|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:45 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2-العشق بين المفهوم العربي والتحليل النفسي. 3-الوجع العشقي والانشطار الداخلي. 4-النوستالجيا. 5-الكبت. 6-تعطيل الإرادة. 7-النرفانا. 8-المازوشية. 1-العشق بين المفهوم العربي والتحليل النفسي: لعل أهم ما يستوقف القارئ للقراءات التي تناولت الظاهرة العذرية بشكل خاص، وموضوع الغزل بشكل عام، الوقوف عند مفهوم الحب أو العشق بنوع من القراءة المتفحصة لمدلولات هذا السلوك النفسي الذي يصعب على القارئ الحديث عنه، وذلك لطبيعته المعقدة، كفعل نفسي نابع عن تجربة نفسية معيشة يعجز الدارس لطبيعته عن إدراك ملامحه والغوص إلى كنهه دون تجربة فعلية، قوامها المحب والحبيب والفعل الذي يربط بينهما، والمتمثل في العشق. إن الظاهرة العذرية أخصب تجربة شعرية، فدار موضوعها حول العشق كسلوك نفسي في الشعر العربي والمتجسدة في روادها (جميل -كثير- والمجنون) والتي حاولت كثير من القراءات تناولها بالدرس والتحليل. ولعل أهم ما استوقف هذه القراءات الوقوف عند ماهية العشق في المفهوم العربي وماهيته في التحليل النفسي الحديث. ومن بين أولى المحاولات العربية التي حاولت أن تقف عند ماهية الحب لتنظر فيها وقفة العلامة "ابن حزم الأندلسي" في "طوق الحمامة" الذي نجده يعترف منذ البداية بصعوبة التدقيق في هذه المسألة نظراً لخصوصية موضوعها، وغموض طبيعتها، إذ يقول: "الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة"(1). فحقيقة العشق وماهيته عصية على فهم القارئ، إذ لا يستطيع التدقيق في معانيها ووصف ماهيتها إلا بمعايشة التجربة والاشتعال بنارها والتململ على جمراتها، ثم يضيف قائلاً: "وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا، والذي أذهب إليه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصول عنصرها الرفيع، لا على ما حكاه "محمد بن داوود" رحمة الله عليه عن بعض أهل الفلسفة: الأرواح أطر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قوامها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها"(2). إن الطابع الروحاني لماهية العشق في المفهوم العربي هو الطاغي على التعريفات، وهذا ما نلمسه عند "ابن حزم" في قوله: "إنه اتصال بين أجزاء النفوس". وهذا ما يذهب إليه "يوسف اليوسف" في دراسته "الغزل العذري- دراسة في الحب المقموع"، إذ يقول: "ففي فهم تصور الشرقيين أن الحب ذو طبيعة شعائرية لها روح الأسطورة وليس مجرد فعل شبقي"(3). فالعشق، إذن، في المفهوم العربي ذو روحية نابعة من طبيعة الحضارة العربية الإسلامية ذات الصبغة الروحية، ولذا نجد معنى العشق في المعاجم العربية يدور في معظمه حول هذا الطابع الروحي. فالعشق عند صاحب لسان العرب هو "فرط الحب، وقيل هو عجب الحب المحب بالحبيب، يكون في عفاف المحب ودعارته". سئل "أبو العباس أحمد بن يحيى" عن الحب والعشق: أيهما أحمد؟ قال: الحب، لأن العشق فيه إفراط، ويسمى العاشق عاشقاً لأنه يذبل من شدة الهوى كما تذبل العشقة إذا قطفت"(4)، ولذلك جاءت مرادفات الحب دالة كل واحدة منها على درجة من درجات العشق، فهو الإقامة والثبات، والتتيم، وامتلاء وعي العاشق ووجده، والوله، والتعطيل عن أحوال التمييز، ولذلك "ليس صدفة أن تأتي ألفاظ العشق العربية بعيدة عن أن تكون مترادفات، إذ إن كلا منها تعبر عن درجة ما من درجات العشق، وهذا يعي أن قدرة العقل على التفاعل مع الوسط الخارجي تتناسب عكساً مع درجة الحب التي تهيمن على روح الفرد، فكلما تعمق العشق تعطل الذهن، وكلما برئ منه الروح أمعن الوعي في الاستيقاظ"(5). إن المتتبع لمدلولات العشق في المفهوم العربي يدرك الطابع الروحاني لها، هذا المفهوم