أعلام وأعمال في الفكر والثقافة والأدب - د.عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّأب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:40 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(ابن العنابي) وكتابه (السعي المحمود في نظام الجنود)

المناخ النهضوي في القرن التاسع عشر والوطن العربي يواجه الغزو الأوروبي الصليبي متطلعاً إلى الخلاص المتعدّد الوجوه.. جعل الأفكار لدى رجال الرأي والمؤلفين العرب في هذه الفترة مرتبطة بتحولات العصر، وما طبع المرحلة من هجمة استعمارية شرسة على العالم الإسلامي، وفي مقدمته الوطن العربي، فانطلقت كتابات رائدة لرجال فكر مستنيرين: تعالج أسباب القوّة والغلبة لدى الآخر، أي الأوروبي الغازي، وأسباب الضعف والهوان في الأمة الإسلامية، ومنها (الوطن العربي) فتنوعت القضايا واختلفت باختلاف مشارب المؤلفين وإمكاناتهم، في الدعوة الملحّة للأخذ عن (الغرب) في: الفنون والعلوم، والاقتصاد، والقانون، والسياسة، و(فنون الحرب) وغيرها.‏

وفي مقدمة المفكرين العرب الذين انفعلوا بأحداث عصرهم، وبادروا للمقاومة باللسان وبالقلم داعين للاستفادة من إمكانيات (الغرب): المفكر الجزائري(محمد بن العنابي) وهو اسم (الشهرة) للمفكر المفتي (محمد بن محمود بن محمد بن حسين: 1189- 1267هـ/ 1775- 1851م) الذي عرف- اختصاراً- باسم (ابن العنابي) "عاصر الثورة الفرنسية وما نتج عنها من أحداث مختلفة محلية وخارجية، كما عاصر في بلاده (الجزائر)- حيث عاش- حروباً خارجية، بالخصوص في مواجهة إنكلترا وأمريكا، وفرنسا في النهاية، وقد كانت مواجهة المصير حيث الحقد الصليبي المناهض لكسر شوكة القوة الجزائرية خاصة في البحر الأبيض المتوسط"(1) الذي كانت هذه القوة البحرية سيدة عليه.‏

تعاطى هذا المفكّر الجزائري من الرعيل النهضوي السياسة كديبلوماسي، حين كلّفه داي (الجزائر) أحمد باشا بالكتابة لباي (تونس) كما كلفه الداي عمر باشا بسفارة للمغرب، في إطار الاستعانة بالأشقاء، في (المغرب العربي) وفي (الأستانة) بعد المواجهة بين الأسطول البحري الجزائري والأسطول الإنكليزي سنة (1816م) حين كانت خسائر الأسطول الجزائري كبيرة.‏

وهو إلى جانب ذلك مارس وظيفته الدينية باقتدار في (القضاء الحنفي) وفي (الإمامة) و(الرأي) الذي يكون قد جرّ عليه متاعب جمّة، فترك (الجزائر) إلى البلاد العربية: كمصر، و(السعودية) حيث قضى تسع سنوات خارج الجزائر (1235- 1244هـ/ 1820- 1829م) حاجا، وأستاذ، وإماماً، فأنجز سنة (1242هـ/ 1826م) كتابه "السعي المحمود في نظام الجنود"(2) حين نزل (مصر) في إحدى حجّاته خلال تلك السنوات التسع، قبل الاحتلال الفرنسي غاضباً أو مغضوباُ عليه مبعداً، فأقام في أقطار من وطنه العربي، خصوصاً (تونس) و(مصر) معزّزاً مكرّماً، فأحاط به العلماء في (تونس) حيث لقي احتراماً، وإجلالاً، فأشادوا بعلمه، وجدّه، وحسن عمله، فاستجازوه، ومدحوه: نثراً وشعراً، كما أحاط به علماء (مصر) وتلاميذه فيها الذين تعزّزت علاقته بهم بعد سنة (1247هـ/ 1831م) حين هاجر إليها منفياً هذه المرة بقوة الإرادة الاستعمارية الفرنسية، عندما سقطت (الجزائر) في يد الاحتلال الفرنسي سنة‏

