة، "واحنا اللي عملنا المستحيل ودفعنا دمّ غالي علشان يصير قرارنا من راسنا" 52-53). البُعد القومي، في تقديره، هو أنّ يقدّم العرب شهداء للقضية، وأن يدعموا الانتفاضة فحسب، "لكن يكونوا صحاب قرار وشور لأ وستّين لا"(53) . ومنذ أوّل غارة على الجنوب اللبناني "فركها، وترك المخيّمات تواجه مصيرها بأهلها العُزّل"(69) .‏

وعلى النحو نفسه تتجلّى شخصيّة القيادي عصام اللوح، ظلّ الأفندي في المخيّم، وأداته الباطشة في تصفية الخارجين على إرادته. صاحب الأرصدة الخاصّة في مصارف أوروبة، و "رجال" مثل النمل. توعّد "سراب" المنصرفة عنه إلى محمود، بأن لا يترك لها مسامراً سوى الأرق، لكي يرغمها على الإذعان لرغبته، فدفع رجاله إلى اختطاف أخيها سعد، كما دفعهم إلى اختطاف نعيم لأنّه كان يقضّ بريشته ووتره مضاجع القيادات.‏

أمّا "الأفندي" فكان إذا ما "حليت بعينه صبيّة، هاتوها، وعيني عينك، قدّام أهلها بيمسخوها، وبالآخر ظرف صغير وشويّة عملة حتى يخرس اللسان، وإنْ أرضته تصير كادراً، وقد تسكن فيلا، وتأخذ سيّارة، تحكم وترسم ويصبح لأهلها صولة وجولة"(76) . "اغتال سمير الذي كان يحقّق بشأن شبكة الموساد حين كشفت التحقيقات سائقه المتورّط مع الشبكة.. و .. قتل السائق أيضاً"176).‏

والخصائص نفسها المميّزة لتلك الشخصيات القيادية تتبدّى لدى الشخصيّات الدينية أيضاً، التي يتجلّى، جميعها أيضاً، على امتداد الرواية شخصيّات ظلاميّة، وتابعة للقيادة السياسية، وأدوات لها. فالشيخ أبو جاد اللّه الذي كان يكتب تمائم لنساء المخيّم والمخيّمات الأخرى، ويدّعي مقدرته في فكّ عقدهن، فتنهمر النساء على بيته طالبات بركاته، كان، في الوقت نفسه، سريع التلبية لإرادة تلك القيادة، إذ لا يكتفي بالاعتراض على تصوير إياد لنساء عاريات قائلاً له: "هو المخيّم ناقصه دعارة" (70) ، بل يعبّر عن عزمه على إغلاق النادي، ثمّ، فيما بعد، يقلبه مع "زلمه"، رأساً على عقب، لأنّ مريم كانت تحاضر عن آثار فوضى الجنس، وأخطار الزواج المبكّر، معتبراً ذلك دعوة إلى الفسق والكفر.‏

وكذا تبدو شخصيّة الشيخ طه الذي كان "يتحكّم بأمّه وأبيه وإخوته"(98) ، والذي، حين انتعلت أخته سماح "شحّاطته"، جنّ جنونه "وهات يا سباب وهات يا ضرب. قال شو؟ تزني سماح بأخيها إنْ لبست شحاطته" (98) .‏

ولا تتحدّد قصديّات الخطاب الروائي، أي أطروحات الرواية، بما أشرنا إليه آنفاً فحسب، بل تمتدّ إلى القوى الوطنية المجاورة للثورة الفلسطينية في خضمّ مواجهتها لما تلا الاجتياح من أحداث، فعلى الرغم من أنّ "أبو عارف" عمّ سراب، يشير، في حديثه معها، إلى أنّ النادي الذي أنشأه أولئك الشباب العائدون من موسكو، والممتلئون إيماناً بقضيّة وطنهم، يستضيف ناصرياً مرة، واتحادياً اشتراكياً مرة ثانية، وشيوعياً ثالثة، فإنّ الرواية تمجّد الحزب الشيوعي اللبناني، ممثّلاً بـ "ريمون"، وحده، من بين مجمل القوى الوطنية اللبنانية التي كانت تعاضد المقاومة الفلسطينية، وتعزّز شرعية وجودها على الأرض اللبنانية، في المرحلة التي تتناولها الرواية.‏

***‏

وكما تتوزّع الشخصيات الرئيسية، في "البدد"، بين معسكرين متضادين، فإنّها، في الوقت نفسه، تتوزّع أيضاً بين مستويين رئيسيين: مستوى سكوني Statiques، أي ما يعبّر عن ثبات الشخصية على امتداد النصّ، وآخر دينامي Dynamiques ، أي ما يشير إلى تحوّلات الشخصيّة، وتعديل مواقفها، وآرائها، وانتماءاتها.‏

ينتمي إلى المستوى الأوّل مجمل الشخصيّات القيادية، والدينية، وكلّ من: سراب، وإياد، ونعيم، ومريم، وسلوى الهانئ، وعفاف، وسعد، وأبو عارف، وأمّ سعد. وينتمي إلى الثاني شخصّيتان فحسب، هما: محمود الرمحي، وخليل الحطّيني، ورمزي أحد "رجال" اللوح قبل أن يتحوّل إلى معسكر سراب وزملائها. وتشكّل شخصيّة سراب محور العملية السرديّة، وأداتها للتعبير عن أطروحات الرواية. ليس لأنّها تحوز المساحة الأوفر من حركة السرد الروائي، بل لأنّها تبدو أكثر الشخصيات المركزيّة كفاءة في تمثّل هذه الحركة، وفيما تنتجه من ديالكتيك بينها وبين الأحداث، وهي تنتمي إلى ما يسميّه "سوريو" بـ "القوّة التيماطيقية"، أي الشخصيّة التي "تعطي للحدث انطلاقته الديناميّة"(2) .‏

