أعلام وأعمال في الفكر والثقافة والأدب - د.عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّأب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:40 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
(ابن قدور) القلم

(ابن قدور) القلم.. ولسان الحال!

كان شعار جريدة (الفاروق) لصاحبها الصحفي، الجزائري المفكر المصلح (عمر بن قدور الجزائري) بيت شعري له، هو:

ديني ووجداني وحبّ بلادي

 

قلمي لسان ثلاثة بفؤادي

ففي هذا البيت اختصر الرجل (رسالة القلم) كمسؤولية قومية وفكرية، فالمرء يكتب: ليحرّك، لينبّه، لينقد، ليصلح، ليقترح، من موقع الإحساس الوطني القومي، والديني، فضلاً عن الشعور الذي يجمع العنصرين وسواهما، فالقلم إذن لا يجري على الورق لهواً وعبثاً، ولا يمارس استرخاء لفظياً وفكرياً، ونشاطاً صبيانياً، هو يخاطب العقول والقلوب، المشاعر الدينية والإنسانية، لقوم أحرار فكراً وطموحاً، فالكتابة لا تكون أصلاً "للعبيد" كما يقول (ج.ب. سارتر) من هنا دقّ إحساس (عمر بن قدور) بمسؤوليته ككاتب، كصحفي، وكمصلح، اجتماعي ممّن ملأوا (الدنيا) و(شغلوا الناس) في (الجزائر) وخارجها خلال العشرية الثانية من القرن العشرين: بمقالاته، وبشعره، في الصحافة العربية بالجزائر، و(الآستانة) وغيرهما، فبات من أعلام القلم ذي اللسان: منطلقات، وغايات!

ولد (عمر بن قدور) سنة(1887م) وأضاف لاسمه الشخصي صفة (الجزائري) التي التصقت به سريعاً وبقيت معه: اعتزازاً بوطنه، وعملاً له، فعلاً وقولاً بالمقالة، وبالقصيدة.

عاش في مطلع القرن العشرين إرهاصات الحس الوطني المتوثب، كما شهد أولاً نذر التكالب على الخلافة العثمانية في (الآستانة) كرمز، فحذّر من العواقب، قبل أن يشهد ثانياً حصول ما حذّر، بسقوط الخلافة (رمزاً لجمع المسلمين) تحت معاول الحاقدين، وعملائهم، بقيادة حزب (التتريك) وزعامة صنيعة الغرب والصهيونية (مصطفى كمال أتاتورك).

حتى وإن كانت تلك الخلافة المطاح بها أو المنهارة اسماً بلا مسمّى وجسداً بلا روح، فالمقصود بالضربة أساساً الأمة الإسلامية، وفتح ثغرة فيها عميقة بالتمكين للصهيونية الفاعلة، الحالمة بوطن في فلسطين، فلم يتأخر ذلك الحلم لأن يكون واقعاً صارخاً مستفزاً دامياً، نازفاً.. حتى اليوم.

كان (عمر بن قدور الجزائري) من الذين بكّروا بالتحذير من مخططات الصهيونية والمؤامرات الأوروبية، فسخّر قلمه للدفاع عن وطنه الصغير (الجزائر) وانتمائه الحضاري، كما سخّره للدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية عامة، خصوصاً في جريدته (الفاروق) التي كان من بين الشعارات الدائمة تحت عنوانها (الفاروق) بيت (عمر بن قدور) السابق الذكر:

ديني ووجداني وحبّ بلادي

 

قلمي لسان ثلاثة بفؤادي

ولا عجب في الأمر هنا، جرأة لدى الرجل، وحيوية، واستبسال، فهو من رواد الصحافة العربية في (الجزائر) أنشأ عدة صحف، أهمها وأشهرها (الفاروق) التي دامت سلسلتها الأولى بين (1913م) و (1915م) حين أوقفتها إدارة الاحتلال الفرنسي في (الجزائر) وأبعدت صاحبها منفياً- أثناء الحرب العالمية الأولى، إلى مدينة (الأغواط) في الجنوب الجزائري، حتى نهاية تلك الحرب، حين عاد (ابن قدور) لإصدار السلسلة الثانية من (الفاروق) التي لم تعمّر طويلاً، بين (1920م) و(1921م) فتوقفت تحت مختلف الضغوط، ضغوط المحتلين، وبعض الآفات السياسية في المحيط، ليلوذ الرجل بعزلة تامة، وصمت كئيب بعد الخيبات المتلاحقة وطنياً وإسلامياً حتى لقي ربّه في (الجزائر) سنة (1930م).