الذي جعل كثيراً من الحضارات تقف في وجه العشق، وترى فيه تعطيلاً لحركة الإنسان الهادفة إلى التطور، والتجديد على المستوى المادي لبناء أسس الحضارة، "إذ لا يعدو العشق كونه كسلا مطلقاً على المستوى الخارجي وتفجيراً فواراً على المستوى الداخلي، الشيء الذي لا يخدم الأغراض الكبرى للتاريخ.. فالعقل العربي يفهم العشق من حيث هو عطالة أو خمود"(6)، لذلك عمدت الدولة الأموية إلى تشجيعه في بلاد الحجاز، والتأصيل له لبعث روح الخمول في أهلها لصرفهم عن التفكير في التطلع إلى المعاني السياسية. إن الحب العذري أصّل للمفهوم الروحاني لماهية العشق عند العرب، وأضاف إليها أبعاداً روحية جديدة، أصبحت بعد ذلك منطلقات أساسية لحركة التصوف الإسلامي، لذا نرى أن العذرية في منطلقاتها المعرفية ضرب من السكر الصوفي، وإرهاصات أولية للوجه العرفاني، إذ الصوفية بدأت من حيث انتهت العذرية. الحب العذري هو نتاج تربية إسلامية صافية امتزجت فيه التعاليم الدينية بروح إنسانية، فنتجت عنها هذه العفة التي كانت أساس الظاهرة، وكان الخوف من الوقوع في الذنب الميزة الأساسية التي اتسمت بها العذرية. فالعذري نفس ممزقة بين الانجذاب المادي للجسد الأنثوي من حيث هو غواية، والتعلق الروحي بالمحبوب من حيث هو إنسان بالروح قبل أن يكون جسداً؛ لذلك نجد "في كثيرمن الأحيان يأخذ الخوف من الذنب شكلاً لا شعورياً يتبدى بصورة أساسية في التسليم المسبق بالعفاف العشقي.. إن تشبث العذريين بمقولة العفة ليست إلا النتاج الحتمي للخوف من السقوط في الذنب، بل هي الدرع الواقي الحاجز بين الفرد والإثم"(7). إن "يوسف اليوسف" يحاول أن يثبت أنّ العفة التي امتاز بها شعراء هذه الظاهرة لم تكن عفة خالصة، نابعة من نفس متشبعة بالحياء والعفة، وإنما هي سلوك مصطنع، إذ الشاعر فيه مكبل بقيود لا يمكن له التخلص منها. إننا نرى أن هذا الفهم لم يراع طبيعة النفس المتشبعة بالمبادئ الإسلامية، والتي أصبحت هي الوجه الأساسي لها. وما العفة المرتسمة في شعر هؤلاء إلا نتيجة تلقائية لهذا الإيمان الصافي إذ يقول "ابن الدمينة"(8):
إن المتتبع لماهية العشق في المفهوم العربي يدرك أن دلالاته ذات اتجاه روحاني متصل في أساسه بالروح، من حيث هي قيمة مطلقة، لا بالجسد من حيث هو شهوات ونزوات وغرائز، وذلك تأثراً بالاتجاه الديني الذي كان العشق العربي ثمرة من ثمراته ولا سيما في الشعر العذري. أما المتتبع لمفهوم العشق عند مدرسة التحليل النفسي، فإنه يجد لماهيته مدلولات مخالفة للمدلول العربي، نابعة من فلسفة تتسم في أساسها بالطابع المادي في تفسيرها لماهية العشق كسلوك إنساني. إن التفسير المادي للعشق عند الغربيين ليس وليد التفكير الغربي الحديث، بل نجد له جذوراً في التفكير اليوناني الإغريقي. يقول "سوفوكليس" عن حقيقة الحب المركبة: "الحب ليس وحده الحب. ولكن اسمه يخفي في ثناياه أسماء أخرى متعددة، إنه الموت والقوة التي لا تحول ولا تزول، إنه الشهوة المحض، الجنون العاصف والنواح"(9)، وبذلك ندرك المسحة المادية التي يضفيها "سوفوكليس" على الحب "إنه الشهوة المحض". فالنظرة اليونانية المادية للحب هي الأساس الأول للنظرة الأوربية الحديثة للحب خاصة عند مدرسة التحليل النفسي "فالعشق في التحليل النفسي فعل جنسي يقمع لكي يوظف فائض الطاقة الليبيدية. بعد تصعيدها في مشروع الإنتاج" إن القارئ للظاهرة العذرية يدرك الفرق الشاسع بين فلسفة العشق في المفهوم العربي والتحليل النفسي الغربي، فإن أي قراءة للظاهرة العذرية بأدوات إجرائية نابعة من التحليل النفسي الغربي تقع في متاهات التحليل المادي للعشق العذري، وبذلك فهي تسيء للعذرية أكثر مما تضيف إليها، فالعشق العذري نابع من النظرة الروحية التي يُنَيتْ عليها الفلسفة العشقية