أعلام وأعمال في الفكر والثقافة والأدب - د.عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّأب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:40 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الأمير

الأمير.. الثائر.. الشاعر العاشق!!

التقت في شخصه سمة الوطني الثائر، والعاشق الولهان، فهو- كما قلت عنه يوماً- أسد في الحرب خروف في الحب ، فهو القائل في معامعه الحربية سنة (1832م):

بحدٌ حسامي، والقنا طعنه شوى

 

وكم هامة ذاك النهار قددتها

وقد وردوا ورد المنايا على الغوى

 

شددت عليه شدّة هاشمية

ثم يقول:

وما تبقى السماء ولا الجبال

 

ورثنا سؤدداً للعرب يبقى

ومنّا فوق ذا طابت فعال

 

فبالجد القديم علت قريش

وبيض ما يثلّمها نزال

 

لهم لسن العلوم لها احتجاج

ويصدق إن حكت منها المقال

 

سلوا تخبركم عنا فرنسا

لكنه القائل أيضاً: في هيامه، وتمنع حبيبته:

وأرعاه ولا يرعى ودادى

 

أقاسي الحب من قاسي الفؤاد

وأسهر وهي في طيب الرقاد

 

وأبكيها فتضحك ملء فيها

فتمنعني وأرجع صاد

 

وأبذل مهجتي في لثم فيها

وما أنفكّ في ذلي أنادي

 

فما تنفك عني ذات عزّ

إنه الأمير عبد القادر الجزائري (1807- 1883م) مفتخراً بمقارعته المحتلين الفرنسيين، وهو يقود الجهاد الجزائري، لقهر أعتى (الجنرالات الخنازير) في الجيش الفرنسي المحتل، ولا يكاد يجنح لاسترداد الأنفاس من المعركة حتى يجد حبيبته (أم البنين) ينشد لديها التشجيع، والهناء، فتصرّ على أن تبقى (بدوية) في برودها ولا مبالاتها، بل تمنعها؛ فيعلنها آهة حارة موجعة:

ويمنعني غزال عن مرادي

 

ومن عجب تهاب الأسد بطشي

هو (الأمير عبد القادر الجزائري) الذي تمرّ بنا الذكرى (الخامة عشرة بعد المئة) من وفاته، بعد جهاد مرير انتهى به منفياً في أحد معاقل العروبة (دمشق الفيحاء) حيث لقي ربّه، يوم (19 رجب: 1300هـ/ 24 ماي 1883م) مخلفاً وراءه الذكر الجميل بجهاده في وطنه نحو (سبع عشرة سنة) وبمواقفه الإنسانية العالمية بعد مغادرته وطنه، ثم بآثاره الفكرية المختلفة، من بينها كتاب (المواقف) في(التصوف) وديوان شعري حمل معظم ما عرفته أغراض الشعر العربي حتى أيامه؛ فكان سباقاً في زعامة الحركة الشعرية في الوطن العربي عن (محمود سامي البارودي: 1838- 1904م) وقد شاءت الأقدار أن تجمع بين الرجلين صفات أخرى غير صفة الشعر، فكلاهما عسكري، وكلاهما ذاق مرارة النفي، (البارودي) في جزيرة (سرنديب) بعد فشل (الثورة العرابية) و(الأمير عبد القادر) في (أمبواز) بفرنسا، ثم (تركيا) قبل استقراره في (دمشق) التي لقي فيها كل الحب، والإجلال، والتقدير، والاحترام، الذي شمل كل الجزائريين الذين فرّوا من بطش المحتلين الفرنسيين، فضلاً عمّن تبع الأمير، أو لحق به، من أفراد جيشه، بعد وضعه السلاح.

