أعلام وأعمال في الفكر والثقافة والأدب - د.عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّأب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
( أبو اليقظان ) من أعلام الفكر القومي

( أبو اليقظان  ) من أعلام الفكر القومي.. المغمورين

بين كوكبه من أعلام الفكر القومي (العربي الإسلامي) يحتل المفكر الجزائري الشاعر الصحفي (أبو اليقظان) مكانة معتبرة، لنضاله بالكلمة الشجاعة على الجبهة الإعلامية، مقارعا قوى البغي الاستعماري الفرنسي، بمقالاته وبشعره، في صحفه العربية المتلاحقة في صدورها وانتشارها، فلا تكاد تسقط واحدة شهيدة حتى تخلفها أخت لها حاملة الراية نفسها، بالعزم والإصرار الذي لا يلين أمام قمع القوات الاحتلالية، وهي تصادر هذه الصحيفة، وتمنع ثانية، وتخنق ثالثة، وتلاحق ناشرها ذا الصوت القومي والقلم العربي، والموقف النضالي، الذي لا يساوم ولا يهادن، فيثبت في الخندق حتى آخر ما في (الجعبة) من طاقة، وإمكانيات.

ولد (إبراهيم أبو اليقظان بن الحاج عيسى) بمدينة (القرارة) في الجنوب الجزائري سنة (1888م) حيث تلقى مبادئه الأولى في التعليم، سافر بعدها إلى  (تونس) حيث التحق بجامع (الزيتونة) سنة (1912م) فتولّى رئاسة البعثة الدراسية فيها حتى سنة (1925م) ممارسا الكتابة والنشاط الطالبي، وبعد التاريخ المذكور منذ حين عاد إلى  (الجزائر) لممارسة العمل والنضال بقلمه ولسانه في الصحافة، فأصدر في هذا المضمار (ثماني جرائد) عربية، خلال ثلاث عشرة سنة (1926-1939م) أي منذ عودته حتى إعلان (الحرب العالمية الثانية) وتلك الجرائد هي: (وادي ميزاب)، (ميزاب)، (المغرب)، (النور)، (البستان)، (النبراس)، (الأمة)، (الفرقان) فكان كلما أوقف له الاستعمار واحدة أصدر هو أخرى، نضالاً وتحدياً، وقد توفّر على حسّ صحفي، ربّما بدأ يتكون لديه "منذ صباه، فقد آنس من نفسه ميلالا يقاوم لقراءة الجرائد والمجلات العربية.. ويتابع بنهم.. أخبار الوطن العربي، والتطورات السريعة التي كان يمرّ بها العالم آنئذ" وقد ترك مؤلفات مختلفة، في الفقه والتاريخ والأدب، من أهمها: ديوان شعري في جزأين اثنين.

وفي هذا الديوان نفسه تطل على القارئ هموم (الجزائر) والوطن العربي، والعالم الإسلامي عبر مختلف أقسام الديوان، هموم معاناة (الجزائر) الاحتلال أولاً، والمؤامرات ثانياً: مثل هموم العالم الإسلامي، كما يطل نضال (الجزائر) وجهادها في ثورة نوفمبر (1954م) وانتصارها في (1962م) فرأى في ذلك نصرا عربياً عاماً، في (المغرب) مثلما هو انتصار لإرادة الانتماء لحضارة عنوانها (العربية) وروحها (الإسلام) حين كانت ممارسة العقيدة تعاني العنف ويعاني تدريس العربية الملاحقة والتضييق من الاحتلال، كما عانت القيود عليها، دورانا على الألسنة، ومقالات وقصائد في كتب ودوريات، فكانت (لغة العرب) و(القرآن) أولى بتهنئة الشاعر (لأبي اليقظان) في اليوم الرابع من إعلان وقف القتال بين المجاهدين الجزائريين (أي جيش التحرير الوطني) و(الجيش الفرنسي المحتل) حين قال في الثالث والعشرين من شهر (مارس 1962م).