ومن المهمّ الإشارة، هنا، إلى تلك الكثافة النفسيّة التي تتمتّع بها هذه الشخصية في الرواية، حتّى ليمكن عدّها نموذجاً أدبيّاً بامتياز. لقد فتحت سراب عينيها على الخراب الفسلطيني وهي ابنة ثماني سنوات. فقدت أباها بفعل رصاصة، غير طائشة، حين كانت تعود حاملة معه أكياس إسمنت من ورشة بناء لتعدّها الأسرة ظروفاً ورقية للخضار، ولتقتات بعائداتها البخسة. كانت تمور إيماناً بعدالة قضيّة شعبها ووطنها، وتشتعل ثقةً بانتصار هذه القضيّة، وتهجس بما يترصّد أبناء شعبها من ضياع جديد. ففي خضمّ الرغبة الفائضة لدى أصدقائها في قضاء سهرة بعيدة عن السياسة والسياسيين تجأر: "بصراحة أوضاع الجنوب ولبنان كلّه على كفّ عفريت..السؤال الذي يلحّ الآن: ما حال المخيّمات إذا وقعت الواقعة؟ لا ملاجئ، ولا تحصينات، والمتاريس فقط أمام مكاتب المقاومة" (43) . ولذلك فقد اختارت، منذ عودتها من موسكو، إيقاظ أعين الناس في حارات المخيّم، والمخيّمات الأخرى، على ما يتهدّدهم. كانت تقيم محاضرات صحية واجتماعية، وتخطب بـ "الغلابة"، وتطالب ببُعد قومي للانتفاضة، وعلى الرغم من أنّه كان من الممكن لها أن تنال امتيازات كثيرة، لو أذعنت قليلاً لإرادات الكبار، كما قالت لها سلوى الهانئ ممازحة، فقد ظلّت مصرّة على ألا تكون إلا كما ارتضت لنفسها: "أنا لا أطمح أن أكون إلا سراب، لن أبتعد عن السكن وطلابه"(45) . وحين بدا لها أنّ تقويض الخراب لا يتمّ بغير تدميره من الداخل، اختارت أن تقدّم نفسها قرباناً للقضية، وتزوّجت عصام اللوح لتنبش ممارساته الضارّة بالثوّرة والثوّار، دون أن يعني هذا تحوّلاً في شخصيّة سراب، بقدر ما يعني مزيداً من الثبات، لأنّه كان يستهدف ما يعني المقاومة، وليس ما يعنيها.‏

وعلى النقيض من ذلك تتبدّى شخصيّة سلوى الهانئ الطالبة الموفدة من قيادة "فتح" للدراسة في موسكو، وإحدى كوادرها، والتي كانت تعيش هناك كما يعيش الطلبة الخليجيون. كان لها قصر وسط غابة، و "وسيّارة وأفخم أكل"(44) ، ومرتّب شهري يكفيها لتعيش مرتاحة ويهيّئ لها تقديم "الويسكي والفودكا والشمبانيا، وبكؤوس كريستالية شتّى" (42) ، ولذلك كانت تردّد: "مَنْ يشكّ في قدرة القيادة على الصمود"(44) . ولم يكن يضيرها الكذب على محمود الرمحي الذي ظلّ يبادل "سراب" الحبّ لأكثر من عشرين سنة، حين كان يستعدّ للعودة إلى موسكو لإنجاز دراسات عليا بطلب من القيادة، إذ قالت له إن عصام اللوح يتردّد على سراب في المعمل، ثمّ تزوجّته بعد أن استطاعت القيادة استمالته إليها.‏

وإذا كانت هاتان الشخصيّتان: سراب وسلوى، تتّصفان بالثبات والضدّية بآن، فإنّ شخصيّتي محمود الرمحي وخليل الحطّيني تتّصفان بالتحوّل والاتّفاق بآن أيضاً، أي بتحوّلهما من معسكر إلى آخر من جهة، وبخنوعهما لمغريات القيادة من جهة ثانية. فمنذ ولدت سراب، قال أبو محمود: "على بركة اللَّه، هالبنت يا أبو سعد لولدنا محمود إن اللَّه مدّ بعمرهم وعمرنا"(60) ، وكان هذا الاتفاق بين الرجلين نبوءة، كما يبدو، بما سينشب من حبّ بين محمود وسراب في المخيّم أولاً، وفي موسكو حيث تابعا الدراسة ثانياً. وقد عزّز هذا الحبّ إيمانهما معاً بقضيّتهما الوطنيّة. كان يقول لها: "أنتِ المرأة التي أحلم أن أبدع معها أكواناً"(62) ، وكانت تقول له: "سأمشط أرصفة دروبك بشوقي، أغسلك بغنائي، وببحّة ناي، وأنت تكحّل أهدابي بإيابك وقبلاتك"(62) . عملا معاً في المعمل الذي أعدّاه مع زملائهما العائدين من موسكو لابتكار مادّة متفجّرة قادرة على تدمير مصانع الصواريخ لدى الإسرائيليين، وكان محمود لا يقلّ عن سراب حماسة، لكنّ ما إنْ بدأت المواجهة مع القوى المعوّقة لنشاطات الشباب تبدأ، حتى آثر العودة إلى موسكو ليكمل تحصيله العالي، معللاً ذلك بقوله: "هذا تخصص يا سراب، وأنت تدركين عائده على شغلنا في المعمل. سنة واحدة وبسّ.. أريد أن أرجع وأرى مشروعنا قد تصلّب عوده"(78) ، لكنّه لم يعد، آثر البقاء هناك، مستسلماً لإغراء الراتب الذي عرضته عليه إحدى الشركات، ومطوّحاً بحبّه وأحلامه مع سراب إلى الجحيم، وبتدبير من قيادة المقاومة التي تمكّنت من تدجينه، وإقصائه عن المعسكر الذي ظلّ ينتمي إليه لفترة غير قصيرة من حياته.‏

وقريباً من ذلك تبدو شخصيّة خليل الحطّيني الذي كان يدرس الهندسة مع سراب، في جامعة لومومبا، في موسكو، والذي كان يكتب قصائد، ويرسلها إليها من غير أن يمهرها باسمه، ولذلك كان يوصف بالعاشق المجهول، لكنّه ما إنْ عاد من الدراسة وبدأ العمل في مشاريع القيادي والمقاول الحاج أبي نزيهة، حتّى استسلم لإرادة الحاج في تزويجه ابنته، مقابل ربع مليون دولار هدية ليضعه في حساب نزيهة. وليتحوّل، كما وصفته سراب، إلى "إلى أعمى وأخرس، وظلّ مشوّه للحاج"(21) .‏