(1830).‏

فقد عاد (ابن العنابي) إلى وطنه (الجزائر) سنة (1829م) ليشهد الكارثة، وجيوش الغزو الصليبي تدنّس أرضه الطاهرة، ولم يسمع أحد لرأيه في حمايتها: حكام مفسدون، وحاشية عربيدة مرتشية، لا تربطها بالجزائر وإنسانها إلا مصالحها كعصابة عسكرية مستهترة قدّمت (الجزائر) لقمة سائغة للاحتلال الأوروبي.‏

هنا لم (يهن) عزم (ابن العنابي) كسائر المفكرين الأحرار، فاستخدم ما لديه من إمكانيات المقاومة، كعالم دين له الأثر كله في محيطه العربي الإسلامي، المقاوم بحسّه وسلوكه لكل أشكال الوجود الأوروبي، فاتهمته إدارة الاحتلال بعمله لإعادة الحكم الإسلامي للجزائر، فتعرّضت أسرته للاضطهاد، كما أمر الجنرال الفرنسي (كلوزيل CLOSEL) بسجنه ثم نفاه خارج (الجزائر) سنة (1247هـ/ 1831م) فاستقرّ في (مصر)، حيث سمع به حاكمها النهضوي (محمد علي: 1183- 1266هـ/ 1769- 1849م) فقرّبه منه، فراق له إلى أبعد حدّ كتاب ابن العنابي "السعي المحمود في نظام الجنود" فرآه كتاباً متقدماً جداً، بمادته، ومنهجه، خصوصاً أن (محمد علي) في هذه المرحلة‏

(1247هـ/ 1831م) كان يعطي الاهتمام الأول والأكبر للجيش ومرافقه، فرحّب بابن العنابي، وخصّه باهتمام لكفاءته العلمية وجديته، وروحه الإسلامية، وإخلاصه في رأيه وعمله، فأسند إليه وظيفة الإفتاء الحنفي في (الاسكندرية) مع ممارسته التدريس في (الأزهر) حيث التفّ حوله كوكبة من الطلبة والمثقفين المصريين والتونسيين، وسواهم، مستفيدين من عمله ورأيه وفكره، فاقترح (محمد علي) نفسه على أحد تلاميذ (ابن العنابي)- وهو الشيخ: إبراهيم السقا- تلخيص كتاب الشيخ (ابن العنابي): (السعي المحمود) ليسهل تداوله واستيعابه، ففعل ذلك، وأعطى لما لخصه عنواناً يعبّر عن غايته هكذا "بلوغ المقصود: مختصر السعي المحمود" وإن نشر (السعي) محققاً منذ سنوات في الجزائر‏

(1983) فلا يزال (بلوغ المقصود) مخطوطاً، من محفوظات (المكتبة التيمورية) في دار الكتب المصرية، بالقاهرة.‏

من إعجاب متبادل بين (ابن العنابي) الجزائري، و(محمد علي) المصري توطدت العلاقة لروحها النهضوي، انطلاقاً من كتاب (السعي المحمود) حتى توفي (محمد علي) وخلفه حفيده (عباس) فلحق (ابن العنابي منه) ما لحق معاصره (الطهطاوي) من (عزل) و(تهميش).‏

وإن تقدّم (ابن العناب) على (الطهطاوي) في إنجازه العلمي، وفاقه رؤى وأسلوباً أيضاً، فقد جمعهما حبّ أمتهما العربية الإسلامية، والتوق إلى تطوّرها للأخذ بأسباب القوة والمنعة، مما وجدا مناخ العمل له ملائماً مع (محمد علي) لكن الرّدة السياسية بعد وفاته على أيام حفيده (عباس باشا) و(ابنه سعيد) من بعده أجهضت حلم الرجلين، فانصرف (الطهطاوي) بعد كتابه (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز) إلى كتابات ضحلة، ولم يبق من (ابن العنابي) هنا إلا كتابه (السعي المحمود) ومختصره.‏

