أعلام وأعمال في الفكر والثقافة والأدب - د.عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّأب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ابن عمر.. هذا المسلم العربي الجزائري (الأمازيغي)

هذا رجل أديب، عالم دين، مفكر مصلح، ممن يسمّون (بربرا) أو (أمازيغ) لكنه أكثر اهتماماً بعروبته وأقوى تشبثاً بإسلامه الذي خلّص البشرية أو بعضها من الوثنية، هو الشيخ (ابا عزيز بن عمر).‏

أجيز لنفسي عنونة هذا الموضوع عن الأديب المفكر المصلح (ابا عزيز بن عمر) بهذه الصفات الأربع (المسلم، العربي، الجزائري، الأمازيغي) وهي عناصر لم يكن قدرها التنافر، بل تكاملت لديه -كسائر الشرفاء من طاهري القلوب والعقول في شعوره وتفكيره وتعبيره، كواحد من أقطاب الحركة الصحفية والفكرية والإصلاحية في (الجزائر) أثناء القرن العشرين في نشاطه العام، أو في صفوف (جمعية العلماء المسلمين) بعضويته فيها.‏

أقدّم بهذا إذن للحديث عن شخصية الشيخ (باعزيز بن عمر) رحمه الله (1906-1977م) الأديب المفكر الإصلاحي، ربّما المقل، لكنه الجيد في تفكيره وتعبيره وأسلوبه.‏

اخترته -عامدا- لأمرين جوهريين: أولا، لهذا الصمت المطبق عن رجل أعطى الوطن حبّه وإخلاصه، شملا أمته الكبرى في وطن العروبة والإسلام، ووراء هذا الصمت مؤامرة قوى العمالة في الدرجة الأولى، ركيزتها المثلث الشيطاني (اللائكي- البربري- الفرانكوفوني) رغم أنه ثلاثي يكرع في نبع واحد، هو ثدي الأم الحاضنة لأيتام أو منبوذين، هي (فرنسا الاستعمارية) أما الأمر الثاني فالرجل من منطقة (القبائل) التي تحاول جاهدة قوى العمالة تلك باستماتة تامة أن تجرّها إلى حمأة المسخ الحضاري، تجسيداً وتتميما لما شرعت فيه فيالق (التبشير) النّصراني، حين تكوّنت للغرض فرق من (الآباء البيض) مدججة بالفكر الاستعماري الصليبي وماله وسياسته، منذ أكثر من قرن ونصف، فبقى (ابن عمر) في (المنطقة) من بين رجال أفذاذ رفضوا المؤامرة كما تنبّه إلى أبعادها المختلفة سواهم، ووقفوا بحزم في صفّ أمتهم متموقعين في خندق الفكر، سلاحهم: إيمان حي، وقلم نابض، وفكر متّقد، ورأي صريح واضح.‏

وقد كان الرجل يوقّع بعض مقالاته باسم (الفتى الزواوي) ليعلن - من قلب نظيف- أن منطقة (زواوة) أي (القبائل) ينبغي ألا تنحاز لغير مجالها الحضاري (العربي - الإسلامي). وللرجل خلفية في ذلك من آثار رجال فكر وعلم وأدب سابقين خدموا العربية والإسلام، أمام هجوم الأعداء، من آخرهم: (أبو يعلى الزواوي: 1862-1952م) و(طاهر الجزائري: 1852-1920م) الذي صار ثالث ثلاثة في نهضتنا العربية الإسلامية الحديثة، بعد (جمال الدين الأفغاني) و(محمد عبده) فخدم العرب والمسلمين، وعمل للتمكين للغة العربية في العلوم المعاصرة خصوصاً في (سورية) عاملاً لرقي الأمة العربية، وبناء دولتها القوية التي كانت أمنيته الأولى، قبل وفاته، رافضاً في الوقت نفسه الفكر الشعوبي البغيض(1).‏

وهو النهج الذي لم يبتعد عنه أديبنا المفكّر (باعزيز بن عمر) طموحاً إلى بناء دولة عربية قوية، وسيادة دينها الإسلامي: دستور حياة وعزّة ومجد.‏

إلى هنا في مقدمة -ربّما طالت- لم أقل من هو (ابن عمر) وهي المرحلة التي تفرض عليّ إذن أن أقدم الرجل باختصار شديد، فهو (عبد العزيز بازي ) الاسم الإداري في (مصالح الحالة المدنية) للسيد (باعزيز بن عمر) في قرية (آيت حماد) بولاية (تيزي وزو) دائرة (أزفون). ولد في (10/2/1906م) درس على يد والده وفي زاوية (عبد الرحمن اليلولي) في (القبائل) كما درس على (ابن باديس) في (قسنطينة) وفي (الزيتونة) بمدينة (تونس) لفترة وجيزة غير أن تكوينه العام في علوم العربية والدّين نهض على روح عصامية، شقّ بها طريقه ومكنته من الإسهام في الجهود التعليمية والإصلاحية والفكرية، كمعلم في (مدرسة الشبيبة الإسلامية) لجمعية العلماء بمدينة (الجزائر) مع (محمد العيد آل خليفة) وكعضو في الجمعية، وكاتب لامع خصوصاً في (الشهاب) و(البصائر) ولقي ربّه يوم (6/5/1977) مدثّرا بالتجاهل والتناسي كسائر أولئك الذين لا معسكر أيديولوجيا لهم خارج معسكر (الجزائر) الحضارية. فكان.. كما مات.. خندقه الوحيد (الجزائر) مثلما أيديولوجيته الوحيدة مجالها الحضاري الطبيعي، بروح متفتحة: ترفض التقوقع، كما ترفض التمذهب الرخيص وهو ما عكسته مختلف كتاباته الفكرية والصحفية.(2).‏