***‏

ولعلّ من أهمّ ما تتّسم به الرواية في هذا المجال، أي في كيفيّات تعبيرها الجمالي عن بنى الشخصيات النفسية، هو أنّها تُسْلِم بعضاً من مادّتها الحكائية الخام للمتلقّي قبل أن يبدأ الخطاب الروائي بتفكيك هذه المادة وإعادة بنائها من جديد، فكثير من خصائص الشخصيّات الرئيسية وسماتها الانفعالية يتجلّى منذ مفتتح النصّ، بل إنّ الرواية تحدّد على نحوٍ سابق للمتن، الكثير من تلك الخصائص والسمات وقرائن ذلك كثيرة في الرواية، منها الحوار الذي يدور بين سراب وموظّف الجوازات في الميناء، والذي يضع القارئ وجهاً لوجه أمام شخصية شديدة الاعتداد بنفسها، وجادّة، ولا استعداد لديها لتزجية الوقت فيما لا معنى له، ولا فائدة، وهو يتصدّر الصفحات الأولى من الرواية: "الموظّف يقلّب الجواز، يوائم ما بين الصورة وبينها.. ثمّ يسأل: سراب؟. ماذا قرأتَ في الجواز؟" (15) . ومنها، أيضاً، مناجاة سراب لنفسها: "أيّة خديعة كانت؟ لماذا لا يستطيع المرء أن يميّز تخوم الحقيقة؟"(32) إذ تكشف هذه المناجاة عمّا ستؤول إليه علاقة سراب بمحمود، قبل أن يتوغّل القارئ بعيداً في النصّ. ومنها ما تقوله سراب لمحمود حين كانا مع خليل وإياد وسلوى يصخبون بالحديث عن احتمالات مواجهة المقاومة للاجتياح، وهم في موسكو: "أنت لا ترى في المرآة إلا وجهك يا محمود، ولا تسمع إلا صوتك"(43) .‏

ويمكن عدّ هذه الاستباقات، التي لاصلة لها بأشكال تخطيب الزمن بالمعنى النقدي، حوافز تأليفيّة compositionnelle ، بتعبير الشكلاني الروسي "توماتشفسكي"، والتي تتجلّى، أيضاً، في وصف الروائية لسلوى الهانئ التي كانت تصبغ شعرها باللون الذهبي، وأرنبة أنفها مصابة بالقرف، إذ يؤسس هذا الوصف لشخصية ما تلبث أن تفصح عن طبائعها المطابقة لتلك الصفات.‏

***‏

ومن المهمّ الإشارة إلى تنوّع الأساليب التي يتمّ بها تقديم خصائص الشخصيات وصفاتها الانفعاليّة، عبر الشخصيات نفسها أحياناً، وعبر غيرها من الشخصيّات الأخرى أحياناً ثانية، وعلى نحوٍ غير مباشر أحياناً ثالثة، كما في شخصية سلوى الهانئ، أحد كوادر القيادة الموفدة إلى موسكو للدراسة، حيث يضمر المقبوس التالي، الذي يصف فيه محمود الرمحي شخصية الأفندي وممارساته، كيف أصبحت سلوى تلك كادراً: "الأفندي حليت بعينه صبيّة، هاتوها، وعيني عينك، قدّام أهلها بيمسخوها، وبالآخر ظرف صغير وشويّة عملة حتى يخرس اللسان، وإنْ أرضته تصير كادراً، وقد تسكن فيلا، وتأخذ سيّارة"(76) .‏

وثمّة شخصيات تتجلّى بوصفها ظلال شخصيات أكثر منها نماذج روائية، بمعنى أنّنا نحسّ بوقع خطاها داخل الرواية لكننا لا نراها إلا بوصفها استكمالاً لمقاصد الخطاب، وللتعبير عن خصائص غيرها من الشخصيات، كنزيهة، والشيخ طه، وربحي، وأبي سليم الدكنجي، وأبي سمير السكافي، وأبي فهد، وآخرين. والتي تنتمي إلى ما يسميّه "إي. م. فورستر": "الخيط الرابط "Ficelle ، أي الشخصيات التي لا دور لها في الأحداث سوى كونها استكمالاً لمكّونات العالم الروائي. وثمة، أيضاً، شخصيّات ما إنْ تطل برأسها في الصفحات الأولى من الرواية، حتى تختفي فيما تبقى من الصفحات، إلى أن تعاود الظهور في خاتمتها، معزّزةً بذلك دائرية الشكل الروائي. كخليل الحطّيني الذي يظهر في مقدّمة الرواية وفي خاتمتها فحسب، والذي يغيب تماماً في المتن الحكائي، أي في الجزء المعنون بـ "خبط المخيّم" من الرواية.‏

***‏

- تبئير الحكاية:‏

لا تتمّ صياغة المرويّ، في "البَدَد"، عبر راوٍ واحد، بل عبر أكثر من راوٍ، ومن خلال أكثر من صيغة خطاب سرديّ، الغائب أحياناً، والمتكلّم أحياناً ثانية، والمخاطب أحياناً ثالثة. وأكثر ما تتجلّى هذه السمة المميّزة لفعاليات صوغ الحكاية في الأجزاء الأولى من الرواية، في "المدخل أو الخاتمة"، و "ذكريات خليل الحطّيني"، كثيراً، وفي "السفينة أو خبط البدايات" قليلاً. غير أنّ هذه التعددية لا تعبّر عن أيّة مباينة بين صوت الراوي وأصوات الشخصيات من جهة، وبين أصوات الشخصيات نفسها من جهة ثانية، ذلك أنّ ثمّة منظومة لغوية مهيمنة على مجمل حركة السرد الروائي، تنتجها الأنا الثانية للكاتبة في الأغلب الأعمّ من الرواية، ويمكن أن نمثّل لذلك بالمقبوسين التاليين من الرواية، اللذين تتجلّى فيهما معاً بنية أسلوبية واحدة. يصوغ الأوّل صوت خليل الحطّيني عبر ضمير المتكلّم: "كانت سراب تتفحص لوحة جدارية كبيرة تقابل موقد الحطب: خيول بريّة جامحة تستبق ظلّها، وأنا أندسّ لأعتلي الحصان الأشهب، فارساً أتخلّق بين غموض الرؤيا وخصوبة المطر.. أهندس المسافة نحو هالات سراب، وهي مسعورة بالشهوة.. تظفر شهوتها حليباً، والحليب يتفصد حمائم"(42) ، ويصوغ الثاني صوت الراوي عبر ضمير الغائب: "كانت تتهادى بين الحضور، تجمع الشعر الكستنائي الطويل بيدها، ثمّ تقذفه خلفاً، فيتناثر خصلات طريّة. كانت تغرغر بضحكتها، وتغمز لمحمود الذي يرسل قبلة في الهواء"(46) .‏