غير أن أثر الرجل وصداه بقي، لجرأته، وطموحه، وهو الرجل الذي دخل عصره بآرائه وأفكاره التي تضمنت كثيراً من الاقتراحات والتصورات، مثل دعوته سنة (1914م) إلى تأسيس "جماعة التعارف الإسلامي في شمال إفريقيا" التي كانت كلها في قبضة الاحتلال الفرنسي، وربما كانت وراء دعوته أبعاد (سياسية ودولية) وكذا الدعوة إلى تأسيس شركات اقتصادية، وجمعيات خيرية، ونواد أدبية ومدارس عربية حرة، سنة (1920م).

وإن أصيب الرجل بالإحباط والانكسار في أكثر من منعرج، فإن الواقع "لم يخذلـه في قيام أول مدرسة عربية حرة في عاصمة الجزائر، سنة: 1923 مدرسة الشبيبة الإسلامية- وكان عمر بن قدور أول مناد بها، وكانت هذه المدرسة أول لبنة تربوية ثقافية أدبية في النهضة الإصلاحية عروبة وإسلاماً في الجزائر العاصمة" وهي التي لم تلبث حتى باتت بوتقة للنضال بالكلمة العربية، في عمق (العاصمة) التي حرص الاستعمار على مسخها: عمراناً، ولغة، وحياة اجتماعية، وعادات وتقاليد.

لقد كان (عمر بن قدور) المفكر، والصحفي، والشاعر: صوتاً وطنياً عروبياً إسلامياً مخلصاً ومؤثراً، مؤمناً صادقاً بانتسابه إلى مجال حضاري يختلف عن المجال الغربي الأوروبي، سداه ولحمته: العروبة والإسلام الذي يعتزّ به أيّما اعتزاز، ومنه يستمد القيم والمبادئ التي تغنيه عما لدى الغربيين وفي مقدمتهم الفرنسيين، فهو القائل في إحدى مقالاته: "لنا قومية عروتها متينة، وملّة قيمتها ثمينة، وإن أصيب أعضاؤها بخدر أنتجته الحوادث، فالأمل أنه خدر قصير المدة، وسينقطع وتتحرك أعضاؤنا بنشاط تام، فما لنا رغبة في الاندماج بفرنسا، ولا بغيرها من الأجناس، وما لنا رغبة في نيل حقوق تجرّ علينا الويل والدمار".

بروحه الإسلامية تألم لحال أمته الإسلامية، فتحسّر كثيراً لذلك، وكله أسى للسهام المصوبة للمسلمين، وهم خانعون اتكاليون، فضيّعهم نظام مهترئ في (الآستانة) ارتدى جلباب الخلافة؛ فأضاعها ممكناً لأعداء الإسلام بذلك للنيل من أبناء الأمة الإسلامية، وهو ما عبّرت عن مقالاته المدوية، وأشعاره ذات النغم الحزين، كحال قصيدته (دمعة على الملة) التي يقول فيها:

وقد دوّخ السّمحاء هول فناها

 

أيا قوم ما تحلو لقلبي حياته

شداداً وقد همّ القضاء لقاها

 

أضيعت فضاع المجد منا ولم نكن

ثم تأتي مشاعر الانكسار بائسة كليلة سنة (1913م) في قصيدته (يا شرق) التي عكست الصورة العامة مما لحق أبناء الأمة العربية والإسلامية من خذلان، لقصور رجال سياسة وفكر ودين، لم يتعاونوا، بل تنازعوا، فأعانوا الأعداء على بعضهم؛ فجاءت تأوهاته التي يقول فيها:

فجعلت ظني الماء وسط المخل

 

يا شرقنا إني ظننتك ناهضاً

نصحا من الماضي إلى المستقبل

 

يا شرق ما لعقول قومك لا تعي

فأعد فعال السالفين البُسّل

 

يا شرقنا يكفيك ما هو حاصل

مقرونة بالسعي دون تمهّل

 

وانهض فديتك واتخذ لك قوّة

لقد كان هذا المفكر العملاق الرائد (عمر بن قدور الجزائري) صاحب موقف ورأي جريء من موقع المسؤولية الفكرية؛ صحفياً، وكاتباً، وشاعراً بحسّ وطني، وقومي وإسلامي، ناضج، رحمه الله.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244