العربية ذات الأصول الصوفية البعيدة عن الشبقية المادية. إن الفلسفة العربية الإسلامية تفرق بين ما هو جنسي وما هو عشقي، لذلك فهي تمنع الاستفراغ الليبيدي عبر قنواته الشرعية (الزواج) فالرؤيا العربية الإسلامية في نظرتها لماهية العشق فرّقت بين ما هو عشقي عرفاني وما هو جنسي إفراغي، لهذا فإن التقاليد العربية لم تمنع تعدد الزوجات، اعتقاداً منها أن الجنسية (أو الاستفراغ الليبيدي) ليست نقيض العمل، بل إن النقيض هو العشق وحده، وهذا ما لم تنتبه إليه مدرسة التحليل النفسي التي لا ترى في الحب إلا شبقاً وطاقة جنسية. فالتحليل النفسي نظر إلى العشق نظرة مادية مجردة من روحانيتها. أما النظرة العربية الإسلامية فتبدو أعمق وأكثر شمولية، إذ تفرق بين العمل الجنسي كفعل إفراغي مادي، والعشق كصلة روحية ووجدانية. 3-الوجع العشقي والانشطار الداخلي: إن المتأمل لمنهج التحليل النفسي عند "فرويد" يدرك أنه يقسم الحياة النفسية إلى ثلاثة أجهزة رئيسية هي: [الهو -الأنا- الأنا الأعلى]؛ إذ تؤلف هذه الأجهزة الثلاثة كياناً موحداً عند الإنسان السليم نفسياً، وحين تعمل معاً عملاً تعاونياً، تمكن الفرد من أن يمارس نشاطه بشكل جدي وفعال، وغاية هذا النشاط هو إرضاء الحاجات، وإشباع الرغبات الإنسانية أما إذا اضطربت موازين هذه الأجهزة الثلاثة ينشأ الشذوذ عندئذ. فالوظيفة الوحيدة "للهو" هي تمكين انطلاق كميات الإثارة التي يطلقها في الكائن مؤثر خارجي أو داخلي، هذه الوظيفة ترضي ما يطلق عليه "فرويد" "مبدأ اللذة"، إذ هدف هذا الأخير هو تخليص الشخص من التوتر، أو الهبوط به إلى مستوى أدنى. أما "الأنا" فهو الجهاز التنفيذي للشخصية، وهو الذي يتحكم في "الهوى" و"الأنا الأعلى"، ويدبر شؤونهما، وهو الذي يحفظ الاتصال بالعالم الخارجي. فحينما يُنجز "الأنا" وظائفه التنفيذية بحكمة، يسود الانسجام، ويعم الاتزان، وحين يستسلم "الأنا" "للهو" أو "الأنا الأعلى" أو للعالم الخارجي ينجم عن ذلك الاضطراب والشذوذ. فالأنا يحكمه "مبدأ الواقع" بدلاً من "مبدأ اللذة"، وهدف "مبدأ الواقع" تصريف الطاقة إلى حين اكتشاف الموضوع الذي يرضي الحاجة. وأما "الأنا الأعلى" فهو ذلك الجانب الأخلاقي القضائي من جوانب الشخصية، إنه أقرب إلى تمثيل المثالي منه إلى تمثيل الواقع، وهو يسعى من أجل الكمال أكثر مما يسعى إلى الواقع واللذة. تلكم هي الأسس المعرفية للتحليل النفسي الفرويدي، فهل كان للقراءة الحديثة للظاهرة العذرية نصيب في تطبيق مبدأ اللذة ومبدأ الواقع على هذه الظاهرة الشعرية التي تميز بها التراث الشعري العربي؟ إن القراءة الفاحصة لقراءة "يوسف اليوسف" لعوامل نشأة الظاهرة العذرية في الحضارة العربية الإسلامية يدرك أن هذه القراءة تعتمد في مرجعيتها المعرفية على أسس التحليل النفسي الفرويدي القائم على [مبدأ اللذة ومبدأ الواقع]، وبخاصة في تعليمها لأهم خاصية تميزت بها الظاهرة العذرية، والمتمثلة في [الوجع العشقي والانشطار الداخلي] الذي يتميز به كبار العذريين. فقراءة "يوسف اليوسف" تذهب إلى أن الوجع العشقي الذي تتميز به الظاهرة العذرية، لم يكن إلا انعكاساً لميل حركة التاريخ الموضوعية في العصر الأموي نحو شكم العشق، ابتغاء استنفار الطاقات الفردية، وتوظيفها في معركة التوسع الإمبراطوري ذي الأغراض المتسامية على الأفراد، وغير العابئة بأرواح أفراده. إن ما يهمه، فقط، التدرج في التاريخ، لهذا فقد عانى الأفراد من القسر الذي كانوا يرفضونه، ويقبلونه في آن معاً، يرفضونه لأنه معاد لأرواحهم، ويقبلونه امتثالاً لمشيئة الروح التاريخي، لهذا كان "سر عظمة ذلك النتاج العذري هو الانشطار العميق القائم بين الفردي، وحركة التاريخ الموضوعية، إذ تتضارب مطالب الأفراد الذاتية التي ترقى إلى الأصالة، أو