***‏

- مرجعيّات الرموز:‏

تتيح رواية "البدد" إحالة عدد من جزئيات المحكي فيها إلى رموز:‏

منها، بل من أهمّها، شخصيّة سراب، التي يمكن عدّها رمزاً لفلسطين، التي تظلّ صامدة مهما عقّها أبناؤها وتنكّروا لها، وجحدوا بها. لقد هام خليل الحطّيني بسراب، كما هام بها محمود الرمحي، لكنّ الاثنين معاً ما لبثا أن انصرفا عنها، وتركاها نهباً لقادة طامعين في جسدها فحسب، وما تعلّق سراب باللون الأزرق: معطفها أزرق، وفي لوحاتها ثمّة دائماً نوافذ مغلقة بخيوط زرقاء، سوى تثمين لرمزّيتها داخل الرواية، إذ يشكّل هذا اللون نوعاً من التعبير عن الأمل في أن تتحرّر ممّا يسلبها انتماءها، ويغلّها إلى ما ليس منها، وفي أن تستعيد هويّتها المشرعة على فضاءات الحقيقة.‏

ومِن ذلك عِنّة عصام، التي تبدو، كما نرى، تعبيراً عن عنّة تلك القيادات التي لا تنجب سوى الأوهام والأضاليل. كما تبدو رمزاً دالاً على عدم إمكان اللقاء بين فلسطين/ سراب وذلك النوع من القيادات التي يمثّلها عصام: "أقسم لكِ لا عيبَ فيّ. الطبيب أكّد لي يا سراب، لكن ما إنْ أقترب منك حتى أصاب بالعجز، ساعديني يا سراب أرجوك"156). ثمّ عدم إنجاب نزيهة من خليل، الذي يضمر، كما نرى، تعبيراً آخر عن عنّة امتداد تلك القيادات، وليس القيادات وحدها فحسب.‏

***‏

- بنية الشكل الروائي:‏

يتمّ صوغ المحكي، في "البدَد"، من خلال ستة أقسام رئيسية: "المدخل أو الخاتمة"، و "السفينة أو خبط البدايات"، و "ذكريات خليل الحطّيني، و "ذكريات سراب"، و "خبط المخيّم"، وأخيراً "السفينة أو خبط النهايات". وباستثناء "المدخل أو الخاتمة"، الذي يتكوّن من ثلاثة مقاطع، يحمل كلّ منها عنواناً: "أو هم"، " أو هنّ"، "أو المخيم"، فإنّ الأقسام الخمسة الباقية يتشكّل من عدد من المقاطع المتتابعة رقميّاً: اثنا عشر مقطعاً في "السفينة أو خبط البدايات"، وستة مقاطع في "ذكريات خليل الحطيني"، وسبعة في "ذكريات سراب"، وثمانية وأربعون في "خبط المخيّم"، وخمسة في "السفينة أو الخاتمة". ولئن كان معظم هذه التقسيمات لا يحيل إلى دلالة بعينها، فإنّ له دلالته في "المدخل أو الخاتمة" بخاصّة، إذ تستجمع الأداة "أو" لنفسها ثلاثة معان، الإباحة، والتخيير، والاشتراك في الحكم، من نحو اثني عشر معنى عدّها النحويون العرب لها.‏

وغالباً ما يكشف ضمير الخطاب السردي، الذي يصوغ المحكي في كلّ مقطع من المقاطع الثلاثة في هذا "المدخل أو الخاتمة"، عن المُضمرَ قبل الأداة. فضمير المخاطب في القسم المعنون بـ "أو هم" يفيد بأنَّ المسبوق بالأداة هو الضمير "أنتَ"، أي بما يعني: "أنتَ أو هم"، وبأنّه في "أو هنّ" الضمير "أنتِ"، أي: "أنتِ أو هنّ"، وهو الشتات في "أو المخيّم"، أي: "الشتات أو المخيّم". وبهذا المعنى، فإنّ ثمّة ما يشي بتعميم مكوّنات العالم الروائي على مجمل الواقع الفلسطيني، فضاءاتٍ وشخصيات حتى لتصبح سراب، ومحمود، وإياد، وسلوى، وعصام اللوح، ونعيم، وأبو عارف، وسعد، وخليل، وعفاف، ونزيهة، والحاج أبو نزيهة، و..، ومخيّم عين الحلوة، حيث الفضاء الجغرافي الأساسي في الرواية، كلّ مايصطخب في الراهن الفلسطيني من نماذج إنسانية ونضالية مختلطة، ومن فضاءات غاشمة تزيد الشتات شتاتاً.‏

وربّما كان لتقسيم "خبط المخيّم" إلى ثمانية وأربعين مقطعاً دلالته أيضاً على مستوى الخطاب في الرواية، إذ يحيل هذا الرقم إلى عام النكبة، لكأنّ ماينتجه الراهن الفلسطيني لايقلّ مرارةً وقسوة عمّا أودى بأبناء فلسطين والأرض الفلسطينية إلى التشتت والضياع، هذه المرّة، بفعل هؤلاء الأبناء أنفسهم، بل بفعل تلك القيادات التي أسلمت المنتمين منهم، والمتشبّثين بقضيتهم، والمؤمنين بعدالتها وبانتصار هذه العدالة، إلى صحراء الخديعة.‏