بجهادنا، بقطوفها الأثمار

 

بشرى لمغربنا فقد دنت

من بعد هذا للقيود قرار

 

بشراك يا لغة العروبة لم يكن

لحقتك منهم بيننا أضرار

 

فلأنت صاحبة البلاد وإن هم

فجر السلامة، وانتهت أكدار

 

فلينطلق ذلك المقيّد إذا بدا

وبهذا الحسّ الوطني الثوري نفسه طعّم (أبو اليقظان) قصيدته الإخوانية إلى : أمير شعراء المغرب العربي (محمد العيد آل خليفة) معلنا ارتباط الهمّ الوطني بالهمّ الشخصي لدى الأدباء الشرفاء الذين يعيشون أفراح أمتهم الكبرى والصغرى معاً وأتراحها، بوجدانهم، وبكل مشاعرهم، فأضاف في شهر (أفريل) من سنة (1962م) مخاطباً الشاعر (محمد العيد):

صوت العروبة من ربى الصحراء

 

هيّا بنا يا عندليب لنسمعن

ولواءها، ورسالة الشعراء

 

وتعال نرفع للجزائر ذكرها

سجّل الشاعر هذه الإرادة والأشواق بروح الفتوة والشباب وهو الذي بات في الرابعة والسبعين من العمر، كله آمال لا تقف أمامها حدود في عزة (الجزائر) وتقدم الأمة العربية وازدهارها.

غير أن الواقع البشع في حياتنا يطحن الآمال، ويمزّق الأشواق ويدمي القلوب، فتسقط مهيضة، كسيرة نازفة.

هو الواقع الذي ما لبث أن لفّ الشاعر فيه صمت كئيب، وتجاهل مريب، وتعتيم حالك بغيض، فسقط مريضاً، مقعداً، حبيس بيته بمدينة (القرار) حيث لقي ربّه في (30 مارس 1973) بعد نضال فكري طويل، أسهم به في الحياة الأدبية، بنثره، وبشعره الذي لا يفارقه فيه وطنه، وقضايا مجتمعه، حتى وهو يتحدّث في أموره الشخصية، والإخوانية، فيذكر إبان الاحتلال معاناة وطنه، والآفات التي تفتك بمجتمعه: مادية ومعنوية، كما عكست ذلك مادة ديوانه، بموضوعاتها المختلفة.

لقد حمل ديوانه آماله، وهمومه الوطنية والقومية والشخصية، كما صور تجارية وعكس شخصيته بكلّ أبعادها، خصوصاً منها الجانب الإنساني، مثلما عكست مقالاته الصحفية شخصيته الإصلاحية، وجهوده المختلفة، في (الإعلام الوطني) الشعبي أثناء الاحتلال الفرنسي، كما عبّرت عن ميوله القومية والوطنية عناوين جرائده، ومن أهمّها دلالة على ذلك "النبراس" "الأمة" و"الفرقان".

فيقدر ما هي صحف وطنية عروبية بلغتها وفكرها، واتجاهها هي إسلامية بقضاياها، وحتى بعناوينها نفسها ذات التعبير الدقيق عن الهوى الإسلامي كجوهر لهواه العروبي.

جهد (أبي اليقظان) و(جهاده) بالكلمة يجعله من (أعلام الفكر) القومي، غير أن التعتيم على الرجل أبقاه (مغموراً) بعد (فجر الاستقلال) فلم أعلم أنه حظي بدراسة منصفة لفكره وتراثه، ولا في رسالة (ماجستير) ولا في أطروحة (دكتوراه) كما حظي سواه، ممن قد لا يستحقون ذلك.. فهل في مقدور هذه الكلمة المتواضعة أن تسهم بشيء يسير جداً، في إنصاف الرجل الذي وهب في خدمة أمته العربية، شبابه، وجهده، بالرأي، والكلمة، وانتهى إلى  صمت مطبق، كشأن معظم المجاهدين والشهداء الميامين، ويبقى الجزاء الأوفى عند ربّ العالمين، منصف كل العاملين المخلصين الجادين.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244