ألف المفكر الإسلامي الجزائري (ابن العنابي) كتابه (السعي المحمود في نظام الجنود) سنة (1242هـ/ 1826م) فسبق كتابه هذا كتاب (الطهطاوي) "تلخيص الإبريز في تلخيص باريز" بنحو خمس سنوات، فبدا متقدماً عليه في هذه الدعوة للأخذ بأسباب القوة المادية والقانونية من الغرب، كما بدا متقدماً عليه فكرياً وسياسياً، وأسلوبياً أيضاً، بعبارته الخالية من الترهّل والحشود والاستطراد.‏

ألف (ابن العنابي) كتابه، في (مصر) ذاهباً أو عائداً من (الحج) مقيماً بعض الوقت في (مصر) لكن اطلاع رجل النهضة(محمد علي) على هذا الكتاب حدث-فيما يبدو- بعد نفي (ابن العنابي) من (الجزائر) سنة (1247هـ/ 1831م) في أول سنة من الاحتلال الفرنسي، فأعجب (محمد علي) برؤية الرجل الإصلاحية، وفكره الإسلامي الثاقب، ومواقفه الصلبة، وصدقه في الفعل والقول؛ كما أعجب بموضوع الكتاب، ومنهجه، وأمر بتدريسه وتلخيصه، فهو كتاب في سياسة الرعية، ونظام الدولة، وإعداد الجيش الإسلامي إعداداً قوياً لحماية الأوطان من الأخطار الخارجية، وبالاستفادة من النظم الغربية نفسها في إعداد الجيوش تدريباً وتسليحاً، مع قوانين مضبوطة، فضلاً عن العمل بما يأمر به الشرع من عدل وإصلاح، تمكيناً للقيم الأصيلة في حضارتنا الإسلامية، انطلاقاً من النص القرآني ذاته، في مثل قوله تعالى: "وَأعِدُّوا لَهُمْ مَا استْطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ..." وهي الآية التي يوردها (ابن العنابي) ليتبعها بقوله: "اعلم أن هذه الآية الكريمة من أبدع جوامع كلم القرآن وأظهرها إعجازاً، لفظاً، ومعنى، لانتظامها جميع الأدوات والأسباب الحسية والمعنوية الموروثة، قوة ظاهرة أو باطنة تنتج إرهاب الأعداء"(3) فكانت مادة الكتاب على النحو التالي: "في اتخاذ الجند وتجنيده" وترتيبه، وتصنيفه، وضبطه، وأمر قوّاده وعرفائه، وتسويمه، أي أساليب منح الرتب والأوسمة العسكرية، وهندامه، من تضييق في "ملابس الجند وتقصيرها مما يتيح الحيوية والحركة التي تعوقها الملابس الفضفاضة. ثم هناك ضبط عملهم، وتعيين مواقفهم، وعقد الألوية والرايات وما يتعلق بها" من "التدريب على الأعمال الحربية" فضلاً عن موضوع إعداد "الحصون، والخنادق، والأسلحة، وعدة الرمي" كما يصرّح ذلك الفصل الحادي عشر من الكتاب، المتبوع بفصلي "حيل الحرب" و"الحزم" فيها: استعداداً لها، وخوضاً لغمارها برجال على قدر عال من الكفاءة، ذوو ثقة بالنفس وبالوطن وبنظام سياسي ينتفي فيه الظلم، ويعمّ العدل، ويشيع حكمه الأمن الاجتماعي، والأمان الإنساني.‏