الطبيعة الأولى السابقة على التاريخ. تتضارب مع نزعات الروح الموضوعية.. والأهم من ذلك أن هذه الروح من طبعه ألاّ يهتم قط بأهواء الأفراد في سعيه نحو إدراجه في غاياته التاريخية الكبرى"(12) لذلك ترى قراءة "يوسف اليوسف" أن الفرد العربي دفع كمية هائلة من الوجع العشقي كإسهام في بناء الإمبراطورية، لأن الجانب التاريخي من الروح كان يضغط على الجانب الطبيعي الأصيل، وهذا ما ولد لدى الفرد انشطاراً بين القبول والرفض، القبول بمطالب الروح التاريخي الحاضن للتمثل، والرفض الذي تمارسه الطبيعة الأصيلة للروح الفردي على هذا الضغط الكلي كيما يشبع حاجاتها الأزلية. وتخلص القراءة في الأخير "أن الشعر العذري يعكس التمزق بين المثال والحاجة، بين الكلي والجزئي، أو بين رغبات المجتمع ومشاريعه، وبين رغبات الفرد وحاجاته. ونتيجة لهذا الانقسام تولد الوجع العشقي الذي كان في كثير من الأحيان ذا قيمة احتجاجية تبلغ حد الإدانة، وأخذ ينظر إلى الواقع الخارجي بوصفه لا عقلانية مرفوضة؛ الأمر الذي يتضمن أن الطبيعة الأولى كانت تدرك ما لحق من غبن حين تنبت الطبيعة الثانية التي من صنع التاريخ"(13) فالعذرية -في نظر قراءة "يوسف اليوسف" -وما اتسمت به من وجع عشقي إفراز ناتج عن التصادم بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع في نفسية العذري. فهذا الوجع العشقي ما هو إلاّ انزعاج حاصل في النشاط نتيجة تجنيب الفرد الحصول على اللذة، على اعتبار أن الانزعاج يرتبط بزيادة كمية الإثارة وننتهي في الأخير إلى أن قراءة "يوسف اليوسف" للظاهرة العذرية من التفسير الفرويدي، المبني على مبدأ اللذة ومبدأ الواقع. فمبدأ اللذة يكون منبعه "الهوى"، إذ هو ليس شيئاً أثرياً منذ مستهل تاريخ الأجناس، وإنما هو أيضاً أثري في حياة الفرد، لأنه يعد الأساس الذي تبنى منه الشخصية. أما "الهو" فيظل يحتفظ بطابعه الطفولي مدى الحياة، حيث لا يطيق التوتر، وإنما ينشد الإشباع الفوري، لهذا فهو مندفع على الدوام، لا يحده منطق، ولا يلجمه مجتمع، فهو كالطفل المدلل الكامن في الشخصية، تغلب عليه الأنانية وعشق اللذة(14) ونظراً لاندفاعية "الهو" نحو إشباع مبدأ اللذة في نفسية الفرد فإنه يُصْدَمُ بمبدأ الواقع، إذ مبدأ الواقع يمثله في نفسية الفرد "الأنا"، فيعمل جاهداً من أجل تصريف الطاقة "مبدأ اللذة" إلى حين اكتشاف الموضوع الذي يرضي الحاجة، أو إنتاجه وإرجاء الفعل، يعني على "الأنا" احتمال التوتر إلى أن يكون في الإمكان تصريفه بصورة مناسبة من صور السلوك. وقيام مبدأ الواقع لا يعني التخلي عن مبدأ اللذة، وإنما يُعَلَّقُ مبدأ اللذة مؤقتاً من أجل مبدأ الواقع. ولا يلبث مبدأ الواقع أن يقود إلى اللذة، وإن كان على الشخص أن يحتمل بعض الضيق وهو يبحث عن الواقع"(15). فالواقع الذي يصطدم به الفرد واقع مادي ومعنوي، ويمثل الواقع المادي في مقاومة العالم الخارجي لسلوك الفرد، أما الواقع المعنوي فيُمَثَّلْ في الأوامر والنواهي الصادرة مقاومة العالم الخارجي لسلوك الفرد، أما الواقع المعنوي فيُمَثِّلْ في الأوامر والنواهي الصادرة عن المجتمع، وعلى الفرد أن يدرك التمييز بين ما هو مسموح به وما هو محظور. "غير أن استجابة الفرد للنواهي وموقفه من المحظورات والمحارم تثير في نفسه شعوراً غامضاً من الانزياح والقلق والخوف، هو الشعور بالحصر، وكثيراً ما يتحول هذا الشعور بالخطيئة والذنب، ولا يلبث الفرد طويلاً حتى تصبح ذاته ميداناً للصراع الداخلي بين الشعور بالخطيئة وشراهته إلى اللذة والسعادة.. والعالم الاجتماعي والخلقي الذي يلزم الفرد إنكار ذاته لكي يرضي عنه المجتمع. وأخيراً هذا الحصر الذي تظهر بوادره في الشعور كلما اصطدم طلب اللذة بمقتضيات الواقع"(16)؛ لذلك فإن قراءة "يوسف اليوسف" ترى أن