كتب في السياسة، والإصلاح الاجتماعي، كما كتب في الأخلاق والتاريخ والأدب، بحسّ المفكّر الأديب الفنان كثيرا.‏

وقد كتب في هذه الموضوعات عشرات المقالات المختلفة تارة باسمه الذي عرف به أدبيا (باعزيز بن عمر) وتارة باسم (الفتى الزواوي) فنقرأ له في السياسة مثلاً (قضية الجزائر على حالها) في (البصائر سلسلة: 2، ع: 6-1947" و"على هامش الانتخابات الجزائرية" في (البصائر، س:2، ع 252، جانفي 1954) و(الاتحاد الفرنسي في مهبّ الريح) (البصائر، س: 2، ع: 245، أكتوبر 1954) وغيرها كمقاله المركز عن "المؤتمر الإسلامي الجزائري العام" في مجلة (الشهاب، ج: 4، م:12، جويلية 1936م).‏

وتعدّدت موضوعاته في الأخلاق والتاريخ والإصلاح الاجتماعي، منها "دفع شبهة في تعليل ظاهرة نموّ النسل في الجزائر" في (البصائر، س:2، ع: 251-17/12/1953) وقد فتح له ركناً في (البصائر) بعنوان (في مجتمعنا الجديد) عالج فيه قضايا اجتماعية مختلفة، مثل (المرأة والعمل خارج البيت) في العدد: (296/ 10-12-1954) و"آفة البطالة" في (ع: 297/ 17-12-1954) و"الضمان الاجتماعي.. والأمومة" في (ع: 311- 25/3/1955م).‏

إلى أخر ما هنالك من قضايا، من عمق انشغالات (الجزائر) و(الجزائريين) فكان (ابن عمر) نغما متميزا في التعبير عن هموم (الجزائر) واهتمامات أبنائها)، ومنهم أبناء منطقته التي تعتزّ بنسبته إليها (الزواوي) وهي التي كان رجالها الأفذاذ في العمق الأصيل يعلنون ولاءهم لمجالهم الحضاري باستماتة تامة رفضاً لما يريده الاستعمار بالمنطقة في سياسته الجهنمية المحبكة، كما عكست ذلك تلك العريضة التي نشرتها (البصائر) تحت عنوان: (زواوة الكبرى تستمسك بعروبة الإسلام الوثقى وتطلب الرجوع إلى الأصل) في العدد (59) من سلسلتها الثانية، يوم 6/12/1948 وقد وجهها رجال زواوة عبر الجريدة مطالبين بإلغاء القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية في (زواوة) فمهد لها (البشير الإبراهيمي) بقوله عنها: "تلك القوانين التي تستند على العوائد والأعراف لا على أحكام الشريعة الإسلامية المطهّرة، ويطلبون الرجوع إلى الأصل، وهو أحكام الشرع الإسلامي.. والحكم بالعوائد مطلب عزيز من مطالب الاستعمار الفرنسي، زرع بذوره في أرض زواوة وتعهّدها بالسقي والعلاج، وقوّاها بتقوية مراكز التبشير وإطلاق يد المبشّرين، وظن أنها استغلظت واستوت على سوقها واطمأنت إليها النفوس، فجاءت هذه العريضة مجتثة لما غرس من أصله، وأقامت الدليل للمغرورين بالظواهر على أن زواوة معقل من معاقل الإسلام والعروبة.. إن الغاية التي يرمي إليها الاستعمار من تمكين العوائد وجعلها أساساً للأحكام هو إبعاد طوائف من المسلمين عن الإسلام بالتدريج حتى تضعف فيهم النعرة الدينية وعاطفة التآخي الإسلامي، وتصير الأمة الواحدة أمتين أو أمماً"(3).‏

الحرص على التموقع في محيط حضاري مغزوّ يواجه فكرا حضارياً غازياً جعل (ابن عمر) في كتاباته الأدبية نفسها يصرّ على الصلة المتينة بين المشرق العربي ومغربه، كما نرى في مقال له بمجلة الشهاب (ج:5-م:11، أوت 1935) بعنوان: "اشتغالنا بالشرق أنسانا أنفسنا" قال في مقدمته: "إن علاقتنا بالشرق والشرقيين علاقة متينة قوية، تزداد على مرّ الأيام متانة وقوّة، تغذيها عدّة روابط روحية من دينية ولغوية وأدبية نشعر بها كلها، شعورا لولاه لضاق بنا العيش، ولذهبت النفوس حسرات.. ولكن لا يسرّنا بحال أن ينسينا هذا الشعور أنفسنا أننا من قوافل الحياة.. فلا نكتب إذا كتبوا ولا نؤلف إذا ألفوا..".‏