ثم ينتهي إلى ما طابعه سياسي وفكري، واستراتيجي، فيعلن "جواز تعلم العلوم الآلية من الكفرة"، بل وجوبها، وقبل ذلك كما يؤكد في الفصل الخامس عشر ضرورة "اجتماع الكلمة والاتفاق" فلا قوة لنظام، لا لجيشه ولا لحكمه في حضور (الاختلاف) و(الخلاف) السلبي منه بالخصوص، كما أنه لا جدوى من قوة ولا نجاعة لسياسة في نظام تكبر فيه المظالم، وينعدم العدل، وتضيع حقوق المواطنين، وهو ما ركّز عليه الفصل الرابع عشر بعنوان "في رحمة الضعفاء وإجراء العدل، وبذل الحقوق لمستحقيها" كواحد من مصادر القوة لنظام لا يخاف شعبه، بل يخيف الأعداء بشعبه القوي، بإيمانه وثقته التامة الموصولة، في حكمه: الصارم، العادل، المخلص في سياسته لله وللوطن، وإرضاء الضمير الديني والوطني، معرضاً بأسباب سقوط الأنظمة التي يشيع فيها الظلم، والكذب، وإهمال العلم ورجاله، وتقريب الطفيليين المرتزقة، وذوي (اللهو) و(اللعب) و(الطرب) كما يقول، معتمداً في ذلك النص القرآني والحديث النبوي، مخدراً بذلك كله "الحكام من الظلم والاستبداد، والجور في الأحكام، ومنع الناس حقوقهم، وإيثار من لا يستحق، مما يعتبره (ابن العنابي) هنا من "أسباب خراب الملك وزوال الدولة" وفي ذهنه مآل الدولة العباسية التي حظي فيها المغنون "وأهل اللعب والبطالة" بالرعاية، وأهملت الرعية. ويرى في ذلك أربعة شروط في الحاكم المرضي عنه من الله، والعباد، وهي:‏

1-إقامة العدل.‏

2-إظهار شعائر الدين.‏

3-نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، وكفّ يد القوي عن الضعيف.‏

4-مراعاة الفقراء والمساكين وملاحظة ذوي الخصاصة والمستضعفين.‏

وهي رؤى استمدّ فيها الكاتب قيم الحضارة العربية الإسلامية بخلفية دينية واضحة سعياً للإصلاح، وتمكينا للحسّ السياسي المسؤول، وتأصيلاً لتقاليد إسلامية في الأخوة والمحبة والتآزر، والعدل والإنصاف، والعمل والإخلاص فيه، ومكافأة الجادين من أهل العلم والفضل، من دون إيثار لغير الكفاءة والإخلاص"(4).‏

إن إنجاز (ابن العنابي) بكتابه (السعي المحمود) يعدّ بحق لبنة متطورة جداً في دعائم النهضة الفكرية والأدبية، في الوطن العربي، وهو في ذلك (علم) من أعلام الفكر والإصلاح في الوطن العربي، وعمله (السعي المحمود...) يحله مكانة مرموقة، ويجعله رائداً ليس في (تجديد الفكر الإسلامي) فحسب، بل في الفكر العسكري والسياسي نفسه، وهو متقدّم في أكثر من جانب فكري وأسلوبي عن معاصره (رفاعة الطهطاوي) فضلاً عن تقدّمه في تاريخ التأليف بنحو خمس سنوات، وإن لم يتح له من الشهرة ما أتيح للطهطاوي لعوامل عديدة مختلفة يخرج ذكرها عن نطاق هذه الكلمة للتعريف بالرجل الفذّ، وعمله الرائد الجاد‏

هوامش‏

(1)- المفتي الجزائري ابن العنابي رائد التجديد الإسلامي، د. أبو القاسم سعد الله، ص: 26-27، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983.‏

(2)-السعي المحمود في نظام الجنود، محمد بن محمد بن العنابي تحقيق وتقديم الدكتور محمد بن عبد الكريم الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983.‏

(3)- السعي المحمود في نظام الجنود، محمد بن محمد بن العنابي، ص: 52.‏

(4)- في الأدب الجزائري الحديث، عمر بن قينة، ديوان المطبوعات الجامعية، ص: 19، الجزائر، 1995.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244