الوجع العشقي الذي يتميز به النص العذري ما هو إلا نتيجة لتصادم مبدأ اللذة عند العذري بمبدأ الواقع. ليست قراءة "يوسف اليوسف" هي القراءة الوحيدة التي أبرزت ملامح الانشطار الداخلي عند العذري، بل نجد قبلها قراءة "العقاد" التي تفطنت كذلك إلى هذا المنحى رابطة ذلك بتعطيل الإرادة عند العذري، إذ "قد يبلغ بها العذري هذا التقييد لإرادته أن يحول بينه وبين فهم إرادته فلا يعلم ماذا يريد، فضلاً عن أن يَعْلَمَهُ ويعجز عنه، فإذا به قد انقسم على نفسه كما ينقسم المعسكر الواحد إلى ضدين متحاربين، ولا غنيمة لأحد منهما في انتصار، إذ هو انتصار لا يخلو في الحالتين من خسار"(17). انشطار داخلي أساسه الصراع النفسي الذي يتميز به العذري. وما يمكن أن نلاحظه في الأخير: أن قراءة "يوسف اليوسف" للظاهرة العذرية قراءة تحمل في طريقة طرحها بعداً ميكانيكياً. إذ تعاملت مع الظاهرة العذرية من خلال سيرة الشخصيات التي تمثلها، لا من خلال الاقتراب من النص الإبداعي، لذلك فإن صلب القراءة هي محاولة البرهنة على أن الظاهرة العذرية في الحضارة العربية الإسلامية، ظاهرة عصابية مرضية، تجلت في سيرة شعرائها، ولم تقف عند هذا الحد، بل حاولت أن تضفي ذلك على حركة التاريخ في العصر الأموي، على اعتبار أن "الظاهرة العذرية التي سادت الشعر عهد ذاك لبضعة عقود من السنين، لم تكن إلاّ انعكاساً لميل حركة التاريخ الموضوعية نحو شكم العشق ابتغاء استنفار الطاقات الفردية وتوظيفها في معركة التوسع الإمبراطوري العربي"(18). ومن هنا تتجلى لنا النظرة التعميمية لعصابية الشعراء العذريين على الظاهرة العذرية، ومن ثم على التاريخ العربي الإسلامي عهد ذاك، متجاهلةً بشكل مطلق النّص الشعري العذري الذي كانت من المفروض أن تعود إليه لتستنطقه، لعلها تجد من خلاله مبررات لما تذهب إليه، لا أن تعتمد على شخصية المبدع لتجعل من سيرتها وثيقة لتطبيق مبدأ اللذة ومبدأ الواقع على الظاهرة العذرية، وما اتسمت به من صدق في الوجع العشقي. إن القارئ للشعر العربي قديمه وحديثه، يلاحظ أن الأدوات الجمالية التي اعتمد عليها في بنائه الفني تتمثل على وجه الخصوص في [المكان والزمان والمرأة]، إذ أضفت عليه أبعاداً درامية وحساً مأسوياً أدى دوراً هاماً في إبراز هوية الكيان الجماعي، والتعبير عن المقومات الحضارية للمجتمع العربي، وقد أثرت العوامل البيئية في المفاهيم الجمالية والفنية للمكان والزمان والمرأة، أي في القيمة النوستالجيا لهذه العناصر مجتمعة في النص الشعري، وما يحمله من رؤية إبداعية، وبذلك أصبحت هذه العناصر النوستالجية إشكالية ذات أبعاد إنسانية ودلالة مأساوية بعثت في النص الشعري أبعاداً درامية، وحساً [تأويهياً] أضفى عليه مسحة جمالية. إن إشكالية جمالية المكان والزمان المدغومة بعنصر المرأة من الإشكالات التي ظهرت بوادر توظيفها الفني الجمالي في القصيدة الجاهلية، وتعتبر المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي أبرز معلم فني تجسدت فيه نوستالجية العربي المهموم بحس المكان والزمان والمرأة، على اعتبار أن هذه الأسس الجمالية الثلاثة هي المكون الأساسي للطللية الجاهلية، التي أصبحت طقساً فنياً للقصيدة العربية فيما بعد، نظراً لما تحمله من أبعاد جمالية، ورؤى معرفية تجسدت فيها رؤية العربي في رحمها الأول المشبعة بالصفاء النفسي. يقول امرؤ القيس
ويقول زهير(20):