كما كتب في المجلة السابق ذكرها نفسها (ج:2- م: 12، ماي 1936) مقالاً بعنوان: "العروبة" قال فيه: العروبة "كلمة تخفق بها اليوم قلوب الملايين من الناطقين بالضاد على نحو جديد من الشعور القومي الفياض، كشفت عنه الأيام المتداولة، ونمته الأحداث الشداد التي أحدثت بالأمة العربية الكريمة من جهات مختلفة، فنالت من عزّتها القومية وطمست على كثير من سجاياها الحسنة وأخلاقها السامية، فتمزّق إهاب اتحادها وترامت عليه الذئاب تنهشه.. فالعروبة حيّة فينا، ونحن أحياء فيها ما دامت السماوات والأرض.. وحي العروبة العام... يهزّ اليوم أوتار قلوب أبنائها ويحرّك ما كان كامناً من القوى المعنوية في نفوس أحفاد أنصارها الذين تجمعهم اليوم آمال واسعة قوية يتخطون إليها الوعور الكثيرة، ويسعون في سبيل تحقيقها بإيمان ثابت، وعزائم صادقة، وهمم عالية، يحدوها صوت العروبة ويغذّيها الإسلام بتوجيهه السامي، وتعاليمه القويمة".‏

وكثيراً ما تألق فكر الرجل في مثل هذه الموضوعات، وسما خياله، وهو يصف روح التآزر والنضال، وأشواق الوحدة والحبّ، مثلما يدّق وصفه وهو يعالج قضايا أو يصوّر مواقف، ومناظر، كما نرى في قطعة أدبية له بعنوان: "عظمة جبال زواوة وجمالها الطبيعي" نشرها في (الشهاب، ج: 12- م: 11، مارس 1936) فصوّر إحساسه في الموقف معرّضاً بالانهزاميين وأمثالهم، مدبرين عن صوت التاريخ والحضارة في العمق "كل شيء جميل وساحر وبهيّ ومعجز لهذه القوى الأرضية فوقك يا جبال الزواوة، ففيك رمز العلوّ لمن يريد أن يعتلي ورمز القوة لمن يتطلب القوة، ورمز الخلود لمن يبغي الخلود..‏

علّمينا يا جبال - علّمينا كيف نثبت في السراء والضّراء ثباتك ونغضب للحق والكرامة غضبك حتى نطاول معك سماءك العافية ونستضيء بنجومها الساطعة، فنحسّ إذ ذاك ببعض اللذّة والابتهاج، ونعرف ما هو الجمال والجلال والسمو، وندرك الفرق بين الظلام والنور..‏

وما أبدع مناظرك الطبيعية المتلألئة في تعاريج هندسية هام بها شيوخنا الأقدمون فكانوا يبكّرون إليك في الأسحار.. ذاك هو موقف من مضوا من رجال الصلاح والإصلاح حقاً بجبال زواوة، أما من يمتّون إليهم اليوم بنسب فقد طغت المادة.. عليهم، فلم يسيروا في طريقهم، ولم ينهجوا منهجهم في ثنايا هذه الجبال ووعورها، فخلت قلوبهم.‏

عودوا أيها المدّعون إلى ضمائركم وحققوا نسبتكم إليهم بالعمل والسير في طريقهم، واعلموا أنكم الآن ذكر خامل وشمل ممزّق ونفوس لا تستفزّها إلا الشهوات المتبعة وراء المغانم والمكاسب الخصوصية. فاشهدي أيتها الجبال أن هؤلاء قد طمسوا طريق أجدادهم إليك، وسجّلي عليهم أنهم ما أحيوا سنة ولا أماتوا بدعة وأنهم ليسوا أهلاً لاستنشاق هوائك، وإرواء غلّتهم بمائك، ما داموا لم يعملوا في مستقبل الأيام على وقاية الجدود العواثر، وإحياء المآثر".‏

عاش الرجل مجاهداً بعلمه وفكره وأدبه، مهموماً بقضايا وطنه وأمته الكبرى، ثمّ مات في صمت قانعاً برضى الضمير، مثل مئات غيره، بعدما انطلق الناهبون من الداخل ينهشون الوطن، ويبتزونه، ويعبثون بتاريخه، ويستغلون كلّ شيء فيه.‏

تبقى ملاحظة أرى من واجبي أن أعلنها قبل أن أضع نقطة النهاية هنا: وهي مسؤولية أقاربه - خصوصاً- في جمع تراثه، ونشره مبوباً، إنصافاً له، وإثراء لمادة الحركة الثقافية والأدبية في فترة صعبة من تاريخنا الجزائري العربي الإسلامي الحديث.‏

هوامش‏

1- د. عمر بن قينة، صوت الجزائر في الفكر العربي الحديث، ص: 83-91، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1993.‏

2- انظر المرجع السابق، ص325-340‏

3- محمد البشير الإبراهيمي، آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج:3- ص: 145- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244