***‏

*-تجليّات تزمين الحكاية:‏

يتكوّن المحكي، في "البَدَد"، من نثارات حكائية تتضافر فيما بينها وتتعاضد لتصوغ حكاية الرواية، وليس من حكاية ممتّدة تبدأ من نقطة بعينها وتنتهي إلى نقطة بعينها أيضاً. بمعنى أنه لايتمّ تقديم المحكي وفق تراتبية زمنية، أي وفق التسلسل الزمني للأحداث، بل وفق مايعرف بمنطق "التداخل Interférdnce" الذي يقوّض خطيّة الزمن. حيث يتمّ تخطيب الحكاية من لحظة توجّه سراب إلى موطنها فلسطين، ثمّ تعود حركة السرد على أعقابها لتسبر مسوّغات ذلك التوجّه ودوافعه، وتنتهي بارتطام سراب بالصحراء الفاصلة بين مصر وفلسطين. وتأسيساً على ذلك، فإنّ الشكل الفنّي في الرواية يبدو دائرياً، لكنّه ليس مغلقاً.‏

يمتدّ زمن المحكي، في رواية "البَدَد" من طفولة سراب، أي منذ كانت في الثامنة من عمرها حيث فقدت أباها، حتى إلى مابعد أكثر من سنتين ونصف من إتمامها تحصيلها العلمي في جامعة "لومومبا" في موسكو. ويتمّ تأشير الحدود الزمنية الدالة على ذلك على نحوٍ جهير في الرواية. الأوّل لدى تذكّرها مقتل أبيها وهي في الثامنة، والثاني من خلال إشارتها إلى مضيّ سنة ونصف على سفر محمود لإتمام تحصيله العلمي العالي، والثالث من خلال إشارتها إلى بقائها سنة تقريباً في اليونان، بعد فرارها من المخيّم.‏

وبهذا المعنى، فإنّ الزمن الواقعيّ في الرواية يمتدّ على نحو عشرين عاماً تقريباً، بينما لايتجاوز زمن المحكي نحو ثلاث عشرة سنة، أي فيما بين دراسة سراب في موسكو مطلع الثمانينيات، قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان والمخيّمات الفلسطينية وفيما بعد اتفاقات أوسلو. وإذا كانت الرواية قد أشّرت حدود الزمن الواقعي على نحوٍ واضح، فإنّها تكتفي بالإيماءة إلى حدّي الزمن الروائي، إذ تكتفي بالإيماءة إلى الأوّل من خلال قول سراب لمحمود حين وصفها بالتخريف وبعدم جرأة إسرائيل على اجتياح الجنوب: "وهل خافت عام 1978" (43) ، كما تكتفي بالإيماءة إلى الثاني، في خاتمة الرواية، من خلال مجموعة من الجزئيات الحكائية، من أهمّها محاولة سراب العبور إلى غزّة، الدالّة على مابعد اتفاقات أوسلو.‏

وبهذا المعنى أيضاً، فإنّ الرواية لاتلتقط من الزمن الواقعي سوى ما يعزّز فعاليات التخييل في الزمن الروائي، حيث لايتعرّف القارئ ممّا قبل الأخير سوى جزئيتين حكايتين فحسب، مقتل والد سراب من جهة برصاصة قيل إنها طائشة، وقراءة فاتحة زواج محمود من سراب من جهة ثانية. وغير خافٍ ماتبديه هاتان الجزئيتان من محاولة شدّ أزر الأطروحة المركزية في الرواية، إذ تشير الأولى إلى إرهاصات الخراب في الواقع الفلسطيني، وتعبّر الثانية عن بعض من القيم القارّة في الوعي الاجتماعي الفلسطيني.‏

وتأسيساً على ماتقدّمه فعاليات تخطيب الزمن، فإنه ثمّة ثلاث فجوات حكائية رئيسية في الرواية، تتمّ الإشارة إليها على نحوٍ صريح أحياناً: عشر سنوات تقريباً قبل سفر سراب إلى موسكو لتلقّي تعليمها الجامعيّ، هي الفترة الفاصلة مابين بلوغها الثامنة من العمر وبداية هذا السفر، ثمّ سنة ونصف هي الفترة التي قضاها محمود الرمحي بعيداً عن سراب، لإكمال تحصيله العلمي العالي، وأخيراً السنة التي قضتها سراب في اليونان. وبهذا المعنى، فإنّ ثمّة حذوفاً جهيرة في "البدد"، أو مايصطلح على تسميته في السرديات بـ "القطع Léllipse"، أي تجاوز بعض المراحل من القصّة.‏

وتعضّد فعاليات تخطيب الزمن مايتمدّد في الرواية من ملاحقة محمومة لالتقاط مايشير إلى الخراب الفلسطيني، إذ يجهر السرد، منذ الصفحة الأولى، بأنّ المحكي داخل الرواية ليس سوى نصف الحقيقة، بل نصف الزمن بتعبير سراب نفسها: "على نصف زمن أو على آخره تفتح درباً بلا مسافة، على نصف زمن أو على أوّله يزخّ الفضاء"(9) ، كما لو أنّ ثمّة مباءات أخرى مسكوت عنها في الرواية.‏

وعلى الرغم من أنّ النصّ برمّته يبدو استرجاعاً لأحداث سابقة على لحظة التخييل الروائي، حيث يحفّز اللقاء بين سراب وخليل على هذا الاسترجاع، ويشكّل منطلقاً له، فإنّه قلّما يعثر المرء داخل النص على استرجاعات ثانوية. وإذا كان ثمّة استرجاعات من هذا النوع في الرواية، فإنّها تبدو، في أغلبها الأعمّ، قصدية تماماً، إذ تثمّن الخطاب المركزي في الرواية، وتدفع به إلى الواجهة، وتؤكّده. ومن ذلك مثلاً الارتداد بحركة السرد إلى وقائع بعينها من حيوات بعض الشخصيات، القيادية بخاصّة، لتعريتها، وفضحها، وتثمير حالات هجائها داخل النصّ.‏

وتمارس تقنية الحلم، أحلام اليقظة بخاصّة، دوراً في ترهين حركة السرد في نقطة زمنية محدّدة، وتكشف، في الوقت نفسه، عن كثير من هواجس الشخصيات الروائية، كما تقوم، عبر هذه الهواجس، بتعرية غيرها من الشخصيات، وبالكشف عن مسوّغات استسلامها لإرادات الكبار، أو إرغامها على هذا الاستسلام.‏