تعد المقدمة الطللية الإطار المحدد لخصوصية اللحظة الدرامية المصورة للذات العربية في تاريخها الأول. هذه النزعة الدرامية التي صنعها الطلل تتضمن بعدا نفسياً يتجلى في صورة المكان الخرب الذي عبث به الزمن. ومما لا شك فيه أن الصورة الشعرية بتكوينها "الزماني" تزيد من خصوصية اللحظة الدرامية للطللية العربية، إذ يشير المكاني الزماني فيها عبر امتزاج جمالي بالمرأة [الحبيب] إلى الحس المأساوي النوستالجي الذي تحمله الطللية العربية في القصيدة الجاهلية. إن النوستالجيا [الحنين] في أبعادها المكانية والزمانية المدغومة بالمرأة لم يقتصر توظيفها على المقدمة الطللية فقط، بل نجد القصيدة العذرية قد اعتمدت اعتماداً بارزاً على توظيف المكان والزمان والمرأة توظيفاً جمالياً أضاف إليها جمالية لم تكن تتوافر عليها القصيدة الجاهلية، وجعل من المرأة [الحبيب] المثير الرئيس لحس المكان والزمان، بعد ما كانت المرأة [الحبيب] تابعة للمكان في المقدمة الطللية. ومن القراءات التي وقفت على ظاهرة النوستالجيا في الظاهرة العذرية قراءة "يوسف اليوسف" "الغزل العذري دراسة في الحب المقموع". إلاّ أن أول ما يستوقف القارئ عند هذه القراءة توظيفها مصطلح "النوستالجيا" في مرجعيته الغربية، للدلالة على التحسر على المكان والزمان المدغوم بحس المرأة. مما يجعلنا نتساءل: هل القاموس المعجمي العربي يفتقر إلى مصطلح معادل "للنوستالجيا" لتوظيفه في قراءة الظاهرة العذرية؟ إن العودة إلى المعاجم العربية تجعلنا نقف على كلمة [الحنين] الدالة على "الشوق وشدة البكاء والطرب أو صوت الطرب عن حزن أو فرح"(21)، في حين نجد أن مصطلح "النوستالجيا" في مرجعيته الغربية يدل على "تحسر على الماضي، أو البلد الذي أُبعد عنه"(22)؛ فالمتمعن لكل من كلمة [الحنين] في معجميتها العربية، ومصطلح "النوستالجيا" في مرجعيته الغربية يدرك أن كلمة [الحنين] تدل دلالة شاملة، إذ تشمل الشوق في حالتي المأساة والحزن والتفاؤل والفرح. أما الدلالة الغربية لمصطلح "النوستالجيا" يبدو أكثر محدودية، إذ يدل على حالة التحسر التي هي مرحلة من مراحل المأساة في بُعدها المكاني والزماني فقط، دون الإشارة إلى عنصر المرأة [الحبيب] الذي يعد المثير الأساسي في الحنين العذري. فالحنين "النوستالجيا" في الظاهرة العذرية مرتبط في أساسه بالمرأة، أما المكان والزمان فهما تابعان لها، ومن ثمّ كان الأجدر بقراءة "يوسف اليوسف" أن تُوَظفَ مصطلح [الحنين] ذا الدلالة العربية لأنه يبدو أكثر شمولية في دلالته على العناصر الحنينية الثلاثة بدل من مصطلح "النوستالجيا" الذي يبدو أكثر محدودية في دلالته على حالة التحسر على المكان والزمان فقط مع إهمال المثير الرئيس للحنين في الظاهرة العذرية المتمثل في المرأة [الحبيب]. إن الحنين أخذ بُعداً شمولياً في القصيدة العذرية. والمقصود بالشمولية توظيف العناصر الحنينية من بداية القصيدة إلى نهايتها، بعد ما كانت مقتصرة في القصيدة الجاهلية على المقدمة الطللية فقط وقد تجسد هذا التوظيف في القصيدة العذرية تجسيداً جماليا عرفانياً صوفياً أعطى للقصيدة العذرية رؤية جديدة مثلت ذلك الانقلاب الفكري الذي أحدثه الإسلام، فغيّر المفاهيم والرؤى العربية خاصة في التعامل مع كُبريات القضايا الفنية والجمالية التي كانت تعتمد عليها القصيدة الجاهلية. إن قراءة "يوسف اليوسف" تؤكد أن المكان والزمان المدغومين بحس المرأة هي العناصر الأساسية في الحنينية العذرية، وأنه كلما توافرت هذه العناصر الثلاثة في النص الواحد كان نصاً في قمة بعده الحنيني "النوستالجي"، و"لعل خير قصيدة عذرية حققت هذا النزوع هي عينية الصمة القشري التي تدعم حس المكان والزمان بحس المرأة"(23) وأن أي قصيدة لا تتوافر على العناصر الثلاثة هي قصيدة أدنى مستوى من القصيدة التي تتوافر على العناصر الثلاثة، إذ "إنه كلما تناقصت العناصر الثلاثة السابقة، تناقصت فاعلية القصيدة وتأثيرها الانفعالي، بمعنى أن حذف عنصر واحد يؤدي إلى مستوى أدنى من مستوى قصيدة تنطوي على العناصر الثلاثة الكاملة، أما حذف عنصرين فيضع القصيدة دون مستوى تلك التي تحتوي على اثنين"(24) وهي