بمجرّد ما تمّ الاحتلال الفرنسي للعاصمة الجزائرية التي سلّمها (الداي التركي) للفرنسيين وجبة سائغة، في (5 جويلية: 1830م) أعلن الجزائريون الصناديد الثورة بقيادة الشيخ محيي الدين (والد الأمير عبد القادر) ولكن كبر سنه جعله يرشح (عبد القادر) لقيادة الجهاد الجزائري، فتمت مبايعته تحت (شجرة الدردارة) المعروفة قرب (غريس) بالغرب الجزائري، لتتلو ذلك البيعة الشعبية العامة في المسجد، وتبدأ الفصول الدامية في مواجهة الآلة الجهنمية الاستعمارية نحو سبعة عشر عاماً، حتى تكالبت عليه قوى العمالة والخيانة الخارجية والمحلية، من الحدود الغربية، على يد السلطان المغربي (عبد الرحمن) ومن الداخل بتعاون الخونة مع ضباط الاحتلال الفرنسي، مما فتّ في ساعده؛ فكانت المؤامرات الخارجية والداخلية أكبر من إمكانياته، فاضطر للدخول في مفاوضات مع (فرنسا) لوضع السلاح، وتسخير (فرنسا) باخرة تنقله، ومن يريد من رجاله نحو الوجهة التي يختارها في الوطن العربي، أو العالم الإسلامي، فكان له ذلك، فوضع السلاح في (28/12/1849م) لكن الباخرة الفرنسية بدل أن تتجه به إلى حيث يريد، صدرت لها الأوامر لتحمله إلى (فرنسا) غدراً، ونكثاً لبنود الاتفاق، حيث انتهوا به إلى (قصر أمبواز) في حالة (نفي) في صيغة (إقامة جبرية) بفرنسا، حتى (1852م) حيث رفعت عنه (القيود) ومنها انتقل إلى (الأستانة) ليستقر في (دمشق) حيث كانت وفاته في التاريخ المذكور أعلاه.

توفي (الأمير عبد القادر الجزائري) تاركاً وراءه الذكر الحسن، والبطولة الفذة، في إمارته، وفي ثورته، وفي عشقه أيضاً، مما جسّدت جوانب مختلفة منه، أعماله الفكرية، ومذكراته، وديوانه الشعري بشكل خاص، أليس "الشعر ديوان العرب"؟ فكان (الأمير) الفذ، في إعداد الجيش، وإدارته، وقيادته، وتسيير شؤون الوطن في المناطق الواقعة تحت نفوذه، كما كان الثائر العربي الصنديد المستميت حتى آخر طلقة، أو آخر نفس، حتى صارت (خيوله) تستمد من صموده صمودها وتحمّلها:

ثمان، ولم يشك الجوى، بل وما التوى

 

وأشقر تحتي كلّمته رماحهم

فإن أعلنت الخيول أوجاعها حثها على الصبر في المعركة:

أقول لها صبرا، كصبري وإجمالي

 

إذا ما اشتكت خيلي الجراح تَحَمْحُما

فيتخذ الشاعر من ذلك مصدر اعتزاز طالباً ودّ حبيبته (أم البنين) مستلهماً روح (عنترة) و(المتنبي) قائلاً لها:

بأنّ مناياهم بسيفي وعسّالي

 

وعنّي سلي جيش الفرنسيس تعلمي

على ضامر الجنبين معتدل عال

 

سلي الليل عني كم شققت أديمه

وسهلا وحزنا كم طويت بترحالي

 

سلي البيد عنّي والمفاوز والربّى

معتزاً في كل الحالات بعروبته، وما فيها من انفة ، ودفع ضيم عن مظلوم:

ينادي المستغيث ألا تعالوا

 

سوانا ليس بالمقصود لما

سوانا، والمنى، منا يُنال

 

ولفظ الناس ليس له مسمى

وهي قيم استمدّها من أصالته العربية، ومن (بداوته) الطاهرة، في تاريخ (باديته) العربية النقية الشهمة الكريمة التي خصّها بأجمل الصفات المعنوية والمادية في شعره:

إلا المروءة والإحسان بالبدر

 

ما في البداوة من عيب تذم به

شقائق عمها مزن من المطر

 

يوم الرّحيل إذا شدّت هوادجنا

يزيد في الروح لم يمرر على قذر

 

تستنشقنّ نسيما طاب منتشقا

وقبل ذلك وبعده هو الرجل المرهف الحسّ، العاشق حتى في كهولته، فيخاطب (أم البنين) مصوراً أشواقه إليها حين تركها في (بروسة) بتركيا وذهب إلى (اسطنبول) بعد خروجه من (فرنسا):

عليلاً بأوجاع الفراق وبالبعدا!

 

أقول لمحبوب تخلّف من بعدي

إنه الأمير حقاً وصدقاً، وإنه لثائر عنيد فعلاً وواقعاً، وشاعر مرهف، وعاشق متيّم أبداً، في حلّه، وفي ترحاله، رحمه الله، في ذكرى وفاته.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244