***‏

*-التعالق النصّي Transtexttualité).‏

تتناصّ "البَدَد"، في بعض من جزئيات المحكي فيها، مع نصوص روائية فلسطينية سابقة عليها: مع رواية رشاد أبو شاور "البكاء على صدر الحبيب"، 1974، التي تعدّ أوّل عمل روائي فلسطيني يتصدّى لتعرية ممارسات القيادات الفلسطينية، ويفضح خطاباتها الزائفة(3) . ثمّ مع رواية جبرا إبراهيم جبرا: "السفينة"، فالسفينة في رواية جبرا تشكّل منطلق التخييل الروائي، كما تشكّل متكأ مكانيّاً لاستعادة ذكرى علاقة سابقة لم يقيّض لها الاكتمال بسبب معوّقات كثيرة، أي علاقة عصام السلمان بلمى عبد الغني، وكذا تبدو السفينة في "البَدَد" منطلقاً لبناء العالم الروائي، وفيها يلتقي خليل الحطّيني بسراب مصادفة أيضاً، فتدمى ذاكرة خليل بحبّه المخفق لسراب. يقول خليل، في "البَدَد" حين التقى "سراب" مصادفة في السفينة: "أيّة مصادفة تلك التي وضعت السيّدة المشتهاة في دربي؟" (17) ، ويقول عصام السلمان، في "السفينة"، حين التقى لمى عبد الغني: "وماكنت لا أعرف أنّ لمى نفسها.. ستكون أيضاً هنا"(5) . وأخيراً مع رواية غسان كنفاني: "أمّ سعد"، ولكن على نحو مقلوب، يرثي مآل المخيّم الفلسطيني الذي أنبت "أم سعد"، في رواية كنفاني، المرأة الطالعة من رحم المخيّم قوّة، وعزيمة، ومضاء، والتي أنجبت الفدائي "سعد"، المؤمن بقضيّة وطنه، إلى نقيضه في مخيّم عين الحلوة الذي أنبت "أم سعد"، والدة سراب، الخانعة لإرادة الواقع حولها، والمهمومة بما لاصلة له البتّة بتلك القضيّة، و"سعد"، ابنها، المفارق تماماً لـ "سعد" كنفاني، حيث يشي بماهر الذي كان معتقلاً معه في معسكر "أنصار"، ويعدّ كميناً لريمون وزوجته أنطوانيت التي اشتهاها أبو العينين، ثمّ يختطف سامية لأبي العينين أيضاً، ويشتغل بالعملة الزائفة، وفي أوكار القمار، ولم يكن ولاؤه المطلق لعصام اللوح لينقذه من محاولة اختطاف الأخير له، ليرغم أخته على زواجها منه.‏

وتستدعي الرواية إلى محرقها السردي عدداً غير قليل من نصوص حكائية شعبية، وشعرية وغنائية، كحكاية الشاطر حسن، التي روتها العجوز هندومة لسراب ومحمود وإياد وعفاف حين كانوا صغاراً، والتي ترد في تضاعيف "ذكريات سراب" معبّرة عمّا يتناسل في الراهن الفلسطيني من خراب: "لو أنّ هندومة تعيش اليوم، لأعادت صياغة حكاياها من جديد. لن تتحدّث عن غولة واحدة، بل عن جيش من الغيلان" (59) . وتفصح تلك التعالقات النصّية جميعها عن محاولات استثمار واضحة تحيل المحكي في الرواية إلى أكثر مرجعيّاته الواقعيّة إثارة، إلى أكثرها دفئاً وحميمية أحياناً، وأكثرها قسوة واستلاباً أحياناً ثانية، والتي تتردّد بين أكثر من موقع في حركة السرد تعبيراً عن محاولات سراب تطهير ماعلق بروحها من صدا الآخر، أي ممّا أبداه هذا الأخير من جحود بحقّ نفسها من جهة، وبحقّ قضيّته الوطنية من جهة أخرى.‏

***‏

*-الفضاء الحكائي:‏

ثمّة، في "البَدَد"، ثلاثة فضاءات مكانية رئيسية، كما أشرنا إلى ذلك في موقع سابق من الدراسة، موسكو، والمخيّم، والسفينة. غير أنّ هذه الفضاءات الثلاثة لاتمارس دوراً في شعريّة الرواية على النحو الذي يؤدّيه فضاءان آخران، هما: الصحراء والبحر. وعلى الرغم من أنّ كليهما لايحوز سوى مساحة ضئيلة من النصّ، فإنّهما يمثّلان أحد أهمّ الحوامل الجمالية للخطاب الروائي، بالمعنى الدلالي للخطاب وليس بمعناه الفنّي، أي بما يشير إلى حمولة رمزية فيّاضة بحالات التقاطب فيما بين مكوّناتها من جهة، وبحالات التعاضد من جهة ثانية، وبما يجعل منهما فضاء دلالياً "Espace semantique" بامتياز.‏

الصحراء والبحر فضاءان متضادّان واقعيّان ودلاليّاً في الرواية، يحيل كلّ منهما إلى نقيض مايحيل إليه الآخر. ولئن كان هذا التضاد يحمل في أحشائه تعبيراً عن ازدواجية الموقف فيما يتّصل بالتعبير عن علاقة أبناء فلسطين بقضيّة وطنهم، فإنّه، في الوقت نفسه، يحيل إلى فعالية بنائية مضمرة داخل النصّ. أعني مايمارسه مفهوم التقاطب من دور في الرواية على مستويي المتن والمبنى الحكائيين بآن، حيث معسكر المؤمنين بتلك القضيّة في مواجهة معسكر المتاجرين بها واللاهثين وراء امتيازاتهم الخاصّة، وحيث تحوّل بعض الشخصيّات من معسكر إلى آخر، كما في شخصيّتي خليل الحطّيني ومحمود الرمحي، وحيث التعارض النصّي بين كلّ من "سعد" غسان كنفاني و "سعد" البدد من جهة، و "أم سعد" كنفاني و "أم سعد" البدد من جهة ثانية، ثمّ بين الصحراء بوصفها قوّة سالبة ودالّة على التيه والضياع، والبحر بوصفه قوّة خالقة ودالّة على الحياة.‏