قراءة لم تدرك أن النص العذري في شموليته نص في حنينيته يتوافر على العناصر الثلاثة سواء أكان مصرحاً بها في القصيدة أم كانت مضمرة، لأن تذكر الحبيب والشوق إليه يفضي بالضرورة إلى الحنين للمكان والزمان، فهو عملية نفسية مركبة في أساسها من استحضار الحبيب في مكان وزمان معينين. فالنص العذري في شموليته يحتوي على تلك العناصر السابقة الذكر سواء أصُرحَ بها أم لم يصرح بها؛ إذ التصريح بواحد منها يدل على العنصرين، وهذا ما لم تتفطن له قراءة "يوسف اليوسف" فجعلت عدم التصريح بعنصر أو عنصرين آخرين نقصاً يشين بجمالية القصيدة العذرية، لأنّ هناك ارتباطاً جوهرياً بين المكان والزمان، و"في بعض الأحيان نعتقد أننا نعرف أنفسنا من خلال الزمن في حين أن كل ما نعرفه هو تتابع تثبيتات في أماكن استقرار الكائن الإنساني الذي يرفض الذوبان والذي يود أن يحيا في الماضي -حين يبدأ البحث عن أحداث سابقة- أن يمسك بحركة الزمن. إن المكان في مقصوراته المغلقة التي لا حصر لها يحتوي الزمن مكثفاً وهذه هي وظيفة المكان تجاه الزمن"(25)، وبذلك ندرك أنّ الفصل بين العناصر الثلاثة فصلاً ميكانيكياً عمل يشين بالكون الحنيني العذري أكثر مما يزينه. إن قراءة "يوسف اليوسف" للزمان والمكان في الظاهرة العذرية اعترتهما شمولية أوقعت القراءة في عمومية، فأبعدتها عن إدراك البعدين الجمالي والمعرفي للزمان والمكان اللذين يشكلان الخطاب العذري. فالزمن العذري المتمثل في الماضي بكل ذكرياته عنصر اطمئنان، لأن العذري كان يدرك أن الحياة محصورة بين قطب البداية والنهاية، ولذلك أضحت تجربة العذري خاضعة لقاعدة شرطية فحواها: أن كل وجود يفضي حتماً إلى العدم، وكل عدم قابل لانبثاق الوجود منه، وعليه فإن الزمان ضرورة حتمية لحركة الوجود، وأن العذري في صراع أبدي مع الموت الذي يدفعه الزمن نحو صيرورته الدائمة. فالعذري لا يخوض حرباً مع الموت بل إنه على الأصح يخوض حرباً ضد الخوف من الموت، لأنه يحس أن الموت علامة اكتمال للحياة، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالذوبان في المحبوب. فالحنين إلى المرأة [الحبيب] في القصيدة العذرية يذوب في إطاره الزمان والمكان والوجود كله، وبذلك يرى العذري في حبيبته البداية والنهاية والحياة بكاملها، بل السرمدية في أبديتها. يقول جميل بُثَيْنَة:(26)
إن الحنين في القصيدة العذرية مرتبط في بعده الزماني بالطيف، "إذ كانت الطيفية هي التعبير الأبرز عن تشبت الذاكرة بماضيها وأصالتها معاً" وفي هذا السياق نلفي "كثير عزة" يقول: (28)
وأما جميل بثينة فيقول:(29)
فالخيال عند العذري هو الصانع الأساسي للطَّيْف، وذلك ما وقفت عنده قراءة "يوسف اليوسف" إذ ترى أن من خلال الطيف يحاول العذري "استرداد الفردوس المفقود، وبالتالي فهو شكل خفي من أشكال مقاومة الانصياع، أو لنقل هو مظهر لا شعوري من مظاهر إدانة الزمن المسروق. إنه احتجاج مقنع ضد البرهة المفرغة، ومحاولة تعويضية لخلق برهة الفرح المنهوبة"(30) وعليه فالطيف العذري إدانة للزمن المسروق، ومحاولة تعويضية لخلق برهة الفرح المنهوبة، وبذلك يحقق العذري حريته اتجاه الردع متيقناً أن الخيال هو المجال الوحيد الذي لا يمكن للقهر أن يقهره، إذ يقوم الخيال عن طريق الطيف بوظيفة تعويضية يحقق التطهير من خلالها. الشيء الذي يجعل منها آلية دفاعية جبارة، وهذا يعني أيضاً أن الوظيفة الكبرى للطيف هي صيانة التماسك الداخلي للذات. لقد ركزت قراءة "يوسف اليوسف" على الجانب الذاتي لوظيفة الطيف في علاقته بالزمن العذري، متجاهلة أبعاده الجماعية، إذ تعتبر العذرية إحدى النماذج الإبداعية العليا التي اصطفتها فلسفة الخطاب الشعري، لتحمل رسالة الهم الاجتماعي، وإن كان هذا الهم ممزوجاً بالذاتي إلاّ أن فيه صدق