كان محمود الرمحي يرى في اسم "سراب" تعبيراً شاعرياً وجميلاً "ينساب كنغم، لكنّه مخيف، لأنّه الخديعة والوهم" (61) ، وكانت "سراب" ترى في "الأمل الذي يحدو تائهاً في الصحراء هدّه العطش، فيلوح له السراب، ويغذّ الخطى(4) ، ويظلّ السراب يدفعه إلى أن يجد مخرجاً"(61) . ولذلك فقد كانت مفردة "الصحراء" هي المفردة الأثيرة إلى نفسها دائماً. كانت تردّد قائلة: "أنا امرأة الصحراء"، بدويّة المنشأ، لذا لا أحبّ للوحتي إلا أن تسير حرّة كالرّيح في الصحراء"(47) ، لكأنّ ثمّة نبوءة كانت تناوش روحها بأنّها ستنتهي يوماً إلى صحراء واقعيّة، صحراء زرقاء تحمل في داخلها بذور فنائها بنفسها: "سراب تهيم في هذه الصحراء الزرقاء، مشرعة أنحاء جسدها لريح الصباح الباردة"(17) . ولعل مفردتيّ: الرّيح، والرّياح، في المقبوسين السابقين، تعنيان، فيما تعنيان، أنّ ثمّة قوّة داخليّة، أو أنّ ثمّة إيماناً عارماً بانتصار الأمل على الوهم. الأمر الذي يعزّز حضور الثنائيات في الرواية، ويعلي من شأنها في المتن والمبنى معاً.‏

وعلى الرغم من أنّ البحر يشكّل فضاء طارئاً في النصّ، فإنّه يثمّر مفهوم التقاطب داخل الرواية، إذ يمثّل نوعاً من الخلاص من آثام الخراب الذي يفتك بالجسد الفلسطيني، ونوعاً من التطهير لشخصيّة خليل الحطّيني بخاصّة، الذي ما إنْ وجد نفسه في مواجهة سراب في السفينة، حتى تدافعت في داخله رغبة جارفة للتحرّر ممّا لحق بروحه من دمار حينما آثر الأخضر الأمريكي على وجيب القصائد التي وجيب القصائد التي كان يكتبها لسراب.‏

ولئن كان البدد هو السمة المميزة لمصائر الشخصيات المنتمية، فإنّ القتام هو السمة المميزة للبنية المجتمعيّة في فضاء المخيّم، حيث يتحرّك معظم الشخصيّات والأحداث، مؤكّدة الرواية، من خلال ذلك، رؤيتها القاتمة للواقع الفلسطيني، على المستويين الفردي والجمعي، وعلى المستويين القيمي والنضالي. فـ "الكلّ ضرير، وحواري المخيّم أدغال" (92) ، تحتشد بما ينأى بناسها عن قضيتهم الأساس، ويفتّتها، ويثخنها بالجراح، ويجعلها أسيرة وعي اجتماعي موبوء بتصنيفاته الجغرافيّة، وذي دلالة على قيم رثّة. إذْ تنشب بين حارة "الصفافرة" وحارة "اللوابنة" معركة ضروس بسبب "قليل من هباب الفحم طار من حمام أبي خالد الصفوري على غسيل زوجة أبي نديم اللوباني، ولّع المخيّم وماكان ليهدأ لولا حكم اللّه" (75) . ***‏

*- جماليّات الأداء اللغوي:‏

تمثّل لغة "البَدَد" نموذجاً بيّناً للمطابقة بين خطاب النصّ وأسلوبيته على المستويين المعجمي والدلالي، بل بين شواغله والمعجم اللغوي الذي يصوغ تلك الشواغل، ويحاول التعبير عنها، إذ يحتشد هذا المعجم في الرواية بمفردات تطابق بين الدوال ومدلولاتها، ويغصّ بما يعمّم حال القتام على مكوّنات العالم الروائي برمّتها، فبين موقع وآخر من حركة السرد، تمدّ مجموعة من المفردات ألسنتها الناريّة لتزيد إحساس المتلقّي بكمّ الدمار الباطش بتلك المكوّنات ضراماً: أضغاث، خديعة، فتات، نهب، عواء، وهم، تورّم، شظايا، ريح، يفحّ، خفافيش، الثعالب، أفول، ندوب، عفن، فاجعات، الآسنة، نتن، مسوخ....).‏

وإذا كان مايميّز الشعر، عادة، هو البناء الاستعاريّ، أي ماينهض داخل هذا البناء من علاقات مشابهة بين الأشياء، فإنّ لغة السرد في "البَدَد" تبدو شديدة الحفاوة بإنتاج استعارات لافتة للنظر، تقول وقْع الحدث على الشخصيات، أكثر مما تقول الحدث نفسه. غير أن هذه السمة في الرواية لا تجعل الأخيرة رواية شعرية بالمعنى الذي أسّس له "جاك- إيف تادييه" في مقاربته لخصائص السرد الشعري، أو القصّة الشعرية بتحديده(5) ، فالخطاب في الرواية شديد التجانس، وليس ثمة فضاءات نصيّة، كما أنه ليس ثمّة انتهاكات كثيرة لخطّية الزمن، وبخاصّة في "خبط المخيّم". ومن المهمّ الإشارة، هنا، إلى أنّ ماهو استعاريّ في "البَدَد"، أي مايشير إليه إدوار الخرّاط في كلمة الغلاف من اغتذاء جسد الرواية من الشعر، ومن محاولة شعرنة السرد، لايتجلّى في الرواية برمّتها، بل في الصفحات الأولى منها، إذ سرعان ما تغيم هذه المحاولة، مفسحة المجال لحضور السرد.‏

وعلى الرغم من تنوّع أصوات الرواة داخل النصّ، فإنّ هذا التنوّع لايحيل إلى مستويات تعبير لغوي متباينة، ولايعكس السويّات المعرفيّة والوظائف الاجتماعية للشخصيّات، حيث لامفارقة، مثلاً، بين لغة سراب الفنّانة التشكيلية ولغة خليل الحطّيني، المهندس، ومقاول البناء. وغالباً ما تنأى لغة السرد بنفسها عن قيم التعبير العربي، إذ يتقدم فيها القول على قائله وهيئة قوله، على النحو الذي أشاعته الترجمات عن آداب الشعوب إلى العربية، وتشكو هذه اللغة بعضاً من الهنات النحوية، والصرفية، والأسلوبية، والطباعيّة(6) .‏

ومن اللافت للنظر ترجّح منطوق الشخصيات بين مستويين تعبيرين متضادين: فصيح وعامّيّ، ولدى الشخصية الواحدة، دون أن يكون هذا التضاد معللاً موضوعياً وفنيّاً، حيث لاتحيل "الخلطة" التعبيرية إلى دلالة ما، وتنأى بنفسها عن مفهوم "الأسلبة STYLISATION"، بالمعنى الباختيني، أو عن مفهوم "الميتاسيميوطيقية METASEMIOTIQUE"، بتعبير "امبرتو إيكو"، أي ما يعبّر عن تنوّع اللغات الاجتماعيّة، واختلاف الأصوات الفرديّة التي تتصادى داخل اللغة(7) .‏

ويمكن أن تمثّل لذلك التضاد بهذا المقطع من قول سراب، وهي تستدعي إلى ذاكرتها طفولتها في المخيّم مع محمود، في مطعم وكالة الغوث: "يومها قلت: خذي تفّاحتي وأعطني تفاحتك، ورفضت لأنّ تفاحتي أكبر، لكنّك أصرّيت وقلت: إذا كنتِ زعلانة لأنّها أكبر خذي عضّة، بسّ أنا حابب تاخدي التفّاحة الملوّنة بالأحمر، هاي لبنت حلوة مثلك. في حين راح الأولاد يعايروني: "ياعيبو حبيبة محمود" بكيت وشتمتك وشتمتهم"(61) .‏

ويتجلّى ذلك التضادّ على نحو أشدّ في صوغ الروائية للاسم "أب" وفق المنطوق المتداول مرّة، ووفق الفصيح مرّة أخرى: "مسكينة سماح غلطت ولبست شحّاطة أخوها. جنّ جنون الشيخ طه، وهات ياسباب وهات يا ضرب. قال شو؟ تزني سماح بأخيها إنْ لبست شحاطة"(98) ، على حين لاتفعل الروائية ذلك عدما يتطلّب الأمر تفصيح الاسم ليطابق البنية الأسلوبية لمنطوق الشخصيّة، كما في قول سراب لخليل الحطّيني: "الشيء الوحيد الذي أفلحت فيه هو الفرصة التي حوّلتك إلى أعمى وأخرس، وظلّ مشوّه للحاج أبو نزيهة" (21) (8) .‏

***‏

-خاتمة:‏

يشير مجمل مكوّنات المحكي، مادّة وبنية، إلى أنّه ليس ثمّة وحدة ضائعة في الرواية، وإلى أنّه ليس ثمّة شيء فائض على جسد النصّ، ذلك أنّ لكلّ شيء وظيفته ودلالته، حيث تتضافر هذه المكوّنات وتتآزر فيما بينها لتصوغ أطروحات الرواية وخطابها دونما فيوضات حكائية أو حوافز قارّة لاتضيف شيئاً إلى النصّ على مستويي المتن والمبنى معاً. وعلى الرغم ممّا يعتور الرواية من هنات تنوء بها الأعمال الأولى عادةً، فإنّ الرواية تقدّم أكثر من دلالة على تمكّن نعمة خالد من أدوات الجنس الروائي، ووعيها بأكثر خصائصه الجماليّة وتقنياته الحداثية، ثمّ على ولادة صوت روائي ستكون له مكانته المهمّة في المشهد الروائي الفلسطيني بخاصّة، والعربيّ بعامّة، وبعيداً عن تذكير الإبداع أو تأنيثه.‏

"البَدَد" نصّ روائي بالمعنى التامّ لفنّ الرواية، بل بالمعنى التامّ لإنجازات هذا الفنّ المعاصرة، وهو جديرٌ بعدّه إضافة لافتة للنظر للمكتبة الروائية العربيّة، التي تمتلك، منذ منتصف السبعينيات تقريباً، ما يؤكّد القابليات الكثيرة للأدب العربيّ على تمثّل إنجازات الآخر، وإعادة صوغها من جديد، ووفق مايمكن أن نطلق عليه خصوصية روائية عربيّة، لاتقلّ شأناً عمّا يصدّره لنا الآخر من إبداعات في هذا المجال، وعمّا يعبّر عن انتمائه إلى بيئة وتاريخ محدّدين.‏

***‏

(1) خالد، نعمة، "البدد". ط1، دار الحوار، اللاذقية، 1999.‏

(2) بحراوي، حسن. "بنية الشكل الروائي". ص 219).‏

(3) للتوسّع، انظر: أبو الشباب، د.واصف "صورة الفلسطيني في القصّة الفلسطينية المعاصرة". ص(54) ومابعد.‏

(4) كذا في الأصل، والصواب: "الخُطا".‏

(5) للتوسّع، انظر: سلميان، نبيل. "فتنة السرد والنقد". الفصل الرابع: "شعريّة السرد وسرديّة الشعر". ص(94) ومابعد.‏

(6) كقول الروائية: "فتنمّ عن" (15) ، والصواب: "فتنمّ على". وقولها: "وتأتيني نزيهة عروس"(51) . والصواب: "عروساً"، وقولها: "أصرّيت" (61) ، والصواب: "أضررت"، وكزيادة ألف المشاركة في أفعال تكتفي بنفسها، كما في "يداهمه" (16) ، والصواب: "يدهمه"، وكقولها: "كانت سراب هيكل يتمزّق" 150)، والصواب: "هيكلاً". و "الفرشاة والأصابع لاتأتيان" 101)، والصواب: "لاتأتي". والمعاقين 111)، والصواب: "المعوّقين".‏

(7) انظر: باختين، ميخائيل. "الخطاب الروائي". ص(40) .‏

(8) وأمثلة هذه المفارقة كثيرة في الرواية، نذكر منها المثال التالي: تقول أمّ محمود مبدية استياءها من زواج ابنها من سراب: "يا عمّي الله غضب علينا وقرينا فاتحة مع أبي سعد بسّ الرجل مات، وأنا مش لازم أظلّ مربوط بالوعد"(90) .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244