التعرف إلى الواقع، وتناقضاته وإدراك الفوارق الموجودة فيه، وقد كانت محنة العذريين تمثيلاً لديمومة الحياة النابضة بالحركة والمجاهدة من أجل صياغة التركيب الكلي للوعي السليم، وأن "الشعور المحايث بالزمان هو الصورة الجوهرية لهذا التركيب الكلي الذي يجعل جميع التركيبات الشعورية الأخرى في حيز الإمكان"(31). لهذا فالخطاب العذري يحمل صوراً متعددةً لوظائف الزمان منها الطابع المأساوي الذي يجسد الحس الساخر من الحاضر باستخراج الذات من الماضي من أجل انقاذ الحاضر المشلول معتمداً على عنصر الطيف كأداة فنية جمالية فالذكرى "لا تُعَلَّمُ دون استناد جدلي إلى الحاضر، فلا يمكن إحياء الماضي إلاّ بتقييده بموضوعة شعورية حاضرةٌ بالضرورة.. لا بد لنا من معاودة وضع ذكرياتنا، شيمة الأحداث الفعلية، في وسط من الأمل والقلق، في تماوج جدلي. فلا ذكريات بدون هذا الزلزال الزمني.. حتى في هذا الماضي الذي نعتقده ممتلئاً، فإن الذكرى.. تعيد وضع الفراغ في الأزمنة غير الفاعلة، إننا حين نتذكر بلا انقطاع، إنما نخلط الزمان الغير المجدي وغير الفعال بالزمان الذي أفاد وأعطى. ولا تكون جدلية السعادة والتعاسة مستحوذة إلى هذا الحد إلا عندما تكون متوافقة مع جدلية الزمان. عندئذ نعلم أن الزمان هو الذي يأخذ وهو الذي يعطي"(32). فالزمن العذري زمن مرتبط في أساسه بالحس الباطني، هو زمن التجربة الداخلية للعاشق بعيداً عن الزمن الفيزيائي الذي يتحكم فيه الضبط والتدقيق. إنه زمان التجربة الداخلية، أو زمان الحس الباطن.. هو الديمومة التي يحياها العقل في صيرورة أفعاله وعملياته ورحلاته الداخلية.. هو الزمان النفسي أو السيكولوجي"(33). أما إذا عدنا إلى حنينية المكان في الظاهرة العذرية فإننا نجد أن قراءة "يوسف اليوسف" لامسته ملامسة سطحية شمولية دون أن تقف عند أبعاده النوستالجيا [الحنينية] خاصة في جانبها الجمالي والنفسي. فالمكان العذري يحمل بعداً نفسياً داخل النص، وداخل الصورة الشعرية، إلى جانب وظائفه الفنية، وأبعاده الاجتماعية والتاريخية المرتبطة به خاصة في سياقاته المرجعية. فعلاقة العذري بالمكان علاقات شتى تجعل من معايشته له عملية تتجاوز قدرته الواعية في لا شعوره. فالمكان عند العذري له جاذبيته تساعده على الاستقرار وأخرى تلفظه، ولذلك فهو لا يحتاج إلى مساحة فيزيقية جغرافية يعيش فيها، ولكنه يصبو إلى رقعة يضرب فيها جذوره، وتتأصل فيها هويته، ومن ثمّ يأخذ البحث عن الكيان هويته شكل فعل على المكان لتحويله إلى مرآة ترى فيها "الأنا" صورتها. إن جمالية المكان في النص العذري تكمن في تحويل الحس إلى مكان شعري يتحول معه المكان المحسوس إلى مكان روحي ذي طابع قدسي، ساعدت على تحويله جمالية اللغة العذرية ذات المخزون الدلالي الحامل لعرفانية العلاقة القائمة بين العاشق والمعشوق التي حولت المكان من قيمة دالة على فعل شبقي إلى رمز دال على طهر وروحانية وعرفانية. أخيراً نخلص إلى أن الحنين "النوستالجيا" في الظاهرة العذرية مرتبط بالمرأة [الحبيب]، أما الزمان والمكان فهما من فعل التداعي الذي يربطهما بها، لذلك فالنص العذري أعطى الصدارة في التوظيف للمرأة [الحبيب]، وجعل منها المركز الحنيني النوستالجي والمكان والزمان مرتبطان بها، وذلك ما لم تقف عنده قراءة "يوسف اليوسف" بل ساءت بين وظائف العناصر الثلاثة [المرأة- المكان- الزمان] في النص العذري، ولكن على الرغم من عمومية هذه القراءة وشموليتها على العناصر الحنينية "النوستالجيا" في العذرية، فإنّ ذلك لا يشين ولا ينقص من قيمتها النقدية، إذ الفصل الأول يعود إليها في إثارتها للقيم الحنينية للظاهرة العذرية خاصة في توظيفها للعناصر الثلاثة [المرأة- المكان- الزمان]. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |